الحب العذري بين تمجيد الألم وصناعة السراب

نشأ في كنف العزلة والإفقار والتهميش السياسي والاجتماعي

الحب العذري بين تمجيد الألم وصناعة السراب
TT

الحب العذري بين تمجيد الألم وصناعة السراب

الحب العذري بين تمجيد الألم وصناعة السراب

قلّ أن لفتت ظاهرة من الظواهر أنظار النقاد والدارسين، كما كان شأن ظاهرة الحب العذري عند العرب، التي انتشرت في بوادي الحجاز في النصف الثاني من القرن الأول للهجرة، وفي العصرين الراشدي والأموي على وجه الخصوص. فهذا الضرب من الحب الذي يجعل من المرأة المعشوقة قِبلة العاشق ومحور حياته كان قادراً منذ انطلاقته الأولى على استدراج الباحثين إلى ملعبه المغوي. وقد توزعت المقاربات المتصلة بهذا الشأن، بين من ربطه بعوامل اقتصادية واجتماعية بحتة، ومن ربطه بالدعوة الإسلامية التي وضعت الجانب الروحي من الحياة في رأس أولوياتها، وبين من رده إلى مؤثرات وافدة، بينها الحب الأفلاطوني والأساطير والديانات المشرقية ذات النزوع التطهري.

كما أن الخلاف حول ماهية الحب العذري وطبيعته قد شمل التسمية نفسها، بحيث ربطه البعض بالعذرية المرادفة للعفة والتبتل، فيما آثر آخرون نسبته إلى بني عذرة، القبيلة العربية المعروفة. والأرجح أن تكون الحقيقة مقسومةً بالتساوي بين الرأيين. فربط التسمية بالتعفف الجسدي وحده لا يتطابق مع المرويات المتعلقة بسيَر العذريين الذين لم يتردد بعضهم في الإغارة على مخدع حبيبته المتزوجة، كما حدث لجميل بثينة، فيما ظفر بعضهم الآخر بالزواج من حبيبته قبل تطليقها مكرهاً، كما في حالة قيس بن ذريح. فضلاً عن أن أشعارهم المدونة تقدم لنا ما يكفي من الشواهد الدالة على نزعاتهم الشهوانية، واحتفائهم بما هو دون الوصال الجسدي الكامل مع المرأة المعشوقة.

أما ربط التسمية ببني عذرة، فيحول دون التسليم به كون العديد من الشعراء العشاق لا ينتمون إلى هذه القبيلة، بل إلى قبائل وجغرافيات مختلفة توزعت بين الحجاز ونجد وغيرها من الأصقاع. ففي حين كان عروة بن حزام وجميل بثينة وكثيّرعزة ينتمون إلى قبيلة عذرة، كان قيس بن الملوح ينتمي إلى بني عامر بن صعصعة القاطنين في نواحي نجد، فيما كان قيس بن ذريح ينتمي إلى بني كنانة الحجازيين. والأرجح أن اقتران التسمية ببني عذرة ساعد على ترسيخه الجناس اللغوي بين النعت واسم العلم، إضافة إلى ما تمتع به عروة بن حزام وجميل بن معمر من مكانة إبداعية، فرضت نفسها على هذا النوع الأدبي برمته.

وإذا كان طه حسين أحد أكثر الباحثين الذين أخضعوا الظاهرة العذرية لمبضع الشكوك والمساءلة العقلية، ساخراً أحياناً من شطط شعرائها ومبالغاتهم الطفولية، ومشككاً أحياناً أخرى بصحة وجودهم نفسه، فإن الجانب الأهم في مقاربته للظاهرة العذرية، هو ما يتصل بالتحليل الاجتماعي لهذه التجربة الفريدة في التاريخ العربي. فقد ميّز حسين بين الإسلام الذي قدم لمعتنقيه، حضراً وبدواً، مُثُلاً للحياة الروحية ونموذجاً للتآلف، وبين أولياء الشأن السياسي الذين تركوا العديد من القبائل البدوية في عهدة مصير بائس. وهو مصير زاد من قتامته حرمان قبيلة عذرة من مداخيلها السابقة المتأتية من الغزو والسلب وغنائم الحروب، كما فاقمته فروض الزكاة والخُمْس والضرائب المستحدثة. وإذا كانت الدولة الأموية التي اتخذت من الشام عاصمة لها، قد عمدت إلى إقصاء سكان الحجاز المعارضين عن مركز القرار السياسي، فإن ما أغدقته من أموال وتقديمات على سكان مكة والمدينة والطائف، بهدف صرفهم عن السياسة، لم يشمل سكان البادية الذين تم تهميشهم بالكامل.

