صور بغداد الفوتوغرافية.. شواهد على ماض جميل

أولها التقطها العالم الفرنسي جوزيف نيبس عام 1826

الملك فيصل الثاني مع الملكة أليزابيث الثانية، ملكة جمال بغداد 1947، شارع الرشيد 1957
الملك فيصل الثاني مع الملكة أليزابيث الثانية، ملكة جمال بغداد 1947، شارع الرشيد 1957
TT

صور بغداد الفوتوغرافية.. شواهد على ماض جميل

الملك فيصل الثاني مع الملكة أليزابيث الثانية، ملكة جمال بغداد 1947، شارع الرشيد 1957
الملك فيصل الثاني مع الملكة أليزابيث الثانية، ملكة جمال بغداد 1947، شارع الرشيد 1957

صورة بغداد الفوتوغرافية، التي وثقت لحياة العراقيين منذ بداية العشرينات وحتى عقد وعقدين من الزمن الجمهوري، برزت كأي زقاق باريسي مدقق الزوايا بالعمارة الحالمة والإيقاعات الصباحية الكلاسيكية.
الصورة المرئية لفتى حليق يرتدي بنطالا من القماش وقميصا أبيض مع حذاء جلد، وفي قطبين جانبيين للمشهد تظهر الدراجات الهوائية حديثة الانتشار في العالم المتقدم آنذاك، مع ماركة السيارتين المسرعتين في الشارع نفسه، ليس هذا المثال الوحيد على حياة متحضرة.. فالعمارة وأسيجة الشرفات الممتدة، وتضلعات الأعمدة في شارع الرشيد، هي صور فوتوغرافية احتفظت بالإرث الثري، الذي أنتجته جماليات حركة العمران الحديثة في بغداد، منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر وحتى دخول القوات البريطانية إلى العراق 1917.
* صورة بغداد عام 1957
بلغت بغداد ذروة الرخاء المرئي مرتين: في الرخاء الأول، لم تكن توجد كاميرا فوتوغرافية لتوثقه ليترك تصوراته على لوحات ورسومات تعود إلى عصر بطل رواية ألف ليلة وليلة هارون الرشيد (786 - 809) وابنه المأمون (813 - 833). أما العصر الآخر فاستطاعت الكاميرا الفوتوغرافية أن توثق جانبا من جمالياته بعد انتهاء الحكم العثماني، وبداية عهد الملكية عام (1921 _ 1958)، ولحق به عقد أو عقدان من العهد الجمهوري. وهذه الفترة الثانية التي شهد على حدوثها الفوتوغراف جاءت إثر ظروف سياسية واجتماعية واقتصادية وعمرانية مجتمعة.
عن عصر الرخاء الأول، نشر المستشرق الألماني آدم ميتز (1869 - 1917) كتابا بعنوان «حكاية أبي القاسم البغدادي»، الذي عبر فيه عن اندهاشه بحضارة بغداد في القرنين الهجريين الثالث والرابع. أما المستشرق الفرنسي غوستاف لوبون (1841 - 1931)، صاحب كتاب «حضارة العرب منتصف القرن التاسع عشر الميلادي»، فقد اعتبر بغداد العباسية أهم مدن الشرق.
وفي العصر اللاحق لإنتاج الصورة الفوتوغرافية، بعد أول صورة فوتوغرافية حقيقية التقطت عام 1826 على يد العالم الفرنسي جوزيف نيبس، تم التقاط أولى الصور الفوتوغرافية لبغداد عام 1872 ضمن رحلة استشراق للمؤلف الأميركي بيرك فوك صدرت في كتابه «غربستان أو بلاد ألف ليلة وليلة». وفي هذا الكتاب نشرت عدة صور فوتوغرافية لما شاهده الكاتب في بغداد من إيوان كسرى وواجهة جامع مرجان قبل فتح خليل باشا جادة سي، وصورة للوالي رديف باشا بطربوشه ولحيته ومعطفه الذي يصل إلى الركبة!
لم يفتح انطلاق خط سكة القطار بين بغداد وبرلين طرق التجارة فقط، بل فتح معها أبواب الوصول للمستشرقين الألمان وهواة التنقيب واكتشاف المدن، أولئك المتنقلون بكاميراتهم ثقيلة الحمل، للوصول إلى أماكن قرأوا عنها في الكتب. وهنا أصبح خط بغداد - برلين وسيلة وصول لمصورين ينتمون لخلفيات وأساليب متعددة، فمنهم من يبحث عن الوجوه والبورتريهات الشخصية في عمق أزقة المدينة وبين أسواقها وصولا إلى مزاراتها الشعبية وحركة الأعياد والمناسبات العامة فيها، ومنهم من كان يهوى الزخرفة والعمران، ويبحث عن عن التاريخ في المدينة المشبعة بالقباب والأقواس والرسوم النباتية والهندسات المثيرة.
وكان مدير البنك الألماني جورج فون سيمنس، قد أعد البعثة الاستطلاعية التي مولها البنك لوضع مخطط مشروع بناء خط قطار بغداد - برلين، معتمدًا في تحقيق رغبته على المستشرق الألماني الشهير ماكس فون أوبنهايم (1860 - 1946) صاحب الموسوعة الشهيرة «البدو» عن القبائل العربية، وواضع دراسة خاصة عن أفضل الطرق لمد خط قطار بغداد المار عبر الموصل ثم حلب، الذي اكتمل أخيرا وبعد مروره بمرحلتي بناء من عام 1900 وحتى عام 1910.
فوتوغرافيون كثر، بينهم ألمان، ومن جنسيات أخرى من المستشرقين وثقوا لأعوام العشرينات في العراق، وبذلك نقلوا مع مؤلفات وبحوث متخصصة عشرات الصور الفوتوغرافية التي بقيت طي الكتب، بينما لا توجد مصادر توثق لأسماء الفوتوغرافيين بشكل واضح سوى ما يتناقله الجميع من حكايات عنهم لتبقى صور الفوتوغراف متداولة توثق لفترات مختلفة عن بغداد في المجلات القديمة وفي فضاءات إلكترونية تشير بشكل خاطف ومقتضب عن رحلة التوثيق الفوتوغرافية تلك.
* قصة الألمان المتداولة
