«عام الذكاء الاصطناعي» في السعودية... دفع قوي لاقتصاد البيانات

استثمارات متنامية وبنية تحتية رقمية تقود التحول التقني

TT

«عام الذكاء الاصطناعي» في السعودية... دفع قوي لاقتصاد البيانات

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)

مع تسارع السباق نحو الاقتصاد الرقمي ودخول العالم مرحلة جديدة تقودها الخوارزميات، تتجه السعودية إلى ترسيخ موقعها لاعباً مؤثراً في مستقبل التقنيات المتقدمة، بعد قرار مجلس الوزراء السعودي تسمية عام 2026 «عام الذكاء الاصطناعي»، الذي يعكس توجهاً استراتيجياً يضع الذكاء الاصطناعي في قلب السياسات التنموية للمملكة خلال المرحلة المقبلة.

«هذه الخطوة تجسد رؤية الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء ورئيس مجلس إدارة الهيئة، الهادفة إلى تعزيز مكانة المملكة عالمياً في مجال التقنيات المتقدمة، وخلق حراك وطني واسع حول دورها في صياغة مستقبل أكثر ذكاءً واستدامة»... هذا ما صرّح به رئيس الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) الدكتور عبد الله الغامدي في بيان بمناسبة صدور القرار.

وأضاف أن «عام الذكاء الاصطناعي» يعكس التزام السعودية بدورها العلمي والحضاري والإنساني في توظيف هذه التقنيات لخدمة البشرية، وجعلها أداة فاعلة لصناعة واقع أفضل للإنسان في كل مكان، مشيراً إلى أن الاحتفاء الوطني بهذا العام يبرز مكانة المملكة مركزاً دولياً للتقنيات المتقدمة ودولة مؤثرة في صناعة القرار العالمي المتعلق بالذكاء الاصطناعي.

ويرى الغامدي أن الذكاء الاصطناعي بات اليوم أحد أبرز محركات الاقتصاد العالمي، إذ تعتمد عليه الدول المتقدمة لتعزيز النمو الاقتصادي وتحسين جودة الحياة، عبر تطوير قطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم والنقل والطاقة والأمن، إلى جانب تسريع الابتكار ورفع القدرة التنافسية.

منظومة وطنية متكاملة

وخلال السنوات الأخيرة، عملت «سدايا»، التي أُسست بموجب أمر ملكي عام 2019 بدعم مباشر من ولي العهد، على بناء منظومة وطنية متكاملة للبيانات والذكاء الاصطناعي، شملت تطوير البنية التحتية الرقمية، وإطلاق الاستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي، إضافة إلى تطوير الأطر التنظيمية والحوكمية ذات الصلة، وإطلاق برامج ومنصات وطنية تدعم تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات.

كما نظمت الهيئة عدداً من الفعاليات العالمية في هذا المجال؛ أبرزها «القمة العالمية للذكاء الاصطناعي» التي تستعد لعقد نسختها الرابعة في سبتمبر (أيلول) المقبل برعاية ولي العهد، بمشاركة نخبة من الخبراء وصناع القرار وكبرى الشركات التقنية من مختلف أنحاء العالم.

وأسهمت هذه الجهود في تحقيق المملكة مراكز متقدمة في مؤشرات دولية عدة مرتبطة بالبيانات والذكاء الاصطناعي، إضافة إلى توسيع استخدام التقنيات الذكية في القطاعات الحكومية والخاصة وغير الربحية، بما يعزز كفاءة الخدمات ويرفع مستوى الابتكار ويحفز الاقتصاد الرقمي.

وفي جانب بناء القدرات البشرية، دربت «سدايا» أكثر من مليون مواطن ومواطنة على تقنيات الذكاء الاصطناعي خلال عام واحد فقط عبر مبادرة «سماي»، في خطوة تعكس توجه المملكة نحو إعداد جيل قادر على التعامل مع تقنيات المستقبل وقيادة التحول الرقمي.

وعلى صعيد الاستثمار، يشهد قطاع الذكاء الاصطناعي في المملكة نمواً متسارعاً؛ إذ ارتفع الإنفاق الحكومي على تقنيات الذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة بنسبة 56.25 في المائة خلال عام 2024 مقارنة بعام 2023، بحسب وكالة الأنباء السعودية (واس).

