لبنى وقيس بن ذريح... السرير الزوجي الذي عصفت به رياح الفقدان

علاقتهما الفريدة تؤكد أن الحب العذري ليس «استبعاداً» للجسد ولا رديفاً للعذرية

صورة تخيلية لقصص العذريين
صورة تخيلية لقصص العذريين
TT

لبنى وقيس بن ذريح... السرير الزوجي الذي عصفت به رياح الفقدان

صورة تخيلية لقصص العذريين
صورة تخيلية لقصص العذريين

لم يكن لقصة قيس بن ذريح وحبيبته لبنى بنت الحباب أن تدخل في سياق هذه السلسلة من المقالات المتعلقة بزواج المبدعين، لو لم تتوج علاقة الثنائي العاشق بالزواج، خلافاً لكل العلاقات المماثلة التي لم يظفر خلالها شعراء بني عذرة الآخرون بغير سراب الحبيبة المعشوقة المفضي إلى الجنون والموت. ولعل قصة الشاعر الذي أُلحق اسمه بحبيبته لبنى على غرار أترابه من العذريين، هي إحدى أكثر قصص ذلك الزمن مصداقية، وقدرة على الإقناع. لا أقول ذلك من منطق التشكيك العميق بكل ما نقله إلينا الرواة من قصص الحب المماثلة، أو الدحض الكامل لإحدى أنبل الظواهر الشعرية والإنسانية التي عرفها العرب في تاريخهم، بل لأن وقائع القصة تتغذى من عناصر واقعية قابلة للتصديق، بقدر ما هي قابلة للحدوث، ولو بنسخ مختلفة، في غير زمان ومكان. ولعل هذه العناصر المشار إليها هي التي دفعت الكاتب المصري طه حسين إلى القول في كتابه «حديث الأربعاء» إن قصة حب قيس للبنى هي «قصة جيدة حقاً، ولا ينبغي أن تقرن بهذا السخف الذي تحدث الرواة به عن المجنون، ولا إلى هذا الفتور الذي ذكروا به حب جميل لبثينة». على أن وضع الأمور في نصابها يستوجب العودة إلى ما حفظه تاريخ الأدب من سيرة الحبيبين، اللذين بدا ارتباطهما الزوجي خروجاً عن السياق المألوف للحب العذري، قبل أن تذهب الأمور مرة ثانية إلى مآلها المأساوي.
قد يكون أبو الفرج الأصفهاني في كتاب «الأغاني»، هو أحد أكثر مؤرخي الأدب الذين أولوا عناية خاصة بسيرة قيس بن ذريح وتعقب أخباره مع لبنى، وصولاً إلى الاستشهاد بالكثير من نصوصه الشعرية التي تنضح بالحزن الشفاف واللوعة الصادقة. أما الخطوط العامة للقصة فتبدأ مع مرور قيس بإحدى خيام بني كعب بن خزاعة مستسقياً الماء، وقد استبد به العطش. وما إن خرجت إليه لبنى بنت الحباب لتعطيه حاجته، وهي «امرأة مديدة القامة، شهلاء وحلوة المنظر والكلام» حتى وقعت في نفسه ووقع في نفسها في الآن ذاته. وبعد أن دعته إلى الخيمة ليبترد، أقبل أبوها فأكرمه وأطعمه، حتى إذا عاد إلى منزله وأخبر أباه بالأمر، طالباً منه خطبتها له، رفض الوالد الثري ذلك، لأنه كان يخطط لتزويج ابنه الوحيد بإحدى بنات عمه، كي لا تقع ثروته وميراثه في قبضة الغرباء. وإذ يستعين قيس لتحقيق مأربه بالإمام الحسين بن علي، الذي كان أخاً له في الرضاعة، استجاب الحسين لطلبه وزار كلاً من الطرفين المعنيين بالمصاهرة، فاستجابا له دون تردد، بما سمح للعاشقين الفتيين أن يطفئا بالزواج اللوعة التي لم يتمكن من إطفائها أي ثنائي مماثل من بني عذرة. ولكن السعادة التي ظللت الزوجين الوالهين سرعان ما تبددت، مخلية بريقها الآسر للكثير من الكوابيس.
