أفضل قصائد الشعر الأميركي لعام 2025

الرعب والدمار يتصادمان مع الجمال والموسيقى

أفضل قصائد الشعر الأميركي لعام 2025
TT

أفضل قصائد الشعر الأميركي لعام 2025

أفضل قصائد الشعر الأميركي لعام 2025

بعد أن انغمستُ في قراءة مجلدات «أفضل قصائد الشعر الأميركي» في وقت سابق من العام الجاري، تعهدت بألا أبدأ أبداً أياً من مقالاتي بالتساؤل عن معنى كلمة «الأفضل»، وهي كلمة أزعجت محرري تلك السلسلة أكثر بكثير من كلمتي «أميركي» أو «شعر». كنت أرغب في الابتعاد عن ذلك أيضاً، ما أسمته لويز غلوك «استبداد صناعة الذوق». أنا أكتب هذه القوائم لصحيفة «التايمز» منذ خمس سنوات الآن؛ وأنا على ثقة من أن قرائي يعرفون أن كل ما تعنيه كلمة «الأفضل» في عالم الفنون هو ما تحبه فئة بعينها من الناس.

قصيدة «إنقاذ» هيدجي تشوي

بعض القصائد التي أثَّرت فيَّ بشدة هذا العام تعكس قسوة معينة. خذ على سبيل المثال الأسطر الأولى من قصيدة تشوي «الهلع»: «أعلم أن الآخرين حقيقيون، لا تُذكرني بذلك». أنا نفسي نطقت عبارة «الآخرون حقيقيون»، لذا شعرت أنها بمنزلة مواجهة مباشرة معهم. وضحكت بصوت مرتفع مرات عدة في أثناء قراءة قصيدة «إنقاذ»، أول عمل لتشوي، وهو عمل مفعم بالحقد والسخرية القاسية -بل ربما هو أقرب إلى الوحشية!

ينمُّ صوت تشوي عن ثقة الشباب المتحدية، التي نحتاج جميعاً إلى التعرض لها. القصائد مسيئة بعض الشيء («ألا يمكن أن تكون، مثل مملكة السماء، فالصور/ للخاسرين والمختلين؟») بطريقة جذابة للغاية، مثل جدال يُغير رأيك بالفعل. «هل من المهم معرفة الحقائق؟»، تسأل قصيدة «مراحل»؛ «لأنني بدأت أعتقد/ ربما لا». لا يمكن للقصائد أن تؤذيني إلا قليلاً، ويمكن أن تبدو قسوتها حقيقية للغاية: «في النهاية/ أنا/ شخص جاد للغاية/ لكننا لم نصل إلى النهاية بعد».

«أعرف بعض الأشياء» لريتشارد سايكن

كان هذا كتاباً آخر منحني متعة شبه مازوخية. في خروج رسمي عن مجموعة سايكن بعنوان «صراع الثعالب» (2015)، ومجموعته الأولى المؤثرة بعنوان «انكسار» (2005)، تأتي هذه القصائد في صورة نثرية. كُتبت جميع القصائد الـ77 (والرقم تكريم، على ما أعتقد، لمؤلفة بيريمان «أغاني الحلم 77») بعد إصابة سايكن بالسكتة الدماغية وخلالها، وتُشكل في حد ذاتها سيرة ذاتية موجزة: «إنها نافذة صغيرة، تلك الفترة الزمنية التي نستطيع فيها أن نقول ما نعرفه».

هذا عمل قاسٍ، ومخيف أحياناً في تعامله مع الشيخوخة والموت -الحياة بوصفها ضرراً- والصراع من أجل استعادة الجسد والعقل والذات بعد الأزمة. كما يستجوب سايكن أيضاً مفهوم الذاتية بوصفها مشروعاً طويلاً، وطريقة للدفاع، وفعلاً من أفعال المخاتلة: «قلت كذبة وتحولت إلى حقيقة». تَظهر كلمة «يحدث» كعبارة مخفَّفة مخيفة؛ ما يحدث قد يحطم حياتك: «كان من الواضح أن شيئاً ما قد حدث ولن يتراجع» («الرصيف»). «أنا أنتظر أن يخبرني أن هذا لن يحدث مرة أخرى. إنه لا يقول ذلك» («خريطة حرارية»). «عليك أن تكون حذراً، فالأشياء ترغب أن تحدث» («غابة ديفون»).