كما بلغ إجمالي التمويل الذي حصلت عليه الشركات السعودية العاملة في هذا المجال نحو 9.1 مليار دولار خلال العام الماضي عبر 70 صفقة استثمارية، في حين يتجاوز عدد الشركات العاملة في قطاع البيانات والذكاء الاصطناعي 664 شركة.

البنية التحتية التقنية

وفي موازاة ذلك، توسّعت السعودية بشكل كبير في البنية التحتية التقنية؛ حيث ارتفعت سعة مراكز البيانات بنسبة 42.4 في المائة بين عامي 2023 و2024، إلى جانب إطلاق مشاريع متقدمة مثل الحاسب فائق الأداء «شاهين 3»، وتطوير مراكز بيانات عالمية لدعم تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

كما دشّنت البلاد مطلع عام 2026 أكبر مركز بيانات حكومي في العالم «هيكساجون» بطاقة استيعابية تصل إلى 480 ميغاواط، إلى جانب وجود 9 مناطق سحابية داخل المملكة، 4 منها قيد الإنشاء من قبل مزودي خدمات سحابية عالميين، إضافة إلى دمج أكثر من 430 نظاماً حكومياً ضمن «بحيرة البيانات الوطنية».

ولم تقتصر جهود السعودية على المستوى المحلي، بل امتدت إلى الساحة الدولية عبر دعم مبادرات الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي، بما ينسجم مع أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة. ومن أبرز هذه المبادرات إنشاء مركز «آيكير» الدولي لأبحاث وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الرياض برعاية منظمة «اليونيسكو».

تطوير وإدارة الحلول

وفي إطار تعزيز منظومة الذكاء الاصطناعي، أعلن ولي العهد في مايو (أيار) 2025 إطلاق شركة «هيوماين» التابعة لـصندوق الاستثمارات العامة، والتي تهدف إلى تطوير وإدارة حلول وتقنيات الذكاء الاصطناعي والاستثمار في منظومة القطاع.

وتعمل الشركة على تطوير نماذج متقدمة للذكاء الاصطناعي، من بينها أحد أبرز النماذج اللغوية الكبيرة باللغة العربية، إلى جانب تطوير الجيل الجديد من مراكز البيانات والبنية التحتية للحوسبة السحابية، بما يعزز القدرات المحلية ويفتح آفاقاً جديدة للاقتصاد الرقمي على المستويين الإقليمي والعالمي.

كما يسهم الصندوق وشركات محفظته في دعم منظومة الذكاء الاصطناعي من خلال الاستثمارات والشراكات الدولية، مستفيدين من المزايا التي تتمتع بها المملكة، مثل موقعها الجغرافي الاستراتيجي بين 3 قارات، الذي يسهل الربط بين شبكات البيانات العالمية ويتيح سرعة معالجة كميات ضخمة من البيانات.

ويعزز ذلك أيضاً النمو الاقتصادي المتسارع وارتفاع نسبة الشباب المهتمين بالتقنيات الحديثة في المملكة، ما يدعم بناء القدرات والبحث والابتكار في هذا المجال.

وبينما تتجه الدول إلى تعزيز قدراتها في الذكاء الاصطناعي، تراهن المملكة على منظومة متكاملة تجمع بين الاستثمار والبنية التحتية والتشريعات وبناء الكفاءات البشرية. ومع إعلان 2026 «عام الذكاء الاصطناعي»، تبدو السعودية ماضية في ترسيخ موقعها مركزاً عالمياً لتطوير تقنيات المستقبل وصياغة ملامح الاقتصاد القائم على البيانات.


