البحر الطويل يرافق الشعراء العذريين في براري الفقدان

تتبعاته الصوتية أشبه بتواشجات النفس وتموجات المكان الصحراوي

البحر الطويل يتناغم صوتياً ودلالياً مع حركة الإبل في المكان الصحراوي
البحر الطويل يتناغم صوتياً ودلالياً مع حركة الإبل في المكان الصحراوي
TT

البحر الطويل يرافق الشعراء العذريين في براري الفقدان

البحر الطويل يتناغم صوتياً ودلالياً مع حركة الإبل في المكان الصحراوي
البحر الطويل يتناغم صوتياً ودلالياً مع حركة الإبل في المكان الصحراوي

لم تكن البحور المختلفة التي اختار العرب الأقدمون أن ينظموا قصائدهم وفق أنساقها الإيقاعية خاضعة لمنطق الصدفة العارضة، بقدر ما تبدو متصلة بروح المكان الصحراوي من جهة، وبشجى النفس المتقلبة في انفعالاتها توتراً وعصفاً وتشظياً وانبساطاً، من جهة أخرى. ومع أن معظم القبائل العربية كانت تترحل في الصحارى القاحلة بحثاً عن الماء والكلأ، فإنه لأمر لافت أن تُنعت الأنساق الوزنية بالبحور، لا بشيء آخر متصل باليابسة. فقد وجد العرب في المتتاليات الزمنية للإيقاع ما يجافي الصلابة والثبات، ليتماهى مع حركة الأمواج في صعودها وهبوطها الدائمين من جهة، ومع التموج المماثل للكثبان الرملية التي تعيد الرياح نسجها وتشكيلها بشكل دائم، وفق ما يعبر امرؤ القيس من جهة أخرى. ولأن للأمواج هامشاً أوسع للتبدل، وللتعبير عن الوداعة أو الاضطراب، فقد وقع الاختيار على «البحور»، لكي تكون أحوالها المتغايرة معياراً لوتائر الإيقاع وتشكيلاته الصوتية والعصبية. هكذا بدت البحور الشعرية بجوازاتها المختلفة، ترجمة إيقاعية وزمنية لمكابدات الشعراء ومشاعرهم المتباينة، ولضبطهم أثناء الكتابة، متلبسين بحالات الزهو أو الغضب، الانتصار أو الانكسار، وبنشوة الحب أو مرارة الفقدان. ولعلهم لا يجافون الحقيقة بشيء أولئك الذين يتحدثون عن أن الإرهاصات الأولى للقصيدة تحضر على شكل غمغمات إيقاعاتية غامضة، ما تلبث أن تنحو في فترة لاحقة نحو تجسدها اللفظي والأسلوبي. وهو ما يؤكده قول الشاعر الفرنسي بول فاليري بأن «على الصوت أن يكون صدى للمعنى».

حالتا الصعود والهبوط

إذا كانت العلاقة بين الإنسان وبيئته الحاضنة، هي التي تحدد الكثير من سلوكيات البشر وطبائعهم وصولاً إلى تعبيراتهم الإبداعية، فإن الأنساق الإيقاعية للشعر العربي لم تكن منفصلة بأي حال عن طبيعة الحياة العربية الموزعة بين الرحابة والانغلاق، بين الرومانسية المفرطة والقسوة المفرطة، بين الحب والموت. ومن بين البحور الستة عشر للعروض العربي، قد يكون البحر الطويل، القائم على تعاقب تفعيلتي «فعولن» و«مفاعيلن» مرات أربع في البيت الواحد، هو الأكثر تعبيراً عن روح المكان الشاسع، الذي يمتد بلا نهاية في أفقٍ غامض المعالم. وكما أن الصحراء العربية مؤلفة من كثبان رملية مقوسة، تحولها الريح والمطر وعوامل الطبيعة الأخرى إلى متتاليات شبه متناظرة من الصعود والهبوط، فإن تفعيلتي البحر الطويل تحققان الأمر نفسه، حيث يرمز الجزء الأول من «فعولن» إلى حالة الصعود، بينما يرمز الجزء الثاني إلى حالة الهبوط. وكذلك هو الأمر مع «مفاعيلن»، مع تعديل طفيف متعلق بتكرار الجزء الثاني من التفعيلة.
أما الهدف الآخر الذي يصيبه البحر الطويل فهو يتعلق بتناغمه الصوتي والدلالي مع حالة التنقل والترحال في المكان الصحراوي، الذي تمثله حركة الإبل على وجه التحديد. فإذا كان بحر الخبب، بخاصة في صيغتي «فعِلن» و«فعْلن»، متصلاً بإيقاع الخيول خلال سيرها، السريع أو البطيء في المفازات الشاسعة، فإن هذا البحر يبدو متناغماً مع الإيقاع المتفاوت في وتيرته لحركة الإبل المترحلة، حيث يتناغم المقطعان الأولان من «فعولن» و«مفاعيلن» مع حركة قائمتي الجمل المرفوعتين إلى الأعلى، فيما تتناغم المقاطع اللاحقة مع حركة هبوط القائمتين نحو الأرض. وإذا كان التناظر الشكلي واضحاً تماماً بين تحدب المكان الصحراوي وتحدب الإبل، بخاصة ذات السنامين، فإن الإيقاع «المحدودب» للبحر الطويل، يقع على المستوى الرمزي في السياق نفسه، معبراً ليس فقط عن تضاريس المكان وجغرافيته، بل عن السينوغرافيا الموازية لحركة الجسد المندفعة إلى الأمام تارة، وإلى الوراء تارة أخرى.
على أن الدلالة الثالثة لإيقاع هذا البحر، هي تلك المتصلة بخلجات البشر ومكابداتهم الصعبة، وسط قفار شاسعة مأهولة بالخوف والقلق والمجابهة الدائمة مع الآخر الجحيمي. ولعل ما يعطي للبحر الطويل مكانته التفضيلية بين نظرائه، ليس ناجماً عن طوله اللافت الذي يشي به النعت فحسب، بل عن كونه الأقدر على صهر الشحنات الوجدانية والتأملية للشعراء، في بوتقة إيقاعية شديدة المرونة والتنوع والانسياب الصوتي. ففي تفعلتيه المتعاقبتين ما يتسع لانقباض النفس وانفساحها وأنينها، وما يواكب تطلعها المثلوم بالشكوك إلى المستقبل، أو التفاتاتها المتحسرة إلى أطلال الماضي. وهو يتسع للصيغ الكلامية المتبدلة بين الخبر والإنشاء، ولصيحات التعجب والاستفهام عند المنعطفات غير المنتظرة للمصائر، ولصيغ المرارة والتفجع في قصائد الرثاء، كما لصرخات النداء الغامض في براري الفقدان.