كانت الحمى التي أصيب بها الزوج العاشق في أحد الأيام هي الذريعة الملائمة لمفاتحته من قبل والديه بشأن تطليقه للبنى، التي لم تنجب له طفلاً تؤول إليه ثروة ذريح الطائلة. وحين رفض قيس الانصياع للضغوط أقسم الأب بألا يظلله أي سقف قبل أن يقوم ابنه بتطليق زوجته، ثم راح لأسابيع لاحقة يقضي أيامه تحت الشمس اللاهبة لصحراء الحجاز، حيث يروي أبو الفرج أن قيساً الممزق بين عشقه لامرأته وبين خوفه على أبيه، كان يحرص على الوقوف إلى جانب هذا الأخير ساعات عديدة من النهار لكي يظلله من وهج الشمس، قبل أن يستسلم في لحظة ضعف لاحقة للأمر الواقع، ويقوم بتطليق لبنى. ولم يكد أهل الزوجة المهانة يرحلون بابنتهم بعيداً، حتى كان الزوج المغلوب على أمره ينتبه إلى الكارثة التي ألحقها بنفسه، ثم يشحذ على سكين الندم والحسرة كل ما أوتيه من ملكة النظم الشعري. بعد ذلك يشكو والد لبنى أمره إلى معاوية، وقد شعر بالإهانة والحرج بسبب تشبيب قيس العلني بابنته المطلقة، فطلب الخليفة من والي المدينة مروان بن الحكم إهدار دم الشاعر، كما طلب من والد لبنى أن يبحث عن زوج آخر لابنته، وهو ما حدث بالفعل، حيث تم تزويجها لخالد بن حلزة الغطفاني، وهو ما أفقد قيس توازنه العقلي ودفعه إلى محاولة اللقاء بها دون طائل. لكن الصدفة تفعل فعلها في هذا الصدد، إذ إن قيساً نزل بعد ذلك في المدينة المنورة عارضاً ناقة له للبيع، فاشتراها أحد الأشخاص طالباً إليه أن يوافيه إلى منزله ليدفع له المال. ويصدف أن يكون الشاري هو زوج لبنى بالذات، حتى إذا التقى الحبيبان على غير موعد، أصابهما من الاضطراب والذهول ما جعل الزوج الغافل ينتبه إلى ما يجري، وصولاً إلى الوقوف على الحقيقة الصادمة.
وكما هو الحال في الكثير من قصص العذريين، تتعدد الروايات بعد ذلك. فثمة من قال إن قيس بن ذريح عمد إلى الاستعانة مرة أخرى بالإمام الحسين، الذي أقنع خالد بن حلزة بتطليقها لتعود ثانية إلى الرجل الذي أحبته. وثمة من نفى ذلك جملة وتفصيلاً، ليؤكد أن قيساً ما لبث أن هام، بعد لقائه الأخير بلبنى، على وجهه، ولم يجد له مهنة، وفق أكثر الرواة، سوى البكاء والنشيج والتمرغ ونظم قصائد الندم على ما فات من أيام سعادته الآفلة. حتى إذا قضت لبنى نحبها بفعل مرضٍ أصابها لاحقاً، لم يصمد العاشق الملتاع سوى أيام معدودة، قبل أن يواجه المصير نفسه.
ثمة الكثير بالطبع مما يمكن قوله بشأن هذه القصة المؤثرة التي يجمعها بالشعر العذري إخلاص الشاعر العاشق لامرأة واحدة، ووقف كل ما ينظمه من شعر على ذكرها والتغزل بمحاسنها، والتحسر على ما فات من أيام وصالها الوردية. لكن ارتباط العاشقين بعلاقة زوجية طويلة استمرت وفق بعض الرواة لسنوات عشر، يمنح هذه التجربة طابعها المتفرد، ليس فقط من زاوية دحض الجناس الشائع حول علاقة الحب العذري بالعذرية والتبتل التام، والنأي به بالتالي عن أي شبهة جسدية وشهوانية، بل من الزاوية المتعلقة بقدرة الحب على الصمود في وجه الأعاصير، وعلى البقاء مشتعلاً رغم انتقاله إلى خانة الزواج، وما يرتبه ذلك من حالات الضجر وانتفاء الدهشة وتصادم الأمزجة. إذ لطالما تغذى الحب العذري من سحر المسافة الفاصلة بين الطرفين، التي تتيح لكليهما أن «يخترع «الآخر من عنديات أحلامه وهواماته الشخصية. حتى إذا أخلت هذه المسافة مكانها للحضور المحسوس، فقدت العلاقة الكثير من وهجها وسحرها السابقين. وهو ما يؤكده قول جميل بن معمر عن بثينة:
يموت الهوى مني إذا ما لقيتُها
ويحيا إذا فارقتُها فيعود
كما أننا لا نستطيع في هذا السياق أن نُغفل الأبعاد الاجتماعية والطبقية والدينية لهذه التراجيديا العاطفية والإنسانية التي دفع الزوجان العاشقان ثمنها الباهظ. فالتفاوت الطبقي الواضح بين عائلتي قيس ولبنى هو الذي وفر لمأساتهما المشتركة عناصر الاكتمال. صحيح أن المقدس الديني، ممثلاً بالإمام الحسين، هو الذي تكفل بردم الهوة الفاصلة بين العائلتين، إلا أن فترة التعايش القلق لم تدم طويلاً قبل أن ينجح أهل قيس في دفعه أخيراً إلى تطليق زوجته، بدعوى عجزها عن إنجاب طفل يحفظ لعائلة الأب ميراثها وثروتها الطائلة. أما الشاعر الذي غلبه الندم فقد راح ينشد بحرقة بالغة:
