من قيادة الدعم إلى هندسة التفاوض: كيف تحوّل الدور الأميركي في أوكرانيا؟

«البنتاغون» صاغ «انسحاباً من القيادة» ونقل عبء التمويل إلى أوروبا

أمين عام «الناتو» مارك روته مع وزراء دفاع الدول الأعضاء بالتكتل العسكري في بروكسل يوم 12 فبراير (أ.ف.ب)
أمين عام «الناتو» مارك روته مع وزراء دفاع الدول الأعضاء بالتكتل العسكري في بروكسل يوم 12 فبراير (أ.ف.ب)
TT

من قيادة الدعم إلى هندسة التفاوض: كيف تحوّل الدور الأميركي في أوكرانيا؟

أمين عام «الناتو» مارك روته مع وزراء دفاع الدول الأعضاء بالتكتل العسكري في بروكسل يوم 12 فبراير (أ.ف.ب)
أمين عام «الناتو» مارك روته مع وزراء دفاع الدول الأعضاء بالتكتل العسكري في بروكسل يوم 12 فبراير (أ.ف.ب)

مع دخول الحرب الأوكرانية عامها الخامس، بات واضحاً أن السنة الأولى من ولاية دونالد ترمب الثانية لم تكن سنة قرار بقدر ما كانت سنة إعادة تعريف: تقليصٌ تدريجي للدور الأميركي المباشر في قيادة جهد دعم كييف، مقابل هندسة ترتيبات تجعل أوروبا المموّل والواجهة السياسية، وتحوّل «البنتاغون» من «قائد ائتلاف» إلى «مدير شروط» يربط الإسناد العسكري بمسار تفاوضي سريع لم يكتمل بعد.

هذا التحول ظهر في شكلين متوازيين: داخل منظومة المساعدات لأوكرانيا، وداخل مقاربة واشنطن لحلف «الناتو» والأمن الأوروبي الأوسع، حيث أصبح الشعار الضمني «شراكة لا تبعية»، لكن بفلسفة تحمل في طياتها أخطار فراغ القيادة إذا لم تُترجم أوروبا الوعود إلى قدرات.

من «رامشتاين» إلى «الدول الراغبة»

أوضح مؤشرات تراجع القيادة الأميركية كان في الأطر التي كانت واشنطن تقود إيقاعها. فـ«مجموعة الاتصال الدفاعية لأوكرانيا» (معروفة بمجموعة رامشتاين) التي شكّلت منذ 2022 غرفة العمليات السياسية لتنسيق التسليح، انتقلت رئاستها فعلياً إلى بريطانيا وألمانيا، وتكرّس الغياب الأميركي في اجتماعات مفصلية عندما تغيَّب وزير الدفاع لأول مرة عن لقاءات كانت تُعدّ «اختبار حضور» للإدارة الأميركية، واكتفت واشنطن بتمثيل أقل وزناً أو مشاركة عن بُعد.

التغيير لم يكن بروتوكولياً فقط؛ إذ حين تتراجع واشنطن عن «قيادة المنصة»، تتراجع معها قدرتها على فرض إيقاع موحد على الحلفاء، خصوصاً بعد تغيير الأوروبيين تسمية المجموعة إلى «تحالف الدول الراغبة» للترتيبات طويلة الأمد والضمانات. وهو ما أدى أيضاً إلى ظهور إشارات فتور أو تحفظ أميركي مبكر، بما ينسجم مع فكرة أن واشنطن تريد من أوروبا أن تتقدم إلى مقعد القيادة لا أن تنتظر توجيهاً أميركياً دائماً.

الرئيس الأميركي وأمين عام «الناتو» يتحدثان خلال مؤتمر صحافي بقمّة في لاهاي يونيو 2025 (د.ب.أ)

وهنا يلتقط الباحث برايان كاتوليس من معهد الشرق الأوسط في حديث مع «الشرق الأوسط»، جوهر الصورة عندما يصف النهج في عامه الأول بأنه اتسم بالتقلب وعدم الاتساق: «هدف سياسي سريع لإنهاء الحرب، من دون استثمار كافٍ في الأدوات العسكرية والدبلوماسية التي تجعل (السلام السريع) ممكناً؛ ما يعني عملياً أن واشنطن أبقت الدعامة قائمة، لكنها استخدمتها لدفع الجميع نحو تسوية لم تنضج شروطها بعد».

