الحب العذري بين تمجيد الألم وصناعة السراب

نشأ في كنف العزلة والإفقار والتهميش السياسي والاجتماعي

الحب العذري بين تمجيد الألم وصناعة السراب
TT

الحب العذري بين تمجيد الألم وصناعة السراب

الحب العذري بين تمجيد الألم وصناعة السراب

قلّ أن لفتت ظاهرة من الظواهر أنظار النقاد والدارسين، كما كان شأن ظاهرة الحب العذري عند العرب، التي انتشرت في بوادي الحجاز في النصف الثاني من القرن الأول للهجرة، وفي العصرين الراشدي والأموي على وجه الخصوص. فهذا الضرب من الحب الذي يجعل من المرأة المعشوقة قِبلة العاشق ومحور حياته كان قادراً منذ انطلاقته الأولى على استدراج الباحثين إلى ملعبه المغوي. وقد توزعت المقاربات المتصلة بهذا الشأن، بين من ربطه بعوامل اقتصادية واجتماعية بحتة، ومن ربطه بالدعوة الإسلامية التي وضعت الجانب الروحي من الحياة في رأس أولوياتها، وبين من رده إلى مؤثرات وافدة، بينها الحب الأفلاطوني والأساطير والديانات المشرقية ذات النزوع التطهري.

كما أن الخلاف حول ماهية الحب العذري وطبيعته قد شمل التسمية نفسها، بحيث ربطه البعض بالعذرية المرادفة للعفة والتبتل، فيما آثر آخرون نسبته إلى بني عذرة، القبيلة العربية المعروفة. والأرجح أن تكون الحقيقة مقسومةً بالتساوي بين الرأيين. فربط التسمية بالتعفف الجسدي وحده لا يتطابق مع المرويات المتعلقة بسيَر العذريين الذين لم يتردد بعضهم في الإغارة على مخدع حبيبته المتزوجة، كما حدث لجميل بثينة، فيما ظفر بعضهم الآخر بالزواج من حبيبته قبل تطليقها مكرهاً، كما في حالة قيس بن ذريح. فضلاً عن أن أشعارهم المدونة تقدم لنا ما يكفي من الشواهد الدالة على نزعاتهم الشهوانية، واحتفائهم بما هو دون الوصال الجسدي الكامل مع المرأة المعشوقة.

أما ربط التسمية ببني عذرة، فيحول دون التسليم به كون العديد من الشعراء العشاق لا ينتمون إلى هذه القبيلة، بل إلى قبائل وجغرافيات مختلفة توزعت بين الحجاز ونجد وغيرها من الأصقاع. ففي حين كان عروة بن حزام وجميل بثينة وكثيّرعزة ينتمون إلى قبيلة عذرة، كان قيس بن الملوح ينتمي إلى بني عامر بن صعصعة القاطنين في نواحي نجد، فيما كان قيس بن ذريح ينتمي إلى بني كنانة الحجازيين. والأرجح أن اقتران التسمية ببني عذرة ساعد على ترسيخه الجناس اللغوي بين النعت واسم العلم، إضافة إلى ما تمتع به عروة بن حزام وجميل بن معمر من مكانة إبداعية، فرضت نفسها على هذا النوع الأدبي برمته.

وإذا كان طه حسين أحد أكثر الباحثين الذين أخضعوا الظاهرة العذرية لمبضع الشكوك والمساءلة العقلية، ساخراً أحياناً من شطط شعرائها ومبالغاتهم الطفولية، ومشككاً أحياناً أخرى بصحة وجودهم نفسه، فإن الجانب الأهم في مقاربته للظاهرة العذرية، هو ما يتصل بالتحليل الاجتماعي لهذه التجربة الفريدة في التاريخ العربي. فقد ميّز حسين بين الإسلام الذي قدم لمعتنقيه، حضراً وبدواً، مُثُلاً للحياة الروحية ونموذجاً للتآلف، وبين أولياء الشأن السياسي الذين تركوا العديد من القبائل البدوية في عهدة مصير بائس. وهو مصير زاد من قتامته حرمان قبيلة عذرة من مداخيلها السابقة المتأتية من الغزو والسلب وغنائم الحروب، كما فاقمته فروض الزكاة والخُمْس والضرائب المستحدثة. وإذا كانت الدولة الأموية التي اتخذت من الشام عاصمة لها، قد عمدت إلى إقصاء سكان الحجاز المعارضين عن مركز القرار السياسي، فإن ما أغدقته من أموال وتقديمات على سكان مكة والمدينة والطائف، بهدف صرفهم عن السياسة، لم يشمل سكان البادية الذين تم تهميشهم بالكامل.

