لبنى وقيس بن ذريح... السرير الزوجي الذي عصفت به رياح الفقدان

علاقتهما الفريدة تؤكد أن الحب العذري ليس «استبعاداً» للجسد ولا رديفاً للعذرية

صورة تخيلية لقصص العذريين
صورة تخيلية لقصص العذريين
TT

لبنى وقيس بن ذريح... السرير الزوجي الذي عصفت به رياح الفقدان

صورة تخيلية لقصص العذريين
صورة تخيلية لقصص العذريين

لم يكن لقصة قيس بن ذريح وحبيبته لبنى بنت الحباب أن تدخل في سياق هذه السلسلة من المقالات المتعلقة بزواج المبدعين، لو لم تتوج علاقة الثنائي العاشق بالزواج، خلافاً لكل العلاقات المماثلة التي لم يظفر خلالها شعراء بني عذرة الآخرون بغير سراب الحبيبة المعشوقة المفضي إلى الجنون والموت. ولعل قصة الشاعر الذي أُلحق اسمه بحبيبته لبنى على غرار أترابه من العذريين، هي إحدى أكثر قصص ذلك الزمن مصداقية، وقدرة على الإقناع. لا أقول ذلك من منطق التشكيك العميق بكل ما نقله إلينا الرواة من قصص الحب المماثلة، أو الدحض الكامل لإحدى أنبل الظواهر الشعرية والإنسانية التي عرفها العرب في تاريخهم، بل لأن وقائع القصة تتغذى من عناصر واقعية قابلة للتصديق، بقدر ما هي قابلة للحدوث، ولو بنسخ مختلفة، في غير زمان ومكان. ولعل هذه العناصر المشار إليها هي التي دفعت الكاتب المصري طه حسين إلى القول في كتابه «حديث الأربعاء» إن قصة حب قيس للبنى هي «قصة جيدة حقاً، ولا ينبغي أن تقرن بهذا السخف الذي تحدث الرواة به عن المجنون، ولا إلى هذا الفتور الذي ذكروا به حب جميل لبثينة». على أن وضع الأمور في نصابها يستوجب العودة إلى ما حفظه تاريخ الأدب من سيرة الحبيبين، اللذين بدا ارتباطهما الزوجي خروجاً عن السياق المألوف للحب العذري، قبل أن تذهب الأمور مرة ثانية إلى مآلها المأساوي.
قد يكون أبو الفرج الأصفهاني في كتاب «الأغاني»، هو أحد أكثر مؤرخي الأدب الذين أولوا عناية خاصة بسيرة قيس بن ذريح وتعقب أخباره مع لبنى، وصولاً إلى الاستشهاد بالكثير من نصوصه الشعرية التي تنضح بالحزن الشفاف واللوعة الصادقة. أما الخطوط العامة للقصة فتبدأ مع مرور قيس بإحدى خيام بني كعب بن خزاعة مستسقياً الماء، وقد استبد به العطش. وما إن خرجت إليه لبنى بنت الحباب لتعطيه حاجته، وهي «امرأة مديدة القامة، شهلاء وحلوة المنظر والكلام» حتى وقعت في نفسه ووقع في نفسها في الآن ذاته. وبعد أن دعته إلى الخيمة ليبترد، أقبل أبوها فأكرمه وأطعمه، حتى إذا عاد إلى منزله وأخبر أباه بالأمر، طالباً منه خطبتها له، رفض الوالد الثري ذلك، لأنه كان يخطط لتزويج ابنه الوحيد بإحدى بنات عمه، كي لا تقع ثروته وميراثه في قبضة الغرباء. وإذ يستعين قيس لتحقيق مأربه بالإمام الحسين بن علي، الذي كان أخاً له في الرضاعة، استجاب الحسين لطلبه وزار كلاً من الطرفين المعنيين بالمصاهرة، فاستجابا له دون تردد، بما سمح للعاشقين الفتيين أن يطفئا بالزواج اللوعة التي لم يتمكن من إطفائها أي ثنائي مماثل من بني عذرة. ولكن السعادة التي ظللت الزوجين الوالهين سرعان ما تبددت، مخلية بريقها الآسر للكثير من الكوابيس.
