الجزائر: مراجعة شاملة لقانون الأحزاب وسط ملاحقات قضائية للمعارضة

هندسة جديدة تنهي «الترحال السياسي» وتلوّح بالسجن لمن يتلقى تمويلات أجنبية

برلمانيون يستمعون إلى عرض وزير الداخلية بخصوص تعديل قانون الأحزاب (البرلمان)
برلمانيون يستمعون إلى عرض وزير الداخلية بخصوص تعديل قانون الأحزاب (البرلمان)
TT

الجزائر: مراجعة شاملة لقانون الأحزاب وسط ملاحقات قضائية للمعارضة

برلمانيون يستمعون إلى عرض وزير الداخلية بخصوص تعديل قانون الأحزاب (البرلمان)
برلمانيون يستمعون إلى عرض وزير الداخلية بخصوص تعديل قانون الأحزاب (البرلمان)

يتقاطع المشهدان السياسي والقانوني في الجزائر حالياً عند محطتين بارزتين، تعكسان طبيعة العلاقة بين السلطة والمعارضة؛ فبينما أنهت «لجنة الشؤون القانونية والحريات» في البرلمان تقريرها بشأن مشروع قانون الأحزاب الجديد، تمهيداً لعرضه للنقاش العام، وسط استقطاب حاد بين ترحيب أحزاب الموالاة، ورفض واسع من قوى المعارضة، تشهد أروقة القضاء تطورات موازية في ملفات الناشطين السياسيين المعارضين.

جولة مشاورات بين الرئاسة والأحزاب بشأن مشروع تعديل دستوري تقني في 9 يناير الماضي (الرئاسة)

أتمت «اللجنة القانونية» في «المجلس الشعبي الوطني (الغرفة البرلمانية السفلى)»، مطلع هذا الأسبوع، إعداد تقريرها التمهيدي بشأن مشروع القانون العضوي للأحزاب السياسية، تمهيداً لعرضه للنقاش العام؛ حيث تضمن التقرير مقترحات لتعديلات جوهرية، من المرتقب أن تُحدث تغييرات جذرية في آليات عمل وتسيير الخريطة الحزبية في الجزائر حال اعتماد النص بصفة نهائية.

ويتمثل أبرز مستجد في منع الأحزاب من مقاطعة انتخابين متتاليين تحت طائلة الحل، إضافة إلى تحديد عدد العهدات لرؤساء الأحزاب، وهذا «التقييد» أزعج كثيراً تشكيلات المعارضة، التي رأت فيه تدخلاً من جانب السلطة التنفيذية في الحياة الداخلية للحزب وخيارات مناضليه.

واستمعت «اللجنة» في إطار مشاوراتها إلى نحو 20 حزباً سياسياً، من بينها: «حزب العمال»، و«حركة مجتمع السلم»، و«جبهة القوى الاشتراكية» و«التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية»، وهي أحزاب معارضة، و«جبهة التحرير الوطني» و«التجمع الوطني الديمقراطي» و«حركة البناء»، وهي أحزاب مؤيدة للسياسات الحكومية وتسيطر على البرلمان.

الأمين العام لـ«جبهة التحرير الوطني» (إعلام حزبي)

ويندرج القانون الجديد ضمن «مسار الإصلاحات العميقة التي باشرتها الجزائر، والهادفة إلى تعزيز دولة القانون وترسيخ الحوكمة الديمقراطية، وتعزيز الحريات الفردية والجماعية، وكذا ترسيخ ثقافة التعددية والممارسة الديمقراطية»، وفق ما جاء في تقرير اللجنة.

تطوير أحزاب الجزائر وفق «دستور 2020»

استناداً إلى أحكام «دستور 2020» وإلى التجربة الميدانية، التي كشفت عن «نقائص واختلالات» في القانون العضوي الساري، يهدف النص الجديد إلى مواءمة التشريع مع الدستور ومع واقع الممارسة، وفقاً للوثيقة.

