لبنى وقيس بن ذريح... السرير الزوجي الذي عصفت به رياح الفقدان

علاقتهما الفريدة تؤكد أن الحب العذري ليس «استبعاداً» للجسد ولا رديفاً للعذرية

صورة تخيلية لقصص العذريين
صورة تخيلية لقصص العذريين
TT

لبنى وقيس بن ذريح... السرير الزوجي الذي عصفت به رياح الفقدان

صورة تخيلية لقصص العذريين
صورة تخيلية لقصص العذريين

لم يكن لقصة قيس بن ذريح وحبيبته لبنى بنت الحباب أن تدخل في سياق هذه السلسلة من المقالات المتعلقة بزواج المبدعين، لو لم تتوج علاقة الثنائي العاشق بالزواج، خلافاً لكل العلاقات المماثلة التي لم يظفر خلالها شعراء بني عذرة الآخرون بغير سراب الحبيبة المعشوقة المفضي إلى الجنون والموت. ولعل قصة الشاعر الذي أُلحق اسمه بحبيبته لبنى على غرار أترابه من العذريين، هي إحدى أكثر قصص ذلك الزمن مصداقية، وقدرة على الإقناع. لا أقول ذلك من منطق التشكيك العميق بكل ما نقله إلينا الرواة من قصص الحب المماثلة، أو الدحض الكامل لإحدى أنبل الظواهر الشعرية والإنسانية التي عرفها العرب في تاريخهم، بل لأن وقائع القصة تتغذى من عناصر واقعية قابلة للتصديق، بقدر ما هي قابلة للحدوث، ولو بنسخ مختلفة، في غير زمان ومكان. ولعل هذه العناصر المشار إليها هي التي دفعت الكاتب المصري طه حسين إلى القول في كتابه «حديث الأربعاء» إن قصة حب قيس للبنى هي «قصة جيدة حقاً، ولا ينبغي أن تقرن بهذا السخف الذي تحدث الرواة به عن المجنون، ولا إلى هذا الفتور الذي ذكروا به حب جميل لبثينة». على أن وضع الأمور في نصابها يستوجب العودة إلى ما حفظه تاريخ الأدب من سيرة الحبيبين، اللذين بدا ارتباطهما الزوجي خروجاً عن السياق المألوف للحب العذري، قبل أن تذهب الأمور مرة ثانية إلى مآلها المأساوي.
قد يكون أبو الفرج الأصفهاني في كتاب «الأغاني»، هو أحد أكثر مؤرخي الأدب الذين أولوا عناية خاصة بسيرة قيس بن ذريح وتعقب أخباره مع لبنى، وصولاً إلى الاستشهاد بالكثير من نصوصه الشعرية التي تنضح بالحزن الشفاف واللوعة الصادقة. أما الخطوط العامة للقصة فتبدأ مع مرور قيس بإحدى خيام بني كعب بن خزاعة مستسقياً الماء، وقد استبد به العطش. وما إن خرجت إليه لبنى بنت الحباب لتعطيه حاجته، وهي «امرأة مديدة القامة، شهلاء وحلوة المنظر والكلام» حتى وقعت في نفسه ووقع في نفسها في الآن ذاته. وبعد أن دعته إلى الخيمة ليبترد، أقبل أبوها فأكرمه وأطعمه، حتى إذا عاد إلى منزله وأخبر أباه بالأمر، طالباً منه خطبتها له، رفض الوالد الثري ذلك، لأنه كان يخطط لتزويج ابنه الوحيد بإحدى بنات عمه، كي لا تقع ثروته وميراثه في قبضة الغرباء. وإذ يستعين قيس لتحقيق مأربه بالإمام الحسين بن علي، الذي كان أخاً له في الرضاعة، استجاب الحسين لطلبه وزار كلاً من الطرفين المعنيين بالمصاهرة، فاستجابا له دون تردد، بما سمح للعاشقين الفتيين أن يطفئا بالزواج اللوعة التي لم يتمكن من إطفائها أي ثنائي مماثل من بني عذرة. ولكن السعادة التي ظللت الزوجين الوالهين سرعان ما تبددت، مخلية بريقها الآسر للكثير من الكوابيس.
