من قيادة الدعم إلى هندسة التفاوض: كيف تحوّل الدور الأميركي في أوكرانيا؟

«البنتاغون» صاغ «انسحاباً من القيادة» ونقل عبء التمويل إلى أوروبا

أمين عام «الناتو» مارك روته مع وزراء دفاع الدول الأعضاء بالتكتل العسكري في بروكسل يوم 12 فبراير (أ.ف.ب)
أمين عام «الناتو» مارك روته مع وزراء دفاع الدول الأعضاء بالتكتل العسكري في بروكسل يوم 12 فبراير (أ.ف.ب)
TT

من قيادة الدعم إلى هندسة التفاوض: كيف تحوّل الدور الأميركي في أوكرانيا؟

أمين عام «الناتو» مارك روته مع وزراء دفاع الدول الأعضاء بالتكتل العسكري في بروكسل يوم 12 فبراير (أ.ف.ب)
أمين عام «الناتو» مارك روته مع وزراء دفاع الدول الأعضاء بالتكتل العسكري في بروكسل يوم 12 فبراير (أ.ف.ب)

مع دخول الحرب الأوكرانية عامها الخامس، بات واضحاً أن السنة الأولى من ولاية دونالد ترمب الثانية لم تكن سنة قرار بقدر ما كانت سنة إعادة تعريف: تقليصٌ تدريجي للدور الأميركي المباشر في قيادة جهد دعم كييف، مقابل هندسة ترتيبات تجعل أوروبا المموّل والواجهة السياسية، وتحوّل «البنتاغون» من «قائد ائتلاف» إلى «مدير شروط» يربط الإسناد العسكري بمسار تفاوضي سريع لم يكتمل بعد.

هذا التحول ظهر في شكلين متوازيين: داخل منظومة المساعدات لأوكرانيا، وداخل مقاربة واشنطن لحلف «الناتو» والأمن الأوروبي الأوسع، حيث أصبح الشعار الضمني «شراكة لا تبعية»، لكن بفلسفة تحمل في طياتها أخطار فراغ القيادة إذا لم تُترجم أوروبا الوعود إلى قدرات.

من «رامشتاين» إلى «الدول الراغبة»

أوضح مؤشرات تراجع القيادة الأميركية كان في الأطر التي كانت واشنطن تقود إيقاعها. فـ«مجموعة الاتصال الدفاعية لأوكرانيا» (معروفة بمجموعة رامشتاين) التي شكّلت منذ 2022 غرفة العمليات السياسية لتنسيق التسليح، انتقلت رئاستها فعلياً إلى بريطانيا وألمانيا، وتكرّس الغياب الأميركي في اجتماعات مفصلية عندما تغيَّب وزير الدفاع لأول مرة عن لقاءات كانت تُعدّ «اختبار حضور» للإدارة الأميركية، واكتفت واشنطن بتمثيل أقل وزناً أو مشاركة عن بُعد.

التغيير لم يكن بروتوكولياً فقط؛ إذ حين تتراجع واشنطن عن «قيادة المنصة»، تتراجع معها قدرتها على فرض إيقاع موحد على الحلفاء، خصوصاً بعد تغيير الأوروبيين تسمية المجموعة إلى «تحالف الدول الراغبة» للترتيبات طويلة الأمد والضمانات. وهو ما أدى أيضاً إلى ظهور إشارات فتور أو تحفظ أميركي مبكر، بما ينسجم مع فكرة أن واشنطن تريد من أوروبا أن تتقدم إلى مقعد القيادة لا أن تنتظر توجيهاً أميركياً دائماً.

الرئيس الأميركي وأمين عام «الناتو» يتحدثان خلال مؤتمر صحافي بقمّة في لاهاي يونيو 2025 (د.ب.أ)

وهنا يلتقط الباحث برايان كاتوليس من معهد الشرق الأوسط في حديث مع «الشرق الأوسط»، جوهر الصورة عندما يصف النهج في عامه الأول بأنه اتسم بالتقلب وعدم الاتساق: «هدف سياسي سريع لإنهاء الحرب، من دون استثمار كافٍ في الأدوات العسكرية والدبلوماسية التي تجعل (السلام السريع) ممكناً؛ ما يعني عملياً أن واشنطن أبقت الدعامة قائمة، لكنها استخدمتها لدفع الجميع نحو تسوية لم تنضج شروطها بعد».