قد يكون هذا الكتاب قاتماً، ولكنه ساحر أيضاً («تحت السرير الأرضية، ثم الأرض، ثم الجانب الآخر والنجوم. سقطت في كل الاتجاهات») ومضحك بطريقة غريبة -ضحكة من مقطع واحد في وجه الشيطان، يكتب قائلاً: «إذا كان في ذلك أي عزاء، فلن أسامحك أبداً».

قصيدة «رحمة الدم» لآي. إس. جونز

تُعيد هذه القصائد في هذا العمل الأول المثير للإعجاب، تفسير قصة قابيل وهابيل على أنهما أختان، وهي تتمتع بقوة الأسطورة المخيفة والعنيفة والموسيقية. «معظم الألم منعدم الفائدة»، كما تكتب جونز في القصيدة الافتتاحية، «لكنه أقدم أغنية للجسد». تشكل هذه القصائد سلسلة من التفاعل المستمر مع فكرة القوة -القوة التي نستسلم لها والقوة التي نطالب بها- وتجسد نوعاً من الفضاء الهجين الحقيقي والرمزي، والحاضر والأبديّ في آن واحد.

تكتب جونز في قصيدة «قابيل»: «كنتُ أسطورة ذات يوم، وأنا الآن فتاة». وفي قصيدة «حواء ليليث» تكتب: «يكسر/ السماء فوق جمجمتي ويُظلم العالم. أختي، يستمر الأمر هكذا/ .../ الأيام لا تُعدّ».

يتحقق تماسك مذهل بصفة جزئية من خلال تكرار رمزيات الدم والشفرات والماعز القربانية والشمس: «أنا الفأس التي تحلم بشق طريقها عبر حلق آدم». وفي قصيدة «تاريخ موجز للعالم حسب الماعز»، تكتب جونز: «يولد الماعز برؤية بانورامية ليرى الموت/ الماعز يخطط للحرب مثل أي حيوان آخر/ هذه قصيدة عن التعفن». وفي النهاية الرائعة لقصيدة «قطعة موسيقية حالمة»: «تجسيد حُلم معاناتي/ الشمس تجر جسدها مقطوعة الرأس عبر السماء كنصب تذكاري/ للحرب».

قصيدة «غزة: القصيدة قالت ما لديها» لناصر رباح

يعلق مترجمو كتاب «غزة»، الذي يضم مختارات من قصائد الشاعر الفلسطيني ناصر رباح، في خاتمة الكتاب على الصعوبات التي واجهتهم في نقل هذه القصائد إلى الإنجليزية الأميركية، التي تلعب دوراً في تمكين الكثير من التشويهات في طريقة تصوير فلسطين على الساحة العالمية. وسعى المترجمون إلى تجنب «الإفراط في الترجمة»، مُفسحين النطاق لقَدرٍ من الغرابة و«الغموض وحتى عدم الفهم». أدى ذلك إلى ظهور سطور تُسبب أحياناً ارتباكاً نحوياً، غير أن الاغتراب والغرابة أمران مألوفان في هذه المناطق السريالية الشبيهة بالأحلام، حيث يتصادم الرعب والدمار مع الجمال والموسيقى والجنس، وحيث تتعايش الروتينية اليومية والملل مع الجنون واللا معقول.