كانت الحمى التي أصيب بها الزوج العاشق في أحد الأيام هي الذريعة الملائمة لمفاتحته من قبل والديه بشأن تطليقه للبنى، التي لم تنجب له طفلاً تؤول إليه ثروة ذريح الطائلة. وحين رفض قيس الانصياع للضغوط أقسم الأب بألا يظلله أي سقف قبل أن يقوم ابنه بتطليق زوجته، ثم راح لأسابيع لاحقة يقضي أيامه تحت الشمس اللاهبة لصحراء الحجاز، حيث يروي أبو الفرج أن قيساً الممزق بين عشقه لامرأته وبين خوفه على أبيه، كان يحرص على الوقوف إلى جانب هذا الأخير ساعات عديدة من النهار لكي يظلله من وهج الشمس، قبل أن يستسلم في لحظة ضعف لاحقة للأمر الواقع، ويقوم بتطليق لبنى. ولم يكد أهل الزوجة المهانة يرحلون بابنتهم بعيداً، حتى كان الزوج المغلوب على أمره ينتبه إلى الكارثة التي ألحقها بنفسه، ثم يشحذ على سكين الندم والحسرة كل ما أوتيه من ملكة النظم الشعري. بعد ذلك يشكو والد لبنى أمره إلى معاوية، وقد شعر بالإهانة والحرج بسبب تشبيب قيس العلني بابنته المطلقة، فطلب الخليفة من والي المدينة مروان بن الحكم إهدار دم الشاعر، كما طلب من والد لبنى أن يبحث عن زوج آخر لابنته، وهو ما حدث بالفعل، حيث تم تزويجها لخالد بن حلزة الغطفاني، وهو ما أفقد قيس توازنه العقلي ودفعه إلى محاولة اللقاء بها دون طائل. لكن الصدفة تفعل فعلها في هذا الصدد، إذ إن قيساً نزل بعد ذلك في المدينة المنورة عارضاً ناقة له للبيع، فاشتراها أحد الأشخاص طالباً إليه أن يوافيه إلى منزله ليدفع له المال. ويصدف أن يكون الشاري هو زوج لبنى بالذات، حتى إذا التقى الحبيبان على غير موعد، أصابهما من الاضطراب والذهول ما جعل الزوج الغافل ينتبه إلى ما يجري، وصولاً إلى الوقوف على الحقيقة الصادمة.
وكما هو الحال في الكثير من قصص العذريين، تتعدد الروايات بعد ذلك. فثمة من قال إن قيس بن ذريح عمد إلى الاستعانة مرة أخرى بالإمام الحسين، الذي أقنع خالد بن حلزة بتطليقها لتعود ثانية إلى الرجل الذي أحبته. وثمة من نفى ذلك جملة وتفصيلاً، ليؤكد أن قيساً ما لبث أن هام، بعد لقائه الأخير بلبنى، على وجهه، ولم يجد له مهنة، وفق أكثر الرواة، سوى البكاء والنشيج والتمرغ ونظم قصائد الندم على ما فات من أيام سعادته الآفلة. حتى إذا قضت لبنى نحبها بفعل مرضٍ أصابها لاحقاً، لم يصمد العاشق الملتاع سوى أيام معدودة، قبل أن يواجه المصير نفسه.
ثمة الكثير بالطبع مما يمكن قوله بشأن هذه القصة المؤثرة التي يجمعها بالشعر العذري إخلاص الشاعر العاشق لامرأة واحدة، ووقف كل ما ينظمه من شعر على ذكرها والتغزل بمحاسنها، والتحسر على ما فات من أيام وصالها الوردية. لكن ارتباط العاشقين بعلاقة زوجية طويلة استمرت وفق بعض الرواة لسنوات عشر، يمنح هذه التجربة طابعها المتفرد، ليس فقط من زاوية دحض الجناس الشائع حول علاقة الحب العذري بالعذرية والتبتل التام، والنأي به بالتالي عن أي شبهة جسدية وشهوانية، بل من الزاوية المتعلقة بقدرة الحب على الصمود في وجه الأعاصير، وعلى البقاء مشتعلاً رغم انتقاله إلى خانة الزواج، وما يرتبه ذلك من حالات الضجر وانتفاء الدهشة وتصادم الأمزجة. إذ لطالما تغذى الحب العذري من سحر المسافة الفاصلة بين الطرفين، التي تتيح لكليهما أن «يخترع «الآخر من عنديات أحلامه وهواماته الشخصية. حتى إذا أخلت هذه المسافة مكانها للحضور المحسوس، فقدت العلاقة الكثير من وهجها وسحرها السابقين. وهو ما يؤكده قول جميل بن معمر عن بثينة:
يموت الهوى مني إذا ما لقيتُها
ويحيا إذا فارقتُها فيعود
كما أننا لا نستطيع في هذا السياق أن نُغفل الأبعاد الاجتماعية والطبقية والدينية لهذه التراجيديا العاطفية والإنسانية التي دفع الزوجان العاشقان ثمنها الباهظ. فالتفاوت الطبقي الواضح بين عائلتي قيس ولبنى هو الذي وفر لمأساتهما المشتركة عناصر الاكتمال. صحيح أن المقدس الديني، ممثلاً بالإمام الحسين، هو الذي تكفل بردم الهوة الفاصلة بين العائلتين، إلا أن فترة التعايش القلق لم تدم طويلاً قبل أن ينجح أهل قيس في دفعه أخيراً إلى تطليق زوجته، بدعوى عجزها عن إنجاب طفل يحفظ لعائلة الأب ميراثها وثروتها الطائلة. أما الشاعر الذي غلبه الندم فقد راح ينشد بحرقة بالغة:
يقولون لبنى فتنةٌ، كنتَ قبلها
بخيرٍ، فلا تندمْ عليها، وطلّقِ
فطاوعتُ أعدائي وعاصيتُ ناصحي
وأقررتُ عين الشامت المتخلّقِ
وددتُ وبيتِ الله أني عصيتُهم
وحُمّلتُ في رضوانها كل موبقِ
فتنكرُ عيني بعدها كلّ منظرٍ
ويكره سمعي بعدها كلّ منطقِ
واللافت هنا أن المسؤولية عن عدم الإنجاب قد تم تحميلها إلى الزوجة لا الزوج، دون أي يمتلك والدا قيس الثريان أي دليل قاطع على ذلك، وهو ما يعكس القيم الاجتماعية السائدة آنذاك، حيث كان على المرأة بوجه عام أن تدفع الكلفة الباهظة للغلبة الذكورية بمستوياتها المختلفة. ولعل هذا الواقع بالذات هو ما يجعل من الحب العذري، إضافة إلى جمالياته الفنية وعذوبته الآسرة، إعلاءً غير مسبوق لمكانة المرأة المعشوقة، كما لجوهر الأنوثة الكونية، وسط عالم الصحراء المثخن بالعنف و«العطش» الروحي والخوف من المجهول، بما يكسب طلب الماء واستسقاءه من قبل قيس، وتلبية لبنى لذلك الطلب، قيمة رمزية بالغة الأبعاد والدلالات. وإذا كان العطش قد تجدد ثانية يتجدد مع فراق الحبيبين، فلأن الأسطورة لا تقبل لبطلها أن يرتوي، ولأن «العالم العذري هو صحراء من السراب، لا يموت فيها الإنسان إلا من الظمأ»، وفق ما يقوله الطاهر لبيب في كتابه المميز «سوسيولوجيا الغزل العربي».
وللتراب أيضاً رمزيته الخاصة في هذه التراجيديا العاطفية. فإذ ينتبه قيس فجأة إلى غياب لبنى، لا يجد في الشعر وسيلة كافية لاستردادها من عهدة الفقدان، فيتعقب بداية أثر خف بعيرها على الرمل ويشرع بتقبيله، ثم يذهب إلى حيث كان يطيب لها الجلوس فيقبل أثر قدمها هناك، ممرغاً وجهه بالتراب الذي لا تزال ذراته تتضوع بعبق لبنى وحضورها الدافئ، حيث يقول في ذلك:
وما أحببتُ أرضكمُ ولكنْ
أقبّل إثْر مَن وطئ الترابا
لقد لاقيتُ من كلَفي بلبنى
بلاءً ما أُسيغ به الشرابا
إذا نادى المنادي باسم لبنى
عييتُ فما أطيق له جوابا
وإذا كان لهذه الحادثة من دلالة، فهي تدل على الأبعاد السحرية التي تكتسبها الأماكن المُخلاة من سكانها في نفوس البشر، بحيث تبدو وكأنها الامتداد الطبيعي لأجساد من غادروها، ويبدو الاحتفاظ بها نوعاً من التعويض الرمزي عن غياب ساكنيها. ولعل هذه الرمزية بالذات هي التي جعلت من البكاء على الأطلال أحد التقاليد الأكثر رسوخاً في الشعر العربي القديم. لا بل إن فكرة الطلل، بما هي تعبير عن الفقدان، تكاد تكون الفكرة الأكثر جوهرية التي ينهض فوقها مفهوم الأدب والفن.
فبعد مرور قرون عديدة على مأساة قيس ولبنى، يخبرنا الشاعر الأميركي المعاصر آرتشي أمونز بأن المشهد الأقوى الذي حرضه على الكتابة، ليس مشهد أخيه المتوفى زمن الطفولة، بل مشهد الأم التي لم تكد تعثر على آثار قدميه في حديقة المنزل، حتى قررت أن تبني حولها ما يقيها هبوب الريح، كي يظل من الحضور الملموس لابنها الراحل ما يعصمه من الاضمحلال.
على أن المأزق الذي يعيشه قيس بن ذريح، بكل ما يكتنفه من مشاعر الندم وخواء الحياة وانسداد الأفق، لن يجد طريقه إلى الحل النهائي إلا بالموت، حيث سيتكفل هذا الأخير بتلبية نداءات الشاعر الذي كان يهتف من قلب المأساة:
لقد عنّيتني يا حبّ لبنى
فقعْ إما بموتٍ أو حياةِ
فإن الموت أهونُ من حياةٍ
منغّصةٍ، لها طعم الشتاتِ
وقال الناصحون: تخلّ عنها
فقلتُ: نعم، إذا حانت وفاتي



الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل الشهير: الأولى التي رأت النور عام 1957، والثانية التي أنجزها كيرواك في 1951 غير أن الناشر أحجم عن طباعتها. وقد أثار المقالُ سؤالاً جوهرياً لا يخلو من الإثارة: أيّ النسختين تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النصُّ الذي أراده، أم النصُّ الذي تم نشره؟ يفتح هذا السؤال بدوره باباً أرحب على إشكاليةٍ لا تقلّ أهمية: لماذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟

مارسيل بروست

لعلّ أعمق الدوافع وأكثرها تفسيراً لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حين يقرأ ما كتب بعد مضيّ سنوات، فيجده مُقصّراً دون ما أراده. الروائيون والشعراء يصفون هذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هاجس الكمال»، وآخرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب المتقدّم في فنّه يُصبح بالضرورة قارئاً أكثر صرامة مع نصوصه السابقة. كان ذلك حالَ فلاديمير نابوكوف، أشدّ الروائيين هوساً بإعادة الكتابة، إلى درجة أن سيرة أعماله تكاد تكون تاريخاً متواصلاً للتعديل والصقل عبر اللغات والأزمنة. وكان يقول عن نفسه مازحاً: «ممحاتي تنتهي قبل أقلامي».

كتب نابوكوف رواياته الأولى بالروسية، ثم عاد إليها لاحقاً ليُعيد صياغتها بالإنجليزية، لأنه كان يرى في النسخة الأصلية «عيوباً» أسلوبية وإيقاعية لا تصلحها إلا يد المؤلف نفسه. وحين جاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصرّ على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى لا «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره المبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعادة كتابة دقيقة تراقب كلّ جملة وصورة وإيحاء. وفي السياق ذاته، صرّح الروائي الأميركي برنارد مالامود بأنه يُعيد كتابة أعماله ثلاث مرات على الأقل: مرةً كي يفهم ما كتب، ومرةً لتحسين السبك اللغوي، ومرةً ثالثة لإجبار النصّ على أن يقول ما لم يقله بعد. أما غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هذا الهاجس في تاريخ الأدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» حين صدرت عام 1857 عملاً مكتملاً في نظره، فعاد في الطبعات اللاحقة بما يزيد على ألف ومائتَي تعديل، بعضها يتعلق بإيقاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها.

والت ويتمان

وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر سي. كلارك نموذجاً بالغ الدلالة على المراجعة بوصفها إعادة كتابة لا مجرّد تحسين، إذ كتب روايته «ضد سقوط الليل» عام 1948، ثم أعاد صياغتها كلياً لتصبح عام 1956 رواية جديدة بعنوان «المدينة والنجوم»، مُوسّعاً في تصوير عالمه ومُعمّقاً شخصياته، ومُعيداً بناء ما رأى فيه نقصاً في نسخته الأولى. والمفارقة أن كلتا النسختين ظلّت في التداول، فأتاحتا لمن قرأهما معاً أن يشهد نموّ كاتب وتحوّل رؤيته بين عقد وآخر.