ويتحقق ذلك من خلال رقمنة تسيير الأحزاب السياسية، ووضع حد لظاهرة تغيير الانتماء السياسي للمنتخَبين، وتشجيع مشاركة الشباب والنساء، وتنظيم شروط وإجراءات تأسيس واعتماد الأحزاب السياسية، وتكريس المبادئ الديمقراطية، والتداول على المسؤوليات داخلها، وتأطير التغييرات الهيكلية.

مجلس الوزراء خلال بحث مشروع القانون العضوي للأحزاب في 28 ديسمبر 2025 (رئاسة الجمهورية)

ويكرّس مشروع القانون حرية تشكيل التحالفات والاندماج بين الأحزاب، ويضع آليات لمراقبة تمويلها، وينظم حالات تعليق النشاط والحل القضائي، بما يشجع الأحزاب على المشاركة الفعالة في الانتخابات، وتعزيز حضورها في المجتمع. كما ينص على عقوبات جزائية في حال مخالفة التنظيم.

ويلزم النص وزارة الداخلية بتقديم رد معلل على أي طلب اعتماد حزب سياسي. ويُعدّ سكوت الإدارة بعد انقضاء أجل 60 يوماً بمثابة ترخيص للأعضاء المؤسسين بعقد المؤتمر التأسيسي. ويجب أن يُعقد المؤتمر التأسيسي بمشاركة مندوبين منتخَبين، يمثلون ما لا يقل عن ثلث ولايات الوطن، مع مراعاة جميع مناطق البلاد، وبنسبة تمثيل مناسبة للنساء والشباب، على ألا يقل عدد المندوبين عن 25 عن كل ولاية ممثلة.

«الترحال» يجرد المنتخَب من العهدة

لوضع حد لما يُعرف بـ«الترحال السياسي»، تنص «المادة 24» على أن كل عضو منتخب في البرلمان، أو على المستوى المحلي، يغيّر طوعاً انتماءه السياسي الذي انتُخب على أساسه، يُقصَى نهائياً من الحزب السياسي ويُجرد من عهدته الانتخابية.

وزير الداخلية خلال عرض مشروع القانون العضوي للأحزاب بالبرلمان في فبراير الماضي (البرلمان)

وبشأن التداول على رئاسة الأحزاب، يكرّس المبدأ في «المادة 42» أن «رئيس الحزب السياسي يُنتخب لعهدة مدتها 5 سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة».

وبشأن دور الأحزاب في الحياة الوطنية، توضح «المادة11» أن تقييم عمل الحكومة وبرامج السياسات العمومية يجب أن يكون من خلال «الإثراء والنقد البنّاء». كما يُمنع على الأحزاب استخدام اللغات الأجنبية في جميع أنشطتها داخل التراب الوطني.

ويمكن للحزب السياسي إقامة علاقات تعاون وصداقة بأحزاب سياسية أجنبية «لا تتعارض مبادئها وتوجهاتها مع أحكام الدستور، والقوانين والتنظيمات السارية»، غير أنه لا يجوز «استغلال هذه العلاقات للقيام في الخارج بأنشطة تمس بالدولة، أو رموزها أو مؤسساتها أو مصالحها الاقتصادية والدبلوماسية». ويشترط لإبرام هذه العلاقات الحصول على موافقة مسبقة من وزير الداخلية، بعد استشارة وزير الشؤون الخارجية، وفق ما تنص عليه «المادة55» من النص.

فتحي غراس وعقوبات الأحزاب

تحدد «المادة87» حالات الحل؛ إذ يمكن لوزير الداخلية طلب الحل القضائي لأي حزب يمارس أنشطة مخالفة لأحكام الدستور أو هذا القانون العضوي، أو التشريعات والتنظيمات المعمول بها، أو مخالفة لقوانينه الأساسية، وكذلك لأي حزب لا يقدم مرشحين في انتخابين متتاليين على الأقل.