وفي حين أن الصوت قد لا يُترجم دائماً، فإن الصورة تُترجَم، وأعمال رباح مليئة بالصور التي لا تُنسى: «أنا لست جندياً، لكن/ في أثناء الحرب أرى نفسي شرفة معلَّقة في السماء/ بعد أن هدموا المبنى... أنا لست جندياً، لكنني أرى نفسي في أثناء الحرب أرتِّب/ مشهد الموت الأخير، لإرضاء الأحياء بموتي». في القصيدة الطويلة «ما لم أقله لنفسي»، يكتب رباح: «كن مملاً... كن توم هانكس وقل: يا إلهي! كل شيء رائع يا رفاق. كن أي شيء، فقط لوِّح لموتك الجميل في المرآة»، و«لمرة واحدة، كن برتقالياً يا بحر، وأنتِ يا سماء، أمطري لمرة واحدة في اتجاهك».

قصيدة «ابنة المينوتور» لإيفا لوكا

أحياناً بعد سطر أو سطرين فقط تعرف أن الشاعر يتحدث إليك -كما لو أن الحساسية تتبدى في أصغر الكلمات. كانت هذه تجربتي مع لوكا وقصيدة «ابنة المينوتور»، المترجَمة عن السلوفاكية بواسطة جيمس ساذرلاند-سميث. أحب هذه القصائد السحرية عن الأماكن الحدودية والمخلوقات الهجينة، والرجال-الوحوش والأسماك-الطيور والكائنات الحية-الميتة: «مكسوة-مكشوفة/ في فمها تبكي وتغني/ تعود إلى أسفل المنحدر/ إلى المنزل الذي ليس منزلاً»، تكتب لوكا في قصيدة «الأخت البرية». «لا ماشية على الأقدام ولا راكبة في عربة/ على كتفها بومة، في يدها/ تفاحة، في تفاحتها/ حب، في حبها/ سُمّ».

انجذبتُ بصورة خاصة إلى سلسلة القصائد المستوحاة من لوحات ليونورا كارينغتون، مثل «لوحة السيدة بارتردج الراحلة» (هذه المرأة تبدو كأنها تجسيد للبرق) و«دجاجة أختي غير الشقيقة»: «لكن الآن هو أوان التمرد. الدجاجة تكشر عن أنيابها/ .../ انتظري فقط، تقول الدجاجة/ يوماً ما ستقيَّدين في طوق، كما يحدث بين المالكين/ والمملوكين... يوماً ما سنتبادل الأدوار». هذا كتاب ينبض بظلامية حكايات القصص الخيالية القديمة.

قصيدة «نوبات غضب في الهواء» لإميلي سكيلينغز

بناءً على مجموعتها الثانية، «نوبات غضب في الهواء»، أرى أن سكيلينغز زميلة لي في محبة الفراغ -نحن الذين نحب أن نجمل الفراغ. عن «زهرة الجزرة، أو دانتيل الملكة آن»، تكتب سكيلينغز في إحدى قصائدها: «أحبها عندما تكون كبيرة/ وبيضاء مثل صحن خزفي/ النقطة في المنتصف/ إيماءة صغيرة للتركيز/ رشفة من الظلام، ثقب/ ينزلق فيه كل/ تطريز السماء».

تُذكرنا قصائد سكيلينغز بمدرسة «غورلسك» (مصطلح أرييل غرينبرغ للإشارة إلى «دمج النسوية للغريب والقاسي مع البراق والحالم»)، قصائد سكيلينغز تبدو أشبه ما تكون بمسرح عبثي في بيت دمى مسكون. فكرة استعارتها من إيلين مايلز -أن الشعراء ليسوا أذكياء، بل «شيء آخر»- تتكرر طوال القصائد في شكل إصرار على نوع من الذكاء الخارجي، سبيل سلبي: «نصف تفكير، نصف لا شيء».

القصيدة الأخيرة آسرة، بسطورها الطويلة لدرجة أنها مطبوعة بشكل أفقي: «أوه، لقد لاحظت الفئران، لا تهتم بها/... / بدأت أعتقد أنها توسِّع الفجوات بين الأشياء: الكلمات، الأيام/.../ هذه مجرد غرفة واحدة في مؤامرة واسعة من الفضاء».

* تشمل مجموعات إليسا غابرت الشعرية والقصصية، في الآونة الأخيرة، «المسافة الطبيعية»، و«أي شخص هو النفس الوحيدة». تُنشر مقالاتها في دورية «حول الشعر» أربع مرات في السنة.

