مصر تتحسّب من تداعيات حرب إيرانية طويلة الأمد

السيسي توقع تأثر قناة السويس وواردات النفط... ووجَّه بدراسة كل الاحتمالات

سفينة الغطس «HUA RUI LONG» إحدى أكبر حاملات المثقلات في العالم تعبر المجرى الملاحي الجديد بقناة السويس الأسبوع الماضي (هيئة القناة)
سفينة الغطس «HUA RUI LONG» إحدى أكبر حاملات المثقلات في العالم تعبر المجرى الملاحي الجديد بقناة السويس الأسبوع الماضي (هيئة القناة)
TT

مصر تتحسّب من تداعيات حرب إيرانية طويلة الأمد

سفينة الغطس «HUA RUI LONG» إحدى أكبر حاملات المثقلات في العالم تعبر المجرى الملاحي الجديد بقناة السويس الأسبوع الماضي (هيئة القناة)
سفينة الغطس «HUA RUI LONG» إحدى أكبر حاملات المثقلات في العالم تعبر المجرى الملاحي الجديد بقناة السويس الأسبوع الماضي (هيئة القناة)

تتحسب مصر من تداعيات إطالة أمد الحرب الإيرانية الحالية على أوضاعها الاقتصادية الداخلية، وسط توقعات بتأثر عائدات قناة السويس التي لم تتعافَ بعدُ من تداعيات «حرب غزة»، ما دفع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لتوجيه الحكومة بدراسة «كل الاحتمالات والسيناريوهات المختلفة».

وخلال استقباله رئيس مجموعة البنك الدولي أجاي بانغا في القاهرة، الاثنين، حذر السيسي من تداعيات تفاقم التوتر الإقليمي الراهن على أمن واستقرار المنطقة ومقدرات شعوبها، فضلاً عن التداعيات الاقتصادية التي سوف تترتب على امتداد الحرب الحالية على الأسعار بصفة عامة، وخاصة الطاقة، وكذلك على الملاحة في البحر الأحمر، وأشار إلى «خسارة مصر نحو 10 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس إثر الحرب في غزة».

الرئيس المصري خلال لقائه رئيس مجموعة البنك الدولي بالقاهرة يوم الاثنين (الرئاسة المصرية)

وقال السيسي، بحسب إفادة رسمية للمتحدث باسم الرئاسة المصرية، إن «الدولة المصرية تأثرت اقتصادياً إثر استضافتها لنحو 10.5 مليون أجنبي قدِموا إليها على خلفية النزاعات والصراعات في دولهم، حيث يحصل هؤلاء على الخدمات ذاتها التي تُقدم للمصريين، دون أن تحصل مصر على دعم مادي مقابل ذلك».

لقاء السيسي مع رئيس مجموعة البنك الدولي سبقته كلمة ألقاها في حفل الإفطار السنوي الذي أقامته القوات المسلحة تزامناً مع الاحتفال بذكرى انتصارات «العاشر من رمضان»، مساء الأحد، وقال فيها إن «بلاده تتحسب من نتائج الحرب وغلق مضيق هرمز والتأثير على قناة السويس»، مشيراً إلى «تكبد قناة السويس خسائر مادية، وعدم عودة حركة الملاحة في القناة لمسارها الطبيعي» منذ بدء حرب غزة في السابع من أكتوبر (تشرين الأول).

وأضاف: «غلق مضيق هرمز سوف يكون له تأثير على تدفقات البترول والأسعار، والدولة المصرية والحكومة يتعين أن تدرس كل الاحتمالات والسيناريوهات المختلفة»، موجهاً رسائل طمأنة إلى الداخل بشأن «تدبير الاحتياطات اللازمة»، لكنه عاد وأشار إلى أن أمد الأزمة غير معروف.

السيسي يلقي كلمة خلال حفل إفطار القوات المسلحة مساء الأحد (الرئاسة المصرية)

وأشار الرئيس المصري إلى ما مرت به بلاده منذ عام 2020 من ظروف وصفها بـ«الصعبة»، بدأت منذ جائحة «كوفيد-19»، مروراً بالحرب في أوكرانيا، ثم حرب غزة، وأخيراً الحرب الإيرانية، مشدداً على «ضرورة التكاتف وتحمل الظروف وإدراك أن بعض الأمور خارجة عن قدراتنا».

