لبنى وقيس بن ذريح... السرير الزوجي الذي عصفت به رياح الفقدان

علاقتهما الفريدة تؤكد أن الحب العذري ليس «استبعاداً» للجسد ولا رديفاً للعذرية

صورة تخيلية لقصص العذريين
صورة تخيلية لقصص العذريين
TT

لبنى وقيس بن ذريح... السرير الزوجي الذي عصفت به رياح الفقدان

صورة تخيلية لقصص العذريين
صورة تخيلية لقصص العذريين

لم يكن لقصة قيس بن ذريح وحبيبته لبنى بنت الحباب أن تدخل في سياق هذه السلسلة من المقالات المتعلقة بزواج المبدعين، لو لم تتوج علاقة الثنائي العاشق بالزواج، خلافاً لكل العلاقات المماثلة التي لم يظفر خلالها شعراء بني عذرة الآخرون بغير سراب الحبيبة المعشوقة المفضي إلى الجنون والموت. ولعل قصة الشاعر الذي أُلحق اسمه بحبيبته لبنى على غرار أترابه من العذريين، هي إحدى أكثر قصص ذلك الزمن مصداقية، وقدرة على الإقناع. لا أقول ذلك من منطق التشكيك العميق بكل ما نقله إلينا الرواة من قصص الحب المماثلة، أو الدحض الكامل لإحدى أنبل الظواهر الشعرية والإنسانية التي عرفها العرب في تاريخهم، بل لأن وقائع القصة تتغذى من عناصر واقعية قابلة للتصديق، بقدر ما هي قابلة للحدوث، ولو بنسخ مختلفة، في غير زمان ومكان. ولعل هذه العناصر المشار إليها هي التي دفعت الكاتب المصري طه حسين إلى القول في كتابه «حديث الأربعاء» إن قصة حب قيس للبنى هي «قصة جيدة حقاً، ولا ينبغي أن تقرن بهذا السخف الذي تحدث الرواة به عن المجنون، ولا إلى هذا الفتور الذي ذكروا به حب جميل لبثينة». على أن وضع الأمور في نصابها يستوجب العودة إلى ما حفظه تاريخ الأدب من سيرة الحبيبين، اللذين بدا ارتباطهما الزوجي خروجاً عن السياق المألوف للحب العذري، قبل أن تذهب الأمور مرة ثانية إلى مآلها المأساوي.
قد يكون أبو الفرج الأصفهاني في كتاب «الأغاني»، هو أحد أكثر مؤرخي الأدب الذين أولوا عناية خاصة بسيرة قيس بن ذريح وتعقب أخباره مع لبنى، وصولاً إلى الاستشهاد بالكثير من نصوصه الشعرية التي تنضح بالحزن الشفاف واللوعة الصادقة. أما الخطوط العامة للقصة فتبدأ مع مرور قيس بإحدى خيام بني كعب بن خزاعة مستسقياً الماء، وقد استبد به العطش. وما إن خرجت إليه لبنى بنت الحباب لتعطيه حاجته، وهي «امرأة مديدة القامة، شهلاء وحلوة المنظر والكلام» حتى وقعت في نفسه ووقع في نفسها في الآن ذاته. وبعد أن دعته إلى الخيمة ليبترد، أقبل أبوها فأكرمه وأطعمه، حتى إذا عاد إلى منزله وأخبر أباه بالأمر، طالباً منه خطبتها له، رفض الوالد الثري ذلك، لأنه كان يخطط لتزويج ابنه الوحيد بإحدى بنات عمه، كي لا تقع ثروته وميراثه في قبضة الغرباء. وإذ يستعين قيس لتحقيق مأربه بالإمام الحسين بن علي، الذي كان أخاً له في الرضاعة، استجاب الحسين لطلبه وزار كلاً من الطرفين المعنيين بالمصاهرة، فاستجابا له دون تردد، بما سمح للعاشقين الفتيين أن يطفئا بالزواج اللوعة التي لم يتمكن من إطفائها أي ثنائي مماثل من بني عذرة. ولكن السعادة التي ظللت الزوجين الوالهين سرعان ما تبددت، مخلية بريقها الآسر للكثير من الكوابيس.