إيقاعات مثخنة بالأنين والشجن

ليس من قبيل المصادفات البحتة تبعاً لذلك، أن يعمد امرؤ القيس إلى نظم معلقته المعروفة، التي تشكل أحد النصوص المؤسسة للشعرية العربية، على البحر الطويل بالذات، بل إن اختياره لهذا البحر ناجم عن كونه الأكثر مواءمة لترنحات نفسه المثلومة بسيف الغياب، فضلاً عن أن تفعيلاته هي الأكثر قدرة على احتضان حروف العلة، المرافقة لاعتلال الروح، وعلى حمل الترجيعات المتولدة عن صيغ النداء والشكوى والمناشدات المُرة. وهو ما لا تنحصر تمثلاته الواضحة في مناجاة الشاعر لليله الأبدي المشرع على الأرق والخوف فحسب: «ألا أيها الليل الطويل ألا انجلِ\ بصبحٍ وما الإصباح منك بأمثلِ»، بل في ندائه المماثل للحبيبة المتمنعة حتى تخوم القتل:
أفاطمُ مهلاً بعض هذا التدللِ وإن كنت قد أزمعتِ صَرْمي فأجملي
وإن أكُ قد ساءتك مني خليقة فسلي ثيابي من ثيابكِ تنْسلِ
وما ذرفتْ عيناك إلا لتضربي بسهميْك في أعشار قلبٍ مقتلِ
وإذا كان الامتداد الزمني المؤثر والرحب للبحر الطويل، سيجعله محطاً لأنظار البعض من شعراء المعلقات، مثل طرفة بن العبد وزهير بن أبي سلمى، والكثير من شعراء الأطلال، فإن أكثر ما يمكن التوقف عنده، هو الشغف البالغ الذي أظهره شعراء الحب العذري بهذا البحر، الذي بدا وكأنه «المطية» الأمثل لحمل وجيب قلوبهم إلى مسامع حبيباتهن النائيات والمتشحات بثوب الغياب. كما أن الطول الملحوظ لهذا البحر، يتناسب تماماً مع ما يتمتع به العاشق العذري من نفَس طويل في الحب والانتظار الدهري للحبيبة الغائبة، كما في الصبر على آلام الفراق. ومن يقرأ دواوين العذريين في مصادرها المختلفة لا بد أن يصاب بالدهشة حين يكتشف أن أكثر من ثمانين في المائة من قصائد هذه الدواوين قد تم نظمه على البحر الطويل بالذات، في حين يتوزع الباقي على البسيط والكامل وبعض البحور الأخرى. وهو ما ينسحب على معظم ما كتبه جميل بن معمر الذي يبدو وكأنه، كسواه من العذريين، مكتوب على خطوط التماس الفاصلة بين ضوء الحب وعتمته، كما بين سطح الأرض وباطنها:
ألا ليتنا نحيا جميعاً، وإن نمُتْ يجاور، في الموتى، ضريحي ضريحها
فما أنا في طول الحياة براغبٍ إذا قيل قد سُوي عليها صفيحُها
أظل نهاري مستهاماً، وتلتقي مع الليل روحي في المنام وروحُها
ولم تكن تجربة قيس بن الملوح العاطفية بمنأى عن الاحتفاء المماثل بهذا البحر، والاتكاء شبه الدائم على إيقاعاته المثخنة بالأنين والشجن وتمزقات النفس. وإذا كان البعض قد شكك بوجود قيس الفعلي، معتبراً أن قصة عشقه الهذياني ليست سوى ضرب من الأساطير التي ابتدعتها مخيلات الرواة، فإن الشعر الذي بين أيدينا هو حقيقة واقعة لا يرقى إليها الشك، بكل ما يختزنه من لهب الداخل وفورانات العاطفة المحمومة، وهو ما منح «المجنون» فرصة الخلود، بقدر ما حوله إلى ملهم حقيقي للعشرات من شعراء العالم وكتابه اللاحقين. كما لا نملك في هذا الخصوص إلا أن نلاحظ الفارق الشاسع بين شعر الطرديات والشعر السياسي في العصر الأموي من جهة، وبين شعر الحب عند قيس وأترابه العذريين من جهة أخرى، حيث النوعان الأولان يكرران الصيغ والنماذج الجاهلية بكل ما تتسم به من خشونة وتعقيد وإغراب لفظي وتعبيري، في حين أن شعر العذريين كان يشف مع الحب إلى أبعد حدود الشفافية، ويبدو لشدة صدقه وكأنه يسيل كما الماء، من أكثر جهات القلب صلة بالعذوبة والتفجر التلقائي ومناجاة الغياب:
ألا زعمتْ ليلى بأنْ لا أحبها بلى وليالي العشْر والشفْع والوتْرِ
بلى والذي لا يعلم الغيبَ غيرُهُ بقدرته تجري السفائن في البحرِ
بلى والذي نادى من الطور عبْده وعظم أيامَ الذبيحة والنحرِ
لقد فُضلتْ ليلى على الناس مثلما على ألف شهرٍ فُضلتْ ليلة القدْر
لا يعني ذلك بأي حال أن الشعراء ليسوا قادرين على تطويع البحور وتوسيع آفاقها واحتمالاتها الإيقاعية، وفقاً للحالة النفسية التي يمرون بها لحظة الكتابة، وهو ما يساعدهم على تحقيقه هامشٌ غير قليل من الجوازات وسياقات النبر والإشباع والتوتر، إضافة إلى حذف التفعيلات واجتزائها. وهو ما أتاح للشعراء أن يستثمروا البحر المذكور في موضوعات متنوعة كالوصف والفخر والخمريات والتأمل الوجداني والمديح الملحمي. ومع ذلك فإن الجغرافيا الإيقاعية الحزينة للبحر الطويل، هي التي دفعت هؤلاء أنفسهم إلى توظيفه الناجح في مجال الرثاء، كما فعلت الخنساء في رثاء أخيها صخر، والمتنبي في رثاء جدته، وابن الرومي في رثاء ولده الأوسط، ومالك بن الريب في رثاء نفسه. وحتى لو لم يكن هناك موتى «مؤهلون» لرثاء الشعراء، فإن البحر الطويل قادر على بث روح الأسى في باطن الكلمات، ونقل عدواها دون إبطاء إلى نفس المتلقي. كأن إيقاع هذا البحر مصنوع من غروب الأشياء، أو من مادة هاربة ومفتوحة على التلاشي. وليس أدل على ذلك من أبيات ابن الدمينة، التي لا تنفك تقودنا إلى منابعها المترعة بالحنين إلى كل مكانٍ نأى بعيداً، أو كل حبيبٍ فقدناه:
ألا يا صبا نجدٍ متى هجْت عن نجدِ وقد زادني مسراك وجداً على وجدِ
أإنْ هتفتْ ورقاء في رونق الضحى على فننٍ غض النبات من الرنْدِ
بكيتَ كما يبكي الوليد، ولم تكن جلوداً، وأبديْتَ الذي لم تكن تُبْدي
رعى الله من نجدٍ أناسٌ أُحبهمْ فلو نقضوا عهدي حفظتُ لهم ودي
إذا وعدتْ زاد الهوى بانتظارها وإن بخلتْ بالوعد، مت على الوعدِ



هيندرسون... حساسية جمالية ذات طابع أسود

هيندرسون... حساسية جمالية ذات طابع أسود
TT

هيندرسون... حساسية جمالية ذات طابع أسود

هيندرسون... حساسية جمالية ذات طابع أسود

رحل قبل أيام ديفيد هيندرسون، الشاعر الذي برز اسمه مع «حركة الفنون السوداء» الرائدة في ستينات القرن الماضي، والذي مضى ليؤلف سيرة ذاتية حققت أعلى مبيعات عن حياة جيمي هندريكس غيّرت الطريقة التي فسر بها الكثيرون حياة هندريكس وموسيقاه ونهايته المأسوية المفاجئة، في 14 مايو (أيار) في لينكون بارك بولاية نيوجيرسي، عن عمر يناهز 83 عاماً.

وقالت ابنته، ناجوما هيندرسون، إن وفاته في إحدى دور الرعاية كانت ناتجة عن مضاعفات مرض الخرف.