وقال: «نحن نحاول أن نقوم بدور إيجابي في كل الأزمات وتسوية النزاعات، ونتعامل حتى مع الأزمات الداخلية بصبر وطول بال وعدم اندفاع، حتى لا يكون هناك تداعيات سلبية»، مطمئناً المصريين بأنه «لن يستطيع أحد الاقتراب من هذا البلد».

وأعلنت مجموعة الشحن الدنماركية «ميرسك»، ‌ومجموعة الشحن الألمانية «هاباغ لويد»، وشركة «سي إم إيه سي جي إم»، الأحد، تحويل مسار سفنها لتدور حول أفريقيا، تجنباً للمرور عبر قناة السويس ومضيق باب المندب، عقب الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران وإغلاق مضيق هرمز.

ويتوقع مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، السفير رخا أحمد حسن، أن تكون للحرب الحالية تداعيات كبيرة على سوق النفط العالمية وعلى قناة السويس، و«تزداد خطورتها كلما طال أمد الحرب».

وأضاف متحدثاً لـ«الشرق الأوسط»: «هذه التداعيات لن تكون قاصرة على تراجع إيرادات قناة السويس أو تأثر إمدادات الوقود لمصر والعالم، بل ستمتد إلى التأثير على الأسعار عالمياً»، مشدداً على «ضرورة العمل على احتواء الأزمة وبذل المزيد من الجهود من أجل الضغط لإنهاء الحرب، التي ستكون عواقبها كبيرة على الجميع».

السيسي خلال حفل إفطار القوات المسلحة مساء الأحد (الرئاسة المصرية)

ومنذ نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، غيَّرت شركات شحن عالمية مسارها، متجنبة المرور في البحر الأحمر، إثر استهداف جماعة «الحوثي» اليمنية السفن العابرة بهذا الممر الملاحي المهم «رداً على استمرار الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة»، ما دفع شركات الشحن العالمية لتغيير مسارها، متجنبة المرور في قناة السويس.

وسبق أن أشارت مصر مراراً إلى تأثر حركة الملاحة بقناة السويس بالتوترات الإقليمية. وسجلت إيرادات القناة في عام 2024 تراجعاً حاداً بنسبة 61 في المائة لتحقق 3.9 مليار دولار، مقارنة بنحو 10.2 مليار دولار عام 2023 الذي شهد في أواخره اندلاع الحرب على غزة. وفي نهاية العام الماضي، قدر رئيس هيئة قناة السويس الفريق أسامة ربيع خسائر القناة خلال عامَي 2024 و2025 بنحو 12 مليار دولار.

من جانبه، قال الأمين العام لاتحاد الموانئ البحرية العربية، اللواء عصام الدين بدوي، إن قناة السويس «لم تتعافَ بعدُ من تداعيات حرب غزة، رغم كل ما بذلته هيئة قناة السويس من جهود لتقليل تأثير تراجع حركة الملاحة بالقناة».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «القناة اعتمدت طوال العامين الماضيين أنشطة بديلة وخدمات للتقليل من تداعيات إحجام شركات الشحن الكبرى عن المرور في القناة». وقال: «هذه الجهود إلى جانب وقف حرب غزة كانت قد بدأت تؤتي ثمارها في تعافٍ تدريجي للقناة سرعان ما انهار مع الحرب الإيرانية»، مؤكداً أن قناة السويس «ستتأثر بالتصعيد الدائر حالياً، ولا حل لتجاوز الأزمة إلا بوقف الحرب».

بدوره، أشار الخبير الاقتصادي الدكتور مصطفى بدرة إلى أن قناة السويس «مقبلة على موجة جديدة من نزيف الخسائر إذا طال أمد الحرب الحالية»، مشيراً إلى توقعات بارتفاع أسعار النفط عالمياً وتأثر إمدادات الوقود.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «الدولة لديها احتياطات كافية حالياً، واتخذت تدابير عدة سواء على مستوى تنويع مصادر الوقود أو تنشيط المنطقة اللوجيستية لمحور القناة، وهي إجراءات قد تسمح بمواجهة الأزمة على المدى القصير»، لكنه حذر من «مخاطر إطالة أمد الحرب على الأوضاع الاقتصادية في مصر».