إحدى البعثات المستكشفة وصلت إلى بغداد الحديثة في أعوام الستينات. آنذاك كانت المدينة في أبهى حللها تتشارك الحفلات والمواسم الاجتماعية وطقوس السينما وإقامة المعارض الفنية وحضور فرق موسيقية أجنبية، وسواح كثر للتجوال من ساحة التحرير وشارع الرشيد إلى سوق السراي وإلى الصفافير ودخول بغداد القديمة من أخمص ساحة الميدان حتى أعلى رأس ساعة القشلة، يتحدث المصور الفوتوغرافي الملازم وجوده في مقهى الشاهبندر عن وصول إحدى هذه البعثات وأغلبهم من الألمان جامعين أكبر عدد ممكن من العراقيين ممن يعرف التقاط الصور عبر الكاميرا الشمسية، وكانوا يطلبون منهم تصوير كل شيء، الشوارع والجدران ومشي النساء في الأسواق، العبور بين كرخ بغداد ورصافتها، وحتى البزازين والخفافين ودابغي الجلود وأصحاب المطابع، يلتقط المصورون الفوتوغرافيون يوميا عشرات الصور ويتلقون مبالغ سخية إزاءها، وفي مقابل غياب المعلومات عن مرحلة التوثيق تلك إلا أن جميع الصور القديمة المتداولة على كثرتها سواء التي تشير لفترة الحكم العثماني والعهد الملكي، احتفظت بطابع خاص عن مدينة تحاول امتلاك مقومات المدينة أو عن مدينة حقيقية تملك خصائص المدن بإيقاعها وحركاتها وسلوك وحياة سكانها.
* الكاميرا الشمسية.. الجمال في الأزقة
تثير الصورة «القديمة» للمدينة شيئا من الحنين في مراقبة أحداث زاهية، يتوسطها ملوك العراق وزعماؤه، وليس انتهاء عند حرفييه وصناعه، ونسائه وهن يتكئن بثياب أنيقة على أطراف حافات المسابح آنذاك. في الغالب ليست هذه الوثائق البصرية سببا لإثارة الشجن العاطفي والتساؤل عن الزمن الذهبي للمدينة، بل لإعادة دراسة تحولاتها عبر الفوتوغرافية، فليس من الغرابة أن تتفنن بضعة كاميرات شمسية بحمولات ضخمة من إنتاج صور تظل مع الأذهان كلما طرق اسم مدينة ما، أو لاعب شهير أو نجمة سينمائية، فيما لا يستطيع تقديم ذلك شيوع الكاميرا ذات التقنيات العالية والتكنولوجيا الحديثة ووصولها لأعداد غير متوقعة من الموثقين سواء كانوا من الفوتوغرافيين أم ممن يستهوي التقاط الصور.
* الخراب الفوتوغرافي
ما فعلته صورة بغداد الفوتوغرافية القديمة أنها رسخت تقديم العاصمة العراقية كمدينة متحضرة لها عوالمها وأبطالها الساحرين، بشكل أشد مما تفعله الصورة الفوتوغرافية اليوم، التحولات السياسية هي الأخرى تركت أثرها على طبيعة المجتمع، فبعدما استثمر الإنجليز التنوع الثقافي والديني فيها بين يهود ومسلمين ومسيحيين وتجار فرس وأتراك وأرمن كانوا عمادة المجتمع البغدادي. عادت تلك التحولات مرة أخرى لتترك بصمتها على هذا الغياب وتفريغ العراق من تنوعه وثرائه الاجتماعي، فالصورة هي شاهد عيان محايد وقاس أحيانا حين عكست مراحل النمو الاجتماعي المتتابع التي تداعت إلى سقوط سريع.
«المستشرقون الغربيون أرخوا ورسموا وصوروا بغداد كمدينة، دخلوها كأفراد أول الأمر، سواء أكانوا باحثين أو مستكشفين بمدن الشرق منذ قرون، بينما صور بغداد في القرن الثامن عشر كانت لعلماء الآثار، والغالب منهم الألمان، ثم بعدهم الإنجليز»؛ يوضح زياد تركي أحد مصوري الفوتوغراف العراقيين والمقيم في الولايات المتحدة الأميركية. بينما بقيت المبادرات العراقية للمصورين فردية لفنانين ومعماريين، ويغيب عنها دعم المؤسسات، سواء في تلك القديمة منها، امتدادا إلى يومنا هذا، عكس ما حصل من وفود زارت العراق مدعومة بالمؤسسات والجامعات ومراكز البحوث.
* صناعة الأرض والضوء
لكن التجارب العراقية البارزة لم تغب تماما، أبرزها للمصورين الفوتوغرافيين فؤاد شاكر وناظم رمزي اللذين تناولا موضوعات فوتوغرافية عن المدينة والعمران والمشاهد في الظل والضوء.
الملمح الحضري للمدينة يغيب خلف الأسلاك الشائكة والجدران الكونكريتية المنتشرة في المدينة. يعلق المصور الفوتوغرافي زياد تركي: «اليوم بغداد مدينة حرب منذ 1980 ولم تهدأ، بل أصبحت أقدم مدينة شاهدة على آثار الحروب في تأريخنا الحاضر كل شيء فيها يحمل ندوب وجروح الحروب الطويلة.. الإنسان والجدران والأشجار. ندوب هنا وهناك في المدارس وفي دور العبادة. لم تعد هناك بنايات ومعمار يعكس هوية بغداد. حتى أقدم شارع فيها أهملته الحرب وكسرت هيبته. لم تعد فيه طبقات وسطى علاوة على فقده ذلك التنوع الاجتماعي المميز الذي شكل هوية العراق كله».
المدن لا تشيخ ولا تطعن في السن. عندما تتمتع بوجود مجتمعات حيوية مثل تلك التي كانت تبحث عن الجمال وتلاحقه في مدينة مثل بغداد تظهر المدينة في الصورة مثلما كانت تنظر تلك المجتمعات إلى المستقبل، وبالعمل الدؤوب لإنتاج حيّز مكاني لافت وممكن توثيق لحظته، فوتوغراف بغداد الذي رفع من شأنها سلفا ظلمها الآن، فلا بغداد كانت في الحقيقة تشبه الصورة آنذاك ولا هي اليوم نسخة طبق الأصل عن الصورة السريعة الملتقطة بدورة واحدة لهاتف يسجل نوع النسخة الأسرع للفوتوغراف (سيلفي)، لكن لا مناص من حقيقة أن الحنين إلى بغداد مدينة الشرق والظل والضوء على سطح الصورة الفوتوغرافية شاهد على زمن جميل مضى وكل ما في عراق اليوم يقول إنه لن يتكرر.