يقولون لبنى فتنةٌ، كنتَ قبلها
بخيرٍ، فلا تندمْ عليها، وطلّقِ
فطاوعتُ أعدائي وعاصيتُ ناصحي
وأقررتُ عين الشامت المتخلّقِ
وددتُ وبيتِ الله أني عصيتُهم
وحُمّلتُ في رضوانها كل موبقِ
فتنكرُ عيني بعدها كلّ منظرٍ
ويكره سمعي بعدها كلّ منطقِ
واللافت هنا أن المسؤولية عن عدم الإنجاب قد تم تحميلها إلى الزوجة لا الزوج، دون أي يمتلك والدا قيس الثريان أي دليل قاطع على ذلك، وهو ما يعكس القيم الاجتماعية السائدة آنذاك، حيث كان على المرأة بوجه عام أن تدفع الكلفة الباهظة للغلبة الذكورية بمستوياتها المختلفة. ولعل هذا الواقع بالذات هو ما يجعل من الحب العذري، إضافة إلى جمالياته الفنية وعذوبته الآسرة، إعلاءً غير مسبوق لمكانة المرأة المعشوقة، كما لجوهر الأنوثة الكونية، وسط عالم الصحراء المثخن بالعنف و«العطش» الروحي والخوف من المجهول، بما يكسب طلب الماء واستسقاءه من قبل قيس، وتلبية لبنى لذلك الطلب، قيمة رمزية بالغة الأبعاد والدلالات. وإذا كان العطش قد تجدد ثانية يتجدد مع فراق الحبيبين، فلأن الأسطورة لا تقبل لبطلها أن يرتوي، ولأن «العالم العذري هو صحراء من السراب، لا يموت فيها الإنسان إلا من الظمأ»، وفق ما يقوله الطاهر لبيب في كتابه المميز «سوسيولوجيا الغزل العربي».
وللتراب أيضاً رمزيته الخاصة في هذه التراجيديا العاطفية. فإذ ينتبه قيس فجأة إلى غياب لبنى، لا يجد في الشعر وسيلة كافية لاستردادها من عهدة الفقدان، فيتعقب بداية أثر خف بعيرها على الرمل ويشرع بتقبيله، ثم يذهب إلى حيث كان يطيب لها الجلوس فيقبل أثر قدمها هناك، ممرغاً وجهه بالتراب الذي لا تزال ذراته تتضوع بعبق لبنى وحضورها الدافئ، حيث يقول في ذلك:
وما أحببتُ أرضكمُ ولكنْ
أقبّل إثْر مَن وطئ الترابا
لقد لاقيتُ من كلَفي بلبنى
بلاءً ما أُسيغ به الشرابا
إذا نادى المنادي باسم لبنى
عييتُ فما أطيق له جوابا
وإذا كان لهذه الحادثة من دلالة، فهي تدل على الأبعاد السحرية التي تكتسبها الأماكن المُخلاة من سكانها في نفوس البشر، بحيث تبدو وكأنها الامتداد الطبيعي لأجساد من غادروها، ويبدو الاحتفاظ بها نوعاً من التعويض الرمزي عن غياب ساكنيها. ولعل هذه الرمزية بالذات هي التي جعلت من البكاء على الأطلال أحد التقاليد الأكثر رسوخاً في الشعر العربي القديم. لا بل إن فكرة الطلل، بما هي تعبير عن الفقدان، تكاد تكون الفكرة الأكثر جوهرية التي ينهض فوقها مفهوم الأدب والفن.
فبعد مرور قرون عديدة على مأساة قيس ولبنى، يخبرنا الشاعر الأميركي المعاصر آرتشي أمونز بأن المشهد الأقوى الذي حرضه على الكتابة، ليس مشهد أخيه المتوفى زمن الطفولة، بل مشهد الأم التي لم تكد تعثر على آثار قدميه في حديقة المنزل، حتى قررت أن تبني حولها ما يقيها هبوب الريح، كي يظل من الحضور الملموس لابنها الراحل ما يعصمه من الاضمحلال.
على أن المأزق الذي يعيشه قيس بن ذريح، بكل ما يكتنفه من مشاعر الندم وخواء الحياة وانسداد الأفق، لن يجد طريقه إلى الحل النهائي إلا بالموت، حيث سيتكفل هذا الأخير بتلبية نداءات الشاعر الذي كان يهتف من قلب المأساة:
لقد عنّيتني يا حبّ لبنى
فقعْ إما بموتٍ أو حياةِ
فإن الموت أهونُ من حياةٍ
منغّصةٍ، لها طعم الشتاتِ
وقال الناصحون: تخلّ عنها
فقلتُ: نعم، إذا حانت وفاتي