كانت الحمى التي أصيب بها الزوج العاشق في أحد الأيام هي الذريعة الملائمة لمفاتحته من قبل والديه بشأن تطليقه للبنى، التي لم تنجب له طفلاً تؤول إليه ثروة ذريح الطائلة. وحين رفض قيس الانصياع للضغوط أقسم الأب بألا يظلله أي سقف قبل أن يقوم ابنه بتطليق زوجته، ثم راح لأسابيع لاحقة يقضي أيامه تحت الشمس اللاهبة لصحراء الحجاز، حيث يروي أبو الفرج أن قيساً الممزق بين عشقه لامرأته وبين خوفه على أبيه، كان يحرص على الوقوف إلى جانب هذا الأخير ساعات عديدة من النهار لكي يظلله من وهج الشمس، قبل أن يستسلم في لحظة ضعف لاحقة للأمر الواقع، ويقوم بتطليق لبنى. ولم يكد أهل الزوجة المهانة يرحلون بابنتهم بعيداً، حتى كان الزوج المغلوب على أمره ينتبه إلى الكارثة التي ألحقها بنفسه، ثم يشحذ على سكين الندم والحسرة كل ما أوتيه من ملكة النظم الشعري. بعد ذلك يشكو والد لبنى أمره إلى معاوية، وقد شعر بالإهانة والحرج بسبب تشبيب قيس العلني بابنته المطلقة، فطلب الخليفة من والي المدينة مروان بن الحكم إهدار دم الشاعر، كما طلب من والد لبنى أن يبحث عن زوج آخر لابنته، وهو ما حدث بالفعل، حيث تم تزويجها لخالد بن حلزة الغطفاني، وهو ما أفقد قيس توازنه العقلي ودفعه إلى محاولة اللقاء بها دون طائل. لكن الصدفة تفعل فعلها في هذا الصدد، إذ إن قيساً نزل بعد ذلك في المدينة المنورة عارضاً ناقة له للبيع، فاشتراها أحد الأشخاص طالباً إليه أن يوافيه إلى منزله ليدفع له المال. ويصدف أن يكون الشاري هو زوج لبنى بالذات، حتى إذا التقى الحبيبان على غير موعد، أصابهما من الاضطراب والذهول ما جعل الزوج الغافل ينتبه إلى ما يجري، وصولاً إلى الوقوف على الحقيقة الصادمة.
وكما هو الحال في الكثير من قصص العذريين، تتعدد الروايات بعد ذلك. فثمة من قال إن قيس بن ذريح عمد إلى الاستعانة مرة أخرى بالإمام الحسين، الذي أقنع خالد بن حلزة بتطليقها لتعود ثانية إلى الرجل الذي أحبته. وثمة من نفى ذلك جملة وتفصيلاً، ليؤكد أن قيساً ما لبث أن هام، بعد لقائه الأخير بلبنى، على وجهه، ولم يجد له مهنة، وفق أكثر الرواة، سوى البكاء والنشيج والتمرغ ونظم قصائد الندم على ما فات من أيام سعادته الآفلة. حتى إذا قضت لبنى نحبها بفعل مرضٍ أصابها لاحقاً، لم يصمد العاشق الملتاع سوى أيام معدودة، قبل أن يواجه المصير نفسه.
ثمة الكثير بالطبع مما يمكن قوله بشأن هذه القصة المؤثرة التي يجمعها بالشعر العذري إخلاص الشاعر العاشق لامرأة واحدة، ووقف كل ما ينظمه من شعر على ذكرها والتغزل بمحاسنها، والتحسر على ما فات من أيام وصالها الوردية. لكن ارتباط العاشقين بعلاقة زوجية طويلة استمرت وفق بعض الرواة لسنوات عشر، يمنح هذه التجربة طابعها المتفرد، ليس فقط من زاوية دحض الجناس الشائع حول علاقة الحب العذري بالعذرية والتبتل التام، والنأي به بالتالي عن أي شبهة جسدية وشهوانية، بل من الزاوية المتعلقة بقدرة الحب على الصمود في وجه الأعاصير، وعلى البقاء مشتعلاً رغم انتقاله إلى خانة الزواج، وما يرتبه ذلك من حالات الضجر وانتفاء الدهشة وتصادم الأمزجة. إذ لطالما تغذى الحب العذري من سحر المسافة الفاصلة بين الطرفين، التي تتيح لكليهما أن «يخترع «الآخر من عنديات أحلامه وهواماته الشخصية. حتى إذا أخلت هذه المسافة مكانها للحضور المحسوس، فقدت العلاقة الكثير من وهجها وسحرها السابقين. وهو ما يؤكده قول جميل بن معمر عن بثينة:
يموت الهوى مني إذا ما لقيتُها
ويحيا إذا فارقتُها فيعود
كما أننا لا نستطيع في هذا السياق أن نُغفل الأبعاد الاجتماعية والطبقية والدينية لهذه التراجيديا العاطفية والإنسانية التي دفع الزوجان العاشقان ثمنها الباهظ. فالتفاوت الطبقي الواضح بين عائلتي قيس ولبنى هو الذي وفر لمأساتهما المشتركة عناصر الاكتمال. صحيح أن المقدس الديني، ممثلاً بالإمام الحسين، هو الذي تكفل بردم الهوة الفاصلة بين العائلتين، إلا أن فترة التعايش القلق لم تدم طويلاً قبل أن ينجح أهل قيس في دفعه أخيراً إلى تطليق زوجته، بدعوى عجزها عن إنجاب طفل يحفظ لعائلة الأب ميراثها وثروتها الطائلة. أما الشاعر الذي غلبه الندم فقد راح ينشد بحرقة بالغة:
يقولون لبنى فتنةٌ، كنتَ قبلها
بخيرٍ، فلا تندمْ عليها، وطلّقِ
فطاوعتُ أعدائي وعاصيتُ ناصحي
وأقررتُ عين الشامت المتخلّقِ
وددتُ وبيتِ الله أني عصيتُهم
وحُمّلتُ في رضوانها كل موبقِ
فتنكرُ عيني بعدها كلّ منظرٍ
ويكره سمعي بعدها كلّ منطقِ
واللافت هنا أن المسؤولية عن عدم الإنجاب قد تم تحميلها إلى الزوجة لا الزوج، دون أي يمتلك والدا قيس الثريان أي دليل قاطع على ذلك، وهو ما يعكس القيم الاجتماعية السائدة آنذاك، حيث كان على المرأة بوجه عام أن تدفع الكلفة الباهظة للغلبة الذكورية بمستوياتها المختلفة. ولعل هذا الواقع بالذات هو ما يجعل من الحب العذري، إضافة إلى جمالياته الفنية وعذوبته الآسرة، إعلاءً غير مسبوق لمكانة المرأة المعشوقة، كما لجوهر الأنوثة الكونية، وسط عالم الصحراء المثخن بالعنف و«العطش» الروحي والخوف من المجهول، بما يكسب طلب الماء واستسقاءه من قبل قيس، وتلبية لبنى لذلك الطلب، قيمة رمزية بالغة الأبعاد والدلالات. وإذا كان العطش قد تجدد ثانية يتجدد مع فراق الحبيبين، فلأن الأسطورة لا تقبل لبطلها أن يرتوي، ولأن «العالم العذري هو صحراء من السراب، لا يموت فيها الإنسان إلا من الظمأ»، وفق ما يقوله الطاهر لبيب في كتابه المميز «سوسيولوجيا الغزل العربي».
وللتراب أيضاً رمزيته الخاصة في هذه التراجيديا العاطفية. فإذ ينتبه قيس فجأة إلى غياب لبنى، لا يجد في الشعر وسيلة كافية لاستردادها من عهدة الفقدان، فيتعقب بداية أثر خف بعيرها على الرمل ويشرع بتقبيله، ثم يذهب إلى حيث كان يطيب لها الجلوس فيقبل أثر قدمها هناك، ممرغاً وجهه بالتراب الذي لا تزال ذراته تتضوع بعبق لبنى وحضورها الدافئ، حيث يقول في ذلك:
وما أحببتُ أرضكمُ ولكنْ
أقبّل إثْر مَن وطئ الترابا
لقد لاقيتُ من كلَفي بلبنى
بلاءً ما أُسيغ به الشرابا
إذا نادى المنادي باسم لبنى
عييتُ فما أطيق له جوابا
وإذا كان لهذه الحادثة من دلالة، فهي تدل على الأبعاد السحرية التي تكتسبها الأماكن المُخلاة من سكانها في نفوس البشر، بحيث تبدو وكأنها الامتداد الطبيعي لأجساد من غادروها، ويبدو الاحتفاظ بها نوعاً من التعويض الرمزي عن غياب ساكنيها. ولعل هذه الرمزية بالذات هي التي جعلت من البكاء على الأطلال أحد التقاليد الأكثر رسوخاً في الشعر العربي القديم. لا بل إن فكرة الطلل، بما هي تعبير عن الفقدان، تكاد تكون الفكرة الأكثر جوهرية التي ينهض فوقها مفهوم الأدب والفن.
فبعد مرور قرون عديدة على مأساة قيس ولبنى، يخبرنا الشاعر الأميركي المعاصر آرتشي أمونز بأن المشهد الأقوى الذي حرضه على الكتابة، ليس مشهد أخيه المتوفى زمن الطفولة، بل مشهد الأم التي لم تكد تعثر على آثار قدميه في حديقة المنزل، حتى قررت أن تبني حولها ما يقيها هبوب الريح، كي يظل من الحضور الملموس لابنها الراحل ما يعصمه من الاضمحلال.
على أن المأزق الذي يعيشه قيس بن ذريح، بكل ما يكتنفه من مشاعر الندم وخواء الحياة وانسداد الأفق، لن يجد طريقه إلى الحل النهائي إلا بالموت، حيث سيتكفل هذا الأخير بتلبية نداءات الشاعر الذي كان يهتف من قلب المأساة:
لقد عنّيتني يا حبّ لبنى
فقعْ إما بموتٍ أو حياةِ
فإن الموت أهونُ من حياةٍ
منغّصةٍ، لها طعم الشتاتِ
وقال الناصحون: تخلّ عنها
فقلتُ: نعم، إذا حانت وفاتي



ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير
بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير
TT

ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير
بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير

لا يزال بسّام كردي، صاحب دار نشر «المركز الثقافي للكتاب» تحت هول الصدمة. فقد أتى القصف الإسرائيلي على مستودع كتبه، ومقره اللبناني، في حارة حريك، في الضاحية الجنوبية لبيروت. تم تدمير المبنى المكون من 14 طابقاً، في أثناء إحدى الغارات الإسرائيلية، احترق برمته، ودفن تحت ركامه ورماده مئات العناوين، بنسخها، وفكرها، وتعب كتّابها، وكدّ ناشرها.

الناشر لا يشعر بأمل في إنقاذ أي بقايا من تعب العمر. «كنت قد زودت المستودع الموجود تحت الأرض، بخزانات ماء ونظام إنذار مضاد للحرائق. فكيف أصبحت حال الكتب وقد هوت العمارة عن بكرة أبيها، لا بد أن المياه أغرقت محتويات المستودع»، يقول كردي لـ«الشرق الأوسط».

«المركز الثقافي للكتاب» دار نشر مغربية، ارتأى صاحبها أن يكون له مستودع في بيروت لتبقى العناوين التي يطبعها، قريبة من معارض الكتب، والنقل أخفّ تكلفة. ويشرح: «كان هدفي من إنشاء الدار، تعريف المثقف العربي في المشرق بالكتاب المغربي. غالباً ما كانت كتب المشرق هي التي تصلنا، ولا يحدث العكس، فأحببت أن أقوم بهذه المهمة».

ما آل اليه مبنى من 12 طابقاً وتحته مستودعا «المركز الثقافي للكتاب» و«مؤمنون بلا حدود»

تطبع الدار في المغرب لكبار الأسماء، وتأتي بكتبهم إلى بيروت، حيث توضع في هذا المستودع الذي فقدت محتوياته. «أما الكتب ذات البعد العربي أو اللبناني فتطبع في بيروت، وتنقل منها نسخ إلى المغرب». هكذا يعمل الناشر كردي، بين بلدين محاولاً تغطية المنطقة العربية. لكن «غالبية الكتب هي التي كانت موجودة في بيروت، لأنها من هنا تشارك في المعارض المختلفة. فأنا أعتبر بيروت نقطة تلاقٍ للعالم العربي. في بيروت وضعت كل ما أملك، شقاء العمر، وخمسين سنة من الكدّ في عالم النشر. هذه المهنة التي مارستها كل حياتي ولا أجيد غيرها، وها أنا أفقد كل شيء».

كان بسّام كردي، مديراً عاماً في المغرب ولبنان لـ«المركز الثقافي العربي» طوال 38 عاماً، قبل أن يؤسس داره «المركز الثقافي للكتاب» عام 2016، التي يصفها بأنها دار مغربية، لكنها في بيروت تجد امتدادها الجغرافي.

يصعب على الناشر تصديق ما وقع له، أو أن يقدّر عدد النسخ أو العناوين التي فقدها. «لا أزال غير قادر على إجراء جردة، أو حصر الأضرار. يلزمني عدة أيام، كي أستفيق من الصدمة، وأقدّر الموجودات التي تبخرت. لكن الخسارة هي حتماً تفوق المليوني دولار». يصف ما حدث بأنه «ضربة للمغرب والثقافة المغربية، وضربة لوجودي في المعارض العربية، وضربة لي شخصياً، وللبنان طبعاً».

قضى بسّام كردي عمره كله ناشراً يقوم بالمهمات كلها، «أتسلم المخطوطة، أقرأها، أتناقش مع الكاتب، نجري التعديلات، أدفع بها إلى الطبع، وأصححها، حتى تخرج بحلتها النهائية».

بسّام كردي يقيم في المغرب، وعرف بالخبر الأليم عن بعد «ولم أتمكن حتى الآن من إرسال أحدٍ لتفقد الوضع. كل ما أعرفه هو ما يخبرني به الأصدقاء هناك والصور التي أتسلمها. ولم يتمكن أحد من من المخاطرة والوصول إلى المبنى المنهار».