يونس أوعلي: المشهد الثقافي المغربي موبوء بشبكات المصالح والحسابات الضيقة

يونس أوعلي
يونس أوعلي
TT

يونس أوعلي: المشهد الثقافي المغربي موبوء بشبكات المصالح والحسابات الضيقة

يونس أوعلي
يونس أوعلي

يرى الروائي المغربي يونس أوعلي أن جيل الروائيين الشباب في بلاده لا يشكل تياراً أدبياً متجانساً، بقدر ما يضم تجارب تتقاطع في أسئلتها وتختلف في رؤاها وأساليبها. ويعتقد أن الرواية المغربية مطالبة باكتشاف عوالم اجتماعية وثقافية لم تنل نصيبها من الاهتمام، وتجاوز الموضوعات التي هيمنت على الكتابة الروائية لعقود.

وفي حوار مع «الشرق الأوسط»، ينتقد أوعلي ما يصفه بـ«الشللية» وشبكات المصالح في المشهد الثقافي المغربي، معتبراً أن الاغتراب قد يعيشه الكاتب داخل وطنه. كما يرى أن الجوائز الأدبية، رغم دورها في التعريف بالكتّاب، لا تصنع القيمة الفنية للأعمال ولا تضمن بقاءها.

وينتمي أوعلي إلى جيل الروائيين المغاربة الشباب، وقد برز اسمه بعد فوز روايته «أحلاس، ذاكرة أليمة المدى» بجائزة كتارا للرواية العربية عام 2021، في دورتها السابعة، ضمن فئة الروايات غير المنشورة. وفي روايته الأحدث «حقيبة علي اليونسي»، يواصل انشغاله بأسئلة الهوية والذاكرة وقيمة الإنسان، متناولاً علاقة الفرد بالسلطة والمجتمع، وصور التمييز والانتماء.

وفيما يلي نص الحوار:

* تنتمي إلى جيل لم يعِش التحولات الكبرى التي صنعت أدب الأجيال السابقة، لكنه ورث نتائجها. من أين يستمد جيلك مادته الروائية، من ذاكرته الخاصة أم من ذاكرة لم يعشها؟

- أظن أن الكاتب يستمد مادته الروائية مما عاشه بنفسه، ومما سمعه وقرأه، ومن الآثار التي خلّفتها الأحداث في حياة الآخرين. فنحن نرث نتائج تحولات لم نعشها، لكننا نتأثر بها، ونحاول من خلال الكتابة أن نمنح صوتاً لأناس بسطاء لم يلتفت التاريخ إلى حكاياتهم.