رسائل ت. س. إليوت في زمن الحرب العالمية الثانية

رسائل ت. س. إليوت في زمن الحرب العالمية الثانية
TT

رسائل ت. س. إليوت في زمن الحرب العالمية الثانية

رسائل ت. س. إليوت في زمن الحرب العالمية الثانية

كيفَ، في قلب مشاغله العديدة، وجدَ الوقت للجلوس إلى آلته الكاتبة أو إملاء سكرتيرة مكتبه هذه المئات من الرسائل الشخصية والمهنية؟ أو ما كانت إدارة قرص التليفون خليقة أن تغني عن هذا الجهد؟

أسئلة لا بد أن تتبادر إلى ذهن القارئ وهو يتناول هذا المجلد الضخم الصادر في 2025 عن دار «فيبر وفيبر» للنشر بلندن في 1080 صفحة. إنه الجزء العاشر من رسائل ت. س. إليوت التي تصدر تباعاً، ومن المنتظر أن تصل إلى 20 جزءاً.

The Letters of T. S. Eliot، Volume 10 (1942- 1944)

وقد أشرف على إصدار الكتاب وزوده بهوامش ضافية جون هافندن John Haffenden أستاذ الأدب الإنجليزي بجامعة شفيلد البريطانية، وذلك بالاشتراك مع فاليري إليوت Valerie Eliot أرملة الشاعر الراحلة وزوجته الثانية.

تغطي رسائل هذا الجزء أعوام 1942 - 1944 ويخيم عليها شبح الحرب العالمية الثانية التي مست شتى مناحي الحياة في بريطانيا. فنحن نجد هنا ذكراً لغارات الطيران الألماني على لندن وكوفنتري وغيرهما من المدن، وتوزيع الطعام بالبطاقات، وإطفاء الأنوار، وصعوبات الاتصال مع العالم الخارجي، وتعطل الأنشطة الفنية من مسارح ودور سينما ومعارض ومهرجانات. كذلك شحت كمية الورق اللازم لطباعة الكتب والمجلات والصحف. وانعكس ذلك على دار النشر التى كان إليوت أحد مديريها فاضطرت إلى الإقلال من إصداراتها وتأجيل الكثير مما سبق التعاقد عليه. ومن هنا كانت العديد من هذه الرسائل تحمل اعتذار إليوت عن قبول عشرات المخطوطات التي كانت تفد على الدار ما بين دواوين شعر وروايات ومجموعات قصصية ومسرحيات ودراسات نقدية، مما لا بد أنه سبب إحباطاً شديداً للأدباء والنقاد الذين كانوا يطمحون إلى أن ترى أعمالهم النور وأن تحظى بمباركة أشهر شاعر أنجلو-أميركى في القرن العشرين.