في الضاحية الجنوبية التي تتعرض لقصف كثيف بشكل شبه يومي، العديد من المكتبات احترقت واختفت بسبب الحرب، وتضررت دور نشر منها «مؤمنون بلا حدود» الموجودة في المبنى نفسه، ملاصقة لـ«المركز الثقافي للكتاب» ودفنت كتبها أيضاً تحت الركام.

كان بسّام كردي على علم منذ مدة أن ثمة خطر حرب يلوح في الأفق. «ذهبت وحاولت نقل محتويات المستودع. جاء جيراني في المنطقة، ولاموني. أقنعوني أن أبقى وأن لا شيء يستحق عناء الانتقال. ملت إلى هذا الحلّ، لأن الإيجارات في الضاحية لا تقارن بخارجها. فإذا كنت أدفع ألف دولار فسأضطر لأن أضرب المبلغ بثلاثة أضعاف في حال قررت الذهاب إلى مكان آخر. لهذا أبقيت المستودع حيث هو وعدت أدراجي إلى المغرب، وكانت النتيجة ما وصلنا إليه».

نعم، دور كثيرة تأثرت بهذه الكوارث التدميرية، يقول كردي، «لكن أغلبهم عندهم أكثر من مستودع، يفقدون أحدها فيبقى لهم مستودع أو اثنان. أما أنا فقد وضعت كل ما عندي في مكان واحد، ومن هنا حجم الكارثة التي تعرضت لها».

وإذا ما أضفنا إلى الخسارة التي وقعت على الدار، أن حال النشر متراجعة جداً، والسوق ليست على ما كانت عليها، كما يؤكد لنا كردي الذي يشارك في غالبية المعارض العربية، نفهم الصعوبات الجمّة التي على ناشر أن يذللها.

يطبع «المركز الثقافي للكتاب» لكبار كتّاب المغرب، لديه الأعمال الكاملة لمحمد عابد الجابري، وكتب سعيد بنكراد، حسن أوريد، الغالي أحرشاو، وأحمد المديني وغيرهم. وكان المديني من أوائل من نشروا خبر ضياع مركز الدار في بيروت تحت عنوان «شخصيات روايتي شهيدة القصف الإسرائيلي» وطالب بالتنديد بهذا العمل الهمجي وبالتضامن مع ناشره. وعدّ المديني على صفحته «فيسبوك» أن ما خسرناه هو «رصيد كبير وفخم» لخيرة الكتاب العرب مغاربة ومشارقة، مبدعين وباحثين. وقال عن الكتب وشخصياتها التي عدّها «شهيدة الأدب»: «أسمعها تصرخ قتيلة الكلمات، تبعثرت أشلاءً، والصور رفاتاً ووجوهها دماءً. إنما يقيناً سوف يبعثون بإرادة كاتبها وعزم وتصميم ناشرها، وبتضامن القراء والكتاب والناشرين العرب أجمعين والجهات الثقافية العربية الرسمية والمدنية». وختم: «لا يجوز السكوت على هذه الجريمة الشنعاء وأدعوهم لشجبها ودعم المركز الثقافي للكتاب بكل الوسائل الممكنة».

يصف صاحب «المركز الثقافي للكتاب» ما حدث بأنه «ضربة للمغرب والثقافة المغربية... وللبنان»

الناشر كان قد اتخذ كل الاحتياطات اللازمة، فعدا نظام مكافحة الحريق، لديه عقد تأمين «لكن الشركات لا تعوض عن دمار الحروب. هذا موجود كأول بند. هم يعوضون عن الغريق والحريق والكوارث الطبيعية، لكن الحروب ليست مشمولة. لماذا إذن نتكلف عناء التأمين، لست أدري؟». هكذا يتساءل كردي، الذي لا يتوقف هاتفه عن الرنين منذ انتشر الخبر. كتّاب، ناشرون، قرّاء، أصدقاء، الجميع يحاول أن يخفف عنه وقع الخسارة. فعلاقته مع كتّابه وثيقة، ويعتقد أنه لا بد لما تلف أن يتم تعويضه «فمن ألّف الكتاب الأول والثاني، بمقدوره أن يكتب الثالث. لكن في النهاية، التضامن معي والذي أقدره كثيراً هو عاطفي. أنا لا أتوقع، كما أنني لا أطلب، ولن أقبل بمساعدة مادية من أحد، إلا إذا كانت مؤسسة كبيرة، تعرض الدخول في مشروع معي».