لذلك تتشكل مادتي الروائية من تفاعل ذاكرتي الشخصية مع ذاكرة أوسع، تبدأ من ذاكرة المغاربة وتمتد إلى ذاكرة الإنسان عموماً، وما عرفه من حروب ومآسٍ ومعاناة.

وأعتقد أن روايتي «حقيبة علي اليونسي»، الصادرة حديثاً، تجسّد هذا الامتداد، إذ تنطلق من سؤال قيمة الإنسان المغربي في نظر المسؤول، وتتسع لتطرح قيمة الإنسان الأفريقي في نظر الإنسان الغربي. ومن خلال ذلك، أحاول الدفاع عن الإنسان لذاته، بعيداً عن جنسيته أو انتمائه أو موقعه في ميزان القوة.

* في روايتك «أحلاس، ذاكرة أليمة المدى» حضور للتاريخ والمكان والذاكرة. هل تكتب الرواية لاستعادة ما غاب من الحكايات، أم لمساءلة الروايات التي استقرت في وعينا عن الماضي؟

- أكتب انطلاقاً من الرغبة في إعادة النظر في الذاكرة واكتشاف ما تركه الماضي في حياة الإنسان، أكثر من اهتمامي باستعادة الحكايات كما وقعت، أو مساءلة الروايات المستقرة عن الماضي لذاتها.

ومن قرأ روايتي الأولى «أحلاس، ذاكرة أليمة المدى» سيلاحظ انشغالي بما يتركه الماضي في الإنسان، خصوصاً مرحلة الطفولة، لأن الإنسان امتداد لطفولته. وقد حاولت تعقّب الطريقة التي تستمر بها بعض التجارب في التأثير في حياته، حتى حين يعتقد أنه تجاوزها. فالحدث قد ينتهي في الزمن، لكنه يظل حاضراً في قرارات الإنسان واختياراته.

* ما الذي تستطيع الرواية أن تقوله عن المجتمع المغربي ولا تستطيع الصحافة أو الكتابة التاريخية قوله؟

- تستطيع الرواية الاقتراب من المناطق الداخلية في حياة الإنسان، ومن التناقضات والمشاعر التي يصعب اختزالها في الوقائع والمعلومات. فالصحافة تنشغل بنقل الأحداث وتفسيرها، وتشتغل الكتابة التاريخية على الوثائق والسياقات، بينما يتيح التخييل استكشاف ما يجري داخل الشخصيات، وكيف تعيش الأحداث وتتأثر بها، وكيف تتغير مصائرها.

ولا يعني ذلك أن الرواية أقدر من غيرها على قول الحقيقة، وإنما لكل شكل من أشكال الكتابة أدواته وحدوده، والرواية تفتح إمكانات مختلفة لفهم المجتمع والإنسان.

الرواد وأسئلة الشباب

* عرفت الرواية المغربية أسماء أسست حضورها العربي، مثل محمد شكري والطاهر بن جلون ومحمد برادة. هل يشعر الروائي المغربي الشاب بأنه امتداد لهذا الإرث أم أنه يسعى إلى القطيعة معه؟

- أرى أن العلاقة مع التجارب السابقة لا تستلزم الاختيار بين الامتداد والقطيعة. فنحن نقرأ ما كتبه السابقون، ونتأثر، بوعي أو من دونه، ببعض أسئلتهم واختياراتهم، لكن لكل جيل ظروفه وأسئلته الخاصة.

المهم ألا تتحول أسماء الرواد إلى قوالب جاهزة للكتابة، وألا تتحول الرغبة في الاختلاف إلى قطيعة مع إرث أدبي أسهم في تشكيل ذائقتنا.

* هل يمكن الحديث اليوم عن جيل روائي مغربي يمتلك أسئلته الجمالية والفكرية، أم أننا أمام تجارب فردية لا يجمعها سوى التقارب العمري؟

- أميل إلى النظر إلى المشهد الروائي المغربي باعتباره فضاءً تتجاور فيه تجارب متعددة، أكثر من كونه جيلاً متجانساً. صحيح أن هناك أسئلة مشتركة تفرضها التحولات الاجتماعية والثقافية التي شهدها المغرب ويشهدها، لكن طرق التعامل معها تختلف من كاتب إلى آخر.

وقد يكون تقارب السن عاملاً في تشابه بعض الانشغالات، لكنه لا يكفي لصناعة جيل أدبي بالمعنى الجمالي والفكري. فما يمنح التجارب قيمتها هو ما تقترحه من موضوعات وأسئلة، لا انتماؤها إلى فئة عمرية بعينها.