* خدمة: «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

لي سو يون: مهمة الأدب ليست تغيير العالم

ثقافة وفنون لي سو يون: مهمة الأدب ليست تغيير العالم

لي سو يون: مهمة الأدب ليست تغيير العالم

تعرَّف القارئ العربي على عوالم الكاتبة الكورية لي سو يون عبر روايتها «هاتف الوداعات الأخيرة» التي تصدرت قوائم الأكثر مبيعاً، وصدرت ترجمتها إلى العربية

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون تطور فكرة فصل السلطات فلسفياً وقانونياً

تطور فكرة فصل السلطات فلسفياً وقانونياً

تتناول الباحثة الأردنية الدكتورة هبة مرزوق الهباهبة، في كتابها «فصل السلطات بين الفلسفة والقانون»، المنعكسات المعاصرة لنظرية الفصل بين السلطات

«الشرق الأوسط» (عمَّان)
ثقافة وفنون لماذا كان فلاسفة فرنسا مرعوبين؟

لماذا كان فلاسفة فرنسا مرعوبين؟

هذا هو السؤال الذي طرحه ميشيل سير يوماً ما. والمذكور هو أحد أهم فلاسفة فرنسا في القرن العشرين وحتى وفاته عام 2018.

هاشم صالح
ثقافة وفنون جناح السعودية في المعرض (واس)

الجزائر: «سيلا 2026» يحتفي ببريق الورق في زمن الشاشات

يشهد «الصالون الدولي للكتاب بالجزائر»، المقام بالضاحية الشرقية للعاصمة الجزائرية، إقبالاً كبيراً منذ افتتاحه، بمشاركة مميزة للمملكة العربية السعودية ضيفَ شرف.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
ثقافة وفنون تاريخ العالم الحديث في كبسولة

تاريخ العالم الحديث في كبسولة

«تاريخ العالم الحديث من 1950 إلى يومنا هذا» عنوان كبير لكتاب صادر في هذا العام من تأليف جيرمي بلاك (الناشر: أركتوروس، لندن).

د. ماهر شفيق فريد

لي سو يون: مهمة الأدب ليست تغيير العالم

لي سو يون
لي سو يون
TT

لي سو يون: مهمة الأدب ليست تغيير العالم

لي سو يون
لي سو يون

تعرَّف القارئ العربي على عوالم الكاتبة الكورية لي سو يون عبر روايتها «هاتف الوداعات الأخيرة» التي تصدرت قوائم الأكثر مبيعاً، وصدرت ترجمتها إلى العربية عن دار «الكرمة» بالقاهرة.

في هذا الحوار، تتطرق الكاتبة إلى مؤلفاتها الأخرى التي تنتمي إلى عالم السيرة ذاتية وتتردد عبرها أصداء أزمتها النفسية التي وصلت إلى حد محاولة الانتحار، وتلقّي العلاج بمصحة متخصصة، قبل أن تستعيد إيمانها بالأمل والحياة وتتعافى نهائياً. هنا نص الحوار:

> بعد نجاح روايتك «هاتف الوداعات الأخيرة» وإدراجها ضمن قوائم الأكثر مبيعاً في كوريا الجنوبية، ماذا يعني لك ترجمتها إلى لغات أجنبية؟

- على الصعيد الشخصي، تعد ترجمة أعمالي وتقديمها بلغات أخرى تجربة ثمينة للغاية، لكن الأمر يتجاوز البعد الشخصي، إذ يدفعني إلى التأمل مجدداً في قيمة الأدب. ومن خلال خلق مساحة يمكن أن يسكنها الفقدان والحزن بغضّ النظر عن اللغة، أرى إمكانية أن يوصل الأدب بين الناس وأن يبني مجتمعاً إنسانياً واسعاً.