مقالات ذات صلة

«سنتكوم»: دخول حاملة الطائرات «جورج بوش» بحر العرب

شؤون إقليمية طائرة حربية أميركية تستعد للهبوط على سطح حاملة الطائرات «يو إس إس جورج إتش دبليو بوش» الأميركية في 29 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

«سنتكوم»: دخول حاملة الطائرات «جورج بوش» بحر العرب

أعلنت القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم»، السبت، دخول حاملة الطائرات «يو إس إس جورج إتش دبليو بوش» بحر العرب، في أحدث تحرك بحري أميركي في المنطقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي يجري مشاورات مع نظيره الإيراني عباس عراقجي في جنيف (رويترز) p-circle

طهران: محادثات مع عُمان لإصدار بيان مشترك بشأن «هرمز»

قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، السبت، إن محادثات تجري حالياً بين طهران ومسقط لإصدار بيان مشترك بشأن الترتيبات في مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» خلال عبور مضيق هرمز (أ.ب)

«هرمز»... بين طموحات ترمب وتهديدات إيران

لا يزال الجمود يسيطر على المحادثات حول إنهاء الحرب وحركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز الاستراتيجي، دون مؤشر على اقتراب الأطراف المتحاربة من إنهاء الصراع.

«الشرق الأوسط» (لندن- واشنطن - طهران)
شؤون إقليمية الرحلات شهدت انقطاعات متكررة بسبب الحرب مع الولايات المتحدة (أرشيفية - رويترز)

استئناف الرحلات في مطار بندر عباس الإيراني

أعلنت وسائل إعلام رسمية إيرانية استئناف الرحلات الجوية في مطار بندر عباس الواقع على الساحل الإيراني، السبت، بعدما شهدت تلك الرحلات انقطاعات متكررة بسبب الحرب.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية سفينة قرب مضيق هرمز (رويترز)

هدنة على حافة السقوط... واشنطن وطهران في سباق «من يرمش أولاً»

واشنطن تراهن على الحصار والعقوبات وخنق صادرات إيران واقتصادها، فيما تراهن طهران على تعطيل الملاحة في مضيق هرمز وإبقاء أسعار الطاقة العالمية مرتفعة.

إيلي يوسف (واشنطن)

السلطات المغربية توقف عشرات المهاجرين قرب سبتة

أمهات وآباء ينتظرون على الحدود عودة أبنائهم بعد تمكنهم من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)
أمهات وآباء ينتظرون على الحدود عودة أبنائهم بعد تمكنهم من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)
TT

السلطات المغربية توقف عشرات المهاجرين قرب سبتة

أمهات وآباء ينتظرون على الحدود عودة أبنائهم بعد تمكنهم من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)
أمهات وآباء ينتظرون على الحدود عودة أبنائهم بعد تمكنهم من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)

أوقفت السلطات المغربية السبت عشرات المهاجرين غير النظاميين معظمهم من أفريقيا جنوب الصحراء، في غابة قريبة من المعبر الحدودي مع جيب سبتة المحتلة من قبل إسبانيا والواقعة شمال المغرب، وسط طوق أمني في المنطقة.

وتجمع هؤلاء المهاجرون، وغالبيتهم رجال وشباب من بلدان من أفريقيا جنوب الصحراء وبينهم أيضاً بعض المغاربة، في منطقة مطلة على مدينة الفنيدق الحدودية، على بعد بضعة كيلومترات من الطريق المؤدي للمعبر الحدودي، قبل أن تعترضهم قوات الأمن.

وأوقفت مجموعة منهم فيما لاذ آخرون بالفرار.

إسبانيا عززت وجود الشرطة والجيش في ‌جيب سبتة تحسباً لمحاولة اختراق جماعي آخر للحدود (إ.ب.أ)

وبحسب وسائل إعلام محلية، أسفرت هذه العملية عن «توقيف 294 مرشحاً للهجرة غير النظامية».