وحيث بدا ذلك النوع من الغزل العفيف مرآةً صادقةً لطموح أهل البادية إلى المثل الأعلى للحب، ولبراءتهم الموازية من ألوان الفساد التي كانت تغمر سكان الحواضر المدينية، فقد ذهب عميد الأدب العربي بعيداً في التأويل، فعقد مقارنة متعددة الأوجه بين الوضع المأزوم الذي أعقب وفاة الرسول وشطراً من الخلافة الراشدية، بما عكسه من مظاهر العنف والانشقاق الأهلي، وبين الحقبة التي أعقبت قيام الثورة الفرنسية، وما صاحبها من خيبات أمل وصخب دموي وعودة إلى الاستبداد. وإذ أنتجت الأولى ظاهرة الحب العذري المثخن بالألم وتعذيب النفس، فقد أنتجت الثانية الحركة الرومانسية التي بدت مثالية روادها وانسحابهم باتجاه الطبيعة بمثابة احتجاج رمزي على نتائج الثورة ومآلاتها المأساوية.

وقد ركز الطاهر لبيب من جهته على الأبعاد السياسية والاجتماعية للظاهرة العذرية، حيث رأى في كتابه اللافت «سوسيولوجيا الغزل العربي»، أن ما حرصت الخلافة الراشدية على الحفاظ عليه، بالحد المعقول من العدالة وتوزيع الثروة بين قريش وغيرها من القبائل، ما لبث أن تحول إلى فجوة طبقية واسعة بين المكونات المختلفة للمجتمع العربي الإسلامي، خصوصاً وأن انشغال الأمويين بالفتوحات الخارجية قد رافقه إهمال الكثير من مناطق الدولة المترامية وبيئاتها، بخاصة بيئة الجزيرة العربية المعارضة للسياسة الأموية. وقد كانت قبيلة عذرة التي لم تبرز فيها أي شخصية ذات وزن في تاريخ الاسلام، إحدى أكثر القبائل العربية عرضة للإفقار وتغييب الدور، وهي التي عانت من عزلة جغرافية شبه تامة، ومن شح غير مسبوق في مواردها الاقتصادية. وقد بدا جنوح أبنائها نحو الحب العفيف واليائس بمثابة نقلٍ للألم الناجم عن التهميش إلى مكان آخر، حيث يحل «جبروت» الحبيبة محل جبروت السلطة، وحيث التخلي عن الفحولة الذكورية والتعذيب المازوشي للنفس المنسحقة هما الثمرة الطبيعية للشعور بالإحباط والعجز عن التغيير.

على أن العاملين الاقتصادي والاجتماعي لم يكونا بالنسبة لباحثين آخرين كافيين لتفسير ما حدث عند مفترق الحقبتين الراشدية والأموية. فقد عدَّ محمد حسن عبد الله في كتابه «الحب في التراث العربي» أن ظاهرة الحب العذري لم تكن وليدة اللحظة التي انبثقت عنها، ولم تكن منبتة بالقطع عن سياق تاريخي قبل إسلامي، جسده بعض شعراء العصر الجاهلي مثل عبد الله بن عجلان النهدي والمرقّشين الأكبر والأصغر، الذين سلكوا سبيل الحب غير المتحقق، وقضوا نحبهم على دروبه المهلكة.