ليس واضحاً بعد عند ناشر «المركز الثقافي للكتاب» ما يمكن أن يفعله للخروج من هذه المحنة. فبعض الكتب ضاع، وبعضها الآخر، بقي بنسخ محدودة. «سأعيد طباعة الكتب الموجودة، بكميات قليلة، أسميها (طبعة حرب) أو (طبعة استثنائية)، وربما (طبعة قصف)، لست أدري؟ كتبي لها طبيعة استثنائية، هي كتب حداثية، لا تتوجه للجمهور العريض، جامعية، تخصصية أو فلسفية، وكتّابي هم أصدقاء يتفهمون ما وقع ويتضامنون ويشجعون».

إعادة بناء مؤسسة من الصفر أو ما أشبه لرجل ضيّع خميرة خمسين سنة، أمر يصفه بأنه «صعب ومكلف جداً»، ولا بد أنه يحتاج إلى شجاعة استثنائية. بسّام كردي رغم بحّة الحزن في صوته، يحتفظ بالأمل والعزيمة، ويقول إنه يبحث عن موقع جديد في لبنان، بعيد عن المناطق الأكثر خطراً، شرط أن يكون السعر مقبولاً.

وعندما نسأله إن كان قد قرر تغيير البلد كلياً يقول: «أنا باقٍ في لبنان، ليس هذا ما أناقشه. الأمر محسوم بالنسبة لي، ولا بديل. إنما أبحث عن مستودع جديد يكون في مكانٍ أكثر أمناً، وأعيد التأسيس رويداً رويداً، كي أسترجع ما خسرته». يضيف: «أسست عبر سنوات طويلة، علاقات، أصدقاء، مؤلفين. هذا لا يلغي أنني في صدمة، وقد أصبح مخزوني صفراً بعد نصف سنة من العمل. سأبدأ من جديد، لأنه ليس أمامي من خيار آخر».

يصف ما حدث بأنه «عملية محو لذاكرة مغربية» في هذا الجزء من العالم العربي، ولا بد من استعادتها. «أعتقد رغم كبر مصيبتي، أنها أسهل من حال من فقد بيته، أو ابنه أو عائلته بأكملها. أنا عائلتي بخير، ورصيدي محبة الناس لي، وتقديرهم، وهذا هو رأس مالي الأكبر».


لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة
TT

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

ضمن سلسلة «الدراسات الشعبية» الصادرة عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة صدر كتاب «سيوة... واحة الأحلام والأساطير- دراسة إثنوغرافية» للباحث محمد أمين عبد الصمد. والكتاب، كما هو واضح من العنوان، يشير إلى تلك الواحة الشهيرة التي تقع في شمالي غرب مصر على بعد نحو 340 كم من ساحل البحر المتوسط وعلى بعد 450 كم من وادي النيل وتقترب بشدة من الحدود السياسية لليبيا، ويتحدث سكانها اللغة الأمازيغية «باللهجة الشاوية» بجانب اللغة العربية المتداولة رسمياً.

يعتمد أهل سيوة في حياتهم الاقتصادية على الزراعة ويشتهرون بإنتاج أنواع متعددة من البلح، وذلك لانتشار النخيل وزراعته في الواحة بأنواعه المتعددة، حيث كان تعداد النخيل في سيوة عام 1960 نحو 100 ألف نخلة، فضلاً عن 30 ألف شجرة زيتون تعطي بعد عصرها 200 طن من زيت الزيتون.

ويبدي المؤلف اهتماماً خاصاً، بواحدة من أشهر الأحداث التاريخية التي ارتبطت بسيوة، وهي زيارة الإسكندر الأكبر للواحة، في واقعة نادرة اكتنفها الكثير من الغموض، بهدف أن يستقي الكثير من معارفه منها ومن كهنتها ومعبودها «آمون»، كما قوي حضوره وذاع صيته بعد إعلانه من جانب الكهنة ابناً لهذا الإله الشهير بين آلهة مصر القديمة.

اتجه الإسكندر الأكبر إلى واحة سيوة في شتاء عام 331، قبل الميلاد، وذلك بعد أن وضع تخطيطاً لمدينة تحمل اسمه وهي الإسكندرية، فوصل أولاً إلى مدينة «باراتونيوم» وهي مكان مدينة «مرسى مطروح» حالياً وتلقى هدايا رسل ملوك المدن الليبية وإعلان طاعتهم له، ثم انطلق بعدها جنوباً قاصداً الواحة.