كانت الحمى التي أصيب بها الزوج العاشق في أحد الأيام هي الذريعة الملائمة لمفاتحته من قبل والديه بشأن تطليقه للبنى، التي لم تنجب له طفلاً تؤول إليه ثروة ذريح الطائلة. وحين رفض قيس الانصياع للضغوط أقسم الأب بألا يظلله أي سقف قبل أن يقوم ابنه بتطليق زوجته، ثم راح لأسابيع لاحقة يقضي أيامه تحت الشمس اللاهبة لصحراء الحجاز، حيث يروي أبو الفرج أن قيساً الممزق بين عشقه لامرأته وبين خوفه على أبيه، كان يحرص على الوقوف إلى جانب هذا الأخير ساعات عديدة من النهار لكي يظلله من وهج الشمس، قبل أن يستسلم في لحظة ضعف لاحقة للأمر الواقع، ويقوم بتطليق لبنى. ولم يكد أهل الزوجة المهانة يرحلون بابنتهم بعيداً، حتى كان الزوج المغلوب على أمره ينتبه إلى الكارثة التي ألحقها بنفسه، ثم يشحذ على سكين الندم والحسرة كل ما أوتيه من ملكة النظم الشعري. بعد ذلك يشكو والد لبنى أمره إلى معاوية، وقد شعر بالإهانة والحرج بسبب تشبيب قيس العلني بابنته المطلقة، فطلب الخليفة من والي المدينة مروان بن الحكم إهدار دم الشاعر، كما طلب من والد لبنى أن يبحث عن زوج آخر لابنته، وهو ما حدث بالفعل، حيث تم تزويجها لخالد بن حلزة الغطفاني، وهو ما أفقد قيس توازنه العقلي ودفعه إلى محاولة اللقاء بها دون طائل. لكن الصدفة تفعل فعلها في هذا الصدد، إذ إن قيساً نزل بعد ذلك في المدينة المنورة عارضاً ناقة له للبيع، فاشتراها أحد الأشخاص طالباً إليه أن يوافيه إلى منزله ليدفع له المال. ويصدف أن يكون الشاري هو زوج لبنى بالذات، حتى إذا التقى الحبيبان على غير موعد، أصابهما من الاضطراب والذهول ما جعل الزوج الغافل ينتبه إلى ما يجري، وصولاً إلى الوقوف على الحقيقة الصادمة.
وكما هو الحال في الكثير من قصص العذريين، تتعدد الروايات بعد ذلك. فثمة من قال إن قيس بن ذريح عمد إلى الاستعانة مرة أخرى بالإمام الحسين، الذي أقنع خالد بن حلزة بتطليقها لتعود ثانية إلى الرجل الذي أحبته. وثمة من نفى ذلك جملة وتفصيلاً، ليؤكد أن قيساً ما لبث أن هام، بعد لقائه الأخير بلبنى، على وجهه، ولم يجد له مهنة، وفق أكثر الرواة، سوى البكاء والنشيج والتمرغ ونظم قصائد الندم على ما فات من أيام سعادته الآفلة. حتى إذا قضت لبنى نحبها بفعل مرضٍ أصابها لاحقاً، لم يصمد العاشق الملتاع سوى أيام معدودة، قبل أن يواجه المصير نفسه.
ثمة الكثير بالطبع مما يمكن قوله بشأن هذه القصة المؤثرة التي يجمعها بالشعر العذري إخلاص الشاعر العاشق لامرأة واحدة، ووقف كل ما ينظمه من شعر على ذكرها والتغزل بمحاسنها، والتحسر على ما فات من أيام وصالها الوردية. لكن ارتباط العاشقين بعلاقة زوجية طويلة استمرت وفق بعض الرواة لسنوات عشر، يمنح هذه التجربة طابعها المتفرد، ليس فقط من زاوية دحض الجناس الشائع حول علاقة الحب العذري بالعذرية والتبتل التام، والنأي به بالتالي عن أي شبهة جسدية وشهوانية، بل من الزاوية المتعلقة بقدرة الحب على الصمود في وجه الأعاصير، وعلى البقاء مشتعلاً رغم انتقاله إلى خانة الزواج، وما يرتبه ذلك من حالات الضجر وانتفاء الدهشة وتصادم الأمزجة. إذ لطالما تغذى الحب العذري من سحر المسافة الفاصلة بين الطرفين، التي تتيح لكليهما أن «يخترع «الآخر من عنديات أحلامه وهواماته الشخصية. حتى إذا أخلت هذه المسافة مكانها للحضور المحسوس، فقدت العلاقة الكثير من وهجها وسحرها السابقين. وهو ما يؤكده قول جميل بن معمر عن بثينة:
يموت الهوى مني إذا ما لقيتُها
ويحيا إذا فارقتُها فيعود
كما أننا لا نستطيع في هذا السياق أن نُغفل الأبعاد الاجتماعية والطبقية والدينية لهذه التراجيديا العاطفية والإنسانية التي دفع الزوجان العاشقان ثمنها الباهظ. فالتفاوت الطبقي الواضح بين عائلتي قيس ولبنى هو الذي وفر لمأساتهما المشتركة عناصر الاكتمال. صحيح أن المقدس الديني، ممثلاً بالإمام الحسين، هو الذي تكفل بردم الهوة الفاصلة بين العائلتين، إلا أن فترة التعايش القلق لم تدم طويلاً قبل أن ينجح أهل قيس في دفعه أخيراً إلى تطليق زوجته، بدعوى عجزها عن إنجاب طفل يحفظ لعائلة الأب ميراثها وثروتها الطائلة. أما الشاعر الذي غلبه الندم فقد راح ينشد بحرقة بالغة:
يقولون لبنى فتنةٌ، كنتَ قبلها
بخيرٍ، فلا تندمْ عليها، وطلّقِ
فطاوعتُ أعدائي وعاصيتُ ناصحي
وأقررتُ عين الشامت المتخلّقِ
وددتُ وبيتِ الله أني عصيتُهم
وحُمّلتُ في رضوانها كل موبقِ
فتنكرُ عيني بعدها كلّ منظرٍ
ويكره سمعي بعدها كلّ منطقِ
واللافت هنا أن المسؤولية عن عدم الإنجاب قد تم تحميلها إلى الزوجة لا الزوج، دون أي يمتلك والدا قيس الثريان أي دليل قاطع على ذلك، وهو ما يعكس القيم الاجتماعية السائدة آنذاك، حيث كان على المرأة بوجه عام أن تدفع الكلفة الباهظة للغلبة الذكورية بمستوياتها المختلفة. ولعل هذا الواقع بالذات هو ما يجعل من الحب العذري، إضافة إلى جمالياته الفنية وعذوبته الآسرة، إعلاءً غير مسبوق لمكانة المرأة المعشوقة، كما لجوهر الأنوثة الكونية، وسط عالم الصحراء المثخن بالعنف و«العطش» الروحي والخوف من المجهول، بما يكسب طلب الماء واستسقاءه من قبل قيس، وتلبية لبنى لذلك الطلب، قيمة رمزية بالغة الأبعاد والدلالات. وإذا كان العطش قد تجدد ثانية يتجدد مع فراق الحبيبين، فلأن الأسطورة لا تقبل لبطلها أن يرتوي، ولأن «العالم العذري هو صحراء من السراب، لا يموت فيها الإنسان إلا من الظمأ»، وفق ما يقوله الطاهر لبيب في كتابه المميز «سوسيولوجيا الغزل العربي».
وللتراب أيضاً رمزيته الخاصة في هذه التراجيديا العاطفية. فإذ ينتبه قيس فجأة إلى غياب لبنى، لا يجد في الشعر وسيلة كافية لاستردادها من عهدة الفقدان، فيتعقب بداية أثر خف بعيرها على الرمل ويشرع بتقبيله، ثم يذهب إلى حيث كان يطيب لها الجلوس فيقبل أثر قدمها هناك، ممرغاً وجهه بالتراب الذي لا تزال ذراته تتضوع بعبق لبنى وحضورها الدافئ، حيث يقول في ذلك:
وما أحببتُ أرضكمُ ولكنْ
أقبّل إثْر مَن وطئ الترابا
لقد لاقيتُ من كلَفي بلبنى
بلاءً ما أُسيغ به الشرابا
إذا نادى المنادي باسم لبنى
عييتُ فما أطيق له جوابا
وإذا كان لهذه الحادثة من دلالة، فهي تدل على الأبعاد السحرية التي تكتسبها الأماكن المُخلاة من سكانها في نفوس البشر، بحيث تبدو وكأنها الامتداد الطبيعي لأجساد من غادروها، ويبدو الاحتفاظ بها نوعاً من التعويض الرمزي عن غياب ساكنيها. ولعل هذه الرمزية بالذات هي التي جعلت من البكاء على الأطلال أحد التقاليد الأكثر رسوخاً في الشعر العربي القديم. لا بل إن فكرة الطلل، بما هي تعبير عن الفقدان، تكاد تكون الفكرة الأكثر جوهرية التي ينهض فوقها مفهوم الأدب والفن.
فبعد مرور قرون عديدة على مأساة قيس ولبنى، يخبرنا الشاعر الأميركي المعاصر آرتشي أمونز بأن المشهد الأقوى الذي حرضه على الكتابة، ليس مشهد أخيه المتوفى زمن الطفولة، بل مشهد الأم التي لم تكد تعثر على آثار قدميه في حديقة المنزل، حتى قررت أن تبني حولها ما يقيها هبوب الريح، كي يظل من الحضور الملموس لابنها الراحل ما يعصمه من الاضمحلال.
على أن المأزق الذي يعيشه قيس بن ذريح، بكل ما يكتنفه من مشاعر الندم وخواء الحياة وانسداد الأفق، لن يجد طريقه إلى الحل النهائي إلا بالموت، حيث سيتكفل هذا الأخير بتلبية نداءات الشاعر الذي كان يهتف من قلب المأساة:
لقد عنّيتني يا حبّ لبنى
فقعْ إما بموتٍ أو حياةِ
فإن الموت أهونُ من حياةٍ
منغّصةٍ، لها طعم الشتاتِ
وقال الناصحون: تخلّ عنها
فقلتُ: نعم، إذا حانت وفاتي