«هدف جديد» يسبق أدواته

في خطاب إدارة ترمب، لم تعد الإشارة الأبرز نوع السلاح أو عدد الشحنات، بل تعريف «الغاية» نفسها. في مؤتمر ميونيخ للأمن، بدا وزير الخارجية ماركو روبيو أقرب إلى صياغة «منطق وسطي»: لا أحد «منتصراً» بسهولة، وواشنطن ملتزمة إنهاء الحرب، لكنها لا تعرف إذا كانت موسكو جادة فعلاً وما هي الشروط المقبولة لدى الطرفين، وهي صياغة تُبقي الباب مفتوحاً للتفاوض وتُبقي الضغط على كييف في الوقت نفسه.

غير أن الجديد في الأيام الأخيرة هو أن الخطاب الأميركي لم يعد كتلة واحدة. فبينما يكرر ترمب أن روسيا «تريد السلام» وأن كييف مطالبة بالمرونة، جاءت تصريحات روبيو عن خسائر روسيا الأسبوعية، «سبعة إلى ثمانية آلاف» حسب ما نُقل عنه؛ لتقارب رواية أوروبية تقول إن موسكو تدفع ثمناً باهظاً، لكنها تُراهن على الوقت وعلى تحسين شروط التفاوض. وفي الخلفية، يزيد ذلك التباين من انطباع الحلفاء بأن واشنطن تريد اتفاقاً سريعاً، لكنها لا تريد أن تدفع ثمن «فرضه» وحدها.

ترمب برفقة قادة أوروبيين لبحث حرب أوكرانيا في البيت الأبيض 18 أغسطس 2025 (رويترز)

على المستوى التنفيذي، تُظهر تقارير سابقة عن قرارات إيقاف أو تأخير شحنات (ثم استئنافها) أن التحول لم يكن خطاً مستقيماً، بل شدّاً بين الرغبة السياسية وميكانيكا المؤسسة العسكرية. وهذا ما يلتقي مع تحليلات أشارت إلى أن واشنطن في عهد بايدن كانت تقود الائتلاف الغربي وتدفع الكونغرس إلى تمويل إضافي، بينما في عهد ترمب «تخلّت عن القيادة» وخفّضت المساعدات. وبعد تسليم ما تبقى من حزم سابقة، باتت معظم الأسلحة تصل بأموال الحلفاء، بل إن قيادة «البنتاغون» حاولت أكثر من مرة وقف شحنات ذخائر حساسة بالكامل.

زيلينسكي خلال مشاركته في أعمال مؤتمر ميونيخ للأمن 14 فبراير (أ.ف.ب)

واشنطن للأوروبيين: ادفعوا أنتم

التحول الجوهري لم يكن «وقف الدعم»، بل تغيير طريقته: تقليل التبرعات المباشرة من مخزون الولايات المتحدة، مقابل دفع الأوروبيين لشراء السلاح الأميركي وتمويل نقله إلى كييف. هذا المنطق تبلور فيما سمي آلية «قائمة المتطلبات الأوكرانية ذات الأولوية» التي يعمل الحلف عبرها على تجميع مساهمات مالية لشراء معدات، خصوصاً دفاعات جوية وذخائر، من مصادر أميركية. وفي 12 فبراير (شباط) الحالي، أعلن الأمين العام لحلف «الناتو»، مارك روته، عن تعهدات «بمئات الملايين» لصالح هذه القائمة، مع إشارة إلى أن المزيد من التعهدات متوقعة.

أرشيفية للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وأمين عام «الناتو» مارك روته في كييف يوم 3 فبراير (أ.ف.ب)

وبالتوازي، ضغطت واشنطن، سياسياً وإدارياً، لجعل هذا المسار «النموذج القياسي» بدلاً من الحزم الأميركية الكبيرة. وقالت وكالات أميركية إن قرار تعليق بعض شحنات الأسلحة بعد مراجعة مخزونات «البنتاغون» جاء أيضاً تحت عنوان «أولوية الأمن القومي الأميركي»؛ ما يضع سقفاً عملياً لما يمكن أن تتعهد به واشنطن من مخزونها في أي لحظة.