وقال مصدر رسمي إن العملية «روتينية تهدف للتصدي لمحاولات الهجرة غير النظامية في اتجاه سبتة».

لكن منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي روّجت خلال الأيام الماضية إشاعة أن الحدود ستكون مفتوحة السبت، باعتباره «يوم عطلة في إسبانيا».

والأربعاء أعلنت وزارة الداخلية المغربية أنها اتخذت جميع التدابير الضرورية للتصدي لمحاولات عبور جديدة تبعاً لتلك المنشورات، وتوقيف مشتبه بهم.

السبت أفادت وسائل إعلام مغربية، بينها موقعا «لو360» و«هسبريس»، بأن السلطات «أوقفت 61 شخصاً يشتبه في تورطهم في التحريض والترويج لدعوات للهجرة غير النظامية عبر مواقع التواصل الاجتماعي».

يأتي ذلك أسبوعين بعد تدفق كثيف لمهاجرين من عدة مدن مغربية إلى جيب سبتة، نجح نحو 72 ألفاً منهم في دخول المدينة، قبل أن يعود معظمهم أدراجه، وفق السلطات الإسبانية. وساهم في ذاك التدفق الكبير للمهاجرين يومها أيضاً إشاعات على مواقع التواصل.

ولم تحل السلطات المغربية حينها دون وصول هؤلاء المهاجرين إلى المنطقة الحدودية، ثم أرسلت تعزيزات إلى هناك مساء الخميس 30 يوليو (تموز)، وفق تقارير منظمات حقوقية.

وخلفت هذه الأزمة، الأخطر من نوعها، مقتل 80 شخصاً على الأقل وفق الجانب الإسباني، و11 وفق السلطات المغربية، فيما قدّرت منظمات حقوقية مغربية الجمعة أن عدد الضحايا لا يقل عن 141.


الجيش السوداني يعلن إسقاط مسيَّرة في كردفان

مسيّرة من طراز "FH – 95" صينية الصنع، اسقطها الجيش في شمال كردفان (متداولة)
مسيّرة من طراز "FH – 95" صينية الصنع، اسقطها الجيش في شمال كردفان (متداولة)
TT

الجيش السوداني يعلن إسقاط مسيَّرة في كردفان

مسيّرة من طراز "FH – 95" صينية الصنع، اسقطها الجيش في شمال كردفان (متداولة)
مسيّرة من طراز "FH – 95" صينية الصنع، اسقطها الجيش في شمال كردفان (متداولة)

أعلن الجيش السوداني، السبت، إسقاط طائرة مسيّرة معادية من طراز «FH – 95» صينية الصنع، في مدينة جبرة الشيخ بولاية شمال كردفان، التي تشهد تصاعداً في وتيرة الهجمات التي تشنها «قوات الدعم السريع».

وقال مكتب الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة، في بيان صحافي، على موقع «فيسبوك»، إن الدفاعات الجوية تمكنت من إسقاط طائرة مسيّرة استراتيجية معادية من طراز «FH-95» في سماء مدينة جبرة الشيخ. ونشر جنود من الجيش مقطع فيديو يُظهر حطام طائرة مُسيَّرة، بينما لم يصدر بعد تعليق رسمي من «الدعم السريع» على إعلان الجيش.

وصد الجيش السوداني، الخميس الماضي، هجوماً برياً لــ«الدعم السريع» بأكثر من 250 عربة قتالية على مدينة جبرة الشيخ، التي استعادها خلال المعارك الأخيرة. وكانت «قوات الدعم السريع» قد أعلنت في بيان، أمس الجمعة، على قناة «تلغرام»، السيطرة الكاملة على بلدة «أم عرد»، الواقعة شمال مدينة الأُبيّض عاصمة ولاية شمال كردفان، لكن منصات إعلامية موالية للجيش، نقلت عن مصادر عسكرية بأن المنطقة لاتزال تحت السيطرة.

وفقاً لمفوضية العون الإنساني بشمال كردفان، قُتل وجرح العشرات من المدنيين في البلدة جراء الهجوم الأخير، وسط موجة نزوح واسعة نحو المناطق الآمنة.