ويذكر مؤرخ بلاط الإسكندر الذي رافقه في هذه الرحلة أنهم تعرضوا للهلاك عطشاً أثناء الرحلة بعد نفاد الماء منهم، ولم ينقذهم سوى سقوط أمطار بشكل مفاجئ فارتووا منها وخزنوا بعضها لبقية الطريق، كما تعرضوا للهلاك مرة ثانية بعد أن ضلوا الطريق ولم ينقذهم سوى ظهور غراب في السماء فأمرهم الإسكندر بتتبعه والاتجاه معه فوصلوا الواحة بعد سبعة أيام واعتبرت حاشية الإسكندر أن نجاة الإسكندر ونجاة من معه من معجزات الإله آمون.

وصل الإسكندر بركبه إلى «معبد النبوءات» فاستقبله كهنة آمون واحتفوا به وبمن معه وتلقى الكهنة تساؤلات مرافقي الإسكندر الأكبر وأجابوهم عنها في بهو المعبد الشهير، أما الإسكندر الأكبر فقد طلب من الكهنة أن يسأل الإله آمون في خلوة فاصطحبه رئيس الكهنة إلى الهيكل ولم يرافقه أحد من حاشيته وسأل ما شاء من أسئلة وعندما خرج من الهيكل إلى رفاقه لم يخبرهم بأي شيء مما دار معه في الداخل واكتفى فقط بقوله: «سمعت من الإله آمون ما طابت له نفسي».

ولم يذكر التاريخ أو يسجِّل لنا أي شيء عما دار داخل الهيكل أو غرفة النبوءات تصريحاً أو تلميحاً وكل ما سجله التاريخ هو ما كتبه الإسكندر الأكبر في رسالته إلى والدته «أوليمبياس» عن تلك الزيارة فقال: «إنه سمع من الإله أشياء مهمة جداً لا يستطيع أن يذكرها في خطابه وسيرويها لها عندما يراها» ولكن هذا اللقاء لم يتم، فقد مات الإسكندر الأكبر وأخذ معه سره وسر ما قيل له في غرفة النبوءات.

يذكر المؤرخون حرص الإسكندر الأكبر فيما بعد على زيارة سيوة وإرسال رسله ليسأل كهنة آمون كلما كان مقدماً على أمر مهم، وهو ما يدل على الأثر الكبير الذي تركه آمون وكهنته في نفسه، حتى إنه عندما كان يعاني من سكرات الموت في مرضه الأخير في مدينة بابل تقدم إليه صديقه المقرب أريدوس وسأله: هل يوصي بشيء بخصوص ابنه وزوجته؟ فأعرض عنه الإسكندر الأكبر، فجاءه أريدوس مرة أخرى وسأله عمن يخلفه في القيادة بعد موته فأجابه بأن القيادة للأقوى منهم.

سأله «أريدوس» إن كان له طلب خاص ففتح الإسكندر الأكبر عينيه وقال إنه «يوصي بأن يدفنوه إلى جوار أبيه آمون في واحة سيوة». تم وضع الجثمان في تابوت ذهبي وسار وراءه الجيش كله منكس الرأس والسلاح والأعلام من مدينة بالمي في العراق حتى وصل إلى مدينة منف في مصر وكانت كل مدينة يمر عليها موكب الجنازة تخرج لتحييه وتبجل رحيله.

وعندما أراد اليونانيون استكمال مسيرتهم إلى واحة سيوة، أقنعهم بطليموس الذي كان يحكم مصر باسم الإسكندر الأكبر بأن يدفنوه في مدينة الإسكندرية التي دشن بناءها الإسكندر نفسه فاقتنع قادة الجيش اليوناني ووافقوا على دفن الإسكندر الأكبر في الإسكندرية.


«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز
TT

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته». وأعتقد أن هذا ربما يفسر الحقيقة المثيرة للفضول بأن كثيراً من المغتربين يلعبون الشطرنج أو يؤلفون روايات. وذلك كتب إدوارد سعيد أن المنفي أو المغترب يصل إلى عالم جديد «غير طبيعي» ويكتشف أن «عدم واقعيته تشبه القصة الروائية المتخيلة».

ربما يكون لاعب الشطرنج أو الروائي من بين مغتربين ومنفيين كثيرين موجودين رواية «حرب زائفة»، وهي الرواية الثانية التي تشبه الحلم للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألفاريز، الذي دارت روايته الأولى «ذا فولين» (الساقطون)، التي تُرجمت إلى الإنجليزية عام 2020، حول حياة شخص كوبي مهاجر منقسم بين جيل قديم ذي شخصيات مثالية ثورية وجيل شاب أيقظه الفقر والقهر من ضلالات الأوهام. روايته «حرب زائفة» تدور في أماكن أخرى، وهي ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا الجزيرة. ويُعتقد أن نحو مليوني كوبي قد هاجروا منذ 2021، وهو عدد يقارب ثمانية أمثال من هاجروا خلال السنوات الأربع التي أعقبت الثورة.