«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار
TT

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

تبدو «أوشام» سيرة عائلية بقدر ما هي سيرة ذاتية، تبدأ من الحب، تمر بالعائلة، بالأم والأب، بالبيت والرحيل، وتنتهي حيث بدأت: عند الحب بوصفه أعمق ما يبقى. ليست سيرة فرد منعزل، بل سيرة تتشكّل داخل شبكة من العلاقات الأولى، حيث العاطفة لا تنفصل عن النَّسَب، والرغبة لا تنفصل عن الخوف، والذاكرة لا تنفصل عن الجسد. منذ الصفحات الأولى، لا يقدّم نبيل سليمان نفسه بوصفه شاهداً على ماضٍ مكتمل، بل بوصفه كائناً لا يزال يرى، ويختبر، كأن السيرة لا تُكتب بعد انقضاء التجربة، بل في أثناء تشكّلها من جديد.

يتجلى الأسلوب السردي هنا كأن الروائي ممسك بكرة زجاجية يشوبها الضباب، مثل الساحرات أو البصّارات، لا تزعم رؤية صافية، بل تكتفي بإيماءة مترددة: «أنا أرى... أرى». هذه الرؤية لا تُنتج صوراً حادة ولا مشاهد مغلقة، بل لقطات مغبشة، غير مكتملة، تتبدل ملامحها كلما أُديرت الكرة قليلاً. لذلك لا يستقر الزمن في «أوشام» على فصل محدد أو حالة نهائية: لم يكن شتاءً، ولا صيفاً، لا ليلاً ولا نهاراً كامليْن. الزمن هنا حالة إدراك، وليس تأريخاً وتقويماً. ما يُروى ليس ما حدث وانتهى، بل ما لا يزال يتشكّل في الذاكرة، وما لم يُحسم بعد.

من هنا تبدأ السيرة بالحب، ليس بوصفه قصة مكتملة، بل بوصفه ارتباكاً أول، نظرة من نافذة، جسداً يكتشف جسداً آخر، وخسارة مبكرة تتحوّل إلى أثر دائم. قصص الحب التي يستعيدها نبيل سليمان ليست عظيمة ولا استثنائية، بل بسيطة، مراهِقة، عارية من البلاغة. وهذه البساطة هي ما تمنحها قيمتها. أن يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته، علناً، أمام قرائه، لا ليجمّلها ولا ليسخر منها، بل ليضعها في قلب سيرته، فهو فعل مراجعة نادر. هنا يتبدى أسلوب سردي جديد، أسلوب لا يتكئ على المسافة العمرية ليعلو فوق التجربة، بل ليعيد الدخول إليها بعينها المرتبكة نفسها.

النساء في هذا الكتاب يحضرن بوصفهن نقاط تشكّل في الوعي وهي درجة أقل من شخصيات روائية واضحة متجسدة. سعاد، شفيقة، زلفى، ثم غنوة، لسن صوراً متطابقة، ولا نسخاً متكررة، بل تحولات لجرح واحد، ينتقل من الواقع إلى التخييل، ثم يعود إلى السيرة. زلفى، تحديداً، تكشف عن البنية العميقة للمشروع الروائي كله: امرأة تُفقد في الواقع، فتُستعاد في الرواية، ثم تُسترجع في السيرة بوصفها أصلاً هشّاً لكل ذلك التخييل. لا ينفي الكاتب رواياته السابقة، بل يكشف عن كيف كانت المخيلة تعمل كآلية تعويض، وكيف كانت الشخصيات تحمل آثاراً حقيقية جرى تفكيكها وإعادة تركيبها.

غير أن «أوشام» لا تقف عند الحب الفردي، بل تتسع لتصبح سيرة عائلة. الأب الدركي، التنقل الدائم، المخافر، البيوت المؤقتة، الأم التي تتحمل الفقدان والانتقال والصمت، الجد الذي ينهر، الأطفال النيام في الغرف... كل ذلك يُكتب بلغة نثرية مشبعة بالشعر، غير تجميلية، بل لإبقائه في حالته المعلّقة. استخدام الفعل المضارع في السرد ليس خياراً شكلياً، بل قرار بنيوي. لا يقول الكاتب: كان الضباب، بل يقول: يُظلمُ الضباب. بهذا التحول البسيط، يضع القارئ داخل المشهد، وليس خارجه. الذاكرة لا تُعرض بوصفها ماضياً مكتملاً، بل حادثاً يُبنى أمامنا الآن، لحظة بلحظة، كأن كاميرا تتحرك ببطء، تكشف عن الغرف، والأجساد النائمة، والأصوات المكتومة، والعلاقات كما لو أنها تحدث للمرّة الأولى.