ولم تكن الأهواء الغرضية والإثنية بعيدة تماماً عن أذهان العديد من دارسي الظاهرة العذرية ومتابعيها. ففي حين كان بعض النقاد العرب يبحثون عن مصادر قومية ومحلية بحتة للحب العذري، كان عدد من المستشرقين يبحثون عن مصادر لهذا الحب في دوائر أخرى، تتوزع بين اليونانية والفارسية والمسيحية وغيرها. فقد عدَّ المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون أن الحب العذري مقتبسٌ من الحب اليوناني الأفلاطوني ومشتق منه. وهو إذ يرى فيه ضرباً من ضروب الانفصال عن الواقع للإقامة في متخيل أسطوري محض، يضيف قائلاً إن هذا الغرض الأسطوري يمجد قبيلة بدوية مثالية، يموت فيها المحبون حفاظاً على رقة العواطف وعلى الوفاء لعفةً غير مقدسة، ولكي لا يمدوا أيديهم إلى المحبوب. ومع موافقته التامة على قراءة ماسينيون للظاهرة العذرية، يضيف المستشرق الهولندي رينهارت دوزي عنصراً آخر متمثلاً بالديانة المسيحية، التي كانت سائدةً في بعض مناطق الجزيرة العربية وحولها، والتي كان لتعففها الجسدي أثر يصعب إغفاله في نشوء هذا الحب وتذكية نيرانه. لا بل إن دوزي يذهب أبعد من ذلك، فيشير إلى أن العرب الذين تعوزهم الاختبارات الروحية والماورائية، كانوا مختصين بالحب الحسي والشهواني دون سواه.

تغليب العوامل الخارجية في مقاربة الحب العذري عند العرب يحمل قدراً غير قليل من الغرضية والتعسف

وفيما يلح محمد غنيمي هلال على ربط الوفاء العذري بمؤثرات إسلامية ومحلية بحتة، يشاطره الطاهر مكي النظرة نفسها، عاداً أنه «لو كانت المسيحية وراء هذه الظاهرة، لكان الأوْلى أن تكون قد نشأت وتبلورت في نجران أو الحيرة أو مناطق الغساسنة، حيث استقرت هذه الديانة وباشرت سلطانها على النفوس، وأصبحت دين الأسرة الحاكمة ردحاً من الزمن».

ومع وجاهة الحجة التي يطرحها مكي في هذا الشأن، إلا أننا لا نستطيع استبعاد تفاعل بني عذرة المحتمل مع الطهرانية المسيحية، بحكم موقعهم الجغرافي الحساس على طرق القوافل، خصوصاً وأن الإسلام قد أفرد لهذه الديانة مكانةً خاصةً في العديد من المناحي. ولم يكن من قبيل الصدفة أن تكون مريم العذراء، بما تمثله من إعلاء تامٍ للجسد الأنثوي البتولي، محل احتفاء القرآن الكريم، وصولاً إلى تخصيصه لها بسورة كاملة تحمل اسمها بالذات.

على أن تغليب العوامل الخارجية في مقاربة الحب العذري عند العرب يحمل قدراً غير قليل من الغرضية والتعسف. فبنو عذرة الذين لم تتجاوز مضاربهم حدود البادية الحجازية، قلّ أن توفرت لهم مصادر الاتصال المعرفي بالفلسفة اليونانية، سواء ما تعلق منها بالحب الأفلاطوني أو بسواه. والأمر نفسه ينسحب على الأساطير والديانات المشرقية والمذاهب الصوفية المختلفة. والواقع أن شعور هذه القبيلة الممض بأن حاضر الأمة ومآلها يتم رسمهما بمعزل عنها، هو الذي دفع شبانها إلى البحث عن معنى لوجودهم مغاير للسائد السياسي والاجتماعي، بقدر ما أكسب طريقتهم في الحب طابعها الاحتجاجي الصارخ.

ولا بد أخيراً من الإشارة إلى دور الفضاء المكاني في نشوء الحب العذري وتبلور صوره ومعالمه. فخيمة العرب الرحَّل أسهمت بشكل أو بآخر في إنتاج الحضورات الهاربة واللغة المترحلة لهذا الحب، بقدر ما حدد حيزه المكاني الهش والمفتقر إلى الثبات، طبيعة الكلام العذري ووتائره وسياقاته، حيث اختلطت الوقائع بالرموز و«الآنتروبولوجيا بالألسنية»، وفق تعبير المستشرق الفرنسي جاك بيرك. أما الجانب الآخر من المعادلة المكانية، فيحتله الخلاء الصحراوي المثخن بالقلق والخوف وهاجس التشتت والإمحاء. وإذ كانت الأعراف القبلية تقضي بتهريب المرأة المعشوقة نحو أماكن بعيدة عن مرمى ذراعيه، فإن الشاعر الواقف بذهول إزاء المعالم المهجورة لحبه الضائع، ومن بينها الأوتاد والحبال والأثافي، لم يجد من وسيلة ناجعة لاسترداد فردوسه الآفل، سوى ما تيسره له مخيلته الجامحة من القصائد والمقطوعات وترجيعات الفقدان.