وحيث بدا ذلك النوع من الغزل العفيف مرآةً صادقةً لطموح أهل البادية إلى المثل الأعلى للحب، ولبراءتهم الموازية من ألوان الفساد التي كانت تغمر سكان الحواضر المدينية، فقد ذهب عميد الأدب العربي بعيداً في التأويل، فعقد مقارنة متعددة الأوجه بين الوضع المأزوم الذي أعقب وفاة الرسول وشطراً من الخلافة الراشدية، بما عكسه من مظاهر العنف والانشقاق الأهلي، وبين الحقبة التي أعقبت قيام الثورة الفرنسية، وما صاحبها من خيبات أمل وصخب دموي وعودة إلى الاستبداد. وإذ أنتجت الأولى ظاهرة الحب العذري المثخن بالألم وتعذيب النفس، فقد أنتجت الثانية الحركة الرومانسية التي بدت مثالية روادها وانسحابهم باتجاه الطبيعة بمثابة احتجاج رمزي على نتائج الثورة ومآلاتها المأساوية.

وقد ركز الطاهر لبيب من جهته على الأبعاد السياسية والاجتماعية للظاهرة العذرية، حيث رأى في كتابه اللافت «سوسيولوجيا الغزل العربي»، أن ما حرصت الخلافة الراشدية على الحفاظ عليه، بالحد المعقول من العدالة وتوزيع الثروة بين قريش وغيرها من القبائل، ما لبث أن تحول إلى فجوة طبقية واسعة بين المكونات المختلفة للمجتمع العربي الإسلامي، خصوصاً وأن انشغال الأمويين بالفتوحات الخارجية قد رافقه إهمال الكثير من مناطق الدولة المترامية وبيئاتها، بخاصة بيئة الجزيرة العربية المعارضة للسياسة الأموية. وقد كانت قبيلة عذرة التي لم تبرز فيها أي شخصية ذات وزن في تاريخ الاسلام، إحدى أكثر القبائل العربية عرضة للإفقار وتغييب الدور، وهي التي عانت من عزلة جغرافية شبه تامة، ومن شح غير مسبوق في مواردها الاقتصادية. وقد بدا جنوح أبنائها نحو الحب العفيف واليائس بمثابة نقلٍ للألم الناجم عن التهميش إلى مكان آخر، حيث يحل «جبروت» الحبيبة محل جبروت السلطة، وحيث التخلي عن الفحولة الذكورية والتعذيب المازوشي للنفس المنسحقة هما الثمرة الطبيعية للشعور بالإحباط والعجز عن التغيير.

على أن العاملين الاقتصادي والاجتماعي لم يكونا بالنسبة لباحثين آخرين كافيين لتفسير ما حدث عند مفترق الحقبتين الراشدية والأموية. فقد عدَّ محمد حسن عبد الله في كتابه «الحب في التراث العربي» أن ظاهرة الحب العذري لم تكن وليدة اللحظة التي انبثقت عنها، ولم تكن منبتة بالقطع عن سياق تاريخي قبل إسلامي، جسده بعض شعراء العصر الجاهلي مثل عبد الله بن عجلان النهدي والمرقّشين الأكبر والأصغر، الذين سلكوا سبيل الحب غير المتحقق، وقضوا نحبهم على دروبه المهلكة.