السكرتير الأول لـ«جبهة القوى الاشتراكية المعارضة» (إعلام حزبي)

وفي باب الأحكام الجزائية، تفرض غرامة تتراوح بين 300 ألف و600 ألف دينار (2143 دولاراً و4286 دولاراً) على كل من يُسيّر حزباً سياسياً محلاً، وغرامة بين 100 ألف و300 ألف دينار (714 دولاراً و2143 دولاراً) على كل من يمارس نشاطاً في حزب عُلّق نشاطه. كما يعاقب كل مسؤول في حزب سياسي يتلقى، بشكل مباشر أو غير مباشر، تمويلاً أو دعماً من الخارج بالسجن من 5 إلى 10 سنوات. ويعاقب بالحبس من سنتين إلى 5 سنوات كل من يتلقى تبرعات عينية، أو مالية من مصدر وطني دون التصريح بها.

في سياق ذي صلة، قررت «الغرفة الجنائية» في «مجلس قضاء الجزائر (محكمة الاستئناف)» تأجيل جلسة محاكمة الاستئناف الخاصة برئيس حزب «الحركة الديمقراطية والاجتماعية» المعارض المعلَّق نشاطه، فتحي غراس، إلى 7 أبريل (نيسان) 2026، وفق ما أعلنته، الثلاثاء، محاميته فطة سادات على حسابها في الإعلام الاجتماعي.

وتأتي هذه المحاكمة بعد صدور حكم ابتدائي في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 يقضي بسنتين حبساً نافذاً، وغرامة مالية قدرها 300 ألف دينار، على خلفية تهم تتعلق بـ«إهانة هيئة نظامية»، و«نشر معلومات كاذبة من شأنها المساس بالنظام» وفق قانون العقوبات.

وتعود المشكلات القانونية التي يواجهها غراس إلى انتقاده الحاد الرئيس عبد المجيد تبون، خلال مقابلة أجراها مع قناة أجنبية، وذلك رداً على حوار مع الرئيس بثّه التلفزيون العمومي الجزائري تناول الأوضاع الاقتصادية وحالة الحقوق والحريات في البلاد.

الناشط الحزبي المعارض فتحي غراس وزوجته الناشطة مسعودة شبالة (من حسابه بالإعلام الاجتماعي)

وتجسد قضية فتحي غراس بالنسبة إلى حقوقيين ما يصفونه بـ«الضغط المستمر على الحريات السياسية في الجزائر»، في حين تؤكد السلطات أن هذه المتابعات تأتي ضمن «احترام القانون ومكافحة خطاب الكراهية وحماية مؤسسات الدولة».

وامتدت الملاحقات القضائية لتشمل زوجة غراس، مسعودة شبالة، التي تتابَع بالتهم نفسها وتخضع للرقابة القضائية منذ أشهر عدة. كما يأتي ذلك في ظل وضعية معقدة لحزب «الحركة الديمقراطية والاجتماعية» الذي تنتمي إليه، والمجمَّد نشاطه بقرار قضائي منذ فبراير (شباط) 2023 مع غلق مقاره، إثر دعوى من وزارة الداخلية تتهمه بمخالفة قانون الأحزاب.


مقالات ذات صلة

الجزائر: محاكمة ثلاثة رؤساء سابقين لـ«فاف» بتهم فساد

شمال افريقيا محكمة سيدي امحمد بالعاصمة المختصة في جرائم الفساد (الشرق الأوسط)

الجزائر: محاكمة ثلاثة رؤساء سابقين لـ«فاف» بتهم فساد

يواجه ثلاثة رؤساء سابقين للاتحاد الجزائري لكرة القدم اتهامات عدة بالفساد، في محاكمة انطلقت أمس الثلاثاء، ويُرتقب أن تستمر عدة أيام.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون (د.ب.أ)

الجزائر: تعيين وزير جديد للداخلية

عيّن الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، اليوم الثلاثاء، إبراهيم مراد، في منصب وزير دولة وزيراً للداخلية والجماعات المحلية، خلفاً لسعيد سعيود.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الوزير المنتدب للدفاع الجزائري في أثناء إلقائه كلمة بمناسبة زيارة وزير دفاع النيجر (وزارة الدفاع الجزائرية)