* نشأ جيلك في زمن الإنترنت والهجرة وتحولات الهوية. كيف انعكست هذه التجارب على بناء الشخصيات الروائية، وعلى تصور الشباب المغربي لذاته وللعالم؟

- وسّع الإنترنت آفاق الاطلاع على العالم، وأتاح الاحتكاك بثقافات وتجارب مختلفة، بينما جعلت الهجرة والسعي إلى الفردوس المفقود أسئلة الانتماء أكثر تعقيداً، خصوصاً في المجتمع المغربي.

وقد حاولت تجسيد هذا التعقيد من خلال إحدى شخصيات «حقيبة علي اليونسي»، التي وجدت نفسها، بعد حياة أمضتها في التعصب والدفاع عن قيم الجمهورية الفرنسية، تنتمي إلى الفئة التي طالما حاربتها.

أردت من خلال هذه الشخصية مساءلة تصوراتنا الجاهزة عن الهوية والانتماء، وكيف يمكن أن تنقلب علاقة الإنسان بالآخر حين يكتشف أنه أقرب إليه مما كان يظن، وأن الحدود التي نرسمها بيننا وبين الآخرين قد تكون أقل صلابة مما نعتقد.

عموماً، لم يعد الإنسان يعيش هويته بالضرورة داخل حدود مكان واحد أو ذاكرة واحدة. فقد ينتمي إلى أمكنة متعددة، ويشعر بالغربة في بعضها رغم معرفته بها. وأعتقد أن هذه التحولات جعلت سؤال الهوية أقل ارتباطاً بالبحث عن تعريف ثابت، وأكثر اتصالاً بالتفاوض المستمر بين الذات والعالم.

عوالم على الهامش

* يعيش المجتمع المغربي بين تعدد لغوي وثقافي وتحولات اجتماعية. هل استطاعت الرواية المغربية الجديدة التعبير عن هذا التعقيد، أم أنها ما زالت أسيرة صور مألوفة عن المجتمع؟

- قدمت الرواية المغربية أعمالاً متنوعة في تعاملها مع التعدد الثقافي واللغوي والتحولات الاجتماعية، لكنني لا أعتقد أن أي مشهد أدبي يستطيع الإحاطة بكل تعقيدات المجتمع.

ما يزال هناك مجال واسع لاستكشاف تجارب تعيش على الهامش، سواء بسبب موقعها الجغرافي أو وضعها الاجتماعي أو خصوصيتها الثقافية.

وأظن أن من رهانات الرواية المقبلة، بعد تجاوز موضوع «سنوات الجمر والرصاص» الذي هيمن على الرواية المغربية لوقت طويل، الاقتراب من هذه العوالم، وتجاوز الصور الجاهزة، وإتاحة المجال لأصوات لا تحظى بالظهور الكافي.

* تبدو الهجرة والاغتراب والبحث عن الانتماء موضوعات حاضرة في الأدب المغربي. هل تغير معنى الاغتراب لدى جيلكم، بحيث أصبح ممكناً أن يشعر الإنسان بالغربة وهو داخل وطنه؟

- بالتأكيد، فالاغتراب لا يرتبط بالمسافة الجغرافية وحدها. قد يعيش الإنسان في المكان الذي وُلد فيه، لكنه يشعر بأنه بعيد عن المجتمع الذي ينتمي إليه، أو عاجز عن العثور على موقع ينسجم فيه مع ذاته وتطلعاته.

وقد يكون الاغتراب نتيجة التهميش أو غياب الفرص، أو الشعور بأن العالم الذي يعيش فيه لا يتيح له تحقيق إمكاناته. وهذا ما يحدث مع كثير من الروائيين الشباب في المغرب، خصوصاً أولئك الذين يرفضون منطق الشللية، ويتمسكون باستقلاليتهم بعيداً عن مشهد ثقافي موبوء بشبكات المصالح والحسابات الضيقة.

قد يكون تقارب السن عاملاً في تشابه بعض الانشغالات، لكنه لا يكفي لصناعة جيل أدبي بالمعنى الجمالي والفكري

يونس أوعلي

الجوائز لا تصنع الأدب

* بعد فوزك بجائزة كتارا، هل شعرت بأن الجوائز العربية تمنح الكاتب فرصة للوصول إلى القراء، أم أنها تضعه أمام توقعات قد تؤثر في حريته الإبداعية؟

- بالنسبة إلى كاتب في بداية تجربته، يشكل الفوز بجائزة كتارا فرصة للتعريف به عربياً، والوصول إلى قراء يصعب بلوغهم في بداية الطريق. كما تؤدي الجوائز دوراً في لفت الانتباه إلى أعمال أدبية قد لا تحظى بالانتشار نفسه في غيابها.

لكنني، باعتباري قارئاً أولاً، أرى أن القيمة الفنية للعمل لا يحسمها التتويج، وإنما قدرته على الصمود أمام الزمن، ومواصلة إثارة الأسئلة والقراءات.

فالجوائز لا تصنع الأدب، ولا تضمن خلود الأعمال. ولذلك أكتب من دون توقعات مسبقة، ولا أريد أن تتحكم التوقعات التي قد تخلقها الجائزة في رواياتي اللاحقة، لأن ما يهمني هو ما تفرضه عليّ أسئلتي ومشروعي الروائي.