في عام 1962، كان هيندرسون، المولود في حي هارلم، شخصية محورية في تأسيس «جمعية أومبرا»، وهي تجمع أدبي رائد للسود كان مقره في منطقة إيست فيليج في مانهاتن. وعلى غرار كالفن هيرنتون، وتوم دينت، ولورينزو توماس، وأسكيا توري، وستيف كانون، وغيرهم من المنتسبين لهذه المجموعة، فقد سعى إلى صياغة حساسية جمالية جديدة ذات طابع أسود خالص، ومتحررة من المقاييس الفنية الغربية البيضاء.

تذكر هيندرسون تلك الحقبة في مقابلة أُجريت معه عام 2009 مع موقع «أفريكالتشرز»، وهو موقع إخباري وثقافي فرنسي، قائلاً: «لقد كنا مستبعدين من الخطاب الثقافي. وهذا الاستبعاد هو ما كان يحاربه ريتشارد رايت، ورالف إليسون، ولانغستون هيوز، وغويندولين بروكس، وروبرت هايدن، وجيمس بالدوين».

وغدت جمعية «أومبرا» حجر أساس لحركة الفنون السوداء الأوسع نطاقاً، التي برزت في منتصف ستينات القرن الماضي بقيادة كتاب ثوريين من أمثال ليروي جونز (الذي عُرف لاحقاً باسم أميري باراكا)، ولورانس نيل، والسيد توري، وضمت أيضاً شخصيات من مجالات الفنون البصرية، والمسرح، والرقص، والموسيقى.

وقال إشمائيل ريد، الشاعر والكاتب المسرحي المثير للجدل الشهير في مقابلة معه: «لقد كنا الثوريين. إن الكُتّاب السود لم يعودوا يرون ضرورة لاتباع التقاليد السردية لكُتّاب مثل إرنست هيمينغوي أو هنري جيمس. لقد كسرنا ذلك النمط، وتوجهنا نحو الفولكلور ونبض الشارع».

وجسدت «التنسيقات التجريبية» لهيندرسون - كما وصفت منصة «كيركس ريفيو» أعماله - الأمل والغضب اللذين اتسم بهما عصر الحقوق المدنية، مستمدة من التقاليد الشفهية للسود وإيقاعات موسيقى الروك آند رول، والموتاون، والجاز.

وكما كتب في القصيدة الرئيسية التي حملت عنوان مجموعته الشعرية الصادرة عام 1970 «عمدة هارلم»:

سكان أصليون صامتون يصرخون

عبر بنادق وسيوف وفؤوس الغرب

آلات ساكسفون تينور طويلة

بوق أسود يصدح

صفحات من السيوف

وُلد هيندرسون في 19 سبتمبر (أيلول) عام 1942، وهو الابن الأكبر بين ولدين لـ«رايموند هيندرسون»، الذي كان يشغل رتبة رقيب أول في خفر السواحل، و«ميرتل (براون) هيندرسون».

وفي مرحلة المراهقة، غادر منزله وانتقل إلى وسط المدينة وتحديداً إلى حي إيست فيليج ليتفرغ للشعر. وتذكر هيندرسون ذلك لاحقاً قائلاً: «كان هذا في أوائل ستينات القرن الماضي. وكان التغيير يحدث أمام أعيننا، لكنني لست متيقناً من أنني لاحظته حينئذ».

وآنذاك، بدأ في الاختلاط بالوسط الإبداعي الأسود في نيويورك، بما في ذلك فنانو الجاز مثل عازف الساكسفون «أرتشي شيب»، وعازف البيانو «سيسيل تايلور»، وقائد الفرقة السريالية «صن را»، الذي تعاون معه في وقت لاحق.

وفي أوائل سبعينات القرن الماضي، عُيّن للتدريس في جامعة كاليفورنيا بفرع بيركلي، وهي الأولى من بين عدة مناصب أكاديمية شغلها على مر السنين. وكانت ترافقه زوجته «باربرا كريستيان»، التي أصبحت لاحقاً أستاذة للدراسات الأميركية الأفريقية في جامعة بيركلي، ومرجعاً بارزاً في النسوية الأدبية الأميركية المعاصرة.

وانتهى زواجه من كريستيان بالطلاق عام 2000، وذلك بعد انفصال دام 20 عاماً.

بعد فترة وجيزة من وصوله إلى كاليفورنيا، شرع السيد هيندرسون في رحلة استغرقت 5 سنوات لإنجاز كتاب عن هندريكس، الذي توفي في لندن في 18 سبتمبر عام 1970 عن عمر ناهز 27 عاماً.

لم يكن هيندرسون صحافياً موسيقياً على الإطلاق، ولكنه كتب عن حفل أحياه هندريكس عام 1968 لصالح مجلة الروك «كراودادي». وتذكر هيندرسون ذات مرة في مقابلة مرئية قائلاً: «لقد تعرفت على هندريكس قليلاً في أثناء التسكع بالنوادي في مانهاتن، وأخبرته أنني سأكتب شيئاً عنه».

وقد ساعدت صداقته مع هندريكس في فتح الأبواب أمامه، مما دفع كثيرين ممن كانوا مقربين من أسطورة الغيتار إلى التحدث بوضوح وانفتاح، بمن فيهم والده، آل هندريكس. كما تمكن هيندرسون من الوصول إلى يوميات هندريكس الشخصية، ومراسلاته الخاصة، وتسجيلاته المنزلية.