مقالات ذات صلة

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

ثقافة وفنون اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي.

د. ماهر شفيق فريد
ثقافة وفنون «عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023»

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

في كتابه «سيرة النور والصمت – مصر والقطيعة الحضارية»، يبدي الكاتب والباحث المصري محسن عبد العزيز اهتماماً خاصاً بتجربة الفيلسوفة المصرية القديمة هيباتيا

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون رسم تخيلي لامرئ القيس

النزعة النرجسية وتمثُّلاتها في التراث الشعري العربي

لم تقتصر الانعكاسات الفكرية والإبداعية لأسطورة نرسيس على الثقافة الغربية وحدها، بل اتسعت دائرتها لتطال ثقافات العالم المختلفة،

شوقي بزيع
ثقافة وفنون تفصيل من جدارية تزي_ن ركن العرش في قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه الجدارية

عرش الأرض الطيبة في قصير عمرة

يحتل قصير عمرة موقعاً خاصاً في خريطة القصور الأموية التي تمّ الكشف عنها في صحاري بلاد الشام، ويتميّز في المقام الأوّل بجدارياته التي تشكّل منجماً فنياً

محمود الزيباوي

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي. وهو يخاطب العقل والوجدان والحواس صاهراً إياها في سبيكة واحدة محملة بالدلالات والإيحاءات.

لكن الكتاب الذي نتوقف عنده هنا يطرح سؤالاً؛ هل الشعر مقصور على الأفكار العالية والعواطف السامية واللغة الجليلة؟ ويجيب؛ إن فيه مكاناً للثقافة الشعبية والمصطلح العامي ضارباً أمثلة لذلك من الشعر الإنجليزي في مختلف عصوره.

إنه كتاب «مهنة سامية»، أو «رسالة سامية»، أو «من أين تحصل على أفكارك؟» (A High Calling? Or: where do you get your ideas from?) من تأليف جون غريننغ (John Greening) وقد صدرت منه طبعة ورقية الغلاف عن دار النشر «مطبعة رينارد» (Renard Pressing) في 224 صفحة.

نحن هنا نبحر مع المؤلف في عوالم شعرية شتى، قديماً وحديثاً، مع الإشارة إلى الروابط بين فن الشعر وفن الموسيقى. فقد كان المؤلف مولعاً بالموسيقى الكلاسيكية، خاصة أعمال المؤلف الموسيقي الفنلندي جان سيبليوس صاحب القصيد السيمفوني «فنلنديا» (1900). ويقول غريننغ عن سيبليوس: «لقد كان سعيداً بأن ينتج منمنمات شعبية (أعمالاً صغيرة) إلى جانب روائعه المتميزة بالقوة والحدة والكثافة». ويخصص نصف الفصل المعنون «العبقرية» للحديث عن موسيقيين.

ويلخص غريننغ وجهة نظره في قوله: «تستطيع العبقريات الحقة أن تتغنى علواً وسفلاً». ويضرب مثلاً لذلك شكسبير الذي جمع بين الجدّ والهزل، والفكر العميق والتهريج الرخيص: «لقد كانت عظمته تتجلى أكثر ما تتجلى حين بدأ؛ العالي والواطئ يندمجان لديه، كما في شخصية الملك لير ومهرجه».

ففي مأساة «الملك لير» (1605 - 1604) نجد أن الملك العجوز، وقد دبّ إليه الخرف، يرتكب غلطة مأسوية حين يتنازل عن عرشه وكل سلطاته لابنتيه جونريل وريجان، غافلاً عما تنطوي عليه نفساهما من شرّ وقسوة، ويحرم من الميراث ابنته الصغرى كورديليا، وهى البارة بأبيها حقاً، لأنها أبت أن تجامله بمعسول القول كما فعلت أختاها المنافقتان. وتنتهى المسرحية بمصرع كورديليا والبهلول (مضحك الملك أو مهرج البلاط) فينطق لير بهذه الكلمات:

«ومضحكي المسكين قد شنق. ليس، ليس، ليس من حياة؟

لِمَ تكون للكلاب والجواد والفأر حياة

وأنت بلا أنفاس البتة؟ لن تفيق مرة أخرى.