الجزائر والنيجر تبحثان التحديات الأمنية وتهديدات الحدود المشتركة

الفريق أول السعيد شنقريحة يبحث مع وزير دفاع دولة النيجر، الفريق أول ساليفو مودي، التحديات الأمنية والتهديدات على الحدود المشتركة.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا جماهير ترفع العلمين المغربي والجزائري (أ.ف.ب)

مخاوف من أزمة جديدة بعد توقيف الجزائر 61 مغربياً

أعلنت الشرطة الجزائرية توقيف 61 مغربياً في مدينة وهران، بشمال غربي البلاد، بتهمة الانضمام إلى شبكة إجرامية دولية والتخطيط «لارتكاب أعمال تخريبية».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
الاقتصاد وزير الدولة وزير المحروقات في الجزائر محمد عرقاب يتحدث في جلسة حوارية ضمن «مؤتمر البترول» العالمي بالرياض (الشرق الأوسط)

الجزائر: «أنبوب الغاز العابر للصحراء» يستهدف نقل 20 مليار متر مكعب إلى أوروبا

أكد وزير الدولة وزير المحروقات في الجزائر، محمد عرقاب، أن بلاده تعمل على تعزيز قدراتها الإنتاجية وتوسيع استثماراتها في قطاع الغاز الطبيعي...

«الشرق الأوسط» (الرياض)

تيتيه تؤكد وجود «دعم واسع» للاتفاق الليبي... وتحذر من تعطيل الانتخابات

من جلسة مجلس الأمن حول ليبيا (المجلس)
من جلسة مجلس الأمن حول ليبيا (المجلس)
TT

تيتيه تؤكد وجود «دعم واسع» للاتفاق الليبي... وتحذر من تعطيل الانتخابات

من جلسة مجلس الأمن حول ليبيا (المجلس)
من جلسة مجلس الأمن حول ليبيا (المجلس)

أبلغت رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا (أنسميل)، الممثلة الخاصة للأمين العام، هانا تيتيه، أعضاء مجلس الأمن، الأربعاء، أن الاتفاق الذي توسطت فيه لإنهاء الجمود السياسي في هذا البلد العربي الأفريقي يحظى بدعم واسع. غير أنها حذرت من أن رفضه من إحدى الهيئتين التشريعيتين يمكن أن يعطل إجراء الانتخابات، المقررة في غضون السنتين المقبلتين.

«مسار قابل للتطبيق»

جاء ذلك خلال تقديم تيتيه إحاطتها الدورية أمام أعضاء المجلس في نيويورك، والتي أفادت فيها بأن الاتفاق الذي وقع في طرابلس في 30 من أغسطس (آب) الماضي، بعد أربعة أشهر من المحادثات بين الأطراف المختلفة، يمثل نهاية سنوات من الشلل المؤسسي، ويحدد «مساراً قابلاً للتطبيق» لإجراء انتخابات تشريعية، ورئاسية، تحت سلطة تنفيذية موحدة في غضون 24 شهراً.

وأوضحت تيتيه أن الاتفاق ينص على إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وتسوية القضايا المتنازع عليها في الإطار الدستوري والقانوني للتصويت، مبرزة أن كلاً من حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، والجيش الوطني الليبي المتمركز في الشرق، ومجلس النواب، ونائب رئيس المجلس الرئاسي موسى الكوني وافقوا جميعاً على الاتفاق.

رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا هانا تيتيه (غيتي)

بيد أن المجلس الأعلى للدولة في طرابلس رفضه في 5 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بذريعة أن الاتفاق والقوانين ذات الصلة -التي أقرها مجلس النواب- تجاوزا الأطر الدستورية والقانونية والتوافقية، التي تحكم العملية السياسية.

وحذرت من أن هذا الرفض يعكس «الاستعداد المحدود» لبعض أعضاء المجلس للمشاركة بشكل بناء، واعتبرت أن «ليبيا لا تستطيع السماح للمفسدين بعرقلة العملية».