مقالات ذات صلة

سيول تعلن عن استثمارات بـ576 مليار دولار في الرقائق والذكاء الاصطناعي

الاقتصاد أشخاص يشاهدون بثاً مباشراً للرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ خلال إعلانه خطة لإنشاء قاعدة جديدة لإنتاج أشباه الموصلات (إ.ب.أ)

سيول تعلن عن استثمارات بـ576 مليار دولار في الرقائق والذكاء الاصطناعي

أعلنت كوريا الجنوبية، يوم الاثنين، عن خطط استثمارية ضخمة في قطاع الرقائق الإلكترونية والذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (سيول)
يوميات الشرق النموذج يستهدف الحد من المضاعفات المرتبطة بانخفاض السكر في الدم  (جامعة سيدرز-سيناي للعلوم الصحية)

الذكاء الاصطناعي يتنبأ بانخفاض السكر قبل حدوثه بيوم

طوّر باحثون في الولايات المتحدة نموذجاً جديداً يعتمد على الذكاء الاصطناعي، قادراً على التنبؤ باحتمال إصابة المرضى المنومين في المستشفيات بانخفاض مستوى السكر.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد قال البنك إن الحرب في الشرق الأوسط أدت إلى ارتفاع تكاليف الطاقة والمواد الأولية الأمر الذي انعكس على أسعار عدد كبير من السلع حول العالم (رويترز)

«بنك التسويات» يحذِّر من 4 بؤر ضغط تهدد استقرار الاقتصاد العالمي

حذَّر بنك التسويات الدولية من ازدياد الضغوط التي تهدد استقرار الاقتصاد العالمي، داعياً البنوك المركزية إلى التحرُّك مبكراً للحفاظ على الاستقرار المالي.

«الشرق الأوسط» (بازل (سويسرا))
الاقتصاد متداول يراقب تحرك أسعار الأسهم في بورصة نيويورك (أ.ب)

الاقتصاد الأميركي في مفارقة نادرة: أرباح تاريخية... وقيادة جديدة للأسواق

يشهد الاقتصاد الأميركي حالة من التناقض الفريد؛ ففي الوقت الذي تقفز فيه أرباح الشركات مدفوعة بـطفرة الذكاء الاصطناعي تعيش «وول ستريت» موجة إعادة ترتيب واسعة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا صورة مصنَّعة بتقنية الذكاء الاصطناعي (بيكساباي)

استطلاع: 9 من كل 10 أشخاص لا يستطيعون تحديد المحتوى الحقيقي من المزيف

استطلاع يقول إن 9 من بين كل 10 أشخاص يصبحون أحياناً غير قادرين على تحديد ما هو حقيقي وما هو مزيف.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«توق» التابعة لـ«الأبحاث والإعلام» تبرم عقداً تسويقياً بـ160 مليون دولار

المقر الرئيسي لمجموعة «SRMG» بمركز الملك عبد الله المالي (الشرق الأوسط)
المقر الرئيسي لمجموعة «SRMG» بمركز الملك عبد الله المالي (الشرق الأوسط)
TT

«توق» التابعة لـ«الأبحاث والإعلام» تبرم عقداً تسويقياً بـ160 مليون دولار

المقر الرئيسي لمجموعة «SRMG» بمركز الملك عبد الله المالي (الشرق الأوسط)
المقر الرئيسي لمجموعة «SRMG» بمركز الملك عبد الله المالي (الشرق الأوسط)

وقّعت شركة «توق للعلاقات العامة»، التابعة لـ«المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام» (SRMG)، عقداً بقيمة 200 مليون ريال سنوياً، مع شركة تجارية تنشط في قطاع الدعاية والإعلان؛ لتقديم خدمات إعلامية وتسويقية لمدة ثلاث سنوات.

وفقاً للبيان المنشور على موقع السوق المالية السعودية «تداول»، تبلغ القيمة الإجمالية للعقد 600 مليون ريال (160 مليون دولار)؛ بواقع 200 مليون ريال سنوياً، وبمدة زمنية تمتد إلى ثلاث سنوات.

تفاصيل العقد والأثر المالي

وجاء أبرز تفاصيل الإعلان كالتالي:

  • طبيعة الخدمات: تقديم خدمات إعلامية وتسويقية متكاملة.
  • الأثر المالي: من المتوقع أن يظهر الأثر المالي الإيجابي لهذا العقد على القوائم المالية للمجموعة ابتداءً من الربع الثاني من العام الحالي 2026.
  • الأطراف ذات العلاقة: أكدت المجموعة عدم وجود أي أطراف ذات علاقة في هذه الاتفاقية.