وشهدت خريطة السيطرة في الميدان تبدلاً كبيراً، بعدما أحرزت «قوات الدعم السريع» تقدماً لافتاً نهاية الأسبوع الماضي، بعدما سيطرة على مدينتي الكرمك وقيسان، في إقليم النيل الأزرق جنوب شرقي البلاد، على الحدود مع أثيوبيا. وفي بيان ثانٍ، قالت «الدعم السريع»، «إن قواتها نفذت اليوم السبت، عملية عسكرية دقيقة، تمكنت من خلالها السيطرة على منطقة (أغرو) بالنيل الأزرق»، وتواصل التقدم نحو العاصمة الدمازين.

ومنذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل (نيسان) 2023، اتسع نطاق استخدام الطائرات المسيّرة من قبل طرفَي النزاع، لتطول مدناً بعيدة عن خطوط القتال، الأمر الذي أدى إلى زيادة الخسائر في صفوف المدنيين، وتفاقم الأوضاع الإنسانية في المناطق المستهدفة.


الهجرة إلى سبتة... هل تعكس تراجعاً للثقة بالمستقبل أم انتصاراً لصورة جذابة عن أوروبا؟

مهاجرون مغاربة خلال رحلة عودتهم إلى المغرب بعد أن تمكنوا من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)
مهاجرون مغاربة خلال رحلة عودتهم إلى المغرب بعد أن تمكنوا من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)
TT

الهجرة إلى سبتة... هل تعكس تراجعاً للثقة بالمستقبل أم انتصاراً لصورة جذابة عن أوروبا؟

مهاجرون مغاربة خلال رحلة عودتهم إلى المغرب بعد أن تمكنوا من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)
مهاجرون مغاربة خلال رحلة عودتهم إلى المغرب بعد أن تمكنوا من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)

يرى باحثون أن موجة الهجرة إلى جيب سبتة، الذي تحتله إسبانيا شمال المغرب، قبل نحو أسبوعين، لا تنبع فقط من عوز وبطالة كدافعين تقليديين لدى الطبقات الأكثر فقراً، ولا سيما في ظل التنمية الاقتصادية في المغرب، بل تنطلق من تراجع للثقة بالمستقبل لدى طبقات أخرى، في ظل صورة جذابة عن أوروبا تلازم الأذهان.

وخلال يومين من أواخر يوليو (تموز) الماضي، توافد عشرات الآلاف من المغاربة، بينهم الكثير من القاصرين، بعد شائعات عن فتح الحدود مع جيب سبتة، ونجح نحو 72 ألفاً منهم في الدخول قبل أن يعود معظمهم أدراجه، وأودى ذلك بحياة العشرات وفق السلطات ومنظمات. لكن هذه الموجة من الهجرة جاءت فيما سجّل المغرب نمواً اقتصادياً لافتاً، بلغ 5 في المائة عام 2025، وسط تفاؤل باستمرار النمو ارتباطاً على الخصوص بإطلاق عدة استثمارات في البنى التحتية وقطاع الخدمات، في أفق التحضير للتنظيم المشترك لكأس العالم 2030 مع إسبانيا والبرتغال.

أمهات وآباء ينتظرون على الحدود عودة أبنائهم بعد تمكنهم من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)

وإذا كانت البطالة دافعاً تقليدياً للهجرة فإن الفئات، التي شاركت في هذه الموجة الأخيرة «تبدو أكثر تنوعاً وبينها أشخاص يُفترض (...) أنهم في أوضاع اجتماعية واقتصادية مقبولة نسبياً»، وفق رئيس مرصد الشمال لحقوق الإنسان محمد بنعيسى، وهو إحدى الجمعيات التي تابعت الأحداث.

رحلة لآفاق أرحب

في مشهد غير معتاد مقارنة مع حوادث هجرة غير نظامية سابقة، جاء سعيد طريبق (38 عاماً) إلى المعبر الحدودي في سيارته برفقة طفليه، بعدما سمع أن الحدود ستكون مفتوحة. سعيد يعمل حرفياً في طنجة، ثاني قطب اقتصادي بالمغرب، في وضع «لا بأس به» كما يصفه. وقال لوكالة الصحافة الفرنسية لدى عودته من سبتة: «ظننت أنني سأربح أكثر إن بذلت هناك الجهد نفسه الذي أبذله هنا... وفكرت أيضاً في أن العمل في إسبانيا سيؤمن مستقبلاً أفضل لأطفالي».