هذا الأسلوب يبلغ ذروته في المقاطع التي تتقاطع فيها السيرة العائلية مع سيرة الكتب. في العلاقة مع الأم، لا يعود الكتاب موضوعاً ثقافياً، وإنما وسيلة حياة. فجأةً يصعُب النطقُ عليك مثل البلع، والطبيب الذي نصح بالاستئصال كالطبيب الذي حذَّر منه، ينذران بالخنق، فيما الأم تبتسم وتتحشرج وتطلب حكاية. هنا تتحول القراءة إلى فعل رعاية، إلى محاولة إنقاذ أخيرة عبر السرد.

يبدأ الكاتب من «كان يا ما كان»، لا بوصفها صيغة طفولية، بل بوصفها ما تبقَّى حين يعجز الطب. يستحضر كتباً عن الأم، من غوركي إلى غسان كنفاني، من بيرل باك إلى بريخت، ومن بودلير إلى إيزابيل الليندي، كأن الأدب كلّه يتقاطر في هذه اللحظة ليصير درعاً هشة في مواجهة الفقدان. الأم هنا ليست موضوعاً للرثاء والحنين، بل كيانٌ حيٌّ داخل اللغة، ولذلك يرفض الكاتب صيغة الموت المكتمل. يستحضر كامو وعبارته الشهيرة عن موت الأم، لا ليكرر برود شخصيته الرئيسية «ميرسو»، بل ليقلبه: أنا أردد العبارة لأنني على يقين أن حبيبتي «شفيقة بنت علي نصور لا تموت».

بهذا المعنى، تنتهي السيرة حيث بدأت: عند الحب. حب المرأة الأولى، حب الأم، حب العائلة، حب الكتب، حب الحياة بوصفها حكاية تُروى كي لا تختنق. «أوشام» لا تكتفي بأن تكون سيرة تُغلق الماضي، بل نصاً يتركه مفتوحاً، مغبشاً، قيد التشكّل. الضباب لا ينقشع، لكنه يصير مرئياً. والكرة الزجاجية لا تعطينا يقيناً، لكنها تسمح لنا بأن نرى مع الكاتب، لا بعده، وأن نشاركه اكتشاف ذاكرة لا تزال تحدث الآن.

إلى جانب هذا النسيج العائلي والوجداني، تتسع «أوشام» لتضم ذاكرة الصداقة والرفقة الثقافية، حيث يظهر الكاتب محاطاً بوجوه صنعت زمناً كاملاً من الحياة السورية. في هذا الحقل، تحضر علاقة نبيل سليمان بعمر حجو بوصفها خبرة إنسانية معيشة، علاقة تقوم على القرب اليومي، على الصوت والضحكة والحضور الجسدي، وعلى تفاصيل عابرة اكتسبت مع الزمن وزنها الرمزي. الصداقة هنا تُروى كما تُروى بقية عناصر الذاكرة: مشهد يتحرك، صورة تتكاثف ثم تخفّ، إحساس يمرّ في الجملة من دون أن يُحبس في تعريف. والأسماء السورية التي يستدعيها نبيل سليمان في «أوشام» تدخل النص بالطريقة نفسها، كجزء من نسيج عيش مشترك، من حوارات وسهرات وتقاطعات فكرية وعاطفية، كوّنت ما يشبه عائلة ثانية، عائلة اختارت نفسها عبر التجربة. هكذا تمتد السيرة من فضاء الفرد إلى فضاء الرفقة، ومن الذاكرة الخاصة إلى ذاكرة جيل، حيث تأخذ الصداقة مكانها بوصفها أحد أشكال الحب الهادئة، المستقرة، التي لا تحتاج إلى إعلان لكي تكون حاضرة.

وفي استعادة نبيل سليمان لعلاقته بحجو، تنفتح الذاكرة على طبقة سمعية شديدة الحضور، حيث تتقدّم الأغاني بوصفها لغة مشتركة بين الصديقين. الغناء الذي كان يجمعهما يمرّ كاستذكار عابر، كجزء من نسيج العيش اليومي، من السهرات، ومن لحظات الانفراج القليلة داخل زمن مثقل. عبْر حجو وذكراه، يفتح نبيل سليمان للقارئ باباً على عالمه الموسيقي، على الأغاني التي كانا يتقاسمانها، يرددانها، ويتركانها تملأ الفراغ بين الكلام والكلام. الصوت هنا هو خلفية أساس سردي، وهو أيضاً طريق للدخول إلى حساسية الكاتب، إلى طريقته في الإصغاء قبل الكتابة. الغناء يتحوّل إلى جسر؛ لا بين شخصين فقط، بل بين السرد والنبرة، بين الذاكرة والنص، كأن الموسيقى كانت أحد الوسائط التي عبَرت منها الحياة إلى الكتابة، ومنحت السيرة إيقاعها الداخلي، ذلك الإيقاع الذي سيستمر لاحقاً في الروايات، حيث تتسلل الأغنية إلى الجملة، وتعمل بوصفها ذاكرة موازية لا تقل كثافة عن الصورة والكلمة.