نُشر كتاب «جيمي هندريكس: طفل الفودو في العصر الدلوي» عام 1978 (ثم نُقّحَ الكتاب لاحقاً وتغير عنوانه إلى «اعذرني حال تقبيل السماء: جيمي هندريكس: طفل الفودو»).

وكان هذا الكتاب أول سيرة كبرى عن هندريكس، ووفقاً لكاتب موسيقى الروك غريل ماركوس: «هو بالتأكيد المحاولة الأكثر جدية حتى الآن لفهم حياة أحد رموز الستينات». ووصفه السيد ريد ذات مرة بأنه «مزيج بين الإثارة والرثاء لبعض الشخصيات المأسوية التي أحيت عقداً مثيراً من الحياة».

وتميز الكتاب بين السير الذاتية لموسيقيي الروك بأسلوبه السردي الذي ينتمي إلى المدرسة «الصحافية الجديدة»، والذي تضمن مقاطع شعرية منمقة - مما أثار استياء بعض النقاد - وحوارات داخلية مُعاد صياغتها وأساليب أخرى تذكرنا بالأدب الروائي والقصصي.

ووفقاً لكاتب موسيقى الروك غريل ماركوس، فإن سيرة هندريكس الذاتية التي ألفها هيندرسون ونُشرت لأول مرة في عام 1978، كانت «بالتأكيد المحاولة الأكثر جدية حتى الآن لفهم حياة أحد رموز الستينات».

بيد أن الأمر الأكثر إثارة للدهشة تَمثَّل في الاستنتاجات التي توصل إليها الكتاب بشأن وفاة هندريكس. إذ دحض الكتاب بشدة الرواية المقبولة على نطاق واسع، التي طرحتها في البداية صديقته «مونيكا دانيمان»، وتكررت لاحقاً في سير ذاتية أخرى، مثل كتاب تشارلز كروس الشهير «غرفة مليئة بالمرايا» الصادر عام 2005، ومفادها أن هندريكس تناول كمية كبيرة من الحبوب المنومة القوية في فندق واختنق بقيئه.

كتب هيندرسون: «نتيجة لذلك، ظن الملايين من الناس في جميع أنحاء العالم أن هندريكس فارق الحياة بالطريقة التقليدية لنجوم الروك: جرعة زائدة من المخدرات وسط الشهرة، والنساء الشقر، والترف، والجنس».

واستناداً إلى وثائق قانونية كُشف عنها لاحقاً، إلى جانب مقابلات مع طواقم المستشفيات والإسعاف وآخرين ممن وجدوا خلال تلك الأيام الأخيرة، خلص السيد هيندرسون إلى أن هندريكس «لم يمت بسبب جرعة زائدة من المخدرات، وإنما مات غرقاً».

وافتُرضت النسخة المحدثة من الكتاب أن هندريكس قد اختنق بكمية «هائلة» من النبيذ الأحمر، إلى الحد الذي جعلها تتلبد في ملابسه وشعره وتتدفق من أنفه وفمه حتى بعد وفاته، وذلك رغم انخفاض نسبة الكحول في دمه نسبياً.

وكتب هيندرسون أن قوى غامضة مختلفة كانت لديها دوافع لإيذاء هندريكس، بما في ذلك الجريمة المنظمة والوكالات الفيدرالية التي تسعى إلى إلحاق الضرر بحركة الثقافة المضادة ذات التوجه اليساري المتطرف.

وبالنسبة للمعجبين، سيما البيض منهم، فقد كان هندريكس يعد لفترة طويلة شخصية بارزة في العصر السيكيديلي، متجاوزاً حدود العِرق بفضل شخصيته التي تمثل النموذج البدائي للهيبيز، ودوره الرائد في مهرجان «وودستوك».

غير أن هيندرسون يرى أن هذا التصور مجانب للصواب. فبالنسبة له، كان هندريكس فناناً أسود خالصاً تجذرت موسيقاه بعمق في موسيقى «البلوز» وصُقلت في «شبكة تشيتلين» الجنوبية، وهي شبكة من المسارح وأماكن العرض التي كانت تلبي احتياجات الفنانين السود في المدن التي تطبق سياسة الفصل العنصري.

وبعيداً عن كونه غير مبالٍ بالتمييز على أساس اللون، كما صوّره كثير من كتّاب الروك البيض، فقد أقبل هندريكس على تبني حركة «قوة السود» تماماً، كما أقبل على ثقافة «قوة الزهور» - إلى الحد الذي جعل دعمه المتنامي لحركة «الفهود السود» يضعه في مرمى نيران مكتب التحقيقات الفيدرالي.

وكتب هيندرسون: «كان جيمي هندريكس نموذجاً كلاسيكياً للشاب الأنيق والبارع المنتمي لأحياء السود الفقيرة، وتجسدت عبقريته في الغيتار الكهربائي. إذ حقق أسلوباً بارعاً لا يُضاهَى وصار موسيقياً للموسيقيين، وعازفاً للعازفين، وكاهناً للعصر الجديد في الموسيقى الاحتفالية الأفرو - أميركية».