هنا يضيف الباحث مايكل روبين من معهد «أميركان أنتربرايز» في حديث مع «الشرق الأوسط»، زاوية تقنية مهمة عند تفسير «ما بقي وما تغيّر»: فالتعاون الاستخباري الأميركي مع كييف، بما في ذلك مشاركة المعلومات لتحسين الاستهداف والإنذار المبكر لهجمات المسيّرات والصواريخ، استمر، وهو عنصر تأثير لا يقل حساسية عن السلاح نفسه؛ لأنه يرتبط بحماية الأرواح وفاعلية الدفاع الجوي. لكن ما تغيّر، وفق قراءته، هو قطع جزء كبير من تدفقات التسليح التي كانت واشنطن تقدمها سابقاً، مع افتراض أن أوروبا ستملأ الفجوة.

«ناتو» أوروبي القيادة

خلال تدريب «الناتو» في بحر البلطيق قبالة ميدان بوتلوس للتدريب العسكري بألمانيا 18 فبراير 2026 (رويترز)

في السنة الرابعة من الحرب والأولى من عهد ترمب الثاني، لم يعد السؤال «كم تدفع أوروبا؟» فقط، بل «من يقود الدفاع التقليدي عن أوروبا؟». وقد جاءت الأسابيع الماضية بإشارات جديدة أكثر مباشرة: كبير مسؤولي السياسات في «البنتاغون»، البريد كولبي، تحدث في بروكسل عن «ناتو 3.0» تقوم فكرته على أن يتولى الحلفاء «المسؤولية الأساسية» للدفاع التقليدي عن أوروبا، مع بقاء التزام المادة الخامسة والردع النووي الأميركي. لكنه قال أيضاً إن الولايات المتحدة ستقلص القوات التقليدية في أوروبا، أي أن المعادلة تتجه نحو «ضمانات باقية» لكن بوجود أقل.

وتزامن هذا مع خطوة رمزية عملية أخرى: الولايات المتحدة ستُسلّم قيادة موقعين قياديين كبيرين داخل هيكل قيادة الحلف، في نابولي ونورفولك، إلى ضباط أوروبيين، بما يعزز فكرة «أوربة القيادة» داخل «ناتو»، حتى لو احتفظت واشنطن بقيادات عملياتية محورية أخرى.

هذه التطورات تتقاطع مع منطق الإدارة: تركيز أكبر على الصين والدفاع عن الوطن، وتحويل المسرح الأوروبي إلى ملف تقوده أوروبا بتمويلها وصناعتها وتسليحها، على أن تبقى واشنطن «الموازن الأعلى» لا «الممول الأول». غير أن هذا التحول، كما يحذّر الباحث كاتوليس، إذا لم يترافق مع استثمار كافٍ في أدوات الضغط والضمانات، قد ينتهي إلى دعم «يكفي للصمود»، لكنه لا يكفي لفرض شروط تسوية مستقرة، فتستمر الحرب بشكل أقل حدة لكن أطول زمناً، مع مفاوضات متقطعة لا تُنتج اتفاقاً دائماً.

خلال تدريبات «الناتو» على شاطئ فيسيك في بوتلوس بألمانيا 18 فبراير 2026 (أ.ب)

اليوم، يبدو دخول الحرب الأوكرانية عامها الخامس يمرّ عبر خطوط التمويل والقيادة بقدر ما يمرّ عبر خطوط الجبهة. وبينما تحاول واشنطن إبقاء خيط الإسناد قائماً عبر الاستخبارات وبعض القنوات العسكرية، فإنها تُحوّل الثقل المالي والسياسي إلى أوروبا، وتدفع «الناتو» نحو «قيادة أوروبية» مع تعهدات أميركية بالردع والمادة الخامسة. الاختبار الحقيقي في الأشهر التالية لن يكون في الإعلان عن الآليات، بل في قدرتها على إنتاج أثر ميداني يخلق «سلاماً مستداماً»، وفي الوقت نفسه يمنع أن تتحول «أوربة الملف» إلى انقسام غربي يقرأه الكرملين بوصفه فرصة جيوسياسية لتعزيز نفوذه.