في سياق ذلك كشفت تيتيه أنها ستلتقي أطراف «الاجتماع الأصغر» هذا الشهر، وقالت إن أحد الخيارات التي سينظرون فيها هو الانتقال إلى آلية وطنية ذات تمثيل واسع النطاق، على النحو المنصوص عليه في المادة الخامسة من الاتفاق.

وجاءت إحاطة المبعوثة الأممية بعد تغيير القيادة في مجلس النواب. ففي 5 من أكتوبر الجاري، صوت المشرعون لصالح تطبيق نظام الرئاسة الدورية لمدة 12 شهراً. وفي اليوم التالي انتخبوا الصالحين عبد النبي رئيساً للمجلس، ليحل محل عقيلة صالح، الذي شغل هذا المنصب لمدة 12 عاماً.

تأثيرات الانقسام السياسي

بخصوص الوضع الاقتصادي في ليبيا، قالت تيتيه إن الانقسام السياسي لا يزال يضر بالاقتصاد، موضحة أن ارتفاع أسعار النفط العالمية كان ينبغي أن يحقق مكاسب غير متوقعة للإيرادات العامة. لكن بدلاً من ذلك، يواجه العديد من الليبيين ارتفاع أسعار المواد الغذائية، وضعف الدينار، وتضخماً يتجاوز 14 في المائة.

وخصت بالذكر نظام دعم الوقود، حيث استوردت ليبيا في الفترة ما بين يناير (كانون الثاني) وسبتمبر (أيلول) الماضيين 8.15 مليون طن متري من الوقود بتكلفة 8.9 مليار دولار.

تيتيه حذرت من أن رفض إحدى الهيئتين التشريعيتين للاتفاق يمكن أن يعطل إجراء الانتخابات (مفوضية الانتخابات الليبية)

وأوضحت أن ما يقدر بنحو 30 إلى 50 في المائة من تلك الواردات فقدت بسبب التهريب، بقيمة تتراوح بين 2.4 إلى 4.4 مليار دولار. ولفتت إلى تعطل إنتاج النفط بعدما أغلق حرس المنشآت النفطية من الزنتان خط أنابيب الحمادة - الزاوية في سبتمبر الماضي، وخط أنابيب الشرارة - الزاوية في الفترة ذاتها تقريباً.

أما بخصوص الوضع الأمني، فقد أكدت تيتيه أنه لا يزال هشاً، لكنها أشارت إلى خطوات نحو التعاون بين القوات الشرقية والغربية، حيث التقى رئيسا الأركان المتنافسان في سرت في يوليو (تموز) الماضي.

كما عقد قادة القوات البحرية والجوية والدفاع الجوي اجتماعاً للمتابعة هناك في 9 من سبتمبر الماضي. كما أمرا أيضاً بفتح مراكز مشتركة لأمن الحدود في بنغازي، وطرابلس.

من جهة ثانية، أعربت تيتيه عن قلقها من إعدام 58 شخصاً في بنغازي خلال الشهرين الماضيين، بعد إدانتهم بجرائم تتعلق بالإرهاب، وحثت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا على وقف تنفيذ المزيد من عمليات الإعدام، ومراجعة الإجراءات. كما أدانت موجة التضليل، وخطاب الكراهية، والتحريض ضد المهاجرين، واللاجئين، والعاملين في مجال الإغاثة، وموظفي الأمم المتحدة.

كما حضت تيتيه المجلس على دعم خريطة الطريق بحوافز، وضمانات، ومحاسبة من يُعرقلونها. وقالت: «لا يزال الطريق إلى ليبيا مستقرة وموحدة ومزدهرة طويلاً، لكن هدفنا لا يزال في متناول اليد».