> ماذا عن ترجمة الرواية إلى العربية؟ هل تتابعين ردود الأفعال؟

- بصراحة، عندما يصدر كتاب في بلد آخر يصعب على الكاتب أن يعرف بدقة كيف انتقلت روحه ومعانيه عبر الترجمة، لكنني أؤمن بأن جوهر ما أريد التعبير عنه يصل إلى القراء رغم ذلك.

تابعت بالفعل ردود الأفعال عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وأشعر بأن هناك صلة صادقة تتشكل بيني وبين القراء، وقد أدهشني وأسعدني بشكل خاص الحماس الكبير الذي أبداه القراء المصريون تجاه الرواية.

> هل تعدّين أرقام المبيعات دليلاً على نجاح الكاتب؟ وما مواصفات النجاح الأدبي من وجهة نظرك؟- أرقام المبيعات ليست سوى أحد مؤشرات النجاح التجاري، ولا أعدّها دليلاً أساسياً على النجاح الأدبي، فأنا أؤمن بأن الأدب يتجاوز حدود الزمن، وقد لا يحقق الكتاب مبيعات كبيرة عند صدوره، أو قد لا يحظى صاحبه بالتقدير في حياته، لكن العمل الجيد يبقى. وربما يعاد اكتشافه وقراءته لاحقاً ليصبح من الكلاسيكيات. ومن وجهة نظري، فإن النجاح الأدبي لا يكتمل خلال حياة شخص واحد، بل يتشكل ويترسخ مع مرور الزمن.

> كيف جاءتكِ فكرة الرواية؟

- بدأت هذه الرواية من كتاب قرأته في أثناء وجودي في جناح للأمراض النفسية بالمستشفى، بعنوان «مقابلات التشريح النفسي» للدكتور إدوين شنايدمان، والذي يرصد العوامل النفسية الكامنة وراء الانتحار. وفي أثناء قراءة العمل وجدت نفسي أتخيل حزن الأشخاص الذين سيبقون بعد رحيلي وكيف ستستمر حياتهم، ومن هنا بدأتُ أفكر في كتابة رواية تدور حول هذا الموضوع، ثم أضفت إليه عنصراً تخييلياً، فكانت النتيجة رواية «هاتف الوداعات الأخيرة».

> هل تعتقدين فعلاً أنه يمكن التواصل مع من فقدناهم من الأحبّة وهم في العالم الآخر؟ وهل يمكن أن نعوّضهم بأثر رجعي عن أخطائنا بحقهم، أو على الأقل نعتذر لهم؟- إذا وسَّعنا مفهوم التواصل بحيث لا يقتصر على الحديث المباشر وجهاً لوجه، فأعتقد أننا نتواصل باستمرار مع أشياء وأشخاص عبر الزمن. يحدث ذلك عندما تعود إلينا فجأة ذكرى أو مكان أو غرض تركه من رحلوا عنّا.

وأؤمن بأن كل لحظة تتصل فيها القلوب بعضها ببعض هي لحظة تواصل حقيقية، وعندما نتمكن من فهم أنفسنا وفهم الآخر، ونضع الماضي والحاضر في موضعهما الصحيح، يصبح الغفران والمصالحة ممكنين، حتى لو جاء هذا الإدراك متأخراً.

> مررتِ بتجارب صعبة مع الاكتئاب واضطرابات الطعام والهلع كادت تدفع بكِ إلى حافة الانتحار، لماذا شاركتِ تلك التجارب مع القراء في مؤلفاتك المختلفة مثل «أشعر ببعض الاكتئاب، لكنني شخص عادي»؟- لم يكن اتخاذ قرار نشر قصتي الشخصية أمراً سهلاً. وبينما كنت مترددة، قالت لي أمي إنها عندما كنت في المستشفى بحثت عن كتب تتحدث عن الاكتئاب، لكنها لم تجد قصة تشبه قصتي.

لذلك تمنت أن أكتب كتاباً من أجل أشخاص يمرون بتجارب مماثلة، ومن أجل أولئك الذين يحملون في داخلهم مشاعر يصعب التعبير عنها بالكلمات، قررت هذه المرة أن أكون أنا من يتكلم. ومن هنا بدأت رحلتي ككاتبة.