وحسب شهادات عدّة جمعها مراسلو وكالة الصحافة الفرنسية، فقد ترك كثيرون، مثل سعيد، وظائفهم لركوب المغامرة المحفوفة بالمخاطر، على أمل تحسين أوضاعهم في أوروبا. ومن بين هؤلاء المهاجرين العائدين قاصرون على غرار أيوب الأبيض (16 عاماً)، الذي شعر بأن مستقبله كان سيكون أفضل في أوروبا، كما قال لوكالة الصحافة الفرنسية بعد عودته من سبتة. وأضاف: «أدرس في الثانية ثانوي ونتائجي جيدة، لكنني لست واثقاً بالحصول على عمل في مستوى طموحي».

محاولة العبور إلى سبتة سباحة تسببت في وفاة العشرات من المهاجرين (أ.ف.ب)

ويعتقد بنعيسى أن ما حصل «مؤشر أعمق يرتبط بأزمة الثقة بالمستقبل، وبقدرة المؤسسات على توفير الأمان الاجتماعي وتكافؤ الفرص والشعور بالاستقرار».

تأثير مواقع التواصل الاجتماعي

تنبه الباحثة في علم الاجتماع، سمية نعمان جسوس، إلى أن صورة «الفردوس الأوروبي لا تزال قوية جداً»؛ إذ «ترتبط أوروبا في أذهان الشباب بالنجاح والترقي الاجتماعي والحياة الأفضل». مشيرة أيضاً إلى دور وسائل التواصل الاجتماعي «في تضخيم هذه الظاهرة».

في المقابل، تعتقد جسوس أن الشعور بعدم القدرة على التعبير «يمكن أن يكون طريقاً مهماً» لفهم هذه الظاهرة. وتوضح أنه عندما لا يجد شاب «فضاءات للتعبير عن تذمره، والدفاع عن حقوقه، والمشاركة في القرارات (...) يمكن أن يشعر بأنه غير فاعل في المجتمع، بل مجرد متفرج في بلد يبنى دونه».

شبان مغاربة يلتقطون صورة جماعية بعد تمكنهم من دخول سبتة (أ.ف.ب)

منذ نحو عقد أصبحت الحركات الاجتماعية في المغرب عفوية، بينما تعجز الأحزاب السياسية والنقابات عن تعبئة الشارع. وبالموازاة مع ذلك، يتزايد تأثير مواقع التواصل الاجتماعي، ومنها خرجت آخر حركة اجتماعية واسعة في خريف العام الماضي، تحت اسم «جيل زد 212»، التي عبرت عن مطالب متظاهرين شباب بتحسين مستوى الصحة والتعليم، وتخللتها أعمال عنف في بعض المدن.

ويشير بنعيسى إلى أن دراسة ميدانية لمرصد الشمال لحقوق الإنسان، شملت 500 شاب وشابة في مدن قريبة من سبتة، أظهرت أن «74.2 في المائة يتابعون صفحات ومحتويات مرتبطة بالتخطيط للهجرة»، وأن «81 في المائة يرون أن هذه المحتويات تجعلهم يعتقدون أن الهجرة حل».

بعد الأزمة، ألقت السلطات باللوم على «الاستغلال المغرض للفضاء الرقمي، وترويج معلومات مضللة، ودور عصابات الاتجار بالبشر». لكن منظمات حقوقية وسياسيين ومعلقين تساءلوا عن سبب عدم منع المهاجرين من الوصول إلى مدينة الفنيدق المجاورة لسبتة، وطالبوا بالتحقيق في الموضوع.

والأربعاء، أعلنت وزارة الداخلية اتخاذ جميع التدابير الأمنية، بعد صدور دعوات جديدة للعبور إلى سبتة، السبت الفائت، وتوقيف مشتبه بهم.