وأشارت المجموعة إلى أن الفوز بهذا العقد يعكس حجم الثقة الكبيرة التي تتمتع بها المجموعة وشركاتها التابعة في السوق، نظراً لما تمتلكه من خبرات ممتدة، وانتشار واسع، وحضور قوي على الصعيدين المحلي والعالمي.

تأتي هذه الاتفاقية الضخمة لتؤكد ريادة المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) كأكبر منظومة إعلامية متكاملة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وتُعد شركة «توق للعلاقات العامة» إحدى الأذرع التنفيذية الاستراتيجية للمجموعة في قطاع الاتصالات والعلاقات العامة والتسويق الرقمي، حيث تميزت، على مدار السنوات الماضية، بإدارة الحملات الإعلامية الكبرى وصناعة المحتوى الإبداعي.


عوائد سندات اليورو تهبط لأدنى مستوياتها منذ مارس بدعم من تراجع النفط

أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
TT

عوائد سندات اليورو تهبط لأدنى مستوياتها منذ مارس بدعم من تراجع النفط

أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
أوراق نقدية من اليورو (رويترز)

بدأت عوائد سندات منطقة اليورو تداولات الأسبوع عند أدنى مستوياتها منذ أوائل مارس (آذار) الماضي، في ظل تراجع أسعار النفط إلى نحو 70 دولاراً للبرميل؛ مما أسهم في تهدئة المخاوف المرتبطة بالتضخم، وهو تطور إيجابي لصناع السياسة النقدية قبيل اجتماع منتدى «سينترا» التابع لـ«البنك المركزي الأوروبي».

وتفتتح رئيسة «البنك المركزي الأوروبي»، كريستين لاغارد، أعمال المنتدى مساء الاثنين، على أن تكون جلسة النقاش الأبرز يوم الأربعاء، بمشاركة رئيس بنك «الاحتياطي الفيدرالي (المركزي الأميركي)» الجديد كيفين وارش، إلى جانب لاغارد ومحافظ «بنك إنجلترا» آندرو بيلي.

ويراقب المستثمرون من كثب أي إشارات تتعلق بتقييم البنوك المركزية أوضاع الاقتصاد العالمي، وتوجهات السياسة النقدية خلال الفترة المقبلة.

وفي هذا السياق، خفّضت الأسواق توقعاتها بشأن وتيرة تشديد السياسة النقدية في كل من «البنك المركزي الأوروبي» و«بنك إنجلترا»، عقب وقف إطلاق النار المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران وإعادة فتح مضيق هرمز؛ مما أسهم في تراجع أسعار النفط وبالتالي خفض توقعات التضخم.

ومن المقرر أن تخضع هذه التوقعات لاختبار مهم هذا الأسبوع مع صدور بيانات التضخم لشهر يونيو (حزيران) الحالي من ألمانيا وفرنسا يوم الثلاثاء، ومنطقة اليورو يوم الأربعاء.

وقبل ذلك، ارتفع العائد على السندات الألمانية لأجل 10 سنوات بنحو نقطة أساس واحدة ليصل إلى 2.86 في المائة بمستهل تداولات يوم الاثنين، بعدما لامس مستوى 2.83 في المائة يوم الجمعة، وهو أدنى مستوى له منذ 10 مارس الماضي.

كما ارتفع عائد السندات الألمانية لأجل عامين، الأعلى حساسية لتوقعات أسعار الفائدة، بنقطتي أساس ليبلغ 2.53 في المائة، لكنه لا يزال قريباً من أدنى مستوياته في شهرين التي سجلها يوم الجمعة.