«هدف جديد» يسبق أدواته

في خطاب إدارة ترمب، لم تعد الإشارة الأبرز نوع السلاح أو عدد الشحنات، بل تعريف «الغاية» نفسها. في مؤتمر ميونيخ للأمن، بدا وزير الخارجية ماركو روبيو أقرب إلى صياغة «منطق وسطي»: لا أحد «منتصراً» بسهولة، وواشنطن ملتزمة إنهاء الحرب، لكنها لا تعرف إذا كانت موسكو جادة فعلاً وما هي الشروط المقبولة لدى الطرفين، وهي صياغة تُبقي الباب مفتوحاً للتفاوض وتُبقي الضغط على كييف في الوقت نفسه.

غير أن الجديد في الأيام الأخيرة هو أن الخطاب الأميركي لم يعد كتلة واحدة. فبينما يكرر ترمب أن روسيا «تريد السلام» وأن كييف مطالبة بالمرونة، جاءت تصريحات روبيو عن خسائر روسيا الأسبوعية، «سبعة إلى ثمانية آلاف» حسب ما نُقل عنه؛ لتقارب رواية أوروبية تقول إن موسكو تدفع ثمناً باهظاً، لكنها تُراهن على الوقت وعلى تحسين شروط التفاوض. وفي الخلفية، يزيد ذلك التباين من انطباع الحلفاء بأن واشنطن تريد اتفاقاً سريعاً، لكنها لا تريد أن تدفع ثمن «فرضه» وحدها.

ترمب برفقة قادة أوروبيين لبحث حرب أوكرانيا في البيت الأبيض 18 أغسطس 2025 (رويترز)

على المستوى التنفيذي، تُظهر تقارير سابقة عن قرارات إيقاف أو تأخير شحنات (ثم استئنافها) أن التحول لم يكن خطاً مستقيماً، بل شدّاً بين الرغبة السياسية وميكانيكا المؤسسة العسكرية. وهذا ما يلتقي مع تحليلات أشارت إلى أن واشنطن في عهد بايدن كانت تقود الائتلاف الغربي وتدفع الكونغرس إلى تمويل إضافي، بينما في عهد ترمب «تخلّت عن القيادة» وخفّضت المساعدات. وبعد تسليم ما تبقى من حزم سابقة، باتت معظم الأسلحة تصل بأموال الحلفاء، بل إن قيادة «البنتاغون» حاولت أكثر من مرة وقف شحنات ذخائر حساسة بالكامل.

زيلينسكي خلال مشاركته في أعمال مؤتمر ميونيخ للأمن 14 فبراير (أ.ف.ب)

واشنطن للأوروبيين: ادفعوا أنتم

التحول الجوهري لم يكن «وقف الدعم»، بل تغيير طريقته: تقليل التبرعات المباشرة من مخزون الولايات المتحدة، مقابل دفع الأوروبيين لشراء السلاح الأميركي وتمويل نقله إلى كييف. هذا المنطق تبلور فيما سمي آلية «قائمة المتطلبات الأوكرانية ذات الأولوية» التي يعمل الحلف عبرها على تجميع مساهمات مالية لشراء معدات، خصوصاً دفاعات جوية وذخائر، من مصادر أميركية. وفي 12 فبراير (شباط) الحالي، أعلن الأمين العام لحلف «الناتو»، مارك روته، عن تعهدات «بمئات الملايين» لصالح هذه القائمة، مع إشارة إلى أن المزيد من التعهدات متوقعة.

أرشيفية للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وأمين عام «الناتو» مارك روته في كييف يوم 3 فبراير (أ.ف.ب)

وبالتوازي، ضغطت واشنطن، سياسياً وإدارياً، لجعل هذا المسار «النموذج القياسي» بدلاً من الحزم الأميركية الكبيرة. وقالت وكالات أميركية إن قرار تعليق بعض شحنات الأسلحة بعد مراجعة مخزونات «البنتاغون» جاء أيضاً تحت عنوان «أولوية الأمن القومي الأميركي»؛ ما يضع سقفاً عملياً لما يمكن أن تتعهد به واشنطن من مخزونها في أي لحظة.