غلاف» فرانكشتاين«

على أن كثيراً من المراجعات اللاحقة للنشر تكون بسبب ضغوط خارجية لا صلة لها بمشيئة الكاتب الحرة أو نضجه الفني، مثل الرقابة. فجاك كيرواك نفسه حذف من روايته «على الطريق» مشاهدَ جوهرية إرضاءً لشروط الناشر، قبل أن يتم اكتشاف مسودّته الأصلية لاحقاً وتُعيد رسم صورة مغايرة تماماً للرواية. وفي فبراير(شباط) 2023، أعادت دار نشر «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير لائقة من المنظور الثقافي المعاصر. ولم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيراً، إذ خضعت طبعات حديثة من رواياتها لحذف عبارات تصف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديلات ما طال روايتها «ثم لم يبقَ أحد» الصادرة عام 1939. وقد تنبثق المراجعات من تحوّلات حياتية عميقة تجعل من النصّ القديم مرآةً لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» عام 1818 وهي ابنة الحادية والعشرين، ثم أعادت كتابتها عام 1831 بعد أن خسرت ابنتها وابنها وزوجها الشاعر، وفي المسافة الفاصلة بين النشرتين، امرأةٌ مختلفةٌ كتبت رواية مختلفة: الخالق المُكتئب والمخلوق المنبوذ باتا يحملان وطأة تجارب المؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحملانه في نسخة الشباب.

غلاف «مدام بوفاري»

عموماً فإن رغبة الأدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعلاً ناجزاً ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترقٍّ دائم وصيرورة لا تتوقف عن التشكّل. وكأنهم لا يرون في عملهم الإبداعي كياناً مكتملاً بل بذرةً تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة لأن العمل الأول كان ناقصاً، بل لأن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد.

ويُعد هنري جيمس نموذجاً جلياً لهذا المخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك الشهيرة عام 1907 بأن نصوصه الأولى باتت «عصية على الاحتمال» بالنسبة لنضجه المتأخر، مما دفعه لإعادة نسج روايات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفاً أرشيفاً نادراً يوثق تطور الأديب مع الزمن. أما المثال الأبلغ على النص الذي يرفض الانغلاق، فيبقى ديوان الشاعر والت ويتمان «أوراق العشب»، فمنذ صدوره عام 1855 في كراسة رقيقة تضم اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثلاثين عاماً، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابةً لتحولات التاريخ والسياسة، من الحرب الأهلية إلى اغتيال لنكولن، حتى بلغت «طبعة الفراش الأخير» عام 1892 ما يزيد على أربعمائة قصيدة.

هذا الهاجس المسكون بالرغبة في الإضافة لم يفارق مارسيل بروست أيضاً، الذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات الموت، تاركاً خلفه ركاماً من المخطوطات الضخمة التي استلزمت جهداً استثنائياً من محرريه لتنظيمها.


نجيب محفوظ... الأصل والصورة

نجيب محفوظ... الأصل والصورة
TT

نجيب محفوظ... الأصل والصورة

نجيب محفوظ... الأصل والصورة

في كتابه «نجيب محفوظ: الأصل والصورة» (دار ديوان للنشر بالقاهرة)، يجمع الكاتب المصري حسن عبد الموجود سيرة الأديب الراحل نجيب محفوظ (1911-2006) من هوامشها المتفرقة إلى مساحة جديدة مفتوحة على التخييل، حيث لا تبدو الوقائع السيرية مادةً جاهزة للسرد، بل نواةً يُعاد تشكيلها داخل نص يستعير صوت نجيب محفوظ ويعيد إنتاجه، فلا يبدو «أديب نوبل» موضوعاً للكتابة، بقدر ما يستحضر الكتاب نسخةً من حياته تتجاوز حدود الواقع الصارم وغيوم الذاكرة.

لا يُمهّد عبد الموجود للكتاب عبر مقدمة تقليدية، بل يدفع قارئه مباشرةً صوب فصول تمثّل بوابات مفتوحةً على عالم محفوظ الإنساني والأدبي والفني، في لعبة يختلط فيها الحقيقي بالمتخيّل، وهي مقاربة لا تبدو بعيدةً عن عالم محفوظ نفسه، لا سيما في «أصداء السيرة الذاتية»، حيث تتشكّل السيرة من شذرات ممزوجة بالتأمل والخيال، لا من تسلسل توثيقي نمطي.

بهذا المعنى، يبدو فعل الكتابة أقرب إلى التماهي مع وعي محفوظ نفسه؛ إذ يستعيد الكاتب هذا الالتباس الفني المُحبّب لديه بين الواقع والحلم.

«الشجرة السابعة»

يستعير عبد الموجود، عبر أكثر من 25 فصلاً، نبرة «محفوظ» ولغته التي ألفناها في أدبه، بما يضع القارئ في حالة تتلاشى فيها الحدود بين الواقعي والمتخيَّل، ففي مطلع فصول الكتاب يأخذنا إلى «الشجرة السابعة»، مستهلاً بنبرة «محفوظية»: «لو وُلدتُ في الصيف لتخيّلتُ أبي واقفاً خارج غرفة الولادة بالجبة والقفطان، لكننا في شتاء 1911. ارتدى بالطو فوق بدلته واعتمر الطربوش كمن يستعد لطارئ غير محسوب».