ولم تكن الأهواء الغرضية والإثنية بعيدة تماماً عن أذهان العديد من دارسي الظاهرة العذرية ومتابعيها. ففي حين كان بعض النقاد العرب يبحثون عن مصادر قومية ومحلية بحتة للحب العذري، كان عدد من المستشرقين يبحثون عن مصادر لهذا الحب في دوائر أخرى، تتوزع بين اليونانية والفارسية والمسيحية وغيرها. فقد عدَّ المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون أن الحب العذري مقتبسٌ من الحب اليوناني الأفلاطوني ومشتق منه. وهو إذ يرى فيه ضرباً من ضروب الانفصال عن الواقع للإقامة في متخيل أسطوري محض، يضيف قائلاً إن هذا الغرض الأسطوري يمجد قبيلة بدوية مثالية، يموت فيها المحبون حفاظاً على رقة العواطف وعلى الوفاء لعفةً غير مقدسة، ولكي لا يمدوا أيديهم إلى المحبوب. ومع موافقته التامة على قراءة ماسينيون للظاهرة العذرية، يضيف المستشرق الهولندي رينهارت دوزي عنصراً آخر متمثلاً بالديانة المسيحية، التي كانت سائدةً في بعض مناطق الجزيرة العربية وحولها، والتي كان لتعففها الجسدي أثر يصعب إغفاله في نشوء هذا الحب وتذكية نيرانه. لا بل إن دوزي يذهب أبعد من ذلك، فيشير إلى أن العرب الذين تعوزهم الاختبارات الروحية والماورائية، كانوا مختصين بالحب الحسي والشهواني دون سواه.

تغليب العوامل الخارجية في مقاربة الحب العذري عند العرب يحمل قدراً غير قليل من الغرضية والتعسف

وفيما يلح محمد غنيمي هلال على ربط الوفاء العذري بمؤثرات إسلامية ومحلية بحتة، يشاطره الطاهر مكي النظرة نفسها، عاداً أنه «لو كانت المسيحية وراء هذه الظاهرة، لكان الأوْلى أن تكون قد نشأت وتبلورت في نجران أو الحيرة أو مناطق الغساسنة، حيث استقرت هذه الديانة وباشرت سلطانها على النفوس، وأصبحت دين الأسرة الحاكمة ردحاً من الزمن».

ومع وجاهة الحجة التي يطرحها مكي في هذا الشأن، إلا أننا لا نستطيع استبعاد تفاعل بني عذرة المحتمل مع الطهرانية المسيحية، بحكم موقعهم الجغرافي الحساس على طرق القوافل، خصوصاً وأن الإسلام قد أفرد لهذه الديانة مكانةً خاصةً في العديد من المناحي. ولم يكن من قبيل الصدفة أن تكون مريم العذراء، بما تمثله من إعلاء تامٍ للجسد الأنثوي البتولي، محل احتفاء القرآن الكريم، وصولاً إلى تخصيصه لها بسورة كاملة تحمل اسمها بالذات.

على أن تغليب العوامل الخارجية في مقاربة الحب العذري عند العرب يحمل قدراً غير قليل من الغرضية والتعسف. فبنو عذرة الذين لم تتجاوز مضاربهم حدود البادية الحجازية، قلّ أن توفرت لهم مصادر الاتصال المعرفي بالفلسفة اليونانية، سواء ما تعلق منها بالحب الأفلاطوني أو بسواه. والأمر نفسه ينسحب على الأساطير والديانات المشرقية والمذاهب الصوفية المختلفة. والواقع أن شعور هذه القبيلة الممض بأن حاضر الأمة ومآلها يتم رسمهما بمعزل عنها، هو الذي دفع شبانها إلى البحث عن معنى لوجودهم مغاير للسائد السياسي والاجتماعي، بقدر ما أكسب طريقتهم في الحب طابعها الاحتجاجي الصارخ.

ولا بد أخيراً من الإشارة إلى دور الفضاء المكاني في نشوء الحب العذري وتبلور صوره ومعالمه. فخيمة العرب الرحَّل أسهمت بشكل أو بآخر في إنتاج الحضورات الهاربة واللغة المترحلة لهذا الحب، بقدر ما حدد حيزه المكاني الهش والمفتقر إلى الثبات، طبيعة الكلام العذري ووتائره وسياقاته، حيث اختلطت الوقائع بالرموز و«الآنتروبولوجيا بالألسنية»، وفق تعبير المستشرق الفرنسي جاك بيرك. أما الجانب الآخر من المعادلة المكانية، فيحتله الخلاء الصحراوي المثخن بالقلق والخوف وهاجس التشتت والإمحاء. وإذ كانت الأعراف القبلية تقضي بتهريب المرأة المعشوقة نحو أماكن بعيدة عن مرمى ذراعيه، فإن الشاعر الواقف بذهول إزاء المعالم المهجورة لحبه الضائع، ومن بينها الأوتاد والحبال والأثافي، لم يجد من وسيلة ناجعة لاسترداد فردوسه الآفل، سوى ما تيسره له مخيلته الجامحة من القصائد والمقطوعات وترجيعات الفقدان.