أنْ يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته علناً أمام قرائه لا ليجمّلها ولا ليسخر منها بل ليضعها في قلب سيرته فهو فعل مراجعة نادر

هذا الفصل من «أوشام» يقدّم الغناء بوصفه سيرة سمعية موازية للسيرة الحياتية والروائية، ويكشف عن أن الموسيقى ليست عنصراً مرافقاً في تجربة نبيل سليمان، بل إحدى آليات تشكّل الذاكرة والكتابة معاً. الغناء هنا يتحرك من المشهد الحيّ إلى النص، من سهرة حلبية مع جمال الغيطاني وأصابع أيمن الجسري، إلى غرف الفنادق في القاهرة، إلى مقهى الزوزو في جبلة، إلى البيت العائلي حيث الأب يفتح باب الغناء العراقي بوصفه طقساً يومياً، ثم إلى الرقة التي تتكثف فيها هذه السلالة السمعية، قبل أن تستقر داخل الروايات نفسها مادةً بنيوية.

ما يفعله سليمان في هذا الفصل أنه يثبّت مصدر الصوت في المكان واللحظة، ثم يتركه يهاجر إلى السرد، فيغدو الغناء إيقاعاً داخلياً للجملة، وأحياناً منطقاً كاملاً لبناء الفصول، كما في استخدامه للأهازيج والقدود والموشحات وأغاني الفرات والمدينة بوصفها مفاتيح زمنية ودلالية داخل «مدارات الشرق» وسواها. الجملة السردية تتمدّد مع التقاسيم والارتجال، ثم تنكمش لتلتقط ملاحظة حساسة عن تغيّر المزاج التاريخي للأغنية، كما في قراءته لتحوّل أداء «أهواك» من نعومة رومانسية إلى صرامة تعكس زمناً آخر، فيتحوّل الغناء إلى جهاز رصد دقيق لتحولات الحساسية الاجتماعية والسياسية من دون خطاب مباشر. الفصل يكشف أيضاً عن منطق السلالة: صوت الأب يُورَّث، ثم يُنمّى، ثم يتشابك مع أصدقاء ومثقفين عرب، ثم يُعاد إنتاجه داخل الرواية، بحيث لا يبدو الغناء مستخدماً من الخارج، بل معيشاً من الداخل. صحيح أن كثافة الأسماء والأغاني تخلق فائضاً سمعياً قد يبدو إغراقياً، لكنه فائض مقصود، يشبه سهرة طويلة لا تريد أن تنتهي، ويفرض على القارئ أن يسمع بقدر ما يقرأ. قيمة هذا الفصل أنه يفتح مدخلاً مختلفاً لقراءة مشروع نبيل سليمان الروائي من زاوية الإيقاع، والتراث السمعي بوصفه خلفية للأحداث، وأيضاً بوصفه لحماً لغوياً وآلة توقيت سردية، ويضيف إلى «أوشام» وشماً إضافياً: وشم الصوت، وشم النبرة، وشم ما يدخل من الأذن ليستقر في الجملة.

* كاتب سوري.


تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
TT

تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.

تضمّ بادية الأردن سلسلة من القصور الأموية، أكبرها قصر «المَشتى» في لواء الجيزة. سلّط العلماء المستشرقون الضوء على هذا الموقع في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، ونجحت بعثة ألمانية في نقل واجهته الجنوبية الضخمة إلى برلين في مطلع القرن العشرين بعدما أهداها السلطان عبد الحميد إلى حليفه ملك بروسيا غليوم الثاني، فدخلت «متحف القيصر فريديريك» في عام 1903، ثم نُقلت إلى «متحف الفن الإسلامي» في 1932. ويُعد هذا المتحف أقدم وأكبر متحف مخصّص للفن الإسلامي في أوروبا وأميركا. تحتلّ واجهة «المَشتى» الحيز الأكبر في هذا الصرح الأوروبي، وتحضر إلى جوارها مجموعة صغيرة مستقلّة من التماثيل المهشّمة شكّلت في الأصل جزءاً من أثاث هذا القصر. تشهد هذه المجموعة لتقليد نحتي أموي خاص، اتّضحت هوّيته الفنيّة بشكل جليّ من خلال مجموعات مشابهة خرجت من قصور أموية أخرى تمّ استكشافها في ثلاثينات القرن الماضي.