بعد سبتة... ملك إسبانيا يزور مليلية

ملك إسبانيا فيليبي السادس وزوجته الملكة ليتيزيا خلال زيارتهما مليلية الأربعاء (إ.ب.أ)
ملك إسبانيا فيليبي السادس وزوجته الملكة ليتيزيا خلال زيارتهما مليلية الأربعاء (إ.ب.أ)
TT

بعد سبتة... ملك إسبانيا يزور مليلية

ملك إسبانيا فيليبي السادس وزوجته الملكة ليتيزيا خلال زيارتهما مليلية الأربعاء (إ.ب.أ)
ملك إسبانيا فيليبي السادس وزوجته الملكة ليتيزيا خلال زيارتهما مليلية الأربعاء (إ.ب.أ)

قام ملك إسبانيا فيليبي السادس وزوجته الملكة ليتيزيا بزيارة مليلية، الأربعاء، غداة زيارتهما جيب سبتة الذي تحتله إسبانيا شمال المغرب، حيث دافع عن السيادة الإسبانية على المدينتين الواقعتين في شمال المغرب، واللتين تطالب بهما الرباط، حسب ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

واستقبلت حشود الزوجين وسط هتافات وأعلام إسبانية، وفقاً لما أظهرته لقطات التلفزيون العام، في امتداد لاستقبالهما الحاشد في سبتة، الثلاثاء.

وتعد هذه الزيارة الأولى لعاهل إسباني منذ زيارة خوان كارلوس، والد فيليبي السادس، عام 2007، التي أثارت حينها أزمة دبلوماسية مع الرباط. وتأتي بعد تدفّق غير مسبوق لأكثر من 70 ألف مهاجر من المغرب إلى سبتة في أواخر يوليو (تموز) الماضي، ما أدى إلى أزمة هجرة في المدينة الصغيرة.

كما تأتي هذه الزيارة قبل أقل من سبعة أسابيع من الانتخابات المبكرة، المقرر إجراؤها في 29 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، فيما يُتوقع أن تكون مسألة الهجرة أحد أهم المحاور الرئيسية في الحملة الانتخابية.

وقال الملك فيليبي، الثلاثاء، إن سبتة ومليلية «جزء لا يتجزأ من الواقع السياسي والوطني الذي تمثله إسبانيا. وسيادة بلادنا ووحدة أراضيها ليستا موضع تفاوض».

كما شدد الملك الإسباني، الذي نادراً ما يدلي بمواقف سياسية، على ضرورة أن تحافظ إسبانيا على «علاقات حسن الجوار» مع الرباط، وتعهد ألّا تترك الدولة الإسبانية سكان سبتة، البالغ عددهم 80 ألف نسمة، «بمفردهم أو بلا حماية».

وتضع هذه الزيارة العلاقات مع المغرب على المحك، إذ كان العاهل المغربي الملك محمد السادس قد دافع الجمعة عن «الشراكة» مع إسبانيا، مع رفضه القاطع لأي محاولة «للضغط» أو «الابتزاز». وأكد أمام البرلمان أن الشراكة مع مدريد شهدت «تطورات مهمة»، بما في ذلك في مجال مكافحة الهجرة غير النظامية، لكنها تواجه اليوم «تحديات كبيرة».


عمال اليومية في مهب ريح الحرب بالسودان

مزارعون يحصدون محصول الجرجير بالخرطوم يوم 5 أكتوبر 2026 (أ.ب)
مزارعون يحصدون محصول الجرجير بالخرطوم يوم 5 أكتوبر 2026 (أ.ب)
TT

عمال اليومية في مهب ريح الحرب بالسودان

مزارعون يحصدون محصول الجرجير بالخرطوم يوم 5 أكتوبر 2026 (أ.ب)
مزارعون يحصدون محصول الجرجير بالخرطوم يوم 5 أكتوبر 2026 (أ.ب)

في الخرطوم التي تحاول استعادة إيقاع الحياة بعد سنوات الحرب، لا تزال أبواب كثيرة مغلقة أمام «عمال اليومية» الذين كانوا يعتمدون على ما يكسبونه في نهاية كل يوم.

فغياب العمل هنا لا يعني مجرد يوم من دون دخل، بل قد يعني أسرة من دون طعام، أو طفلاً يذهب للمدرسة دون مصروف، أو مريضاً يتوقف عن العلاج لأن تكلفة الدواء أصبحت خارج المتناول.