مقالات ذات صلة

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

ثقافة وفنون الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

في أقصوصة فرانز كافكا «المسخ» يستيقظ شاب يدعى جريجور سامسا من نومه ذات صباح ليجد نفسه وقد تحول في فراشه إلى حشرة مقلوبة على ظهرها لا تملك أن تعتدل فتروح تتخبط..

د. ماهر شفيق فريد
ثقافة وفنون «ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

بعين حساسة تجاه ثراء المشاهد البصرية ووجدان مرهف الحس، يحول الفنان التشكيلي المصري سمير فؤاد مذكراته إلى لوحة بانورامية دافئة يمتزج فيها الحنين بالأسى

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون حكايات بين مدينتين

حكايات بين مدينتين

صدرا أخيراً عن مؤسسة شمس للنشر والإعلام بالقاهرة؛ للأديبة العراقية «عالية طالب» كتابها الجديد «القاهرة - بغداد: حكايات على ضفاف النهرين».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون النقد البيئي في الأدب العربي

النقد البيئي في الأدب العربي

صدر أخيراً عن دار النابغة في القاهرة كتاب «إيكولوجيا النص الأدبي: دراسات نظرية وتطبيقية مترجمة في النقد البيئي المعاصر»، ترجمة وتحرير معتز سلامة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون إلياس خوري

من يتذكر كلية التربية اللبنانية؟

إذا كان مقدّراً لكل جيل من الأجيال أن يواجه نصيبه من التحديات، وأن يحمل من السمات الثقافية والفكرية والاجتماعية، ما يمكن أن يصبح إنجازه الخاص وعلامته الفارقة...

شوقي بزيع

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا
TT

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

في أقصوصة فرانز كافكا «المسخ» يستيقظ شاب يدعى جريجور سامسا من نومه ذات صباح ليجد نفسه وقد تحول في فراشه إلى حشرة مقلوبة على ظهرها لا تملك أن تعتدل فتروح تتخبط عبثاً بأرجلها النحيلة في الهواء.

وفي رواية الأديب الفلسطيني إميل حبيبي «الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل» (1972) يختفي الفلسطيني بفعل «فضائيين» («فدائيين»؟) جاءوا من السماء، حسب تفسير البعض لاختفائه.

وفي رواية نجيب محفوظ «ليالي ألف ليلة» (1982) حكاية تحمل عنوان «معروف الإسكافي». معروف فقير مطحون يعاني الأمرين على يدي زوجته الشرسة إلى أن يأتيه عفريت من عالم الجن يمنحه خاتم سليمان -رمز القدرة السحرية- فيطلق امرأته الظالمة ويستخدم الخاتم في صنع الخير وإقرار العدل وإسعاد الناس.

هذه نماذج من أدب الفانتازيا أو الإغراق في الخيال. وكلمة «فانتازيا» fantasy -حسب قاموس «النفيس: إنجليزي- عربي» للدكتور مجدي وهبه- تعني عدة أمور: عجيب، غريب، خيالي، وهمي، محال، غير معقول، ضخم إلى حد لا يصدق، خارق. فالفانتازي ضرب من القص نجد فيه أن الممكن وغير الممكن يختلطان إلى حد يحير القارئ (وكثيراً ما يحير الراوي أو الشخصية الرئيسية في القصة) إذ لا يجد تفسيراً متسقاً لأحداث القصة الغريبة. ويذهب تزفتان تودوروف في كتابه «مدخل إلى الأدب الفانتازي» (1970) إلى أن الحكي الفانتازي يتضمن تردداً لا حل له بين التفسيرات الخارقة للطبيعة التي نجدها في قصص العجائب أو الخوارق وبين التفسيرات الطبيعية أو النفسية التي نجدها في حكايات «الغريب».