مقالات ذات صلة

موسكو تعد تعليق ترمب الرسوم الجمركية «لحظة تاريخية»

أوروبا أميركا تقترح رفع التجميد عن بعض الأصول السيادية الروسية في محاولة لإحياء محادثات إنهاء الحرب الأوكرانية (أ.ب) p-circle

موسكو تعد تعليق ترمب الرسوم الجمركية «لحظة تاريخية»

موسكو ترحب بتعليق الرسوم الجمركية الجديدة المرتبطة بالحرب على أوكرانيا، ووصفت هذه الخطوة بأنها «لحظة مهمة وتاريخية بحق».

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا زيلينسكي في اليوم الثاني من القمة الأوروبية مع أنتونيو كوستا وأورسولا فون دير لاين (أ.ف.ب) p-circle

إلى أين سيقود الخلاف بين ترمب وزيلينسكي؟ وهل يهدد الدعم الحيوي لكييف برمته؟

الخلاف بين ترمب وزيلينسكي يهدد الدعم الحيوي لكييف... المحلل كليمنس فيشر: أوكرانيا تمر بـ«أحلك لحظاتها» في الحرب بعد وقف الدعم الأمريكي

«الشرق الأوسط» (واشنطن - برلين - كييف)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)

زيلينسكي: أميركا سترفع مزيداً من العقوبات عن روسيا

رأى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، اليوم (السبت)، أن الولايات المتحدة سترفع مزيداً من العقوبات عن روسيا، غداة تعليق الرئيس دونالد ترمب العمل ببعضها.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

وسط أزمة مع كييف... ترمب يعلّق عقوبات تستهدف عائدات النفط الروسي

أعفى الرئيس الأميركي دونالد ترمب روسيا الجمعة من عقوبات أقرها الكونغرس مؤخراً، وتستهدف عائداتها النفطية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب أثناء وصوله يوم أمس إلى تجمع انتخابي في دالتون بولاية جورجيا (ا.ب)

ترمب يوقّع أمراً تنفيذياً يعفي روسيا من عقوبات أقرّها «الكونغرس»

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم، أمرا تنفيذيا أعفى بموجبه روسيا من عقوبات أميركية ورسوم جمركية تستهدف عائدات الطاقة الروسية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

بريطانيا ترحّل رومانياً أدين بإشعال ممتلكات مرتبطة بستارمر

 كير ستارمر يلقي كلمة لدى مغادرته «10 داونينغ ستريت» (أ.ب)
كير ستارمر يلقي كلمة لدى مغادرته «10 داونينغ ستريت» (أ.ب)
TT

بريطانيا ترحّل رومانياً أدين بإشعال ممتلكات مرتبطة بستارمر

 كير ستارمر يلقي كلمة لدى مغادرته «10 داونينغ ستريت» (أ.ب)
كير ستارمر يلقي كلمة لدى مغادرته «10 داونينغ ستريت» (أ.ب)

أعلنت وزارة الداخلية البريطانية ترحيل روماني حُكم عليه في يونيو (حزيران) الماضي بالسجن عامين في لندن بتهمة إضرام النار في ممتلكات على صلة برئيس الوزراء السابق كير ستارمر.

وأدين ستانيسلاف كاربيوك، وهو مواطن روماني من أصل أوكراني، ورومان لافرينوفيتش، وهو أوكراني، بتورطهما في هجمات استهدفت ممتلكات مرتبطة بكير ستارمر يوم كان رئيساً للوزراء في مايو (أيار) 2025.

حُكم على كاربيوك بالسجن عامين وعلى لافرينوفيتش بالسجن 7 سنوات.

وقال عدد من وسائل الإعلام البريطانية إن لروسيا صلة بالحرائق، رغم أن القاضي الذي تولى القضية لم يشر إلى ذلك في حكمه الصادر في يونيو.

عناصر من الشرطة البريطانية (أرشيفية - رويترز)

وقال ناطق باسم وزارة الداخلية، السبت: «رُحّل هذا الشخص من المملكة المتحدة»، في إشارة إلى كاربيوك، من دون تحديد الدولة التي رحل اليها.