الرواية والحرية

* هل تكتب الرواية انطلاقاً من قضية تريد الدفاع عنها، أم من أسئلة لا تملك إجابات عنها؟ وأين تضع الحدود بين التزام الروائي بقضايا مجتمعه وحريته في تخيل العالم؟

- أكتب انطلاقاً من أسئلة أكثر مما أكتب دفاعاً عن أجوبة جاهزة، وأعتقد أن هذه هي مهمة الرواية.

تشغلني قضايا الظلم والهوية وقيمة الإنسان والحب والحزن، لكنني لا أريد تحويل رواياتي إلى خطاب يلقّن القارئ موقفاً محدداً، لأن العالم معقد، ولا مجال فيه لتقديم إجابات جاهزة عن كل شيء.

أفضل أن أضع الشخصيات في مواقف تكشف تناقضاتها، وأن أترك للحكاية فرصة اختبار الأفكار بدلاً من الاكتفاء بتأكيدها.

أما التزام الكاتب بقضايا مجتمعه، فلا أراه متعارضاً مع حريته في التخييل. يمكن للروائي أن ينشغل بواقعه من دون أن يصبح أسيراً له، وأن يستلهم أسئلته من المجتمع من دون أن يتحول عمله إلى بيان.

بالنسبة إليّ، أعتبر الكتابة مساحة للحرية والاكتشاف، ومحاولة لفهم بؤس العالم وتعقيداته. لا أملك إجابات حاسمة عن القضايا التي أكتب فيها، لكنني أملك أسئلة كثيرة تدفعني إلى الكتابة.

 


الشعر حين يختبئ في التفاصيل

الشعر حين يختبئ في التفاصيل
TT

الشعر حين يختبئ في التفاصيل

الشعر حين يختبئ في التفاصيل

الشعر كامن في تفاصيل الحياة، وخلف أحداثها اليومية العابرة، في صخب الشوارع وعراك المارة. وكذا، تبدو القضايا الكبرى والأسئلة الوجودية قارة في أدق التفاصيل، متشظية ومنثورة في ما هو مهمل ومعيش. إن ما نتصوره جليلاً، نجده منبثاً في كل ما نظنه مبتذلاً وعابراً. هذا ما تومئ به قصائد ديوان «أقشِّر الاستعارات لكي أكوّن النص»، للشاعر المصري أمجد ريان؛ لذا تبدو مهمة الشاعر، هنا، كي يكتب قصيدته، وعلى عكس الشائع، هي أن يقشر الاستعارات، حتى يصنعها ويبتكرها، ويزيل طبقات من ركام اللغة والمجازات، ليكتشف الشعر المختبئ كلؤلؤة، في دهاليز العالم والحكايات وفي ممارسات البشر، محاولاً الإمساك بما يمور به العالم من سيولة واندياح.

الديوان الذي صدر في القاهرة عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب» لا يتبنى منطق الثنائيات الضدية بصبغته البنيوية الحداثية، ويميل أكثر إلى مفهوم ينتمي إلى استراتيجيات ما بعد الحداثة وهو «التكملة»، بمعناها لدى الفيلسوف الأميركي، المصري الأصل إيهاب حسن، أو ربما مفهوم «الحلول»، بحمولاته الصوفية، فاليومي ليس مناقضاً للفلسفي، والعابر المعيش ليس متعارضاً مع الوجودي؛ فكل طرف من أطراف الثنائي يكمل نقيضه، ويحل فيه، حتى يصعب الفصل بينهما، بل إن غياب طرف يعني غياب الآخر المقابل له. يتجلى هذا التضافر في قوله:

«سيقان هزيلة تملأ الشارع

بطوله وعرضه،

وأنا أمشي تحت جدران الفقراء

ممتلئاً بالحنين

لمعرفة بدايات الإنسان

وأسراره التاريخية»

فالانتقال يأتي سلساً وطبيعياً، من وصف ما يحدث في الشارع ومرور الناس فيه، بوصفه حدثاً عادياً ويومياً، هذا الوصف يبدو محايداً وتسجيلياً للوهلة الأولى، لكنه مسكون بموقف آيديولوجي وإنساني متعاطف معهم، ومع ما يعانونه من هزال، ومن هنا ينتقل الشاعر من وصف الخارج إلى وصف نفسه كواحد وسط هذه الجموع، لكنه منحاز سياسياً واجتماعياً إلى طبقة الفقراء، الذين يسير تحت جدرانهم وفي ظلالها، لتبرز الحمولة السياسية والقناعات الآيديولوجية، ومن هذين المستويين - اليومي والسياسي - ينتقل إلى مستوى ثالث أكثر اختلافاً، وهو المستوى الوجودي، الذي تبحث فيه الذات الشاعرة في أسئلة الوجود، ومعرفة بدايات الإنسان وأسراره وتاريخه. هكذا يبدو العالم لدى الشاعر كلاً ملتبساً، لا يمكن تجزئته، ولا فصل أحد مناحيه عن الأخرى.