هنا يضيف الباحث مايكل روبين من معهد «أميركان أنتربرايز» في حديث مع «الشرق الأوسط»، زاوية تقنية مهمة عند تفسير «ما بقي وما تغيّر»: فالتعاون الاستخباري الأميركي مع كييف، بما في ذلك مشاركة المعلومات لتحسين الاستهداف والإنذار المبكر لهجمات المسيّرات والصواريخ، استمر، وهو عنصر تأثير لا يقل حساسية عن السلاح نفسه؛ لأنه يرتبط بحماية الأرواح وفاعلية الدفاع الجوي. لكن ما تغيّر، وفق قراءته، هو قطع جزء كبير من تدفقات التسليح التي كانت واشنطن تقدمها سابقاً، مع افتراض أن أوروبا ستملأ الفجوة.

«ناتو» أوروبي القيادة

خلال تدريب «الناتو» في بحر البلطيق قبالة ميدان بوتلوس للتدريب العسكري بألمانيا 18 فبراير 2026 (رويترز)

في السنة الرابعة من الحرب والأولى من عهد ترمب الثاني، لم يعد السؤال «كم تدفع أوروبا؟» فقط، بل «من يقود الدفاع التقليدي عن أوروبا؟». وقد جاءت الأسابيع الماضية بإشارات جديدة أكثر مباشرة: كبير مسؤولي السياسات في «البنتاغون»، البريد كولبي، تحدث في بروكسل عن «ناتو 3.0» تقوم فكرته على أن يتولى الحلفاء «المسؤولية الأساسية» للدفاع التقليدي عن أوروبا، مع بقاء التزام المادة الخامسة والردع النووي الأميركي. لكنه قال أيضاً إن الولايات المتحدة ستقلص القوات التقليدية في أوروبا، أي أن المعادلة تتجه نحو «ضمانات باقية» لكن بوجود أقل.

وتزامن هذا مع خطوة رمزية عملية أخرى: الولايات المتحدة ستُسلّم قيادة موقعين قياديين كبيرين داخل هيكل قيادة الحلف، في نابولي ونورفولك، إلى ضباط أوروبيين، بما يعزز فكرة «أوربة القيادة» داخل «ناتو»، حتى لو احتفظت واشنطن بقيادات عملياتية محورية أخرى.

هذه التطورات تتقاطع مع منطق الإدارة: تركيز أكبر على الصين والدفاع عن الوطن، وتحويل المسرح الأوروبي إلى ملف تقوده أوروبا بتمويلها وصناعتها وتسليحها، على أن تبقى واشنطن «الموازن الأعلى» لا «الممول الأول». غير أن هذا التحول، كما يحذّر الباحث كاتوليس، إذا لم يترافق مع استثمار كافٍ في أدوات الضغط والضمانات، قد ينتهي إلى دعم «يكفي للصمود»، لكنه لا يكفي لفرض شروط تسوية مستقرة، فتستمر الحرب بشكل أقل حدة لكن أطول زمناً، مع مفاوضات متقطعة لا تُنتج اتفاقاً دائماً.

خلال تدريبات «الناتو» على شاطئ فيسيك في بوتلوس بألمانيا 18 فبراير 2026 (أ.ب)

اليوم، يبدو دخول الحرب الأوكرانية عامها الخامس يمرّ عبر خطوط التمويل والقيادة بقدر ما يمرّ عبر خطوط الجبهة. وبينما تحاول واشنطن إبقاء خيط الإسناد قائماً عبر الاستخبارات وبعض القنوات العسكرية، فإنها تُحوّل الثقل المالي والسياسي إلى أوروبا، وتدفع «الناتو» نحو «قيادة أوروبية» مع تعهدات أميركية بالردع والمادة الخامسة. الاختبار الحقيقي في الأشهر التالية لن يكون في الإعلان عن الآليات، بل في قدرتها على إنتاج أثر ميداني يخلق «سلاماً مستداماً»، وفي الوقت نفسه يمنع أن تتحول «أوربة الملف» إلى انقسام غربي يقرأه الكرملين بوصفه فرصة جيوسياسية لتعزيز نفوذه.


مقالات ذات صلة

تبادل دموي للهجمات بين موسكو وكييف

أوروبا أوكرانيون يعاينون ما تبقى من سوق للكتب في كييف قصفها الروس ليلا (إ.ب.أ)

تبادل دموي للهجمات بين موسكو وكييف

استهدفت مئات الطائرات المسيّرة موسكو ومناطق أخرى، ما أدى إلى مقتل 6 أشخاص، أمس (الأحد)، فيما شنت روسيا ضربات صاروخية أسفرت عن مقتل وإصابة أكثر من 20 شخصاً.