وأضاف: «كان هجوماً مشيناً. إن إدانة هذين الرجلين وسجنهما ينبغي أن يكون رسالة واضحة إلى كل من قد يُخدع بوعود المال من مجهولين».

وتوصلت المحكمة إلى أن رومان لافرينوفيتش وستانيسلاف كاربيوك تصرفا بناءً على أوامر من شخص يتحدث الروسية على تطبيق «تلغرام».

كما خلصت إلى أن كاربيوك لم يكن متورطاً «بشكل مباشر» في عمليات إحراق الممتلكات، بل اقتصر دوره على «تكليفه محاولة استرداد الأموال المعروضة مقابل ارتكاب هذه الجرائم».


المظاهرات الاحتجاجية تجتاح المدن الفرنسية والعنف يضرب باريس وليون ومرسيليا

الحرائق تبرز جانباً من مظاهر العنف في باريس العاصمة يوم السبت بمناسبة يوم التعبئة العامة (أ.ف.ب)
الحرائق تبرز جانباً من مظاهر العنف في باريس العاصمة يوم السبت بمناسبة يوم التعبئة العامة (أ.ف.ب)
TT

المظاهرات الاحتجاجية تجتاح المدن الفرنسية والعنف يضرب باريس وليون ومرسيليا

الحرائق تبرز جانباً من مظاهر العنف في باريس العاصمة يوم السبت بمناسبة يوم التعبئة العامة (أ.ف.ب)
الحرائق تبرز جانباً من مظاهر العنف في باريس العاصمة يوم السبت بمناسبة يوم التعبئة العامة (أ.ف.ب)

لم ينفع قرار وزارة الداخلية ومديرية الشرطة في باريس بمنع التظاهر والتجمع في محيط المقرات الحكومية الرئيسية مثل قصر الإليزيه ورئاسة الحكومة وساحة الكونكورد وجادة الشانزيليزيه وغيرها من المناطق «الحساسة»؛ ذلك أن المتظاهرين نجحوا في الوصول إلى جادة الشانزليزيه، حيث استبق الكثير من المحلات وصولهم من خلال تحصين واجهاتها الزجاجية فيما أغلق بعضها أبوابه مخافة أعمال السلب والنهب والتكسير والحرائق.

وسبق لوزارة الداخلية والقوى الأمنية أن استبقت «يوم التعبئة» الذي جاء ليتوج حراك تلامذة التعليم الثانوي احتجاجاً على الظروف التعليمية الذي انطلق منذ نحو الشهر، وشهد خمس محطات تعبئة. والجديد فيما حصل السبت أن التداخل بين الحراك الطلابي والاحتجاجات التي عمت غالبية المدن الفرنسية على غلاء المعيشة وتراجع القوة الشرائية خصوصاً للطبقات الدنيا والارتفاع غير المسبوق لأسعار المشتقات النفطية، ما أرجع «السترات الصفراء» إلى الشوارع والمستديرات وإلى جوار محطات البنزين والديزل وخلافها.

اللافت أن الحكومة استبقت يوم التعبئة بالتحذير من اللجوء إلى العنف، وبإبراز رغبتها في التشدد في معاملة المخلين بالأمن، وهو ما شدد عليه وزير الداخلية لوران نونيز الذي أباح العودة إلى استخدام القنابل الصوتية والوسائل الأخرى لتفريق المتظاهرين.

متظاهرون تسلقوا التمثال الذي يتوسط ساحة الجمهورية في باريس وشعارهم «الناس في حالة غضب» (رويترز)

من جانبه، دعا جيرالد درامانان، وزير العدل، المدعين العامين في البلاد إلى التشدد قضائياً مع الأشخاص الذين يتم توقيفهم. وفي المحصلة، فإن مجموعات اليسار المتشدد المسماة «بلاك بلوكز» نجحت مرة أخرى في حرف المظاهرات عن أهدافها الحقيقية وتحويل العديد منها إلى ساحات كر وفر بينها وبين القوى الأمنية من شرطة ودرك وفرق مكافحة الشغب. والجمعة، دعا أركان الدولة، بدءاً برئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، إلى التظاهر السلمي والتحذير من استغلال الحراك لأهداف سياسية.