> ألم يكن من الأفضل أن تظهر تلك التجارب ضمنياً، من خلال أعمالك الروائية، بدلاً من أن تأتي في صورة مباشرة تقترب من عالم السيرة الذاتية أو المذكرات؟- أعتقد أن أكبر فارق بين الرواية والسيرة الذاتية هو «الحضور الإنساني المباشر»، فالتعبير عن حزن عميق من خلال قصة متخيلة يختلف في تأثيره عن التعبير عنه من خلال تجربة حقيقية ومعيشة. وأرى أن مجرد القدرة على الحديث عن المرض النفسي بشكل مباشر، من دون مواربة أو التفاف، يعد رسالة قوية مفادها أن الأشخاص الذين يعانون من هذه الأمراض ليسوا منفصلين عن المجتمع، بل يعيشون بيننا ومعنا.

> تجارب الكاتب الشخصية على صعيد المعاناة النفسية والهشاشة الإنسانية، هل تزيد من جاذبية أعماله في عيون القراء برأيك؟- أؤمن بأن التجربة الحياتية الخاصة بكل كاتب تضفي على أعماله مزيداً من الجاذبية والتميز. وحتى عندما تتضمن تلك التجربة جوانب من الضعف الإنساني، فإنها تمنح صاحبها قدرة أعمق على التعاطف مع الآخرين.

وكثير من الفنانين يحوِّلون هشاشتهم ومعاناتهم إلى أشكال أكثر إبداعاً من التعبير، ويواصلون طرح الأسئلة حول جوهر الحياة والأشياء. وإذا اختار بعض الناس التقليل من قيمة إبداعهم بسبب ذلك، فهذه في النهاية مسألة تخص من يُصدر هذا الحكم.

> هل يندرج كتابك «ربما يكون الحزن مرضاً» هو الآخر ضمن سياق مشاركة المعاناة الشخصية مع القراء، أم ماذا؟- هو كتاب سيرة ذاتية طويل يوثّق الأشهر الستة التي أمضيتها في وحدة مغلقة للطب النفسي. ويتناول ما جرى داخل المستشفى بين أشخاص يعانون من الألم النفسي، كما يتناول مسارات التعافي التي مروا بها.

> ماذا عن كتابك «وصفة القطط»، الذي تلعب فيها الحيوانات الأليفة دور البطولة؟

- هو أيضاً كتاب يندرج ضمن فئة السيرة الذاتية الطويلة، ويتناول رحلة الحب الذي اكتشفتُه من خلال العيش مع قطة، يسجل لحظات شعرت فيها برغبة في التخلي عن كل شيء، قبل أن يعيد إليَّ صوت أنفاس القطة الإحساس بالحياة. إنها قصة شخص لم يكن يجيد الحب، وتعلَّمه تدريجياً من خلال علاقته بحيوان أليف.

> ما الذي يحقق لكِ الإشباع والسعادة ككاتبة؟

- أعظم ما يمنحني الشعور بالرضا هو أن أسمع من القراء أن أعمالي ساعدتهم على إيجاد القوة للاستمرار في الحياة. ويسعدني أن أرى قراء يكتشفون الإمكانات اللامحدودة للكتابة وتأثيرها، وأن تتغير حياتهم بفضل ذلك.

ومن أكثر التجارب التي تركت أثراً في نفسي رسالة وصلت إليّ من أحد السجون، فقد كتب لي سجين كان يفكر في إنهاء حياته، بعدما أهدته زوجته أحد كتبي، ليخبرني أنه قرر أن يمنح الحياة فرصة أخرى. ولا تزال تلك الرسالة حاضرة في ذاكرتي حتى اليوم.

> أخيراً، هل لا تزال الكتابة قادرة على صنع الفارق في عالم يبدو أن الحمقى هم أصحاب القرار الأول في تحديد مصيره؟

- ربما لا يستطيع الكاتب أن يغيِّر العالم بأسره، لكن الكتاب قادر على تغيير إنسان واحد، ولهذا السبب لا أتخلى أبداً عن الأمل، فلو استطعت تغيير واقع شخص واحد فقط إلى الأفضل، فهذا يكفيني.