هيهات هيهات هيهات هيهات هيهات

أرجوكم حلّوا هذا الزر. شكراً يا سيدي».

ت. س. إليوت

إن اللغة في هذه الانفجارة الانفعالية لغة بسيطة تخلو من أي صور شعرية بعيدة المنال. فهي تعبير تلقائي، في لحظة صادمة، لا يلجأ إلى التفنن والإغراب. الحيوانات المذكورة هنا (الكلب والجواد والفأر) كلها حيوانات مألوفة وليست كالحيوانات الأسطورية (عنقاء مغرب أو طائر الرخ أو الجواد بجاسوس الذي يطير أو القنطور الذي يجمع بين رأس رجل وبدن جواد). ويتكرر حرف النفي ذو المقطع الواحد (no). كما تتكرر كلمة «هيهات» (never) 5 مرات وهى من أشيع الكلمات في الحديث اليومي.

مثل آخر يضربه المؤلف هو شعر ت. س. إليوت في قصيدته «الأرض الخراب» (1922)، خاصة الحركة الثانية المعنونة «مباراة شطرنج». فمسرح القصيدة هنا مشرب من المشارب الرخيصة (pubs) التي تعج بها مدينة لندن وغيرها من المدن والبلدات والقرى البريطانية. إن المتكلم يتحدث إلى امرأة تدعى ليل، سرّح زوجها من الجيش، وهو الآن بصدد العودة إلى بيته. وينصحها المتكلم بأن تعنى بمظهرها، وأن تركب «طقم أسنان» جديداً حتى تحلو في عيني زوجها الذي قضى 4 أعوام في الخدمة العسكرية، وهو الآن يتطلع إلى قضاء وقت ممتع. ويحذرها المتكلم أنها إن لم توفر لزوجها هذا الوقت فسيبحث عن امرأة غيرها تلبي حاجاته. والمصطلح اللفظي الذي يستخدمه إليوت هنا، بعكس سبحاته الشعرية العالية في مواضع أخرى من القصيدة، مصطلح عامي دارج يعكس بيئة متواضعة وحظاً ضئيلاً من التعليم. ونجد إشارات إلى ظواهر من الحياة المعاصرة كأقراص منع الحمل، وما يمكن أن يكون لها من أثر في صحة المرأة:

«قالت هي تلك الأقراص التي تناولتها لأجهض طفلي

(كانت أماً لخمسة أطفال وقد كادت تموت يوم ولادة جورج الصغير)

وقد زعم الصيدلي أني لن ألبث أن أعود إلى حالتي الطبيعية

ولكنى ما عدت قط كما كنت».

يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة وفكرة قويتين، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية

مثال ثالث للشعر الذي يدنو من لغة الحياة اليومية هو و. هـ. أودن، الذي يصفه المؤلف بأنه «يذكرنا بالمجال المتاح أمام شاعر ذي عبقرية». ففي قصيدته المسماة «سأحصل على وظيفة» (1932) نقرأ:

«سأحصل على وظيفة في مصنع

سأعيش مع الأولاد العمال

سألاعبهم لعبة لوحة السهام في المشرب العام

سأشاركهم أحزانهم وأفراحهم

ولن أعيش في عالم ولى زمنه».

ويؤكد غريننغ أن الشعر يمكن أن يجد جمهوراً مهما جاء مخالفاً للتصورات التقليدية بما يجب أن يكون عليه من سمو وجلال: «يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة إنسانية قوية أو يعبر عن فكرة مستحوذة على الأذهان، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية».