*خدمة «نيويورك تايمز»

كتب ديفيد هيندرسون أول سيرة كبيرة عن أسطورة الغيتار هندريكس


سيرة شعرية لذات ممزقة

سيرة شعرية لذات ممزقة
TT

سيرة شعرية لذات ممزقة

سيرة شعرية لذات ممزقة

في ديوانه الأحدث «فضائل الضغينة»، يسعى الشاعر المصري مؤمن سمير لكتابة سيرة شعرية لذات ممزقة بين التاريخ، والأحلام، والعائلة، في جدل هذه الذات مع امتداداتها في الزمان، والمكان، فيبدو الديوان كله حالة متصلة، وليس مجرد قصائد متشابهة جمعها الشاعر بين دفتي كتاب، إذ إن كل قصيدة بمثابة فصل يضيف جانباً من جوانب هذه السيرة المفعمة بالأحلام، والرؤى الأسطورية، والسريالية، والأسئلة الوجودية المشرعة على الموت، والحب، والغياب، والحروب، وغيرها، إذ تقع الذات الشاعرة في تقاطع هذه المتناقضات، لتدرك في الأخير ضآلتها وسط عالم مضطرب خارجياً، وصراعات نفسية داخلية في لا وعي هذه الذات، وتفجرها من داخلها.

صدر الديوان عن «دار العين» بالقاهرة، ويتكون من ثلاث عشرة قصيدة، تتراوح ما بين كتابة السطر الأفقي في القصيدتين الأولى والأخيرة، والسطر الرأسي في بقية القصائد تقريباً. كما أن طريقة عنونتها تشير إلى ترابط النصوص في وحدة عضوية واحدة. القصيدة الأولى «تباشير الحياة» مختلفة عن هذه العنونة، حيث تتوسل بطاقة هائلة من الحس السردي، والحكائي، كي تؤرخ للذات، وأصولها، لذلك فهي أقرب إلى مقدمة أو تمهيد عن التاريخ البعيد لهذه الذات، وانتسابها العائلي، وهو ما تؤكده دلالات العنوان بتلك التباشير التي كانت بذرة للحياة التي تحققت بعد ذلك، وأرست مواضعات العالم في هذا المكان.

أما بقية القصائد فعناوينها كلها بدأت بمفردة «صندوق»، ثم تنوع المضاف إليه في كل عنوان، مثل «صندوق النار»، و«صندوق النوم»، و«صندوق التراخي» و«صندوق القنص» و«صندوق الشغف»... وهكذا تتوالى الصناديق التي تفتحها الذات الشاعرة، كاشفة عن رؤيتها لسيرتها، ومسيرتها. فعلى مدار الصناديق/ القصائد، تحاول استكشاف نفسها، وأحلامها، وذكرياتها، وتضع كل شيء تحت مجهر شعري، ويحاول الإمساك بأبعاد المشهد، وبتفاصيل التاريخ الشخصي، والاجتماعي، ومتكئة على تشكيل جمالي مفعم بالسريالية، والغرائبية، إنها عبر إبحارها في هذه الصناديق تفتح أبواباً ضخمة ترى منها، ويرى المتلقي معها، كيفية تشكل هذه الذات، وتغوص في طبقات اللاوعي الشخصي، والجمعي، ومحاولة استخلاص ملامح رؤية متماسكة لتحولات وتقلبات هذه الذات.

تعتمد الذات الشاعرة في كثير من القصائد على صيغة المخاطب، ما بين مخاطب فردي، كالحبيبة، أو الصديق، أو شيخ محدد «يا شيخنا/ أفصح عن مقاصدكَ/ حتى لا يغادرَ السامعونَ المقهى». وأحياناً مخاطبة سامعين مفترضين: «الحكايةُ يا سامعين/ ترقد عند السِّحر المسمى بالأحلام...»، متخذاً سمت الراوي الشعبي الذي يقص حكايته وسيرته -على الربابة- لمجموعة من جمهور المستمعين المتحلقين حوله. وفي أحيان ثالثة يخاطب جماعة كاملة غير محددة، كما في قصيدة «صندوق الفراشات»، إذ يقول: «أنا أيضاً مثلكم، أمتلكُ صناديق تشبهني، وأشبهها، لكنَّ صندوقي الأخير مجرد صندوق فراشات، بسيطٌ ولا يدعو للتباهي»، فهو هنا يتماهى مع الجماعة التي يخاطبها بوصفه جزءاً منها، ولا ينبو عن قوانينها، ومواضعاتها، فيما يتعلق بامتلاكه -مثل جماعته- صناديقه السرية التي لا يعرف أحد مكنونها، لكن موضع اختلافه عن هذه الجماعة هو محتوى هذه الصناديق المملوءة بالفراشات، بما يتناغم مع كونه ذاتاً حالمة، ويتعمق هذا الاختلاف بين الذات والجماعة في القصيدة نفسها، حين يصف نفسه قائلاً:

«أنا طائر ولستُ طائرة

أنا فراشة ولستُ قذيفةً

أنا خيالكم المرتعش وسط الحروب...».