رسائل إليوت موجهة إلى أفراد من أسرته مثل شقيقه الأكبر هنري الذي كان باحثاً متخصصاً في دراسة آثار أشور وإيران والشرق الأدنى، وإميلي هيل محبوبة إليوت في شبابه قبل أن يهاجر من الولايات المتحدة الأميركية إلى بريطانيا، وجون هيوارد الذي شارك إليوت السكن في لندن زمناً، ومترجمي أعماله إلى لغات أجنبية، والشعراء سان جون بيرس وو. ه. أودن وستفن سبندر، والروائيين إ. م. فورستر وجورج أورويل ولورنس دريل، والكتاب المسرحيين شون أوكيزي ورونالد دنكان، والمخرج السينمائي جورج هولرنغ الذي حول مسرحية إليوت «جريمة قتل في الكاتدرائية» إلى فيلم سينمائي نال رضا إليوت، والنقاد ا. ا. رتشاردز وف. ر. ليفيس وآلن تيت وكثيرين غيرهم.

تحفل هذه الرسائل بتعليقات إليوت على الأعمال الأدبية المقدمة للدار وتكشف عن بصيرته النقدية النافذة وفطنته إلى مواضع القوة ونقاط الضعف في أدب عصرنا. وقبل ذلك تكشف عن التزامه الأخلاقي وضميره المهني اليقظ فهو يقرأ كل كلمة من النص المقدم إليه قبل أن يصدر عليه حكماً، ولا يعرف المجاملة وإنما يقبل ما يستحق النشر ويرفض ما لا يستحق، ويطلب من الكاتب أن يلتزم بأعلى معايير الدقة وألا يبخل بجهد في سبيل إزالة الشوائب ودعم النواحي الإيجابية في نصه.

ومن الأحداث التي تسجلها الرسائل عمل إليوت في الدفاع المدني أثناء الحرائق الناجمة عن غارات الطيران الألماني على لندن، وخمسة أسابيع قضاها في السويد، ورحلة قام بها إلى ويلز في 1944، ومشروعات رحلات (لم تتم) إلى آيسلندا وشمال أفريقيا، واعتذاره عن قبول عرض بالعمل مستشاراً للشعر في مكتبة الكونجرس بواشنطن دي سي، ومحاضرات ألقاها وندوات شارك فيها، وأحاديث إذاعية سجلها، ومسرحيات شاهدها مثل مسرحية «جوستاف» للكاتب السويدي سترندبرغ، وأوبرا «كريستان وأيزولده» لفاجنر، وأعمال المثال هنري مور، وأعمال موسيقية كان يحبها مثل رباعيات بتهوفن الوترية.

وتنتثر في تضاعيف الرسائل آراء نقدية مهمة لإليوت كقوله مردداً كلمات الشاعر الرمزي الفرنسي مالارميه: «إن الشعر يصنع من كلمات لا من أفكار»، مضيفاً: «إن القصيدة في المحل الأول شكل ونفخ للحياة في الكلمات». والشعر «يتطلب اختياراً حريصاً واستخدام حد أدنى من الاستعارات والصور ومنح كل منها الحد الأقصى من التأثير»، فـ«الإسراف في الزخرفة عدو الشكل».

ويرى أن على الشاعر أن يكتب «أقل» قدر ممكن من الشعر، فالمهم هو الكيف لا الكم. ولدى أغلب الشعراء نجد خَبثَاً (بفتح الخاء والباء) كثيراَ وعروقاً نضاراً قليلة. والنظم «يجب أن يكون على الأقل صنعة قبل أن يكون فناً». وتلقي الرسائل أضواء على ما كان إليوت يحب ويكره. فهو يفضل مثلاً الشاعر البرتغالي لويس دي كاموش (من القرن السادس عشر) على الشاعر الإنجليزي ميلتون. ويسخر إليوت من الصورة التي رسمها ميلتون للجحيم في قصيدته «الفردوس المفقود».

وفي إطار تفضيله لشعر الماضي على شعر الحاضر يقول: «أشك في أنني أجد متعة كبيرة في أي شعر معاصر ـ سواء لمعاصريي أو لمن يصغرونني سناً». بل يذهب إلى حد القول (لا يجب أن نحمله على محمل الجد بطبيعة الحال): «إني أكره الشعر» راسماً كلمة «أكره» (HATE) بحروف التاج الكبيرة إمعاناً في التوكيد!