«الشرق الأوسط» (كييف - موسكو)
أوروبا جانب من الدخان المتصاعد نتيجة القصف الأوكراني لمستودع شركة «وايلدبيريز» بمنطقة موسكو (رويترز)

تبادل دموي للهجمات الجوية والصاروخية بين موسكو وكييف

وصف حاكم منطقة موسكو أندريه فوروبيوف الهجوم الأوكراني بأنه «أحد أضخم هجمات الطائرات المسيّرة في الذاكرة الحديثة»

«الشرق الأوسط» (كييف) «الشرق الأوسط» (موسكو) «الشرق الأوسط» (بوخارست)
أوروبا رجل يسير بموقع انفجار مبنى سكني عقب استهدافه بطائرة مسيّرة بالقرب من الحدود مع أوكرانيا بغالاتي الرومانية في مايو الماضي (رويترز)

مقاتلة تابعة لـ«الناتو» تُسقط مسيّرة اخترقت أجواء رومانيا

أعلنت وزارة الدفاع الرومانية أن طياراً إسبانياً يقود مقاتلة «إف-18» في مهمة حراسة جوية تابعة لحلف «ناتو» في رومانيا، أسقط طائرة مسيّرة انتهكت المجال الجوي.

«الشرق الأوسط» (بوخارست )
آسيا بوتين يصافح الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون خلال لقاء عام 2019 (أ.ب)

زعيم كوريا الشمالية يتوقع «مستقبلاً أكثر تميزاً» للعلاقات مع روسيا

أبلغ زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون، الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أنه «فخور» بالعلاقات القوية التي تجمع بين بلديهما، وفق ما ذكرت وسائل إعلام رسمية.

«الشرق الأوسط» (سيول)
أوروبا امرأة تتحدث عبر الهاتف في موقع غارة روسية بكييف (أ.ف.ب) p-circle 00:40

ضربات على كييف ومسقط رأس زيلينسكي... و600 مسيّرة تستهدف موسكو

دوت انفجارات في العاصمة الأوكرانية، كييف، في وقت مبكِّر الأحد جراء هجوم روسي بصواريخ بالستية أسفر، بحسب السلطات، عن إصابة شخص واحد على الأقل.

«الشرق الأوسط» (كييف - موسكو)

تبادل دموي للهجمات بين موسكو وكييف

أوكرانيون يعاينون ما تبقى من سوق للكتب في كييف قصفها الروس ليلا (إ.ب.أ)
أوكرانيون يعاينون ما تبقى من سوق للكتب في كييف قصفها الروس ليلا (إ.ب.أ)
TT

تبادل دموي للهجمات بين موسكو وكييف

أوكرانيون يعاينون ما تبقى من سوق للكتب في كييف قصفها الروس ليلا (إ.ب.أ)
أوكرانيون يعاينون ما تبقى من سوق للكتب في كييف قصفها الروس ليلا (إ.ب.أ)

استهدفت مئات الطائرات المسيّرة موسكو ومناطق أخرى، ما أدى إلى مقتل 6 أشخاص، أمس (الأحد)، فيما شنت روسيا ضربات صاروخية أسفرت عن مقتل وإصابة أكثر من 20 شخصاً في كييف ومدن أوكرانية، وفق ما أفاد مسؤولون في البلدين.

وقال رئيس بلدية موسكو، سيرغي سوبيانين، إن العاصمة الروسية تعرضت طوال ليل السبت - الأحد، لهجوم متواصل بالطائرات المسيّرة واعترضت الدفاعات الجوية أكثر من 600 منها، فيما وصف حاكم المنطقة أندريه فوروبيوف الهجوم بأنه «أحد أضخم هجمات الطائرات المسيّرة في الذاكرة الحديثة».

وعلى الجانب الآخر، طالب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مجدداً، عبر منصة «تلغرام»، حلفاء بلاده بإمدادها بصواريخ دفاع جوي. وأوضح: «إذا كانت الصواريخ الكورية الشمالية تدمر البنية التحتية وتحصد الأرواح هنا في أوروبا، فلا يمكننا أن نسمح للصواريخ الأوروبية المضادة للطائرات بالبقاء ببساطة في المستودعات».