تتبدّى لحظات انتظار الأب لميلاد «ابنه السابع» محاطةً بنبرة شعريةٍ تلتحم فيها رؤى الأب والابن معاً: «ربما حلم لي أن أكون مهندساً أو طبيباً، كما حلم لشقيقيّ... فكّر أنني سأكون أسعد الأولاد، وأحبّهم إلى قلب فاطمة؛ فقد حملت بي وهي تغادر شبابها».

تُروى لحظة الميلاد عبر مشاهد مشحونة بالتعبير والانفعالات؛ ترقّب الأب، والقلق، وأصوات العبرات والزغاريد بعد خروج طبيب التوليد الشهير آنذاك «نجيب محفوظ» مبشّراً بوصول الابن الذي سيحمل اسمه، غير أن هذه الصورة لا تلبث أن تُعاد مساءلتها؛ إذ يقودنا الكاتب في نهاية هذا الفصل إلى سطور من «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ» كما نقلها رجاء النقاش، وروايات أخرى تشكّك في نسبة اسمه إلى طبيب التوليد، فتتبدّد الرواية الشائعة، ويغدو ما بدا ثابتاً موضع شك.

هنا يضعنا النص في قلب هذا التوتر الخلّاق بين «الأصل» كما ورد في المذكرات والحوارات، و«الصورة» التي يتماهى الكاتب في رسمها استناداً إلى هذا الأصل، فلا تُلغى الصورة، بل تكتسب معناها من مجاورتها للأصل، لا من تطابقها معه. ولا يكتفي الكتاب بتقديم هذه المشاهد المتخيّلة، بل يعيد القارئ في نهاية كل فصل إلى «الأصل»؛ فقرات من مذكرات كُتبت عن محفوظ أو من حواراته، حيث تتشكّل علاقةٌ مزدوجة بين النصَّين.

وفي فصل بعنوان «الحريف قلب الأسد»، نرى محفوظ المُغرم بكرة القدم منتشياً بانتصاراته الصغيرة، ومسجّلاً «نصف دستة أهداف». يعيدنا السرد هنا إلى مساحة يتداخل فيها اللعب ببراءة الحلم، ليصبح اللعب مُعادلاً للخيال: «كنت ألعب وأكسب، ثم أعود إلى البيت لأغرق نفسي في أحلام اليقظة». ونراه أيضاً يختبر بشائر الحب الأولى، وافتتانه بفتاة «الجمالية» في طفولته، وغناءه «يمامة بيضا»، في مشاهد تفوح بالحنين، وتحمل رائحة المكان الأول.

الطفولة والخيال

تتجاور هذه اللقطات مع مراحل لاحقة من حياة نجيب محفوظ، فتتقاطع الطفولة والصبا والشباب مع زخم الأصدقاء، ومرور العمر، في حضورٍ دائم للكتابة؛ ففي فصل بعنوان «يا ولاد حارتنا توت توت»، يتقمّص الكاتب صوت محفوظ وهو في خضم الضجّة التي أثارها نشر روايته «أولاد حارتنا»؛ إذ يجد نفسه محاصراً بعبارات التشكيك والهجوم: «ها أنا في أضعف حالاتي أجد نفسي ضيفاً على طاولات التشريح أدفع عن نفسي تهمة نكراء، أقول لأحمد حمروش: هذه الرواية أقصد بها قصة البشرية... وأبعد ما يكون في ذهني أن أكتب سير الأنبياء في حارة». ويعقد الكاتب محاورات بين محفوظ وأبطاله الروائيين في أكثر لحظاته هشاشةً؛ ففي الفصل الأخير «مُت يا أخي... لماذا ترفض أن تموت؟»، الذي يتكئ على حادثة محاولة اغتياله. يتابع محفوظ مصير الشابين اللذين أُحيلا إلى المحاكمة العسكرية، في مشهد تتداخل فيه الواقعة بالهاجس: «يا ربّي، ليس بيدي ما أفعله لهما، وأشهد أنني أسامحهما. ثم رفعت أصابعي بحركة غريزية، وتحسّست الطبقة الناشفة فوق الجرح، وقلت: لقد رتقوا جرح رقبتي وتركوا التمزّق في روحي».