وفيما اليسار الفرنسي يؤيد الحراك والمطالب الاجتماعية والطلابية، فإن اليمين بجناحيه التقليدي والمتطرف، يركز على ضرورة المحافظة على الأمن والتنديد بالمحتجين وبأعمال العنف. وبعكس ما حصل في باريس ومرسيليا وليون واستراسبورغ، وهي المدن الأربع الكبرى في فرنسا، «إضافة إلى مدن رين وتولوز وأنجيه» التي شهدت أعمال عنف ذكّرت بما عرفته البلاد عامي 2018 و2019 بمناسبة احتجاجات «السترات الصفراء»، فإن «مسيرات سلمية» حصلت في مدن عديدة مثل بريست وروان وبايون وكان ومونبيليه.

إلا أن الأنظار تركزت على «عنف المدن» الذي تجلى بإشعال الحرائق وتحطيم العديد من الواجهات والدخول في معارك كر وفر مع القوى الأمنية التي عمدت، بالمقابل، إلى إلقاء القبض على المئات من المحتجين والمشاغبين ومواجهتهم بالغاز المسيل للدموع والهراوات وخراطيم المياه واستدعاء فرق مكافحة الشغب المؤللة. وقالت وزارة الداخلية إن محتجين حاولوا في مرسيليا اقتحام مركز للشرطة ونهبوا متاجر وحطموا واجهات.

وألقت شرطة باريس القبض على نحو 100 شخص لحيازتهم أسلحة ومواد أخرى محظورة. ودخل متظاهرون إلى مقر بلدية مرسيليا الواقعة في الجزء التاريخي من المدينة، ما حمل عمدتها، بونوا بايان، على طلب تعزيز حضور الشرطة لحماية البلدية.

كذلك هاجم متظاهرون فرعاً للشرطة في المدينة وحطموا بعض موجوداته. وبسبب التجاوزات، عمدت مديرية الشرطة في العاصمة إلى استدعاء «الفرقة رقم 8» المتخصصة في مكافحة الشغب لوسط المدينة المسمى «لي هال»، ما يعكس صعوبة سيطرة السلطات على الحركة الاحتجاجية التي شهدت نزول «السترات الصفراء» إلى بعض الأماكن.

أما في ليون، فقد هاجم محتجون المكتب السياحي للمدينة ونجحوا في اجتياحه وإحراقه ومنع رجال الإطفاء من الوصول إليه.

وفي باريس، سمحت مديرية الشرطة بمسيرتين بعيدتين عن المراكز «الاستراتيجية» في العاصمة وتحويلهما باتجاه المناطق الشعبية القائمة شمال العاصمة. إلا أن هذه الخطة لم يتم العمل بها. وفي أكثر من حي باريسي حصلت المواجهات مع رجال الشرطة بدءاً بساحة الريبوبليك «ساحة الجمهورية» وصولاً إلى جادة الشانزيليزيه التي لم ينجح الأمن في إبقائها بعيدة عن المواجهات.

وأفادت الشرطة بالقبض على 163 شخصاً في العاصمة وحدها. وأدان عمدة باريس إيمانويل غريغوار، المنتمي إلى الحزب الاشتراكي، «أعمال التخريب والتكسير» التي شهدتها العاصمة، مشيراً إلى أن الغالبية العظمى من المتظاهرين «كانت ترغب في التظاهر في أجواء هادئة وسلمية».

في باريس حصلت المواجهات مع رجال الشرطة بدءاً بساحة الريبوبليك «ساحة الجمهورية» وصولاً إلى جادة الشانزيليزيه التي لم ينجح الأمن في إبقائها بعيدة عن المواجهات (أ.ب)

وعمد محتجون إلى تحطيم واجهة محل كبير «مونوبري» ومطعم للوجبات السريعة «ماكدونالدز» في شارع سيباستوبول، شمال العاصمة وسرقة محتوياته، لكن المظاهرات في باريس في أحياء أخرى كانت هادئة وسلمية. واعتبر غريغوار أن أعمال التكسير تصرف الانتباه عن مطالب طلاب المدارس الثانوية، الذين نزلوا إلى الشوارع إلى جانب طلاب الجامعات وأصحاب السترات الصفراء ومختلف النشطاء، كما تسيء إلى صورة تحركهم الاحتجاجي.