هذا الخلط والتداخل المركزي في الديوان، وفي رؤية الشاعر، يجعل معظم القصائد تنبثق مكانياً داخل البيت، وفي غرفة المعيشة، حيث يكون متكئاً على الكنبة، أو يشاهد التلفاز، أو يشاهد العالم من شرفته، هذه الشرفة التي يلجأ إليها كثيراً، فهي نافذته على الحياة وصخبها وتفاعلاتها، وتعد وسيلة تواصله مع العالم في مرحلة الشيخوخة، مدققاً في أصغر تفاصيل البشر من موقعه المتأمل، دون أن يملك القدرة على تغيير الواقع، أو حتى تفسيره؛ فكل ما في جعبته هو مجموعة تساؤلات كبرى، ومن ثم لا يميز نفسه عن الناس العاديين «وما زلت على المنضدة المنخفضة أقول لنفسي: «أنا مثل بقية الناس، خالي الوفاض... لا أملك أي شيء... سوى تلك البؤرة في القلب»؛ فالشاعر هنا يفقد كل ما يمكن أن يجعله في مكانة أعلى، ليس له سلطة، وليس «زرقاء اليمامة»، بل واحد من الناس، فقط يملك بؤرة صغيرة في القلب، تجعله يستشعر ما يدور حوله بشكل أكثر رهافة، ويمسك بما هو أصيل وجوهري في الوجود الإنساني، حتى لو كان متشظياً ومتناثراً في زحام الحياة.

هذا الشاعر، الإنسان العادي، وفي خضم مراوحته بين الثنائيات، كثيراً ما يستحضر مشاهد من طفولته، فالطفولة تظل حاضرة في الشيخوخة، ومتداخلة معها، فهو في شيخوخته ما زال ينظر للعالم بعين الطفل المندهش. وتتجاور لديه الأزمنة، كما تتجاور الأمكنة، فتبرز «عزبة الصفيح» في عشوائيات القاهرة، التي تمثل مكان الطفولة وسط الفقراء المعدمين، مع مدينة «ست» الفرنسية التي زارها شاعراً، فلا أفضلية لمكان على آخر، ولا زمن على غيره؛ «فالزمان دائرة يصب آخرها في أولها، ولا يوجد في الأصل شيء قابل للفهم». إنه ينظر للعالم بوصفه سرديات متجاورة، لكل منها الحق في الوجود، يقول بشكل لافت:

«الماضي حكايات، والمستقبل حكايات

والأحداث متناثرة في كل اتجاه

وخلف الجدران والنوافذ:

ولدت حكايات لا أول لها ولا آخر

وولدت الأسرار والنكات والخزعبلات

ولولا هذا ما استمر الواقع الآدمي

الحزن حكاية، والجسد حكاية

الزمن حكاية، والأبواب حكاية

وكل شيء حاضر وغائب».

ينشغل الشاعر في كثير من قصائد الديوان بتقديم مفهومه للكتابة، ومفهومه للشعر، بما يجعل كثيراً من النصوص تقترب من «الميتا شعر»، هذا المفهوم يمزج بين المصادفة والعبثية والفوضى، فهي غير محكومة بخطة مسبقة، ولا بتصورات جاهزة عن ما هو الشعر، بل كل ما يبتغيه هو التعبير عن الذات، وتتكرر التعريفات كثيراً بنفس المعنى في أكثر من موضع داخل كثير من القصائد، فمرة يقول: «حين أبدأ الكتابة، لا أعلم ما الذي سأكتبه»، ومرة أخرى: «لا أعرف كيف أكتب... والكتابة عندي محض مصادفات»، ومرة ثالثة: «ليس للكتابة أي شروط لدي، بل أبدأ بالتعبير عن نفسي بشكل مباشر، وأريد أن أنطلق من المحلية إلى الكون». وليس من المصادفة أنه لم يقل من المحلية إلى العالمية، فهو ليس منشغلاً بهذا الوهم الاستهلاكي الذي يستنزف كثيراً من الشعراء والمثقفين.

 يستحضر الشاعر مشاهد من طفولته، فالطفولة تظل حاضرة في الشيخوخة، وهو لا يزال ينظر للعالم بعين الطفل المندهش

ما يهم الذات الشاعرة هنا هو الكون؛ وفهم أسراره وخباياه، والوصول إلى معنى الوجود الإنساني، وهو ما يؤكد على الحمولة الفلسفية لمفردة الكون، التي تؤرق الشاعر حقاً، وليس الحمولة الدعائية عن الشاعر العالمي التي لا ينشغل بأوهامها. هذا التوق لفهم فلسفة الوجود نرى ترجمته الأسلوبية في التكرار المدهش لمفردات مثل «الناس»، و«الوجود»، و«الإنسان»، وهذه الأخيرة تحتل الصدارة في عدد التكرارات داخل متن الديوان، فالإنسان وسعادته هما المرتكز والمبتغى من رؤية الشاعر، لكنه في النهاية مغلوب على أمره، ذات ضئيلة، تعيش على حافة كل شيء «أقف أمام العدسة التي تكبر وجهي عشرات المرات، بينما أنا صغير... للدرجة التي قد أذوب فيها وأتلاشى». وككل الشعراء، لا يملك سوى الشعور بالحسرة، على ما آل إليه العالم من توحش:

«أكتفي بالحسرة التي حصلتها اليوم،

فلا مكان لحسرة أخرى

أنا الشاعر الغني بالأحاسيس السيالة،

ولكنني - مثل أقراني الشعراء -

مفلس لدرجة الفضيحة.