إردوغان: عضوية الاتحاد الأوروبي لم تعد أولوية لتركيا

إردوغان خلال استقباله رئيس «مجلس أوروبا» أنطونيو كوستا ورئيسة «المفوضية الأوروبية» فون دير لاين بالقصر الرئاسي في أنقرة 8 يوليو الماضي (الرئاسة التركية)
إردوغان خلال استقباله رئيس «مجلس أوروبا» أنطونيو كوستا ورئيسة «المفوضية الأوروبية» فون دير لاين بالقصر الرئاسي في أنقرة 8 يوليو الماضي (الرئاسة التركية)
TT

إردوغان: عضوية الاتحاد الأوروبي لم تعد أولوية لتركيا

إردوغان خلال استقباله رئيس «مجلس أوروبا» أنطونيو كوستا ورئيسة «المفوضية الأوروبية» فون دير لاين بالقصر الرئاسي في أنقرة 8 يوليو الماضي (الرئاسة التركية)
إردوغان خلال استقباله رئيس «مجلس أوروبا» أنطونيو كوستا ورئيسة «المفوضية الأوروبية» فون دير لاين بالقصر الرئاسي في أنقرة 8 يوليو الماضي (الرئاسة التركية)

كشفت تركيا، الأحد، عن أن عضويتها بالاتحاد الأوروبي لم تعد ضمن أولوياتها، وذلك بعدما فشلت مساع مكثفة على مدى العامين الماضيين لفتح فصول جديدة للمفاوضات، أو البدء بمفاوضات تحديث اتفاقية الاتحاد الجمركي الموقعة عام 1995، وتخفيف القيود المفروضة على حصول مواطنيها على تأشيرة الدخول لدول الاتحاد (شنغن).

وقال الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، إن الاتحاد الأوروبي «لا يبدو راغباً في قبول تركيا عضواً فيه»، عادّاً «أن أوروبا ستكون هي الخاسر الأكبر».

ولطالما أكدت تركيا أن انضمامها إلى عضوية الاتحاد تُشكل «هدفاً استراتيجياً»، لكن إردوغان، قال في مقابلة تلفزيونية نقلت وسائل إعلام تركيا بعضاً منها، الأحد، إن «عضوية الاتحاد الأوروبي لم تعد أولوية بالنسبة لأنقرة»، متهماً قادة أوروبا «بالافتقار إلى الإرادة السياسية لقبول تركيا في عضوية الاتحاد». وأضاف: «أوروبا ستخسر في نهاية المطاف أكثر من تركيا إذا استمرت جهود الانضمام متعثرة».

مسيرة طويلة متعثرة

واعترف الاتحاد الأوروبي بتركيا بصفتها دولة مرشحة للعضوية في عام 1999 بعد عقود من طلبها الحصول على العضوية، وبدأ مفاوضاته معها عام 2004، وتم فتح 12 فصلاً من أصل 35 فصلاً تتضمن معايير على تركيا الالتزام بها وتنفيذها لتكون مؤهلة للانضمام، لكن المفاوضات جمّدت تماماً منذ عام 2016، إثر هجوم من إردوغان على الاتحاد لعدم دعم بلاده في مواجهة محاولة انقلاب فاشلة على حكمه وقعت في 15 يوليو (تموز) من ذلك العام.

بعض تصريحات إردوغان الناقدة للاتحاد الأوروبي تسببت في موقف متعنت تجاه عضوية تركيا (الرئاسة التركية)

وتسببت التصريحات الحادة، في كثير من المناسبات، ولا سيما في الفترات التي شهدت فيها تركيا انتخابات برلمانية ورئاسية، في تعنت من جانب الاتحاد في استئناف المفاوضات، بذريعة «ابتعاد تركيا عن معايير الديمقراطية، وسيادة القانون، واحترام حقوق الإنسان، وحرية التعبير، بسبب التوسع في اعتقالات السياسيين والصحافيين المعارضين لإردوغان».

وفتحت «وثيقة التفاهم المشترك» الصادرة عن الاتحاد الأوروبي في منتصف يوليو الماضي، فصلاً جديداً للتوتر مع تركيا بعدما تجاهلت وضعها بصفتها دولة مرشحة للانضمام.

ووصفت تركيا الوثيقة، بأنها تفتقد «الموضوعية والإنصاف»، وتبرهن، مجدداً، على انعدام الرؤية الاستراتيجية للاتحاد الأوروبي تجاه المستقبل المشترك، لا سيما وأنها صيغت بعد أيام من قمة حلف شمال الأطلسي (ناتو) في أنقرة يومي 7 و8 يوليو، التي أكدت الدور الذي لا غنى عنه لتركيا في أمن أوروبا.