والفانتازيا قديمة قدم الأدب والفن: فنحن نجدها في أساطير الإغريق، وكتاب «ألف ليلة وليلة»، وحكايات الجنيات والقصص الخيالية في المأثورات الشعبية لمختلف الأمم، والمدن الفاضلة أو نقيضها من مدن كابوسية، وقصص الرعب القوطية مثل «فرانكنشتاين» لماري شِلّى، و«دراكولا» لبرام ستوكر، وروايات الخيال العلمي، والواقعية السحرية عند أدباء أميركا اللاتينية ومن حذوا حذوهم.

هذه الفانتازيا موضوع كتاب باللغة الإنجليزية صدر في هذا الصيف عن مطبعة جامعة إدنبرة. يقع الكتاب في قرابة ثلاثمائة صفحة وهو من تأليف ألكسندرا شريتح الأستاذة المساعدة للأدب العربي والدراسات الأدبية والبصرية الدولية في جامعة تفتس الأميركية. وعنوان الكتاب

Alexandra Shraytekh، The Modern Arabic Fantastic، Edinburgh University Press، 2026

تقول شريتح إن الفانتازيا بما تشتمل عليه من حكايات عجيبة وأخبار غريبة نمط من الكتابة يرتبط عادة بأزمة اجتماعية أو سياسية أو جمالية، ونقلة من اليقين إلى الشك ناجمة عن تقحم عنصر خارجي على الواقع اليومي المألوف. إنه نتاج مواجهات مع غرباء (قد يكونون أشباحاً أو موتى عادوا إلى الحياة، أو كائنات من خارج الأرض). فالفانتازي موقع للالتباس أو الغموض، واختراق لقوانين العلية والزمان والمكان، ومسرح لما هو خارق وسحري.

وتسلط المؤلفة عدسة منظارها التحليلي على عدد من الأعمال الأدبية لكتاب عرب من مختلف الأجيال: «قنديل أم هاشم» ليحيى حقي، «عالمي المجهول» لأليفة رفعت، «فرانكشتاين في بغداد» لأحمد السعداوي، «فقهاء الظلام» لسليم بركات وغيرهم. وفي هذه الأعمال نجد جدلاً بين عالم الغيب وعالم الشهادة، وإبحاراً بين عوالم العلم والصوفية، ومجالاً للتفريج عما هو مكبوت وقد يحمل أبعاداً سياسية.

توجه المؤلفة اهتماماً خاصاً إلى رواية القاص الرائد محمود تيمور «موباسان المصري» «نداء المجهول»

وتوجه المؤلفة اهتماماً خاصاً إلى رواية القاص الرائد محمود تيمور «موباسان المصري» «نداء المجهول» (1939) وهي مروية على لسان سائح مصري في لبنان يزور قرية صغيرة وينطلق منها للبحث عن قلعة أسطورية سحرية في قلب الجبل. ويقع الراوي في حب مستشرقة إنجليزية تجيد اللغة العربية، ومهتمة بالفكر الصوفي، تدعى مس إيفانز. إن أحداث الرواية تدور في عام 1908 ولكنها ترتد بالذاكرة إلى صراع الدروز والطائفة المارونية في لبنان في 1860. والرحلة إلى القلعة أشبه برحلة حج وضرب من رياضة النفس يستخدم فيها تيمور مصطلحاً لفظياً وصوراً شعرية أشبه بما نجده في نثر جبران خليل جبران. إن «الاستشراق» الغربي يتحول هنا إلى «إشراق» صوفي. واتجاه إيفانز إلى المشرق وهي الأوروبية يمثل امتزاجاً بين الشرق والغرب، الذات والآخر، الحاضر والماضي.

وللكتاب ببليوغرافيا في قرابة خمسين صفحة تشهد بسعة علم المؤلفة وإحاطتها الموسوعية بموضوعها. ولكني افتقدت فيه أي إشارة إلى كتاب باللغة الإنجليزية يبدو أنه لم يقع لها، وهو كتاب صدر عن دار إلياس للنشر في القاهرة في 1985، حررته الدكتورة ملك هاشم والدكتورة سيزا قاسم دراز، عنوانه «سبحات الخيال» Flights of Fantasy وهو يضم ترجمات إلى الإنجليزية لعدد من القصص العربية القصيرة الفانتازية لنجيب محفوظ ويوسف إدريس وشفيق مقار وآخرين.