وبالمقابل، رأى أنه «لا يتعين أن يكون أي تحرك احتجاجي ذريعة لارتكاب أعمال عنف ضد المتظاهرين». وكذلك، نددت وزارة الداخلية بـ«التحشيد القوي» من جانب اليسار المتطرف، وبالمساعي الهادفة لإثارة الاضطرابات، وبالهجمات العنيفة التي قامت بها جماعات من الملثمين، وبالاعتداء على عناصر إنفاذ القانون وإضرام الحرائق ومحاولات النهب والاعتداء على الأملاك الخاصة والعامة، وتحدثت عن «أعمال خطيرة للغاية» لا سيما في مرسيليا وليون. وفي مدينة أفينيون، تم اقتحام ساحة مقر محافظة «فوكلوز»، بينما شهدت مدينة غرونوبل «أعمال تخريب طالت مبنى البلدية. كذلك، تعرضت محال تجارية للتخريب في مدن بو ومونبلييه وتولوز وفالانس.

كما في كل مناسبة، تتضارب الأرقام وتميل النقابات والجهات الداعية لها لتضخيمها، فيما تميل الجهات الرسمية لتخفيض أعداها. وقالت «نقابة كونفدرالية العمل»، القريبة من الحزب الشيوعي، إن نصف مليون شخص شاكوا في المظاهرات التي عمت غالبية المدن الفرنسية.


البابا ليو الرابع عشر يغادر المستشفى بعد العملية الجراحية

البابا ليو الرابع عشر (د.ب.أ)
البابا ليو الرابع عشر (د.ب.أ)
TT

البابا ليو الرابع عشر يغادر المستشفى بعد العملية الجراحية

البابا ليو الرابع عشر (د.ب.أ)
البابا ليو الرابع عشر (د.ب.أ)

غادر البابا ليو الرابع عشر المستشفى، السبت، عائداً إلى الفاتيكان بعد خمسة أيام من خضوعه لعملية استئصال ورم سرطاني في الرئة.

وخرج البابا البالغ 71 عاماً سيراً من مستشفى جيميلي في روما، ولوّح مبتسماً لعدد من المتجمعين عند المدخل، الذين هتفوا ترحيباً به.

وفي وقت سابق، كتب الطبيبان لويجي كاربوني وستيفانو مارغاريتورا في مذكرة نشرها الفاتيكان: «استناداً إلى نتائج فحوص الدم، وصورة الأشعة السينية للصدر التي أُجريت هذا الصباح، وتقييماً للحالة السريرية، تبيّن أن الأب الأقدس بات مؤهلاً لمغادرة المستشفى»، الأمر الذي أكده الفاتيكان، لافتاً إلى أنه «سيتلو غداً (الأحد) صلاة التبشير الملائكي من نافذة الشقة البابوية».

البابا ليو الرابع عشر في مدينة ميتز الفرنسية الاثنين في طريقه إلى كاتدرائية القديس إتيان (أ.ب)

وتعوّد الحبر الأعظم إقامة صلاة «التبشير الملائكي» كل يوم أحد من نافذة القصر الرسولي المطلة على ساحة القديس بطرس، أمام حشود من المؤمنين.

وكان الحبر الأعظم البالغ 71 عاماً، أقام قداساً الجمعة في المستشفى حيث يتلقى العلاج، وفق ما أظهرت صور له هي الأولى التي ينشرها الفاتيكان بعد إجراء العملية، الثلاثاء.

وذكر المكتب الإعلامي للفاتيكان أن البابا أقام القداس بحضور الطاقم الطبي والتمريضي في مستشفى جيميلي، إلى جانب أشخاص كانوا موجودين في المكان خارج أوقات دوامهم، كما انضم إليهم عناصر من الشرطة.

أدخل البابا ليو، الثلاثاء، إلى مستشفى جيميلي في روما والواقع شمال الفاتيكان، حيث خضع لعملية جراحية لاستئصال ورم سرطاني في رئته اليمنى.

وأفاد أطباؤه، الجمعة، بأن الفحوص أظهرت «تحسناً مستمراً في حالته العامة»، وأنه بات يمارس «أنشطته اليومية المعتادة بشكل مستقل تماماً».