ومسيرة الشعر منذ النصف الثاني من القرن العشرين حتى يومنا هذا (عندنا كما عند غيرنا) تشهد بصواب نظرة غريننغ (وهو ذاته شاعر إلى جوار كونه ناقداً). فنحن حين نقرأ قصائد شاعر معاصر كالشاعر اليوناني يانيس رتسوس مثلاً (ترجم رفعت سلام قصائده إلى العربية) نجده يستوحي مفردات الحياة اليومية وينأى عن أي إغراب. وكذلك الشأن مع محمد الماغوط في قصائد نثره، كما أوضح دانيل بيهار في كتابه «الشعراء السوريون وحداثة اللغة المحكية»، أو صلاح عبد الصبور الذي يحدثنا أنه رتق نعله وشرب شاياً في الطريق ولعب دور نرد أو دورين، أو أحمد عبد المعطي حجازي الذي يتحدث بصوت بائع ليمون: «العشرون بقرش - بالقرش الواحد عشرون». ويبلغ هذا الاستخدام للغة الحياة اليومية أبعد نقطة له في شعر العامية المنحدر من ابن عروس إلى فؤاد حداد، وعبد الرحمن الأبنودي، وصلاح جاهين، مروراً ببيرم التونسي. إن البساطة ليست نقيض العمق. وفي الشعر مكان لكل تنوعات الخبرة الإنسانية من أعلاها إلى أدناها.


«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور
TT

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023» والملقب بـ«شيخ المترجمين العرب» نظراً لإسهاماته التي تجاوزت 130 كتاباً في هذا السياق.

يشير عناني في مقدمته النقدية التي يستهل بها ترجمته الكاملة، والمزودة بهوامش وشروحات مع ذكر القائمة التفصيلية للمراجع والمصادر، إلى أن العمل ينتمي إلى المسرح الشعري، وطابع الشعر هنا لا يقتصر على ظاهرة النظم، بل يتعداها إلى صلب الرؤية الفنية التي تستمد قوتها من طاقة الاستعارة بأشكالها التي تتراوح ما بين الصور الجمالية بشتى أنواعها والرمزية، إلى جانب ما يتمتع به فن الشعر من تكثيف في الصياغة والضغط في التعبير، وهو ما تؤكده خصوصية البناء المسرحي الفريد في «عطيل».

ويجمع الدراسون على أن شكسبير قد استقى الحبكة من قصة وردت في مجموعة من مائة قصة طويلة مقسمة إلى عشرات تحمل عنوان «القصص المائة»، ومؤلفها هو جوفاني باتستا جيرالدي تشنثيو، وتقع في العشرة الثالثة، وقد نشرها في البندقية باللغة الإيطالية عام 1566، كما نُشرت في باريس باللغة الفرنسية عام 1584 من ترجمة جابريل شائوي. ولم يستطع الباحثون أن يعثروا على ترجمة إنجليزية لها قبل عام 1753، وربما يكون أحد المترجمين قد أصدر لها ترجمة معاصرة لشكسبير فاطلع عليها قبل نفاد نسخها، وربما يكون قد أطلع عليها بالإيطالية بدليل وجود أصداء لفظية مباشرة في النص لتلك اللغة، وهو ما بينه الكثيرون، أو أن يكون قد قرأها بالفرنسية.

تتحدث القصة عن قائد مغربي يتخذ لنفسه زوجة من بنات مدينة البندقية، رغم معارضة والديها واسمها «دزدمونة» ويعيشان معاً زمناً طويلاً في سعادة، ثم يقرر مجلس الحكم في البندقية تغيير نظام حامية قبرص وإرسال المغربي «عطيل» قائداً لها، دون تحديد أسباب لتغيير القديمة. وبعد معارضة طفيفة يقبل المغربي أن تصحبه زوجته؛ فالرحلة يسيرة، والسفينة مأمونة ومتينة البناء.

وبعد الوصول يقدم تشنثيو ثلاث شخصيات أخرى أهمها «ياجو» الشرير الذي يشغل منصب حامل العلم، ويقع في حب «دزدمونة»، ويتمنى الظفر بها، ويحاول بشتى الوسائل إغواءها فلا يجد أذناً مصغية، فهي تحب المغربي حباً جارفاً ولا تتصور خيانته مطلقاً، وهنا يتساءل الشرير عن ذلك ويوحى إليه ذهنه الفاسد بأنها لم تتمنع عليه إلا لأنها تحب ضابطاً آخر هو «كاسيو»، ومن ثم يتحول الحب الذي يكنه لها إلى كراهية مرة.