وإذا كان يُقال إن حياة المنفى والاغتراب محيرة ومشتتة ومتفككة، فيبدو أن ألفاريز قد قرر تصوير تلك التجربة للقارئ بشكل قريب من الواقع. يوجد في الرواية عشرات الشخصيات، الكثير منها إما بلا اسم أو يحملون أسماء مختلفة في لحظات مختلفة. وتُروى قصصهم في أجزاء متفرقة مختلطة مضطربة تتنقل بسرعة بين الماضي والحاضر والحلم والواقع.

من الأمثلة على ذلك، هناك حلاق غادر كوبا على متن قارب في نهاية السبعينات، واستقر به المُقام في مدينة هياليه بولاية فلوريدا، حيث شهد مرض الإيدز يهلك ويفني الناس. وهناك أيضاً شخصية لاعب شطرنج اُعتقل في غوانتانامو يقضي أيامه في لعب مباريات مع الحراس، وثمة رجل هناك أتى إلى ميامي بعد وفاة خطيبته في زلزال في مكسيكو سيتي، وهو يؤلف رواية متعددة المستويات بشكل معقد يأمل أن يصف فيها «مهجر بلا حنين».

لقد قرأت رواية «حرب زائفة» مرتين حتى الآن، وأعترف أنني ما زلت غير قادر على استيعاب كل الشخصيات جيداً. مع ذلك من الأمور الممتعة في أي رواية هي كيف تحولك، وتحدث ضبابية في حدود الأشياء، وتتحايل على ذاكرتك وتخدعها. ومن الأمور الأخرى الممتعة أيضاً الأسلوب السردي الراقي الرشيق المكثف. لا يمكن مقارنتها إلا بقصيدة لجون آشبيري: «في الخارج تتحرك سيارة أجرة باللون الأخضر الداكن بشكل متعرج وفجأة تنقلب في وسط الشارع. وعلى ملاءة سريره البيضاء، وهو بين اليقظة والمنام، لا يمكن أن نصف فريدي أولموس بالقبيح ولا الجميل. في حلمه كان مجموعة من أشخاص يعرفهم يرسمون علامة الصليب في الهواء ويقفزون في الماء». يختبر أولئك المغتربون الحياة كشيء عشوائي لا شكل له، ولقد تعلموا التعامل مع كل شعور بالحميمية على أنه شعور عابر سريع الزوال. جاء على لسان إحدى الشخصيات وهي تتأمل: «راودني شعور بأننا رُسمنا على ورقة وتم إضرام النار في حافة تلك الورقة»، وهو وصف ملائم لما تبدو عليه تجربة قراءة هذه الرواية.

مع ذلك، أكثر ما يدهشني، وللغرابة، هو المزاج العام للرواية.

رواية «حرب زائفة» تدور في ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا جزيرة كوبا

لقد منحتنا العولمة نوعين من روايات الهجرة على الأقل، نوع عن الشتات، هو يكون عرضة أحياناً إلى شعور بالاشتياق يحمل طابع الورع، والنوع الآخر عن مغتربين من الغرب ينتمون إلى طبقة المهنيين المتخصصين المبتلين باغتراب وضياع عالمي مضجر. وتحمل رواية «حرب زائفة»، في نسختها التي ترجمتها ناتاشا ويمر، عناصر من النوعين، لكن مع مزاج خاص بها يتسم بالمرح والمزاح والوقاحة والتهكم والغضب.

وسبب الغضب فيها راجع إلى «وابل سوء الحظ الذي يمطر باستمرار على رؤوس أهل كوبا الذين لا حول لهم ولا قوة»، حياة المهاجرين المحفوفة بالمخاطر في أميركا، حيث لا يهم مدى كدحك في العمل، ففي النهاية سيحدث «شيء ما» فقد يصدمك أحدهم على طريق بالميتو السريع، أو تجد خصم مبلغ مالي بلا سبب مفهوم على بطاقتك، أو يرتفع سعر الوقود، أو يحمل الرئيس الجديد في نفسه ضغينة تجاهك وينوي إيذائك. لقد كتب ألفاريز رواية تتناول البحث عن بيت في عالم تحكمه القوة. وهذا هو آخر ما لديه ليقوله: «إنك لا تنتمي إلى مكان حتى تشعر نحوه بالازدراء».

* تشارلي لي محرر مراجعات نقدية

في مجلة «هاربرز ماغازين» ويكتب أيضاً لـ«ذا هاربرز إنديكس»

* خدمة «نيويورك تايمز»