وإذ يسجل كتاب شريتح جانباً من رحلة الرواية العربية من الواقعي إلى الفانتازي فإنه يلقي ضوءاً مهماً على الفانتازيا بين الشرق والغرب ويوضح كيف أن الفانتازيا حساسية من لون معين وأجرومية قصصية وتوتر بين أقطاب متقابلة: اليقظة والحلم، الحقيقة والوهم، الإيمان والعقل، الموروث والحداثة. والنتيجة التي تنتهي إليها هي أن الفانتازي يستعصي على أي معنى ثابت، ويتسع لعديد من التفسيرات، ولكنه يحدث تحولاً في نفس القارئ. إنه عابر للثقافات والأزمنة والأمكنة. ونحن أحوج ما نكون إلى أن ندرسه اليوم، خاصة وأننا نعيش في ظل مفارقة يلخصها قولها: «لقد غدا الفانتازي هو الواقعية الجديدة في زماننا».


«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي
TT

«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

بعين حساسة تجاه ثراء المشاهد البصرية ووجدان مرهف الحس، يحول الفنان التشكيلي المصري سمير فؤاد مذكراته إلى لوحة بانورامية دافئة يمتزج فيها الحنين بالأسى تجاه تحولات الأماكن من الجمال إلى الفوضى، ومن الهدوء إلى الصخب عبر كتابه «ميدان سفير - مذكرات الطفولة والصبا»، الصادر في القاهرة عن دار «الشروق».

من شرفة تطل على «ميدان سفير» الذي يتوسط حي «مصر الجديدة»، أحد أرقى أحياء القاهرة، وفي الشقة نفسها التي شهدت مولده عام 1944، يفتح الفنان نافذة واسعة على زمن كان الجمال فيه ركناً يومياً من أركان الحياة.

ويأخذنا في رحلة داخل مجتمع كان يضج بالتنوع والتعايش، حيث كانت الشوارع ملاعب آمنة للأطفال، والمترو وسيلة لاكتشاف العالم بلا خوف، ودور السينما طقساً اجتماعياً حميماً ومصدر بهجة للعائلات، لكن هذا لا يمنع أن الذاكرة اليقظة لا تزال تحفل بمشهد حرائق وسط العاصمة 1952.

وتلتقط عينا الفنان مشاهد المدارس التي شغلت قصوراً تاريخية، وحفلت بمعلمين كانوا قامات ثقافية وفنية لا مجرد ملقنين، ومنهم معلم الرسم الذي رعى المواهب البازغة، وفتح لها أبواب الفن العالمي، ومعلم اللغة الذي قاد تلميذه إلى صالون العقاد، وصولاً إلى مدرس الموسيقى الذي شكلت حصته وجدان الطلاب.

عبر صفحات الكتاب، نرى المباني على طراز «الآرت ديكو» البديع، وقصر البارون الشامخ، والحدائق الغنَّاء، وكيف مثّل الحي وعاء حاضناً لسلوكيات راقية، ونمط حياة متزناً. كل ذلك عبر شهادة حية لفنان يرى حاضره تحول إلى خيال مشوه لماضيه، فيقرر أن الفن هو فعله الوحيد للمقاومة، وأن استعادة تفاصيل هذا العالم المفقود هي محاولة جادة لترميم الذاكرة الجمعية ضد معاول النسيان والتجريف.

يتوقف فؤاد بشكل خاص أمام عام 1952، الذي عرف الأحداث الجسام في مصر، من حريق القاهرة في يناير (كانون الثاني)، إلى ثورة الضباط الأحرار في يوليو (تموز)، حيث لا يزال يتذكر كيف عاد والده من العمل مبكراً على غير العادة قائلاً: «إنهم يحرقون وسط البلد!».

وتوالت الأنباء عن الدمار الذي شمل الكثير من دور السينما والفنادق والمحلات التجارية. كان الأب مضطرباً ويريد الاطمئنان على زوج ابنته «سوسو» ومحله في شارع عماد الدين، لا سيما أن المحل يحمل «دانش»، ويمكن أن يوحي بأن صاحبه من الأجانب المستهدفين بالحرائق.