ففي السطرين الأولين ثنائيتان ضديتان، يمثل الطرف الأول منهما الذات بشكل واضح (طائر، فراشة) بكل ما يتعلق بهما من دلالات الرقة، والرهافة، في حين أن الطرف الثاني من الثنائيتين (طائرة، قذيفة) يمثل الجماعة الإنسانية التي تنتمي لها هذه الذات، لكنهما يتقاطعان بنيوياً، فالمسافة بين الذات وجماعتها هي نفسها المسافة بين دال الفراشة ودال القذيفة، بين الجمال، والقسوة، الرهافة، والغلظة، وحين تندغم الذات وجماعتها -في السطر الثالث- فإن الذات تحافظ أيضاً على تركيبتها الرهيفة، وتكون هي الخيال المرتعش، والمخفي، والمسكوت عنه، لتلك الجماعة التي تدخل معمعة الحروب بقسوة، وبشجاعة مدعاة.

هذه الذات الرهيفة هي صنيعة الغياب، والموت، وصنيعة الفقد الذي جعلها تبدو عجينة طيعة، وتخشى التورط في قسوة العالم، وخاصة مع فقد الأب، والحبيبة، وتوالي الموت الذي اقتنص كل من حولها، وحاصرها على مدار مسيرتها الحياتية، فباتت بلا غطاء، ولا حماية، مثقلة بالندوب الروحية، والجسدية، ففي قصيدة «صندوق الغياب» يقول مفككاً تركيبته النفسية:

«أخلعُ ردائي وأقول

هذا غيابُ أبي الذي جعلني

أعمى

وهذا غيابُ حبيبتي

ينقشُ جلدي بالبثور...».

إن هذه الذات، بعد فتح صناديقها المخفية، وخلع الرداء الذي تتستر خلفه أمام الآخرين، بعد التعري التام أمام الذات، ومصارحتها، أصبحت قادرة على التصالح مع أعطابها، أو بالأحرى مع خصائصها، وصفاتها التي لا تملك لها رداً، ولا تعديلاً، والتعاطي معها بوصفها نتاجاً لمعطيات واضحة، يمكنها أن تشير إليها بوضوح، باستخدام اسم الإشارة «هذا»، كأحداث قريبة، ولصيقة بها، وفاعلة في تكوينها، فغياب الأب أفقدها خاصة البصر، وغياب الحبيبة شوّه جلدها بالبثور، ويظل النص مفتوحاً، ليضيف إليه وعي القارئ غيابات أخرى، وتشوهات إضافية.

وتتنامى رهافة هذه الذات بتناغمها مع الطبيعة، ومفرداتها، حتى لو بدت قاسية، أو جامدة ظاهرياً، فهي قادرة على استبصار الهشاشة في كل ما حولها، حتى لو كان جبلاً شامخاً، كما في قصيدة «صندوق الرمل»، حيث نرى هذه الذات المدربة على الهشاشة، وقادرة على النفاذ إلى أعماق جبل، وتعريته من صلادته، وجموده الظاهري، وإحساسه بالتيه، والارتعاش، والضآلة، وترويضه، وبنزع رداء القسوة عن حجارته، ورماله، ليتبدى جوهره الهش، يقول:

«نظرتُ فجأةً

فلمحتُ جبلاً

كأنهُ لصٌّ يرتعشُ

وسطَ السوق...

ربَتُّ عليهِ

فنام جواري كالجثة...».

في خضم هذا الحوار الجدلي بين الذات والعالم تتوصل الذات إلى ما يشبه الحكمة الفلسفية التي تعتنقها، بعد أن عاينت جراحها، وندوبها، وتأكدت من عدم قدرتها، بوصفها ذاتاً فردانية هشة، وممزقة، على إيقاف قسوة العالم، أو التصدي لما به من عوار، والاكتفاء بالابتعاد عن الأفكار الكبرى، والأحلام الإنسانية العريضة، ليكون الانغماس في تفاصيل العالم، ومتعه المحسوسة هو الملاذ لإنقاذ ما تبقى من هذه الذات، وأن تتذوق طعم الحياة ببساطة، ودون أن ترنو لما هو أبعد من حدودها المتناهية، والقريبة، فأقصى ما يمكن أن تفعله ذات ممزقة، ومهمشة كهذه هو أن تستعيد حواسها، وتسترجع قدرتها على الإحساس بالطعم، واللون، والرائحة، وتعود إنساناً ممتلكاً جسده، وبصيرته، وقدرته على التذوق، ولو كان محدوداً بحدود فيزيقية ضيقة، يقول في قصيدة «صندوق الحيّة»:

«الأفكارُ مؤلمةٌ

والأحلامُ حيرة ومتاهة

لهذا فالأجدى في هذه الحياة

أن نسعى فقط

لما نلمسهُ ونُحِسُّهُ...

للصوت والطعمِ

والرائحة...».