ومن الطريف أن نجده يخطئ أحياناً في هجاء بعض الكلمات أو رسم أسماء الأعلام أو قواعد النحو (صوّب له المحرر جون هافندن هذه الأخطاء). ولكن من الواضح أن ذلك كان من قبيل السهو لا الجهل. فما كان لمثل إليوت، وهو إلى جانب جويس من أعظم من استخدموا اللغة الإنجليزية في عصرنا، أن يجهل الصواب. وينطبق عليه في هذا الصدد قول أبي فراس الحمداني عن نفسه:

وأغفو ولا أعطي الهوى فضل مقودي

وأهفو ولا يخفى عليّ صواب

والكتاب محلى بصور فوتوغرافية لإليوت بين سن الثالثة والخمسين والسادسة الخمسين (فترة كتابة الرسائل)، وأغلفة الطبعات الأولى من كتبه، وصور من راسلهم، وصورة له وهو يسجل حديثاً من استوديو محطة الإذاعة البريطانية في لندن مع الروائي جورج أورويل والناقد وليم إمبسون والقاص الهندي مولك راج أناند وآخرين، وصورة له في أبريل (نيسان) 1943 وهو يقرأ قسماً من قصيدة «الأرض الخراب» في حضور الملكة الأم (زوجة الملك جورج السادس ووالدة الملكة إليزابيث الثانية)، والأميرات إليزابيث (الملكة فيما بعد) وشقيقتها مرجريت، وصورة له منهمكاً فى العمل مع زملائه من مديري دار «فيبر وفيبر» للنشر قبل أن تصيب الدار قنبلة من طائرة ألمانية، وبهذا الاجتماع للكلمة والصورة تتكون لدى القارئ فكرة جلية عن حياة شاعر «الأرض الخراب» وأفكاره وعلاقاته الإنسانية في لحظة زمنية فارقة من عمره ومن تاريخ القرن العشرين.


كيف يسهم الأدب في بناء ثقافة نزاهة مجتمعية؟


د.غازي القصيبي
د.غازي القصيبي
TT

كيف يسهم الأدب في بناء ثقافة نزاهة مجتمعية؟


د.غازي القصيبي
د.غازي القصيبي

يشكّل الأدب أحد أكثر الحقول الثقافية قدرة على مساءلة الواقع وصياغة الوعي، فهو ليس فعلاً جمالياً معزولاً، بل ممارسة إنسانية ذات أثر معرفي وأخلاقي. فالكاتب، في لحظات التحوّل الكبرى، لا يُختبر بقدرته على السرد فقط، بل بمدى نزاهته في تمثيل الحقيقة، ومسؤوليته في التعامل مع القيم التي يضخّها في الوعي الجمعي. ومن هنا تبرز النزاهة لا بوصفها قيمة أخلاقية خارج النص، بل بوصفها عنصراً بنيوياً في الكتابة نفسها، يربط بين صدق الرؤية، وعمق التجربة، واحترام القارئ.

الأدب، في جوهره، تعبير لغوي جمالي يعكس التجربة الإنسانية ويقدّم رؤية للعالم، لكنه في الوقت ذاته يحمل وظيفة ثقافية تتجاوز المتعة إلى بناء الوعي، وحفظ الذاكرة، ونقد الاختلالات الاجتماعية والسياسية. وحين ينجح الأدب في أداء هذه الوظائف دون تزييف أو ادعاء أو خطابية مباشرة، فإنه يسهم تلقائياً في ترسيخ ثقافة النزاهة، لأن النزاهة هنا ليست شعاراً أخلاقياً، بل ممارسة معرفية تحترم العقل والواقع والإنسان.

وتتجلى النزاهة في الكتابة والبحث من خلال جملة من القيم المتداخلة، في مقدمتها الصدق في الرؤية والتعبير، أي قدرة الكاتب على مواجهة الواقع كما هو، دون تجميل مضلل أو شيطنة مجانية. وقد جسّد تشارلز ديكنز هذا المعنى حين قدّم صورة قاسية للفقر والظلم في المجتمع الإنجليزي، كما فعل نجيب محفوظ وفواز حدّاد في فضح اختلالات السلطة والمجتمع العربي دون الوقوع في فخ الدعاية أو التبسيط الآيديولوجي. ويُضاف إلى ذلك مبدأ الشفافية، الذي يفرض على الكاتب والباحث احترام الحقيقة والمصدر، وعدم توظيف المعرفة بوصفها أداة إغواء أو تلاعب، وهو ما نجده واضحاً في أعمال كبار الروائيين، حيث تقوم الرواية على معرفة دقيقة تحترم ذكاء القارئ بدل استدراجه.