على الأرصفة والأسواق وورش الحرف، يبحث عمال اليومية عن فرصة صغيرة «تسند يومهم»، لكن عدد الباحثين عن العمل ارتفع في وقت تقلصت الأعمال المتاحة وانكمشت قيمة الأجور مع ارتفاع الأسعار، وتراجع قيمة الجنيه السوداني.

وبينما تتسع الفجوة بين الدخل وتكلفة المعيشة، يجد كثير من العمال أنفسهم أمام خيار صعب: قبول أجور أقل أم العودة إلى منازلهم خاليي الوفاض.

أعباء متشابكة

يقول النقابي العمالي عبد الله يوسف إن الأغلبية العظمى من العمال «فقدت وظائفها بسبب الحرب والنزوح والتشرد»، مشيراً إلى أن العمل اليومي الذي كان متاحاً قبل اندلاع الحرب أصبح شحيحاً.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن غالبية العمال يعيلون أسراً تضم خمسة أو ستة أطفال في مراحل دراسية مختلفة، في حين دفع تدهور الوضع الاقتصادي بعض الأسر إلى الاستدانة، بل إن البعض دخل السجن لعجزه عن الوفاء بالتزاماته.

سودانية تغرس بذوراً في حقل بولاية القضارف بشرق السودان يوم 18 يوليو الماضي (أ.ف.ب)

وبالنسبة للعامل اليومي، لا يرتبط الأجر بعدد ساعات العمل فقط، وإنما بقدرته على تغطية احتياجات أسرة كاملة. ومع ارتفاع أسعار الغذاء والخدمات، يكون ما يحصل عليه في نهاية يومه قد فقد جزءاً كبيراً من قيمته قبل أن يصل إلى المنزل.

ويقول بابكر خليفة، وهو عامل باليومية وأب لثلاثة أطفال، إن الحرب «دمرت الاقتصاد»، وإن أسرته تعتمد بصورة أساسية على وجبات محدودة من الفول والعدس، من دون قدرة على شراء اللحوم أو الفواكه والخضراوات بصورة منتظمة.

العامل بابكر خليفة قال إن أطفاله يبكون من الجوع في بعض الليالي (الشرق الأوسط)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن أبناءه يحتاجون إلى مصروفات يومية للمدرسة، بينما لا يكفي الطعام المتاح في المنزل احتياجاتهم؛ مضيفاً أن أطفاله «يبكون من الجوع في بعض الليالي».

ولا يختلف حال بابكر الطاهر كثيراً، فقد نزح إلى القضارف عقب اندلاع الحرب قبل أن يعود إلى الخرطوم، لكنه وجد نفسه أمام واقع اقتصادي أشد قسوة.

يقول عن أسرته المكونة من أربعة أطفال: «أحياناً نأكل ومرات أخرى لا نأكل»؛ موضحاً أن ارتفاع الأسعار والتضخم قللا بصورة كبيرة من القيمة الحقيقية لأجر العامل اليومي.

العامل بابكر الطاهر أجبرته الظروف على العمل بأجر أقل لإطعام أسرته (الشرق الأوسط)

ويشير إلى أن ارتفاع عدد الباحثين عن العمل جعل العامل مضطراً في أحيان كثيرة إلى قبول أجور أقل، حتى لا يعود إلى أسرته بخُفيّ حُنين.

«نحتاج إلى معجزة»

ولا تقتصر الأزمة على العمال الذين ينتظرون فرصة عمل يومية، فحتى أصحاب المهن والحرف الذين ما زالوا يمارسون أعمالهم يواجهون مشكلة أخرى تتمثل في تراجع القوة الشرائية، وارتفاع تكلفة مستلزمات المعيشة والإنتاج.

يقول عبد الكريم إبراهيم، وهو ترزي يعول أسرة مكونة من ولدين وبنتين، إن العمل اليومي لم يعد كافياً لتلبية متطلبات أسرته.