خلاف الموازنة يهدد تفاهمات النفط بين أربيل وبغداد

حقل نفطي في كردستان العراق (رويترز)
حقل نفطي في كردستان العراق (رويترز)
TT

خلاف الموازنة يهدد تفاهمات النفط بين أربيل وبغداد

حقل نفطي في كردستان العراق (رويترز)
حقل نفطي في كردستان العراق (رويترز)

في الوقت الذي لاحت فيه بوادر تفاهمات إيجابية بين بغداد وأربيل لحسم إدارة حقول نفط إقليم كردستان، عاد فتيل الأزمة ليشتعل مجدداً من بوابة الموازنة الاتحادية والالتزامات المالية المتبادلة. وتصاعدت حدة التوتر عقب تصريحات شديدة اللهجة لرئيس حكومة الإقليم، مسرور بارزاني، طعن فيها بشرعية وقانونية مطالبة بغداد لأربيل بتسليم مبلغ ثابت قُدّر بـ120 مليار دينار (91 مليون دولار) شهرياً، بالتزامن مع كشف وزارة مالية الإقليم عن اقتطاع الحكومة الاتحادية نحو 48 تريليون دينار (36.6 مليار دولار) من حصة كردستان على مدار السنوات السبع الماضية.

تأتي هذه التطورات في أعقاب حراك دبلوماسي أميركي مكثف؛ إذ كشف سياسيون كرد لـ«الشرق الأوسط» عن أن المبعوث الأميركي، توم برَّاك، بحث في زيارته الأخيرة لأربيل منتصف يونيو (حزيران) الحالي، إمكانية تسوية الخلاف النفطي المزمن بين الإقليم والحكومة الاتحادية الجديدة برئاسة علي الزيدي، وسط تفاؤل دولي حذر بقدرة الإدارة الجديدة في بغداد على تفكيك العقد التقليدية، رغم استبعاد تشريع قانون اتحادي دائم ينظم الثروات الطبيعية في المدى المنظور.

رئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني مستقبلاً برَّاك يوم 16 يونيو 2026 (إعلام حكومي)

جدلية «الرقم الثابت»

وفي تفاصيل الأزمة القانونية المحيطة بمبلغ الـ120 مليار دينار، أوضح المستشار القانوني لوزارة المالية في إقليم كردستان، هاوري كمال، لـ«الشرق الأوسط» أن تصرفات بغداد الأخيرة زادت من عمق الخلاف وخلقت أزمة اقتصادية مزدوجة للإقليم والعراق ككل، داعياً حكومة الزيدي الجديدة إلى «إعادة النظر في المشكلات العالقة بين الطرفين والالتزام بالدستور كحَكَم لفض الخلافات».

كان بارزاني قد صرّح لوسائل إعلام محلية بأن «إعادة مبلغ الـ120 مليار دينار إلى الحكومة الاتحادية لا تستند إلى أي أساس قانوني»، موضحاً أن «ما ورد في القانون هو تسليم نصف الإيرادات غير النفطية إلى الحكومة الاتحادية»، وأن هذا المبلغ «كان قد حُدّد كقرار في الكابينة السابقة للحكومة العراقية»، مضيفاً: «نعمل حالياً على مراجعة هذا الموضوع. آمل أن تزداد الإيرادات المحلية على مستوى العراق بأكمله، خصوصاً في إقليم كردستان، لأنه كلما زادت الإيرادات، زادت مساهمة إقليم كردستان أيضاً».

وبيّن كمال أن المادة 29 من قانون الإدارة المالية الاتحادية رقم 6 لسنة 2019 واضحة تماماً؛ إذ تنص على أن تؤول نصف الإيرادات الاتحادية غير النفطية (كالجمارك والمنافذ والموانئ) إلى الحكومة الاتحادية كنسبة متغيرة حسب المتحصَّل الفعلي، وليس كرقم ثابت ومحدد، «أي حسب مقدار الإيرادات وليس رقماً ثابتاً محدداً بـ120 مليار دينار»، مشيراً إلى أن «هناك نوعين من الإيرادات في الإقليم؛ المحلية والتي تكون للإقليم بنسبة 100 في المائة؜، فيما تحوّل نصف الإيرادات الاتحادية المتحصلة في الإقليم إلى الحكومة الاتحادية».

والإيرادات الاتحادية غير النفطية هي التي توصف بالسيادية، ويُقصد بها إيرادات الجمارك والموانئ والمنافذ وغيرها من الموارد التي تخضع للسلطة الاتحادية، بخلاف الإيرادات المحلية من ضرائب دخل وإيرادات البلديات.