«جريمة في دار المسنين»... الرواية الأكثر مبيعاً في فنلندا

«جريمة في دار المسنين»... الرواية الأكثر مبيعاً في فنلندا
TT

«جريمة في دار المسنين»... الرواية الأكثر مبيعاً في فنلندا

«جريمة في دار المسنين»... الرواية الأكثر مبيعاً في فنلندا

تقوم رواية «جريمة في دار المسنين»، الصادرة عن دار «العربي» في القاهرة للكاتبة الفنلندية ليندجرين، على حبكة درامية تجمع بين لغز وفاة غامضة والكوميديا السوداء لتكشف الأحداث تدريجياً عن شبكة صادمة من المصالح الاقتصادية والقرارات البيروقراطية التي تحكم مؤسسات رعاية المسنين حيث تُختزل حياة الإنسان لتصبح مجرد رقم.

بأسلوب ساخر ولاذع، لا يكتفي النص، الذي ترجمته نهى مصطفى، بتقديم لغز بوليسي بل يطرح نقداً اجتماعياً حاداً يعري الطريقة التي يتعامل بها المجتمع الحديث مع فئة أصحب الشيخوخة ممن هم الأكثر هشاشة ليبرهن على أن الوعي والرغبة في العدالة والقدرة على المقاومة سمات لا تزول بتقدم العمر.

تجري أحداث الرواية في دار رعاية خاصة وفاخرة للمسنين تعرف باسم «سان صت جروف» وتُسوّق بوصفها مكاناً مثالياً لقضاء سنوات الشيخوخة الأخيرة في رفاهية وطمأنينة وتعيش فيه الصديقتان سيري وإرما اللتان ينقلب فجأة عالمهما المريح بسبب واقعة موت مشبوهة.

هنا تعقد الصديقتان العزم على معرفة ما حدث بالضبط ولماذا، فتبدآن تحقيقاتهما الخاصة وتشكلان جمعية «سيدات اللافندر للتحقيقات» لتكتشفا أنه خلف واجهة «سانست جروف» الهادئة تختبئ الكثير من الأسرار الخطيرة التي لا تخطر ببال.

وُلدت مينا ليندجرين عام 1963 وهي صحافية وكاتبة، حققت روايتها «جريمة في دار المسنين»، التي نُشرت تحت عنوان «الموت في سان صت جروف» نجاحاً باهراً في فنلندا خصوصاً بعد أن تبعها الجزء الثاني منها «الهروب من صان ست جروف» والجزء الثالث «النهاية في سان صت جروف». استوحت المؤلفة فكرة هذه السلسلة بعد بحثها في موضوع معاملة كبار السن في فنلندا لصالح إحدى المجلات.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«كل صباح تستيقظ سيري كيتونين لتدرك أنها لا تزال على قيد الحياة، تنهض من سريرها ببطء ثم تغتسل وترتدي ملابسها وبعدها تتناول إفطاراً خفيفاً. يستغرق ذلك بعض الوقت لكنها لا تكترث، فالوقت كله ملكها، تقرأ الصحيفة بتركيز وتصغي للبرامج الإذاعية الصباحية فهذا يمنحها شعوراً بأنها ما زالت تنتمي إلى هذا العالم. غالباً ما تذهب في جولة قصيرة بالترام في حوالي الساعة الحادية عشرة صباحاً لكنها لم تشعر اليوم برغبة في الخروج.

كانت الإضاءة الساطعة للغرف المشتركة في دار التقاعد (صن ست جروف) تعطي المكان أجواء أشبه بغرف الانتظار في عيادة طبيب الأسنان. استلقى عدد من النزلاء على الأرائك في انتظار موعد تناول طعام الغداء.

فجأة شعرت سيري بالحزن ستفتقد تيرو كثيراً لدرجة أن معدتها بدأت تؤلمها، كيف يموت مثل هذا الشاب المعافى في حين لا يموت من يبلغ من العمر أربعة وتسعين عاماً؟ كانت سيري قد قرأت في الجريدة أنه بمجرد أن تبلغ التسعين من العمر تتوقف عملية الشيخوخة، هذا فظيع لأنه يعني أن الأشخاص المسنين مثلها قد تأخروا حتى على موعد وفاتهم.

في البداية كان الجميع يموتون، الأصدقاء والأزواج ثم لم يعد أحد يموت. كان اثنان من أبناء سيري قد ماتا بالفعل، ابنها الأكبر بسبب الإفراط في شرب الكحول والأصغر بسب الإفراط في تناول الطعام. كان الصغير طفل العائلة المدلل، فتى وسيماً ورياضياً، لكنه أخذ يأكل بكثرة ولا يفعل شيئاً سوى العمل. يقود السيارة إلى كل مكان يذهب إليه، يأكل البيتزا ورقائق البطاطس ويدخن السجائر. هذا ما يطلق عليه انعدام الحافز، وهو عبارة عن اضطراب نفسي يؤثر على الشخص عندما يصل إلى مستوى معيشي مرتفع لدرجة أنه يموت بسببه في الخامسة والستين، بحد أقصى».