والإنسان دائماً على حافة التوهج

وعلى حافة الانطفاء».


جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»
TT

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

بعد حيازته عام 2015 جائزة «أفضل عمل روائي لبناني» عن كتابه «غريقة بحيرة موريه»، التي منحته إياها وزارة الثقافة اللبنانية، أعلنت هيئة الشارقة للكتاب منحها جائزة «أفضل رواية عربية» للزميل الشاعر والروائي والباحث

أنطوان الدويهي

عن رائعته الأخيرة «الشتاء الكبير»، التي كانت «الشرق الأوسط» نشرت مؤخراً حواراً معه حولها.

وتشكّل هذه الجائزة للدويهي مفاجأة نظراً لبعد الكاتب عن الأضواء وتنسّكه في نشاطه الأدبي، فهو دائم الإقامة في الذات، ومنعزل منذ زمن طويل في خلوته على كتف وادي قزحيّا في أعالي جبل لبنان.

وترتكز أعمال الدويهي الأدبية والشعرية والسردية على عوالم الذات، وهي مستمدة بكاملها من «يوميات الحياة الداخلية»، المستمر في صوغها منذ سن الرابعة عشرة إلى اليوم، ولا مصدر آخر لكتاباته، بحثياً كان أم توثيقياً. ومن هنا وحدة عالمه الأدبي العميقة، وتكامله، ووحدة لغته وهواجسه ومشاعره، ورؤاه الجمالية في كل أعماله المتوالية على مدى ثلث قرن، من «كتاب الحالة» عام 1993 إلى «الشتاء الكبير» الصادر حديثاً.

ومن أهم مفاعيل هذه الجائزة أنها تلفت القراء العرب إلى أديب مختلف، بالغ الخصوصية في الآداب العربية، في غوصه في أعماق النفس البشرية وتماهيه مع روح الأمكنة والمشاهد والحالات، حيث تلتقي ذات الفرد بذات الأرض وذات الجماعة. وبهذا المعنى ذكر عنه الشاعر أنسي الحاج: «ماذا كتب؟ كتب ذات فرد وذات أرض وذات شعب». وذكر أيضاً: «يُقرأ أنطوان الدويهي كما تُفرد حبات اللؤلؤ». وبهذا المعني أيضاً كتب الأديب والصحافي سمير عطاالله: «منذ أن بدأت في قراءة الدويهي، اعتدت الانجذاب في غبطة إلى هذا الخدر الآسر الأثير. فليس أهنأ إلى نفسي من قلم له هذه التجربة في عمق الذات، وله مثل هذا الصمود في عمق النقاء».

وتأتي هذه الجائزة لتتجاوز الاتجاه الذي بات سائداً لدى عديد من الروائيين العرب، وفي الغرب أيضاً، الذي يمكن اختصاره بعبارة «أدب الموضوعات»، حيث ينتقل الروائي في كل عمل جديد من موضوع إلى آخر، يحشد له في كل مرة المعلومات البحثية والتوثيقية، وبات يشارك في صنعه في أحيان كثيرة الذكاء الاصطناعي. ويشكل هذا المنحى ابتعاداً عن عوالم الأدباء الذاتية، ونزوحاً من «أدب الكتّاب» إلى «أدب القراء» وفقاً لمنطق السوق وحركة العرض والطلب التجارية. أما أدب الدويهي، المستند إلى وحدة الحياة الداخلية في الزمان وفرادتها وذاتيتها وخصوصيتها وعمقها، فهو إعادة اعتبار للأدب الكبير، وهو النقيض الأمثل لعالم كتابي يغرق أكثر فأكثر في متاهات وسائل التواصل الاجتماعي ومؤثرات الذكاء الاصطناعي التي تقود إلى نهاية الأدب.

في «الشتاء الكبير»، يروي الدويهي عذابات سن السابعة عشرة، ويستحضر الذاكرة والمكان، بلغة عميقة وفلسفية ومتينة، تمزج بين التأمل ووصف الطبيعة واستكشاف أثر العنف والذاكرة على الإنسان. نحن أمام رواية رمزية وفلسفية تبحث في سلوك الإنسان وعلاقته بذاته، وتقوم على التأمل الذاتي الذي يعيشه الراوي، وعلى علاقته بالحياة والموت والعنف والحرب. أما الشخصيات الأخرى، فهي أقرب إلى ظلال تحيط به، ووجودها وظيفي لتحريك السرد أكثر مما هو محوري في بنية النص. وفي تأملاته العميقة، يناقش الدويهي ظواهر العنف والثأر والدم المستباح، ويربطها بالسلوك الفردي والجماعي، متسائلاً عن فكرة المسؤولية الجماعية وتأثيرها على النمط المتوارث في الثأر العائلي.