يُقنع ياجو «عطيل» بأن زوجته خائنة، فيصر الأخير على طلب دليل عيني، ويرد «ياجو» قائلاً إنه كان يمكنه تحقيق مطلبه لولا أن الرجل قد فقد منصبه ولم يعد يأتي إلى منزل «عطيل»، ومع ذلك فهو يعده بتلبية طلبه بأن يأتي بدليل حاسم. ويتذكر «ياجو» أمر المنديل المغربي النادر الذي أهداه «عطيل» إلى زوجته ويسرقه ياجو بنفسه في أثناء زيارته مع زوجته وابنته الصغيرة لـ«دزدمونة»، ويرميه في منزل «كاسيو»؛ تمهيداً لاتهام الزوجة الغافلة البريئة بأنها أهدته ذلك المنديل.

يناقش «عطيل» مع «ياجو» أمر قتل زوجته والرجل الذي يتهمه بالخيانة معها، ويقرر من ثم تكليف الشرير بقتل الرجل وفعلاً يفاجئه «ياجو» ذات ليلة وهو خارج من منزل فتاة ليل، ويعاجله بضربة تكسر ساقه ولكن «كاسيو» يتحامل بشجاعة على نفسه وينهض للدفاع شاهراً سيفه فيفر «ياجو» في ظلام الليل، ويصيح «كاسيو» طالباً للنجدة، ويهتف قائلاً: «لقد قُتلت»، ثم يعود «ياجو» وسط الظلام ويواجه بالشرطة التي هرعت إلى مكان الحادث.

تعلم «دزدمونة» بما حل بـ« كاسيو» فتحزن حزناً عميقاً، ويرى «عطيل» أن ذلك دليل لا يقبل الشك على خيانتها، ويدبر له حامل العلم أمر قتلها، بحيث لا يتهم أحد بارتكاب الجريمة، ويتفقان على أن يضرباها حتى الموت بجورب مملوء بالرمال، وأن يسقطا سقف الغرفة الخشبي المتهالك عليها؛ حتى يبدو الحادث كأنه قضاء وقدر، وينجحان في تحقيق ذلك، ويعتري المغربي حزن شديد على زوجته، وكراهية عميقة لحامل العلم، لكنه لا يجرؤ على قتله فيفصله من منصبه.

هنا يدبر «ياجو» خطة لقتل المغربي فيقنع «كاسيو» بالعودة معه إلى البندقية ويقول له إن «عطيل» هو الذي ضربه بالسيف فكسر ساقه بدافع الغيرة، ثم قتل زوجته، ويتقدم «كاسيو» بالشكوى إلى مجلس الحكم، ويُستدعي «ياجو» شاهداً، ويؤيد كل ما ذهب إليه في دعواه، وتلقي الشرطة القبض على المغربي وتعيده إلى البندقية، حيث يتعرض للتعذيب حتى يعترف، لكنه يصر على الإنكار، فيصدر المجلس الحكم بالنفي المؤبد عليه، ولكن أسرة «دزدمونة» تقتله، ويواصل حامل العلم «ياجو» حياة الشر فيكون له المزيد من الضحايا، لكن يُقبض عليه في نهاية الأمر، ويعذّب حتى الموت.

ويشير الدكتور عناني إلى أن الانهيار السريع الذي يتسبب في النهاية المفجعة لا تبرره على المستوى الواقعي المحض نظرتنا إلى المسرحية بوصفها مأساة زوج يغار أو يشك في زوجته أو حتى مأساة بطل جندي مغوار وشاعر يمثل صورة «العاشق المحارب» التي ورثتها أوروبا من العصور الوسطى.

والفكرة هنا أن «ياجو» يشارك «عطيل» عدم انتمائه طبقياً إلى البندقية بوصفها دولة غنية تعتمد على التجارة وثراء الأعيان من ذوي الحسب والنسب، فضلاً عن امتياز البحارة المقاتلين أو الأفذاذ في صنعة الحرب من القادة والأعلام. و«ياجو» لا يتمتع بالثراء ولا الحسب والنسب، ولا هو من السادة، ولا يأمل حقاً في أن ينافس ابن المجتمع الراقي «كاسيو» الذي تلقى التعليم، ويتمتع بمزايا الأعيان من ذوي الشعر المهدل، ويحظى بإعجاب بنات الطبقة الراقية، ويعرف موقعه في السلم الاجتماعي فهو يغار غيرة حقد وحسد من «كاسيو» أولاً، ومن «عطيل» ثانياً.


سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا
TT

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

في كتابه «سيرة النور والصمت – مصر والقطيعة الحضارية»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، يبدي الكاتب والباحث المصري محسن عبد العزيز اهتماماً خاصاً بتجربة الفيلسوفة المصرية القديمة هيباتيا بعدّها رمزاً تاريخياً فريداً من نوعه، لكنه لم ينل ما يستحق من الشهرة أو الذيوع رغم عمق المعاني التي يتضمنها.

كانت فاتنة الجمال، راجحة العقل، جامحة الخيال، نهلت من الفكر المصري ونزعته الصوفية وكانت من أكثر المعبرين عنه، كما قال عنها المؤرخ الأميركي الشهير ول ديورانت، إنها بزت جميع فلاسفة زمانها، ولما عُينت أستاذة للفلسفة هرع لسماعها عدد كبير من الناس من شتى الأقطار.

وقد بلغ من حبها للفلسفة أنها كانت تقف في الشوارع تشرح لكل من يسألها عن النقاط الصعبة في كتب أفلاطون وأرسطو ما أكسبها احترام الناس.

ولدت عام 370م وكان أبوها «ثينون» فيلسوفاً عمل بالفلسفة والجبر والهندسة، ثم مديراً لمكتبة الإسكندرية، أخذت عنه حب التفكير والفلك والرياضيات كما دربها على الخطابة والتدريس، وعندما كتب شرحاً لكتاب بطليموس اعترف بالدور الذي قامت به في تأليفه، كما كانت أبحاثها تشمل الفلك والرياضة وصنعت أجهزة لتقطير المياه وقياس منسوبها، كما صنعت «إسطرلاب» وجهازاً لقياس كثافة السوائل.

وفى الثلاثين من عمرها صدر الأمر الإمبراطوري بتعيينها أستاذة بالمكتبة، وغدت فيلسوفة من أتباع أفلاطون وتزعمت مدرسة «الأفلاطونية الجديدة» ذات النزعة الصوفية، وكانت بعثاً للفكر المصري القديم، تميزت به مدرسة الإسكندرية منذ القرن الثالث قبل الميلاد، وازدهر على يد أفلوطين كآخر المدارس اليونانية الفلسفية الكبرى.

كانت تقول إن «من يقدر على خلع بدنه وتكسير حواسه ووساوسه وحركاته، يستطع الرجوع إلى ذاته والصعود إلى العالم العقلي، كما أن الامتناع عن الشهوات وعدم أكل اللحوم عوامل مساعدة لصفاء النفس، وعلى الإنسان أن يمارس العبادات لتطهير النفس والزهد، فقيمة الإنسان ليست في جمال ملامحه ولكن في جمال أخلاقه».

عدّها المتعصبون دينياً واحدة من ألد أعدائهم بسبب جمالها وروعة منطقها وحداثة أفكارها، فهجموا عليها في أثناء عودتها من إلقاء إحدى المحاضرات وأنزلوها من عربتها وجروها إلى منطقة نائية. وهناك جردوها من ملابسها، وأخذوا يرجمونها بقطع القرميد حتى قتلوها، بل أكثر من ذلك قطعوا جسدها إرباً، وحرقوا بعضه، كانوا يفعلون كل ذلك بمرح وحشي شنيع لتذهب أسطورة هيباتيا ضحية للصراع بين الفكر والعلم من ناحية، والتعصب الديني من ناحية أخرى وعمرها 45 سنة.

لم يعاقب الجناة على فعلتهم البشعة واكتفى الإمبراطور بتقييد حرية المتطرفين في الظهور أمام الجماهير، مع حرمان الوثنيين من المناصب العامة، وأغلق المعابد والمدارس لتنطفئ شعلة العلم في الإسكندرية وينطفئ دورها الحضاري، ويرحل أساتذتها إلى أثينا خوفاً من مصير هيباتيا.