غير أن النزاهة لا تكتمل دون شعور عميق بالمسؤولية، فالكلمة ليست بريئة من آثارها، والكاتب مسؤول عن الأثر الاجتماعي والمعرفي لنصّه. ولعل تجربة غازي القصيبي في كتابه (حياة في الإدارة) تمثل مثالاً واضحاً لتحوّل الكتابة إلى ممارسة أخلاقية تسائل البيروقراطية، وتدعو إلى تحديث القيم المهنية بلغة أدبية قريبة من القارئ. كما أن النزاهة تفترض أمانة معرفية ترفض الانتحال والتلفيق، وتقوم على نقد الذات قبل نقد الآخر، وهو ما ميّز مشاريع فكرية كبرى عند طه حسين ومحمد عابد الجابري، حيث تحوّل النقد إلى فعل تحرير للثقافة لا إلى محاكمة لها.

ولا يمكن الحديث عن نزاهة الكاتب بمعزل عن نزاهة الثقافة نفسها، إذ إن الثقافة ليست مجرد إنتاج نصوص، بل منظومة مؤسسية وقيمية تحدد ما يُكتب، وكيف يُستقبل، وما يُكافأ أو يُقصى. فنزاهة الثقافة تقاس بمدى استقلال مؤسساتها، وشفافية أنشطتها، وعدالة مسابقاتها، ووضوح معايير التحكيم فيها. وعندما تتحول الجوائز والفعاليات الثقافية إلى دوائر مغلقة أو أدوات مجاملة أو نفوذ، فإنها تُفرغ الإبداع من معناه، وتدفع الكاتب والباحث إلى التكيّف بدل الابتكار، وإلى التماهي بدل النقد.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية تفعيل ثقافة النزاهة داخل المؤسسات الثقافية، لا عبر الشعارات، بل من خلال ممارسات واضحة تحترم الجهد البحثي والإبداعي، وتضمن تكافؤ الفرص، وتمنع تضارب المصالح، وتفصل بين الإدارة والتحكيم. فالثقافة النزيهة هي التي تسمح بالاختلاف، وتحمي حق السؤال، وتدرك أن النقد ليس تهديداً بل ضرورة حيوية لتجددها.

ويظل التحدي الأكبر أمام الكاتب والباحث هو تحقيق التوازن بين حرية الإبداع والمسؤولية الأخلاقية، فالإبداع لا ينمو في بيئة فوضوية، لكنه أيضاً لا يبرر التحريض أو الكراهية أو التسطيح. وقد نجح الأدب في تحقيق هذا التوازن عبر الانحياز إلى الإنسان بوصفه قيمة عليا، كما فعل غازي القصيبي بالفكاهة والرمز، وفواز حدّاد عبر السرد الكاشف، وأورويل وهوغو وآتوود عبر مقاومة الهيمنة دون الوقوع في خطاب مباشر أو تبسيطي، في زمن تتزايد فيه ضغوط السوق، وإغراء الشهرة، وتسييس الجوائز وتحوّلها من وسيلة تشجيع إلى تنفيع، ولعل أبسط علامات النزاهة في الجوائز التزامها بالمعايير المعلنة والمواعيد المحددة لكونها عقداً أخلاقياً بين المؤسسة والمبدعين، لتصبح النزاهة فعل مقاومة ثقافية بامتياز. فالكاتب النزيه هو من يحافظ على صوته الخاص، ويرفض أن يتحول إلى مروّج، أو أن يختزل الأدب في سلعة أو موقف عابر. ومن هنا فإن تعزيز النزاهة ليس مسؤولية فردية فحسب، بل مشروع ثقافي متكامل يبدأ من الكاتب والباحث، ويمتد إلى المؤسسة، ويكتمل في وعي المجتمع.