تلى ذلك فرض الأحكام العرفية بعد الحريق، فالمحال أغلقت أبوابها، والمترو توقف عن السير بعد الغروب، لكن سُمح للأفراد بالخروج. أصاب الأب الكمد بسبب ما حدث من تدمير لمنطقة وسط البلد التي امتلك ذكريات طويلة فيها، وتحدث بأسى عن فندق «شبرد»، أحد الفنادق العالمية الذي جري تدميره تماماً، وبالطبع عن مكانه المفضل «جروبي» بشارع عدلي، لكن حزنه كان أكثر على سينما «ريفولي» التي اعتادت العائلة الذهاب إليها في فصل الشتاء والجلوس في قاعة حفل الشاي الملحقة بها في الدور الأول.

من الذكريات المحفورة في ذاكرة سمير فؤاد من فترة الصبا، أحداث العدوان الثلاثي على مصر في نوفمبر (تشرين الثاني) 1956 بعد تأميم قناة السويس، والحماس الذي غلف الجو العام، حيث بقيت الإذاعة والصحف في حالة استنفار وشحن مستمريَّن، وكان الأب من المتحمسين لجمال عبد الناصر ووقوفه في وجه بريطانيا العظمى، أما الصبية فكانوا إما لاهين عن الأمر برمته، وإما يسيرون مع التيار العام.

يتذكر فؤاد جيداً ليلة الهجوم، حيث زارتهم ابنة خالته «رجاء بكري»، وجلس الجميع في الغرفة الغربية المطلة على ميدان سفير في جو خريفي جميل، وقد انتهى موسم السينمات الصيفية، وأغلقت سينما «رفييرا» أبوابها، والميدان يمتد خارج النافذة يغلفه الهدوء والسكينة، وأكملت المشهدَ أضواءُ المحلات المتناثرة في جنباته، وفجأة دوَّت صفارة الإنذار تمزق هدوء اللحظة، وبعد فترة سُمعت أصوات أزيز الطائرات، وبدأت طلقات المدفعية المضادة للطائرات تدوي، ثم امتلأت السماء بأضواء القناديل التي ألقتها الطائرات.

لم يمض الكثير وبدأت انفجارات القنابل تهز المنزل؛ لأن من الأهداف الرئيسية كان مطار ألماظة القريب منه، وشعرت العائلة أن مصدر الانفجارات كما لو أنه فوق رءوسهم. الضوء الساطع أضاء الميدان مثل وميض البرق، وبعده بلحظات أتى هزيم الانفجار الذي اهتز له المنزل بعنف كأنه سيهوي على الرؤوس.

اللقاء مع العقاد

تنوعت قراءات سمير فؤاد في شتى المجالات من العلوم والفلسفة والأدب، وفي المرحلة الثانوية تصدَّر عباس العقاد، حيث شغف بأسلوبه وتطويعه للمنطق لإثبات وجهة نظره، ثم أتيح له في نهاية الخمسينات، وهو في العام الثاني من المرحلة الثانوية، أن ينضم لندوته الأسبوعية بواسطة أستاذ اللغة الفرنسية عبد الوهاب المصري.

كان المصري شخصية استثنائية؛ فهو مثقف وقارئ نهم، وما إن علم بحب فؤاد لكتابات العقاد حتى بدأ يناقشه فيها، ووعده بأن يزور ندوته الأسبوعية يوم الجمعة صباحاً، وما زاد من شغفه بتلك الزيارة أنه قرأ وأعجب بكتاب العقاد «في بيتي» الذي يتحدث فيه عن منزله وكتبه ولوحاته، فأراد أن يشاهد بعينه بعض ما وصفه في كتابه.

في اليوم الموعود، ذهبا إلى منزل العقاد في شارع شفيق غربال بميدان «روكسي» بعمارة جميلة ما زالت قائمة حتى اليوم، لكنها تشتكي من الإهمال بدلاً من جعلها مزاراً ومتحفاً له. وكان العقاد قد شغل الطابق الأول بكامله.

ويذكر المؤلف أنهما دخلا صالة فسيحة، وعلى اليمين منها غرفة الاستقبال، حيث كان العقاد يجلس في صدارتها. صافحهما ولم يبد أي استغراب من حداثة سن الصبي، فيما تراصت المقاعد حول الغرفة، وكان هناك عدد من مريدي الرجل، بينما دارت المناقشات حول موضوعات عديدة كيفما اتفق.