وقالت أنقرة إن «الوثيقة أوردت ادعاءات بشأن شرق البحر المتوسط لا أساس لها من الصحة، وتدل على أن الاتحاد الأوروبي ما زال أسير فهم متحيز ومشوَّه للأحداث».

موقف أوروبي صارم

وجاءت الوثيقة التركية بعد أيام قليلة من قرار للبرلمان الأوروبي، صدر في 8 يوليو، عدَّ فيه تدخل تركيا في شمال قبرص عام 1974 «غزواً»، متهماً جيشها «بارتكاب فظائع بحق القبارصة اليونانيين».

البرلمان الأوروبي صدم تركيا مجدداً في تقريره حول التقدم بمفاوضات عضويتها بالاتحاد الأوروبي (أ.ف.ب)

و تأتي هذه التطورات، على الرغم من جهود دبلوماسية تركية على مدى العامين الماضيين لاستئناف مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، عبر لقاءات على مستوى رفيع.

والتقى إردوغان، على هامش قمة حلف «ناتو» في أنقرة التي عقدت يومي 7 و8 يوليو، رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، ورئيس مجلس أوروبا، أنطونيو كوستا، لبحث العلاقات بين تركيا وأوروبا.

محادثات بين وزير الخارجية التركي هاكان فيدان ووفد الوزارة مع وفد الاتحاد الأوروبي في 30 يونيو الماضي (الخارجية التركية)

كما استضافت أنقرة، في 30 يونيو (حزيران) الماضي، وفداً رفيع المستوى من «الاتحاد الأوروبي» ضم: الممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، كايا كالاس، ومفوضة التوسيع، مارتا كوس، ومفوض الشؤون الداخلية، ماغنوس برونر، في زيارة نادرة، جاءت عقب موافقة البرلمان الأوروبي على تقرير أعده المقرر الخاص بتركيا، النائب الإسباني ناتشو آمور سانشيز، أكد أنه «لا يمكن استئناف المفاوضات مع تركيا في ظل الوضع الراهن الذي يشهد تآكلاً خطيراً ومستمراً لسيادة القانون مع التضييق على المعارضة، فضلاً عن الأزمات التي تدخل فيها تركيا مع دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي، مثل اليونان وقبرص».

استمرار التعاون بعيداً عن العضوية

وأجرى الوفد محادثات مع وزير الخارجية، هاكان فيدان، وعدد من مسؤولي الوزارة. وأكد الجانبان، في بيان مشترك، الأهمية الاستراتيجية للعلاقات التركية - الأوروبية لتحقيق الاستقرار الإقليمي والاقتصادي، وشددا على «ضرورة العمل معاً في مواجهة التحديات الجيوسياسية، وعلى أهمية التعاون في مجالات التجارة والطاقة والنقل والرقمنة في سياق أجندة الربط الإقليمي».

وقالت وزارة الخارجية التركية، في بيان، إن عضوية «الاتحاد الأوروبي» لا تزال«هدفاً استراتيجياً» لتركيا، وإنها على استعداد لتطوير العلاقات مع «الاتحاد الأوروبي» على هذا الأساس. وأضافت: «نتوقع من الاتحاد الأوروبي أن يعزز علاقاته بتركيا على أساس معايير موضوعية وجدارة، دون تمييز».

فيدان خلال استقباله وفد الاتحاد الأوروبي بمقر وزارة الخارجية التركية في أنقرة 30 يونيو الماضي (الخارجية التركية)

وبدا أن المباحثات لم تركز بشكل كبير على استئناف مفاوضات انضمام تركيا إلى «الاتحاد الأوروبي» المجمدة.

وخلال اجتماع الجمعية العمومية لـ«المفوضية الأوروبية»، الذي عُقد بمقرها في بروكسل في يونيو، أكد «الاتحاد الأوروبي» مجدداً على «انتهاكات سيادة القانون والديمقراطية في تركيا».

وتطرق البيان الصادر في ختام زيارة الوفد الأوروبي إلى مسألة التوسع، موضحاً أن «الاتحاد الأوروبي» أكد «ضرورة تعزيز سيادة القانون، وحماية الحقوق والحريات الأساسية، وضمان معايير ديمقراطية رفيعة في تركيا من أجل استئناف المفاوضات».