في هذه اللحظة لا يكتفي النص باستعادة الواقعة، بل يفتحها على أفقٍ تخييلي أرحب؛ فيظهر بطل «الحرافيش» الأشهر «عاشور الناجي»، ليُطمئن صاحبه محفوظ: «سوف تلتئم... سوف تلتئم يا حبيب القلب»، ليبلغ التداخل بين الأصل والصورة ذروته؛ إذ لا تعود الشخصية الروائية مجرد صدى لعالم محفوظ، بل تتحوّل إلى وسيطٍ يعيد إليه توازنه، وكأن الخيال، الذي صنعه يوماً في أدبه، يعود إليه دفئاً وسلواناً.

لا يقف الكتاب عند حدود السرد، بل يحتفي أيضاً بالأرشيف البصري لنجيب محفوظ، عبر عددٍ كبيرٍ من الصور تتوزّع بين فصوله، لتشكّل طبقةً موازيةً من «الصورة» لنظيرتها السردية، وتقيم حواراً بصرياً مع النص، بما يوسّع من فكرة «الأصل والصورة» إلى ما هو أبعد من الكتابة.

ويستند بناء الكتاب إلى عددٍ من المراجع التي تُمدّه بمادته الأولى؛ أي «الأصل»، مثل «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ» لرجاء النقاش، و«نجيب محفوظ يتذكّر» لجمال الغيطاني، و«أنا نجيب محفوظ» لإبراهيم عبد العزيز، و«أولاد حارتنا: سيرة الرواية المحرمة» لمحمد شعير... وتُستدعى فقرات من هذه المراجع في نهاية كل فصل، لتُجاور الصور المتخيّلة وتدخل معها في حوارٍ حول ما كُتب من السيرة، وما تركه محفوظ في عُهدة الأثر.


الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة
TT

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

عن دار «التكوين للتأليف والترجمة والنشر»، دمشق، صدر كتاب «الإرث الكولونيالي... والحداثة وما بعد الحداثة» لفاضل السلطاني. وهو دراسة في تجارب أربعة شعراء معاصرين، وهم الشاعر الكاريبي ديرك والكوت، والبريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو، والشاعر البريطاني لي هاروود، والشاعر الأميركي فرانك أوهارا.

والكتاب جاء في ثلاثة فصول. ضم الفصل الأول، المعنون «إعادة بناء الهوية عبر الذاكرة وفي الذاكرة» دراسة مقارنة بين قصيدة «أوميروس» الملحمية للشاعر الكاريبي ديريك والكوت والرواية الشعرية «لارا» للكاتبة البريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو.

ويرى الكاتب أنه يوجد الكثير من نقاط التقارب في سيرتي الشاعر الكاريبي ديريك والكوت والشاعرة والروائية البريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو فكلاهما ذو هوية هجينة، «والكوت من سلالة عبيد»، وقد تسمم بدم جانبين من أسلافه (كان أجداده بيضاً، وجداته سوداوات)، بينما كانت إيفاريستو تعاني من عدم التوازن بين طرفي عائلتها (أمها إنجليزية، ووالدها نيجيري). وكان كل منهما يدخل نفسه كشخصية رئيسية في عمله.

لكن مقاربة إيفاريستو لثيمتي الهوية والذاكرة، كما نقرأ في هذا الفصل، تختلف إلى حد كبير عن مقاربة والكوت، فلارا، كما تقول إيفاريستو نفسها، هي رواية سيرية ذاتية - شعرية، مستمدة من حياتها، وليس بالضرورة أن تكون كما هي. وربما لهذا السبب، كما يستنتج المؤلف، تقارب إيفاريستو ثيمتي الجذور والهوية، وتربط قضايا مثل العنصرية والتمييز والآخر، من منظور شخصي محدود. إن اهتمامها بـ «استعمار الوعي والثقافة» في المجتمعات المستعمرة السابقة، ومحاولتها المصالحة عبر الذاكرة، وفي الذاكرة، مع ماضيها، ومع ذاتها، كهوية هجينة، هو مسعى لأن تعيد كليتها، و«تضع العبودية خلفها». ومن هنا، فإنها تعيد إنتاج هوية اجتماعية، وليس هوية وطنية أو تاريخية. وعلى العكس منها، يسائل والكوت التاريخ، أو، بشكل أدق الفكرة الأوروبية عن التاريخ، مازجاً الماضي بالحاضر، والثقافات الكولونيالية وما بعد الكولونيالية، والشخصي والعام.

أما الفصل الثاني المعنون «لي هاروود: العلاقة الدياليكية بين المكان والفضاء»، فيتناول تجربة هذا الشاعر، كنموذج لشعر الحداثة في الخمسينيات والستينيات، وتأثير الشعر الأميركي على تجربته الشعرية.