إن الأدب، حين يُكتب بنزاهة ويُحتضن في بيئة ثقافية شفافة، يتحول من فعل جمالي إلى قوة أخلاقية ناعمة، قادرة على بناء وعي نقدي، وترسيخ قيم العدالة، وصيانة كرامة الإنسان، وذلك هو الدور الأعمق الذي كُتب للأدب أن يؤديه عبر التاريخ.

*إعلامي وناقد كويتي


تفتيت الزمن في رواية مصرية

تفتيت الزمن في رواية مصرية
TT

تفتيت الزمن في رواية مصرية

تفتيت الزمن في رواية مصرية

عن دار صفصافة للنشر بالقاهرة صدرت أخيراً رواية «سر الهوى» للروائي المصري صبحي موسى. تدور الرواية حول سيرة رجل عجوز مسن يدعى الشهايبي، لا أحد يعرف الزمن الذي ولد فيه، ويكاد يكون متأبياً على الموت، فكلما تعرض لحادث أيقن الناس أنه لن ينجو منه وسيموت فيه، لكنه يفاجئهم بنهوضه، وكأنه استمد روحاً جديدة من أرواحه العديدة.

تنطلق الرواية من إحدى المرات التي يواجه فيها الشهايبي الموت، واعتقاد الجميع أنه مات، لكنه سرعان ما استفاق، كي يحكي لهم عن الأهوال التي عاشها طيلة الليل، بينما هم نائمون في أحضان زوجاتهم.

تعتمد الرواية على تقنية تفتيت الزمن وتشظيه، بين الماضي الذي يرويه الشهايبي بصيغ عديدة ومتباينة، والحاضر الذي يرويه ابنه عمر، الذي يعمل صحافياً في المدينة، ويعود إلى القرية بمجرد معرفته بمرض أبيه، ليتم نسج أحداث الرواية وصراعات الشهايبي مع أبنائه، الراغبين في الحجر عليه وتوزيع تركته عليهم. وبينما هو يفكر في طريقة لحرمانهم من أملاكه، فإنهم يفكرون في طريقة للخلاص منه، ويستقرون على تزويجه من سيدة صغيرة السن، تزوجت ثلاث مرات من قبل، ومات أزواجها الثلاثة بعد أشهر من زواجها بهم، فيفكرون في تزويجه منها للخلاص منه، لكن ابنه عمر يكتشف تلك الحيلة، ويستدعي الزوجة المنتظرة زبيدة كي تذيب الجليد الذي تراكم على قلبه وأعضائه، لكن الأب ينهض فجأة من موته، ويختفي من غرفته، بينما يبحث أبناؤه عنه في كل مكان فلا يجدوه.

وبرغم أن الشهايبي عرف عدداً كبيراً من النساء، فإنه رفض أن يتزوج بأي منهن طيلة حياة زوجته فاطمة، بعد أن قطع لها على نفسه عهداً بألا يتزوج عليها، حين طالبه والده بأن يبني لها بيتاً واسعاً قبل أن يتزوج بها، لكن فاطمة قررت أن تذهب مع الشهايبي إلى غرفته على أرض طرح النهر، في ذلك الخلاء الواسع المظلم الذي أطلق عليه الناس اسم «المجهول» لكثرة ما يجتاحه من كائنات غريبة، بدءاً من اللصوص وقطاع طرق أو الجن والعفاريت.

كان من بين النساء اللائي عرفهن الشهايبي «نجمة» الجميلة التي كانت تعاني من صداع نصفي لا يهدأ إلا بممارسة الحب العنيف، و«الكاوية» التي عالجت ابنه حمدان باستخدام كي رأسه بالمسامير الحمراء، و«المليحة» صاحبة البيت الذي تتردد عليه نجمة، و«زبيدة» التي طلبت من الشهايبي أن يتزوجها بعد وفاة زوجها، لكنه رفض، مصراً على أن يفي بوعده لفاطمة وألا يتزوج عليها.

بموت فاطمة حاول أن يفي بوعده لزبيدة، فطلب من بناته أن يذهبن لخطبتها له، لكنهن أبلغن أبناءه الذكور، واتفقوا جميعاً على منعه من الزواج، بل تهديد زبيدة في بيتها بالموت حال قبولها بالزواج من أبيهم. فقرر الشهايبي أن يتحدى أبناءه ويتزوجها، لكنها رفضت قائلة إنها لا تريد أن تخسر معاش زوجها.