مسعود بارزاني وإلى جانبه مظلوم عبدي خلال محادثات مع المبعوث الأميركي توم برَّاك في أربيل (أرشيفية - الحزب الديمقراطي الكردستاني)

من جانبه، كشف الخبير النفطي الكردي، الدكتور كوفند شيرواني، لـ«الشرق الأوسط» عن أصل هذا الرقم؛ موضحاً أنه «تقرر قبل عامين بناءً على تقديرات وتفاهمات مسبقة بين وزارتي المالية في الطرفين، وكان يمثل آنذاك نصف الإيرادات المتحققة فعلياً. غير أن التوترات الجيوسياسية الأخيرة في المنطقة أدت إلى تراجع حركة التجارة وانخفاض إيرادات الجمارك بشكل حاد في الإقليم وعموم العراق؛ ومن ثم أرسلت أربيل نصف الإيرادات المتحققة بالفعل، ومع ذلك، تصر بغداد على استقطاع المبلغ القديم دون مراعاة لتأثيرات الحرب الراهنة على المداخيل الحقيقية».

بدوره، حذر الخبير الاقتصادي الكردي، هلوفان حسني، من أن إصرار بغداد على هذا العبء المالي الثابت سيقوض التفاهمات النفطية الأخيرة؛ مشيراً إلى أنه من المستحيل على الإقليم توفير هذا المبلغ شهرياً في ظل الظروف الحالية إلا على حساب قوت المواطنين ورواتب الموظفين والخدمات الأساسية.

وأكد حسني في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «إصرار بغداد على استقطاع هذا المبلغ الثابت سيُلحق ضرراً بالغاً بالعلاقات الثنائية ويهدد بتقويض التفاهمات النفطية الأخيرة». وتابع مستفهماً بمنطق اقتصادي: «لو استقرت الأوضاع الإقليمية وتخطت الإيرادات الاتحادية غير النفطية في الإقليم حاجز 400 مليار دينار شهرياً، فهل ستكتفي بغداد بطلب الـ120 ملياراً فقط، أم ستطالب بزيادتها تماشياً مع نمو المداخيل؟».

وشدد حسني على أن الالتزام الفعلي بنص قانون الموازنة، القاضي بتسليم نصف الإيرادات المتحققة واقعياً، هو الحل المنطقي والأعدل للطرفين، محذراً من أن الإبقاء على هذا الرقم الجامد في ظل الأوضاع الراهنة يعد أمراً مستحيلاً على أربيل، إذ لن يتأتى تمويله إلا على حساب الاحتياجات المعيشية للمواطنين والخدمات الأساسية في الإقليم.

فخ «الإنفاق الفعلي»

في هذا السياق، وضعت وزارة المالية والاقتصاد في حكومة الإقليم، النقاط على الحروف عبر أرقام صارمة؛ إذ أعلنت أن الحكومة الاتحادية لم ترسل سوى 42 في المائة فقط من حصة كردستان المالية الإجمالية على مدار السنوات السبع الماضية.

ووفقاً للبيانات الرسمية التي تضمنها بيان الوزارة، فإن حصة الإقليم المفترضة -بعد استقطاع النفقات السيادية والحاكمة- تجاوزت 79 تريليون دينار (نحو 60.3 مليار دولار)، إلا أن بغداد لم تُحرك منها سوى 33 تريليون دينار فقط (نحو 25.2 مليار دولار) خُصصت حصراً لرواتب الموظفين. في المقابل، احتجزت الحكومة الاتحادية أكثر من 48 تريليون دينار (ما يعادل 36.6 مليار دولار) من مستحقات الإقليم الدستورية، مع امتناعها التام عن تمويل أي نفقات تشغيلية أو استثمارية طوال تلك الفترة، بل قامت باحتساب الجزء الأكبر من هذه الحصص المموّلة بين عامي 2019 و2023 كديون مترتبة على عاتق أربيل، وفق الوزارة.

وعلّق مستشار وزارة المالية والاقتصاد في كردستان، هاوري كمال، على هذه الأرقام قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نطالب بتلك الاستقطاعات كحق دستوري مكفول، ويبقى الأمر الآن معلقاً لدى الحكومة الاتحادية ومدى التزامها بالدستور».