وقد امتاز شعر هاروود، (1939-2015)، ومنذ بواكيره الأولى، كما يقول السلطاني، بعلاقة ديالكتيكية بين الانفتاح والانغلاق، والحاضر والماضي، والحركة والسكون، والداخل والخارج. لكن علاقته مع المكان والفضاء، متحركة دائماً.

وقد غلب على الشاعر في هذه الفترة الاهتمام إلى درجة كبيرة بالأمكنة كجغرافيا، أكثر مما كونها أمكنة تخلية أم مجردة، على الرغم من أن هناك قصائد في هذه المرحلة كانت منفتحة على المجرد والمنظور التخيلي أو التصوري. والمقارنة بين قصائد الشاعر الأولى والمتأخرة، تتيح لنا تفحص التطور الذي حصل في علاقته بالمكان والفضاء، ارتباطاً مع تطور لغته الشعرية، خاصة في الثمانينيات فصاعداً، حين أصبحت قصائده منشغلة ذهنياً أكثر بالمكان والفضاء.

ويبحث الفصل الثالث: «فرانك أوهارا: جمالية الأشياء الصغيرة»، في تجربة أوهارا، كمثال على شعر ما بعد الحداثة في الشعر الأميركي. ويصنف النقاد الشاعر الأميركي فرانك أوهارا ضمن «مدرسة نيويورك»، وهي جماعة من الشعراء والرسامين والراقصين والموسيقيين الذي نشطوا خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي بمدينة نيويورك مستلهمين أفكارهم من الدادية السريالية، في افتراق واضح عن شعراء الاعتراف المعاصرين لهم، وأبرزهم روبرت لويل (1917-1977).

لكن المؤلف يرى أن هذا التصنيف ليس دقيقاً تماماً، «فأوهارا يكاد يكون ظاهرة خاصة بحد ذاتها من ناحية أسلوبه الشعري، القريب جداً من نثر الحياة اليومي، وكأنه يسجل يومياته، بالبساطة والعفوية ذاتهما، والعبث أيضاً، بالمبنى والمعنى، الذي سيتماثل لاحقاً مع موته العبثي في، حين دهمته سيارة مسرعة في ليلة حالكة من شهر يوليو/ تموز عام 1966، وهو في الأربعين».

ويبدو أنه كلما ضمن الأشياء أكثر في قصيدته، وبقدر ما يستطيع، بدت مفتوحة على فضاء أرحب، وبالتالي كونية أكثر، وهو قد يتفرد بهذه الميزة، كما يرى السلطاني، كما أنه «يتمتع بتلك القدرة الشعرية النادرة على رفع اليومي العادي و(الأشياء المبتذلة) إلى مستوى السامي، وعلى أن يهبط بالسامي إلى مستوى اليومي والمبتذل في الوقت نفسه، خالقاً بذلك حركة جدلية يمتزج فيها الإنسان، والعالم، والأشياء، سواء أكانت سامية أم مبتذلة، معاً في نسيج القصيدة، المحدد زمنها ومكانها. ومن خلال (تأرخته) للأحداث اليومية، يكشف أوهارا، بلغة مباشرة، وغالباَ حميمة، عن وعي واضح بالطبيعة الجمالية للأشياء، أو ما يمكن أن نسميه (جمالية الأشياء الصغيرة). وبذلك خلق نمطاً جديداً في الشعر الأميركي ما بعد الحرب، رادماً الهوة في قصيدته بين الفن والحياة، مما يجعلنا، حسياً وذهنياً، منخرطين أكثر في وجودنا الإنساني».

جاء على الغلاف الأخير للكتاب:

«ما تزال ثقافة ما بعد الاستعمار ظاهرة هجينة تشتمل على علاقة جدلية بين ثقافات البلدان المستعمرة سابقاً والنظام الثقافي الغربي، الذي أنتج، بعد هيمنته المادية، ظواهر كبرى مثل الحداثة، التي تستند إلى المركزية الأوروبية، وما بعد الحداثة، التي تهدف لإعادة الاعتبار لثقافات الشعوب وتقاليدها، وتفكيك أوهام المركزية الأوروبية، وتعبيراتها الأدبية، فالحقيقة هي (نتاج بشري عام وليست نتاجاً أوروبياً).

والمهم هنا، كيف انعكست هذه الظواهر والمفاهيم التي أنتجتها، وإن بشكل غير محسوس وغير مباشر، في الأدب المعاصر في النصف الثاني من القرن العشرين».