تبادل دموي للهجمات الجوية والصاروخية بين موسكو وكييف

جانب من الدخان المتصاعد نتيجة القصف الأوكراني لمستودع شركة «وايلدبيريز» بمنطقة موسكو (رويترز)
جانب من الدخان المتصاعد نتيجة القصف الأوكراني لمستودع شركة «وايلدبيريز» بمنطقة موسكو (رويترز)
TT

تبادل دموي للهجمات الجوية والصاروخية بين موسكو وكييف

جانب من الدخان المتصاعد نتيجة القصف الأوكراني لمستودع شركة «وايلدبيريز» بمنطقة موسكو (رويترز)
جانب من الدخان المتصاعد نتيجة القصف الأوكراني لمستودع شركة «وايلدبيريز» بمنطقة موسكو (رويترز)

استهدفت مئات الطائرات المسيّرة موسكو ومناطق أخرى، ما أدى إلى مقتل 6 أشخاص الأحد، فيما شنت روسيا ضربات صاروخية أسفرت عن مقتل 3 أشخاص وإصابة أكثر من 12 في كييف ومدن أوكرانية، وفق ما أفاد مسؤولون في البلدين.

وقُتل 3 أشخاص في مدينة روستوف الروسية، فيما أسقطت مقاتلة إسبانية تابعة لحلف شمال الأطلسي طائرة مسيّرة توغلت داخل الأراضي الرومانية. وهي المرة الثانية في يومين التي يصل فيها النزاع بين موسكو وكييف إلى شرق أوروبا.

من أضرار القصف الروسي الذي أصاب مبنى سكنياً في كييف (إ.ب.أ)

وأعلنت وزارة الدفاع الرومانية أن مقاتلة إسبانية تقوم بمهمة في رومانيا في إطار حلف شمال الأطلسي (الناتو)، أسقطت مسيّرة خرقت المجال الجوي الروماني قرب الحدود مع أوكرانيا ومولدافيا. وأوضحت في بيان، أن اعتراض المسيّرة الآتية من مولدافيا تم بواسطة طائرتي «إف-18» أميركيتي الصنع.

كذلك، أكد وزير الدفاع الإسباني خوسيه مانويل ألباريس، عبر منصة «إكس»، أن سلاح الجو الإسباني أظهر «احترافاً استثنائياً في الدفاع عن المجال الجوي الأوروبي». وأوضح أنه أجرى محادثات مع وزيرة الدفاع الرومانية أوانا تويو التي شكرت الطيّارين.

وأعلنت القيادة الجوية للحلف الأطلسي عبر «إكس»، أن عملية الاعتراض «جرت بواسطة طائرتي (إف-18) تابعتين لقوة إسبانية متمركزة في رومانيا، وتضم نحو 200 عسكري و11 طائرة».

وباتت رومانيا البالغ عدد سكانها 19 مليون نسمة، من دول حلف الأطلسي الأكثر عرضة لتبعات الحرب في أوكرانيا؛ فواجهتها الشرقية المطلة على البحر الأسود، قريبة من مناطق أوكرانية غالباً ما تستهدفها الضربات الروسية.

وأعلنت السلطات الرومانية مراراً منذ 2023، العثور على حطام مسيّرات بعد هجمات على الموانئ الأوكرانية على نهر الدانوب.

عمال إطفاء في موقع أصيب بالقصف الروسي للعاصمة الأوكرانية (أ.ف.ب)

وفي نهاية يوليو (تموز)، أسقطت رومانيا مسيّرة على مسافة نحو 100 كلم من العاصمة بوخارست، وذلك للمرة الأولى منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022. كما تعرضت بولندا ودول البلطيق الواقعة على الخاصرة الشرقية للحلف الأطلسي مراراً لتوغل مسيرات في مجالها الجوي. وأعلن الحلف الأطلسي يوم الجمعة الماضي، أن مقاتلات إيطالية أسقطت مسيرة دخلت أجواء لاتفيا.

المسيرات

إلى ذلك، أورد رئيس بلدية موسكو سيرغي سوبيانين، أن العاصمة الروسية تعرضت طوال ليل السبت - الأحد، لهجوم متواصل بالطائرات المسيّرة، ما استدعى إصدار سلسلة من التحديثات عن تطور الأوضاع لساعات عدة.

واعترضت الدفاعات الجوية أكثر من 600 طائرة مسيّرة كانت متجهة نحو موسكو، وأُسقط نحو 200 منها في المنطقة، بحسب ما أفاد على منصة «ماكس» المدعومة من الدولة.