وزارة النفط العراقية (موقع الوزارة)

خلل هيكلي

وعن الجذور التمويلية لهذه الأزمة، كشف تقرير تحليلي أمدّت دائرة الإعلام في حكومة إقليم كردستان «الشرق الأوسط» بنسخة منه، عن وجود خلل هيكلي جسيم يهدد الاستقرار المالي للإقليم والمحافظات بناءً على رصد بنود الموازنة طوال العقدين الماضيين. ويتمثل هذا الخلل في التوسع غير المسبوق لبند «النفقات السيادية» وابتداع آلية «الإنفاق الفعلي» بديلاً للتخصيص المالي الثابت.

وتعني آلية «الإنفاق الفعلي» عملياً أن الإقليم لا يتسلم حصته المثبتة قانوناً في الموازنة، بل يتسلم نسبة مئوية مما تصرفه بغداد على الأرض؛ فإذا تعطل مشروع استثماري في البصرة أو قللت الحكومة الاتحادية إنفاقها لأسباب إدارية، تنخفض حصة كردستان تلقائياً، مما يحوّل استحقاقات الإقليم إلى أرقام صورية على الورق تتآكل قبل وصولها، ويجعل رواتب الموظفين رهينة لمتغيرات لا دخل لأربيل فيها.

ويشير التقرير الحكومي إلى أن الإقليم بات يسهم بـ8.7 تريليون دينار (6.59 مليار دولار) سنوياً لتمويل النفقات السيادية للدولة نتيجة تضخم هذا البند، كما يُلزم بدفع 1.6 تريليون دينار (1.21 مليار دولار) سنوياً كحصته البالغة 12.67 في المائة لسداد ديون العراق السيادية. وفي المقابل، لا يتسلم الإقليم من القروض الأجنبية سوى 62.4 مليار دينار (47.2 مليون دولار) فقط؛ وهي مفارقة رقمية تعني أنه مقابل كل دولار واحد يتسلمه الإقليم كقرض، يدفع 26 دولاراً لتسديد ديون أنفقتها الحكومة الاتحادية في مشاريع بمناطق ومحافظات أخرى.

كواليس الضغط السياسي

من جهته، شدد المحلل السياسي والاقتصادي الكردي، الدكتور سامان شالي، على أن هذا الملف الشائك يتطلب «تفاهمات راسخة ودائمة بين أربيل وبغداد، وليس مجرد تسويات مؤقتة»، مشيراً إلى أن الخلافات الحالية هي نتاج تراكمات بدأت حين اتخذت الحكومات الاتحادية السابقة من ملفي الموازنة والرواتب ورقة ضغط سياسي واقتصادي على الإقليم.

وأضاف شالي لـ«الشرق الأوسط» أن أربيل كانت تلجأ سابقاً إلى التصدير المستقل لتأمين رواتب موظفيها ونفقاتها التشغيلية، مستدركاً: «لكن منذ عام 2023، أظهر الإقليم التزاماً كاملاً بتسليم النفط وعائداته إلى بغداد، ومع ذلك لم تنفِّذ الحكومة الاتحادية التزاماتها المقابلة بشكل كامل».

ورغم رصد شالي «مؤشرات إيجابية وتأكيدات رافقت تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة علي الزيدي، بعدم المساس ببنود موازنة الإقليم أو اللجوء مجدداً لقطع الرواتب»، فإنه دعا إلى مراجعة فورية لقرار فرض الـ120 مليار دينار كقيمة استقطاع ثابتة. وطالب بدلاً من ذلك بإخضاع الملف لآليات المراجعة والتدقيق المشترك لتحديد حجم الإيرادات الاتحادية الفعلية ونصفها بدقة، حاثاً الحكومة الاتحادية على تقديم موازناتها الختامية المدققة بنهاية كل عام لضمان الشفافية في النفقات والإيرادات، فضلاً عن جدولة تسديد الاستقطاعات المالية المتراكمة للإقليم في ذمة بغداد؛ إنهاءً لأزمة صراع الموارد الممتدة لأكثر من عقدين.

Your Premium trial has ended