تُعرض تماثيل قصر «المَشتى» على منصّات مستطيلة بيضاء في ركن من أركان القاعة المخصّصة لواجهة القصر الضخمة في «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتبدو للوهلة الأولى أشبه بكتل حجرية مهشّمة على هامش هذه الواجهة المزينة بزخارف محفورة في الحجر الجيري، حافظت على معالمها بشكل شبه كامل. تبرز في هذا الركن قطعة حافظت وحدها على الجزء الأكبر من تكوينها، وتتمثّل بكتلة من حجر كلسيّ منحوت ومصقول، تجسّد أسداً رابضاً على قاعدة بيضاء، يبلغ طوله 72 سنتيمتراً، وعرضه 122 سنتيمتراً. يبدو هذا الأسد جاثياً بثبات على قائمتيه الخلفيتين المطويتين فوق قاعدة مستطيلة رقيقة مجرّدة من أي زخرفة، باسطاً قائمتيه الأماميتيّن، وتبدو معالم تكوينه واضحة وجليّة، على الرغم من ضياع الجزء الأكبر من رأسه وطرفي قائمتيه الأماميتين. سقطت عناصر ملامح الوجه، وبات من الصعب تحديدها، وتشير وضعيّته إلى رأس منتصب وملتصق بالصدر، تحيط به لبدة كثيفة تتكوّن من خصلات شعر متراصّة ومتوازية، تمتدّ وتشمل اللحية، فتشكّل معها عقداً يلتفّ حول كتلة الذقن البيضاوية.

الجسم طويل وأملس، وأعضاؤه محدّدة بشكل جليّ يحاكي المثال الواقعي، كما يشهد التجسيم الدقيق والمحكم لمفاصل البدن. يبرز هذا الأسلوب في تكوين القائمتين الخلفيتين، ويتجلّى في نتوء المخالب الناتئة التي تحدّ طرفيها. تجدر الإشارة هنا إلى وجود قطعة منحوتة صغيرة خرجت من قصر «المَشتى»، تحضر فيها هذه المخالب بشكل مماثل. ولا ندري إن كانت هذه القطعة تعود في الأصل إلى هذا التمثال، أم إلى تمثال مماثل شكّل تأليفاّ ثنائياً معه، وفقاً لتقليد فني ساد في أقاليم الإمبراطورية الساسانية. انقضت هذه الإمبراطورية مع الفتح الإسلامي لبلاد فارس، إلا أنَّ نتاجها الثَّقافي ظلَّ حياً، وطبع مجمل ميادين الفن الأموي، ويشكّل أسد «المَشتى» شاهداً من شواهد هذا التلاقح.

تقابل هذا الليث قطع منحوتة مهشّمة، يشكّل كل منها جزءاً بسيطاً من تمثال أنثوي بات من الصعب تحديد شكل تكوينه الأصلي. تُمثّل إحدى هذه القطع رأساً بقي من ملامحه محجرا العينين الواسعين، والطرف الأسفل للأنف، وشفتا الثغر المطبقتان على ابتسامة خفيّة. الوجنتان عريضتان، وتوحيان بأن هذا الوجه النضر يعود إلى امرأة تعلو رأسها كتلة من الشعر الكثيف، تبلغ مساحتها العليا ضعف مساحة الوجه. في المقابل، تكشف قطعتان منحوتتين عن صدر أنثوي ممتلئ ومكتنز. كما تكشف قطعة ثالثة عن فخذَي ساقين متلاصقتين، تتميّزان كذلك بهذا الطابع المكتنز. حافظت هذه القطعة على قماشتها المصقولة، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طولها 70 سنتيمتراً، وعرضها 50 سنتيمتراً، مما يوحي بأنها تعود لتمثال يحاكي في حجمه المثال الطبيعي. حافظت هذه الكتلة الثلاثية الأبعاد على تفاصيل تكوينها، وتُظهر هذه التفاصيل رداءً رقيقاً ينزاح عن الردفين، بقي طرفه حاضراً عند أعلى الفخذ اليسرى. تظهر على هذه الفخذ بقايا كتابة منقوشة بالخط الكوفي، تتجه من الأعلى إلى الأسفل. للأسف، لم يتمكّن أهل الاختصاص من فكّ نص هذه الكتابة، وترى إحدى القراءات الافتراضية أنها تذكر اسم صاحبة هذا التمثال.

يحتفظ متحف الآثار الأردني بقطعة مشابهة، كشفت عنها أعمال الترميم والتنظيف التي أجرتها دائرة الآثار العامة خلال عام 1962 في قصر «المشتى». صيغت هذه القطعة كذلك وفقاً للقياس الطبيعي، ويبلغ طولها 75 سنتيمتراً، وعرضها 52 سنتيمتراً، وتمثّل الحوض وأعلى الساقين. يظهر هنا الرداء الذي ينسدل على الفخذ اليمنى، كاشفاً عن الفخذ اليسرى، وتظهر ثناياه المحدّدة وفقاً للطراز اليوناني الكلاسيكي. فقد هذا التمثال ذراعيه، غير أن ما بقي من طرفيهما الأسفل يشير إلى يدين تحمل كلّ منهما أداة ما، بات من المستحيل تحديد هوّيتها.