داوم سمير فؤاد على زيارة ندوة العقاد من باب الفضول، ويروي أنه في يوم أخذ لوحة من لوحاته ليريها للرجل على أساس أن له باعاً في النقد الفني، ولا يذكر الآن تعليقه؛ كلُّ ما يذكره أنه كان كلاماً عاماً. وسُمح له بالتجول بحرّية في منزل العقاد، حيث انتشرت أرفف الكتب في كل مكان، وتعجب لكيفية إيجاده الكتاب الذي يريده في هذه المتاهة؛ «لأنني لم أجد أي علامات تدل على أي نظام تبويب». وعلى الحوائط مجموعة من اللوحات الفنية، منها اثنتان للعقاد بريشة «صلاح طاهر» واحدة زيتية كبيرة والأخرى جانبية بالباستيل. ومن المجموعة لوحة لقطعة من التورتة تقف عليها ذبابة ذكر العقاد في كتابه «أنها ارتبطت بقصة غرامه الفاشلة للفنانة مديحة يسري التي أوحت إليه بروايته الوحيدة (سارة)».


حكايات بين مدينتين

حكايات بين مدينتين
TT

حكايات بين مدينتين

حكايات بين مدينتين

صدرا أخيراً عن مؤسسة شمس للنشر والإعلام بالقاهرة؛ للأديبة العراقية «عالية طالب» كتابها الجديد «القاهرة - بغداد: حكايات على ضفاف النهرين». يقع الكتاب في 208 صفحات من القطع المتوسط، ويتضمن 45 حكاية تتنوع ما بين حوارات ومقاربات وشواهد تاريخية، تحمل في سرديتها ملامح من الحاضر والماضي تجمع بين المدينتين، ليصبح المكان جسراً بين حضارتين وذاكرتين.

لكن الكتاب، رغم ذلك، ليس مجرد مقالات عن مكانين، بل يعدّ محاولة لفتح حوار بين مدينتين، القاهرة وبغداد،، واستعادة ما يجمعهما في الذاكرة والوجدان، عبر عين كاتبة عاشت التجربة وتأملتها من الداخل. وتأخذ عالية طالب القارئ في رحلة ثقافية وإنسانية بين مدينتين تختصران جانباً كبيراً من ذاكرة الحضارة العربية. ومن خلال مقالات ومشاهدات ومقاربات، تقرأ المؤلفة الأمكنة والشواخص والآثار، لا بوصفها حجارة صامتة، إنما بوصفها ذاكرة حيّة تستمر في مخاطبة الإنسان والحاضر، ورحلة ممتدة، مفتوحة دائماً على تخوم البدايات والنهايات.

بين النيل ودجلة، والقاهرة وبغداد، تتقاطع الحكايات والتاريخ والتراث، وتتجاور أهرامات مصر مع بابل العراق، لتكشف المقارنة عن وشائج عميقة، واختلافات ثرية، وتجارب إنسانية وحضارية تستحق أن تُقرأ من جديد.

وسبق أن أصدرت عالية طالب عدداً من الأعمال الأدبية، منها روايات «أُمٌّ هنا... أُمٌّ هُناك» و«الوجوه» و«قيامة بغداد»، وعدداً من المجموعات القصصية، منها: «الممرات» و«بعيداً داخل الحدود»، و«امرأة في العراء» و«بحر اللؤلؤ»، و«حكايات الرمل»، و«امرأة بلا نساء»، و«نُواح الآلهة».

من أجواء الكتاب، تقول الكاتبة:«...وقد عرفت المنافي قبل ذلك في وطني نفسه، خلال سنوات الخوف والإرهاب وانعدام الطمأنينة، حين تناثر الأهل والأحبة والأصدقاء بعيداً عن أرض العراق. ومن هنا جاءت مقارناتي بين القاهرة التي احتضنتني، والعراق الذي ظل حبة القلب. أحببت القاهرة التي ربتت على جراحي حتى تشافت، وودعتني بكل حب حين عدت إلى بلدي، ثم عدت إليها بعد سنوات، حاملة لها ولأهلها امتناناً لا ينتهي، لما منحتني وعائلتي من حب وسلام واحتواء».