ووصف حاكم منطقة موسكو أندريه فوروبيوف الهجوم، بأنه «أحد أضخم هجمات الطائرات المسيّرة في الذاكرة الحديثة»، لافتاً إلى إصابة 6 أشخاص في المنطقة.

وأضاف: «في بودولسك، تسبب قصف بمسيرة في اندلاع حريق في مستودع تابع لشركة (وايلدبيريز) بمجمع كوليدينو الصناعي».

وكثفت أوكرانيا في الآونة الأخيرة استهدافها لمستودعات «وايلدبيريز»، وهي شركة بيع بالتجزئة عبر الإنترنت، قائلة إنها ترد بذلك على قصف موسكو للمدن والبنى التحتية الأوكرانية... ومنذ منتصف يوليو، قصفت أوكرانيا نحو 20 مستودعاً ومبنى تابعاً للشركة المذكورة.

حريق في مستودع شركة «وايلدبيريز» في «مجمع كوليدينو الصناعي» الروسي نتيجة القصف الأوكراني (رويترز)

ومن جانبه، قال يوري سليوسار، حاكم منطقة روستوف الواقعة جنوب غربي روسيا، إن 5 أشخاص لقوا حتفهم في المنطقة، حيث تعرضت 3 بلدات لهجمات. كما قُتل رجل (83 عاماً) بعد أن أصابت طائرة مسيّرة أوكرانية منزلاً خاصاً في منطقة موسكو.

وعلى الجانب الآخر، أسفر قصف صاروخي روسي عن مقتل شخصين في منطقة زابوريجيا الأوكرانية، مع سقوط قتيل ثالث في كريفي ريغ، مسقط الرئيس فولوديمير زيلينسكي. وأُصيب أكثر من 20 شخصاً في كييف وبروفاري وكريفي ريغ وأوديسا ودنيبتروفسك.

وقال رئيس مجلس الدفاع المحلي أولكسندر فيلكول عبر منصة «تلغرام»، إن القوات الروسية قصفت موقعين صناعيين في كريفي ريغ. وفي العاصمة الأوكرانية، حذرت السلطات من الغارات الجوية قبيل الساعة الثانية صباحاً، وسُمعت انفجارات عدة بعيد ذلك. وصرح رئيس البلدية فيتالي كليتشكو، بأن كييف «تتعرض لهجوم صاروخي باليستي»، وحض السكان على البقاء في الملاجئ. وأدت الغارات إلى اندلاع حرائق في منطقتي أوبولونسكي وهولوسيفسكي بالعاصمة.

كذلك، أفاد مسؤولون محليون بتعرض مدينة كريمينشوك في منطقة بولتافا بوسط البلاد لهجوم، من دون تقديم تفاصيل عن الأضرار أو الخسائر البشرية.

وتواصل روسيا بشكل شبه يومي، شنّ ضربات صاروخية وبطائرات مسيّرة على الأراضي الأوكرانية، منذ بدء غزوها مطلع عام 2022، فيما سبق أن أوضح الرئيس زيلينسكي أن الهجمات الأوكرانية المتزايدة في عمق الأراضي الروسية، والتي تستهدف مصافي النفط والمستودعات، «تهدف إلى تقويض اقتصاد الحرب الروسي».

وكتب الأحد، عبر تطبيق «تلغرام»، أن «أفراد الطوارئ يقومون بعملهم في مواقع الهجمات الروسية»، وأنه تم إخماد الحرائق سريعاً في كييف، حيث كانت سوق للكتب من ضمن المواقع التي تم استهدافها.

سيدة تحمل ما تيسر من سوق للكتب في كييف أصيبت بالقصف الروسي (أ.ف.ب)

وقال زيلينسكي: «حيثما تصل الصواريخ الروسية، فهي تهاجم بنية تحتية مدنية»، محذراً من موجة أخرى من الهجمات. وأوضح أن روسيا أطلقت أكثر من 1550 طائرة مسيرة ونحو 1560 قنبلة و62 صاروخاً على أوكرانيا هذا الأسبوع. وطالب مجدداً، حلفاء أوكرانيا بإمدادها بصواريخ دفاع جوي. وكتب زيلينسكي: «إذا كانت الصواريخ الكورية الشمالية تدمر البنية التحتية وتحصد الأرواح هنا في أوروبا، فلا يمكننا أن نسمح للصواريخ الأوروبية المضادة للطائرات بالبقاء ببساطة في المستودعات».