تشهد هذه المنحوتات لمثال أنثوي أموي، ظهرت خصائصه تشكيلياً عند دراسة جداريات موقع أموي من مواقع البادية الأردنية يُعرف بقصير عمرة، كشف عنه العالم التشيكي ألوييس موزيل في مؤلف ضخم نُشر في جزأين عام 1907. وتأكّدت هذه الخصائص في مجال النحت مع ظهور منحوتات أنثوية مشابهة، خرجت من قصر أموي يقع في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، خلال أعمال التنقيب التي أجرتها بعثة تابعة لدائرة الآثار البريطانية في منتصف الثلاثينات.

يتميّز هذا المثال بجسد مكتنز وممتلئ، يميل إلى شيء من البدانة، كما يتميّز بوجوه تعكس هذا الطابع. يتكرّر هذا الطراز في قوالب مختلفة، تكشف دراسة هذه القوالب عن اعتماد تسريحات شعر وحلل زينية متعدّدة الأشكال، شكّلت مفردات لقاموس فني يوازي القاموس الأدبي الذي عُرف به هذا العصر الزاخر بالعطاء.


رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه
TT

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

صدر حديثاً عن مؤسّسة «أبجد للترجمة والنشر والتوزيع» في محافظة بابل العراقية كتابٌ جديدٌ حمل عنوان «رسائل إلى سلفادور دالي ومجايليه»، وهو من تأليف الشاعر والمسرحي الإسباني فديريكو غارثيا لوركا، وترجمه عن الإسبانية المترجم والشاعر حسين نهابة.

يقول المترجم إن هذا الكتاب «هو عبارة عن مجموعة من المراسلات الشخصية التي كتبها لوركا إلى عائلته وأصدقائه من الفنانين والأدباء»، مضيفاً أن هذه الرسائل تكشف جوانب عميقة من شخصية لوركا، ولا سيما ما يتعلق بأقرب المقرّبين إليه، وما كان يتمتع به من روابط إنسانية وفنية مهمة ووثيقة.

ويسلط الكتاب الضوء، كما يضيف، «على العلاقات العائلية والصراعات الشخصية، إذ يكتب لوركا لوالديه عن رحلاته إلى الأديرة، مثل دير سانتو دومينغو دي سيلوس، واستمتاعه بالهدوء والفن المعماري، كما يعبّر في رسائله عن رغبته في الاستقلال، ولا سيما في مخاطبته لوالده، حيث يدافع بشدة عن خياره الفني، مطالباً بتركه في مدريد لمتابعة عمله الأدبي بدلاً من العودة إلى غرناطة، معتبراً أن الفن هو معركته الحقيقية.

وبعض الرسائل خُصصت لتوضيح علاقاته بالوسط الفني ومجايليه، حيث يشير الكتاب إلى العلاقة القوية التي جمعته بالفنان السوريالي سلفادور دالي، وانتظاره لزيارة دالي إلى منزله، وتخطيطه لإقامة حفلة غجرية على شرفه، فضلاً عن رسائل أخرى وجّهها إلى شخصيات بارزة مثل أدريانو ديل فايي، وأنخيل باريوس، وأدولفو سالاثار، يناقش فيها مشاريعه الموسيقية، وقصائده، وتطلعاته الفنية.

وتبين الرسائل تأمّلات لوركا في فلسفة الشعر، حيث يصف نفسه بأنه «شاب فقير، شغوف وصامت»، يحمل في داخله زنبقة مستحيلة الري، ويعبّر عن حزنه الدائم الذي يشكّل جوهر شعره، معتبراً أن الشعر هو «مملكة الكآبة». فضلاً عن تأمّلاته في الفن والواقع، إذ ناقش لوركا رسوماته الفنية، مؤكداً ضرورة ربط التجريد بالواقع، وواصفاً عملية الرسم بأنها تمنحه شعوراً بالحرية والنقاء. وبين أن الرسائل تكشف عن شغفه الكبير بالموسيقى، ولا سيما الموسيقى الشعبية الغرناطية، وتعاونه مع الموسيقي مانويل دي فايا في مشاريع فنية، من بينها «مسرح الدمى». وتطرّق لوركا أيضاً إلى تجاربه في السفر، حيث تناول رحلته الشهيرة إلى أميركا الشمالية، واصفاً حياته على متن السفينة العابرة للمحيطات، وتأثره بالأشخاص الذين التقاهم، مثل الطفل المجري الذي ألهمه إحدى قصائده.