الترزي عبد الكريم إبراهيم يروي كيف أصبح علاج أسرته عبئاً إضافياً (الشرق الأوسط)

ويصف الوضع الاقتصادي بأنه «يحتاج إلى معجزة»، مشيراً إلى أن أسعار المواد الغذائية أصبحت خارج متناول كثير من الأسر، بينما أصبح الحصول على العلاج عبئاً إضافياً.

ويواجه الحلاق الشاب عثمان علي واقعاً مشابهاً، ويقول إن دخله لم يعد يغطي الاحتياجات الأساسية بسبب ارتفاع الأسعار وتدهور قيمة العملة.

ولا تتوقف مشكلاته عند تراجع القدرة الشرائية، إذ يشير إلى انقطاع الكهرباء لفترات طويلة وتعطل التطبيقات البنكية التي يعتمد عليها في تحويلات عملائه، ما يزيد صعوبة الحصول على مستحقاته.

الشاب عثمان علي اضطر إلى ترك دراسته وممارسة الحلاقة بسبب الحرب (الشرق الأوسط)

عثمان نفسه اضطر إلى ترك الدراسة في المرحلة الثانوية بسبب ظروف الحرب، والتوجه إلى العمل للمساهمة في إعالة أسرته الكبيرة، ليصبح واحداً من جيل دفع ثمناً مباشراً للحرب من مستقبله التعليمي.

والضغوط على المواطنين لم تعد مرتبطة بالحرب وحدها، كما يقول النقابي العمالي يوسف، وإنما تفاقمت مع زيادة الجبايات والرسوم وارتفاع الدولار الجمركي وحظر بعض السلع المستوردة، وهي عوامل يقول إنها أسهمت في اتساع الفجوة داخل الأسواق.

ويطالب يوسف بتحسين أجور العاملين وأوضاع أرباب المعاشات، مشيراً إلى أن بعض الموظفين يتقاضون مستحقات محدودة للغاية، بينما يحصل بعض المتقاعدين، حسب قوله، على مبالغ لا تتناسب مع سنوات خدمتهم.

كما يطالب بتدخل حكومي عاجل لمعالجة أوضاع العاملين وأسرهم، عادّاً أن استمرار الفجوة بين الأجور والأسعار يضع ملايين الأسر أمام أوضاع معيشية بالغة الصعوبة.

«الأكثر هشاشة»

ويقول الخبير الاقتصادي محمد الناير إن العمالة اليومية تُعد من أكثر الفئات تضرراً من الحرب في السودان، جراء توقف أعمال البناء والتشييد وتراجع الأنشطة الحرفية، ما أفقد أعداداً كبيرة منهم مصادر رزقهم.

ويضيف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «هذه الفئات تواجه أوضاعاً معيشية بالغة الصعوبة، في ظل فقدان فرص العمل والارتفاع غير المسبوق في أسعار السلع والخدمات، إلى جانب تراجع قيمة العملة الوطنية وزيادة معدلات التضخم والبطالة والفقر».

وأشار إلى أن انطلاق برنامج متكامل لإعادة الإعمار يمكن أن يسهم في استيعاب أعداد كبيرة من العمالة اليومية من خلال توفير فرص عمل في قطاعات البناء والتشييد والأنشطة المرتبطة بها، لكنه شدد على أن هذه الفئات لا تزال الأشد تضرراً نظراً لاستمرار تعطل مصادر دخلها.

وأكد الناير ضرورة اضطلاع الدولة بمسؤولياتها في حماية الشرائح الضعيفة والفقيرة، داعياً إلى وضع برنامج متكامل للحماية الاجتماعية يستجيب للتحديات الاقتصادية الراهنة، ويوفر الدعم اللازم للفئات الأكثر تضرراً من تداعيات الحرب.

وتتوافق هذه الشهادات مع تحذيرات منظمة العمل الدولية من التأثيرات العميقة للحرب على سوق العمل في السودان، إذ أدت إلى فقدان وظائف وتراجع النشاط الاقتصادي، وتعطيل سبل كسب العيش، فيما يُعد العاملون في الاقتصاد غير الرسمي من أكثر الفئات هشاشة.