تطور فكرة فصل السلطات فلسفياً وقانونياً

تطور فكرة فصل السلطات فلسفياً وقانونياً
TT

تطور فكرة فصل السلطات فلسفياً وقانونياً

تطور فكرة فصل السلطات فلسفياً وقانونياً

تتناول الباحثة الأردنية الدكتورة هبة مرزوق الهباهبة، في كتابها «فصل السلطات بين الفلسفة والقانون»، المنعكسات المعاصرة لنظرية الفصل بين السلطات، مستندة إلى جذورها الفلسفية التي أرساها فلاسفة الحقوق الطبيعية وعصر التنوير، ومقدمة قراءة نقدية تتتبع انتقال النظرية من إطارها الفلسفي إلى مجالها الدستوري والقانوني.

يقدم الكتاب الذي صدر حديثاً عن «الآن ناشرون وموزعون» في عمّان، مقاربة تحليلية للنظرية وإشكالات تطبيقها، ولا سيما ما يتصل بالتداخل بين السلطات، وشرعية التشريع، والعلاقة بين القانون والعدالة، وصولاً إلى اقتراح «كود قانوني تشريعي» يهدف إلى تعزيز الضبط والرقابة الدستورية وتفعيل الفصل بين السلطات.

وينطلق الكتاب الذي صمم غلافه الشاعر والفنان عيد بنات، من تأصيل مفهومَي الحقوق الطبيعية والقانون الطبيعي بوصفهما مرجعية فلسفية لشرعية القانون وتقييد السلطة، قبل أن ينتقل إلى الجدل الفلسفي حول نشأة الدولة والسيادة، وتطور فكرة الفصل بين السلطات بوصفها ضمانة دستورية لمواجهة الاستبداد وتحقيق التوازن بين التشريع والتنفيذ والقضاء.

وتتمثل الإشكالية المركزية التي يطرحها الكتاب في مدى قدرة نظرية الفصل بين السلطات على العمل بفاعلية في الأنظمة السياسية الراهنة، في ظل التداخل بين القانون والسياسة، وما قد يترتب عليه من تأثيرات في العملية التشريعية. ومن هنا تعتمد الهباهبة مقاربة نقدية ومقارنة لتفكيك الأطر النظرية القائمة، وتحليل الهيكليات القانونية والتشريعية المختلفة، وصولاً إلى تصور تشريعي مقترح.

ويعيد الكتاب تتبع جذور فكرة توزيع وظائف الدولة، من الفلسفة اليونانية عند أفلاطون وأرسطو، وصولاً إلى مونتسكيو الذي بلور الصياغة الأشهر لمبدأ الفصل بين السلطات، بحيث تتولى السلطة التشريعية سنّ القوانين، وتتولى السلطة التنفيذية إنفاذها، في حين تضطلع السلطة القضائية بإقامة العدالة. ولا يتوقف البحث عند هذا التأسيس، بل يتابع تطور الفكرة في مدارس فلسفة القانون والمذاهب النفعية والواقعية والوضعية. وترى المؤلفة أن الفصل بين السلطات لا ينبغي أن يُفهم بوصفه مجرد توزيع وظيفي لمهام الدولة، بل بوصفه ضرورة فلسفية وأخلاقية لحماية الحرية وضمان شرعية التشريع. فتركيز السلطة، وفق الطرح الذي يقدمه الكتاب، يهدد الحرية ويفرِغ القانون من مضمونه، في حين يتيح التوازن بين السلطات قيام منظومة أكثر قدرة على حماية الحقوق والحريات.

وتتوسع الدراسة في بحث الفجوة بين النظرية والتطبيق، متوقفة عند احتمالات التحيز السياسي في العملية التشريعية، وتأثير المصالح والاصطفافات في صياغة القوانين، وما يمكن أن ينتج من ذلك من اختلال في البنية القانونية. ومن ثم لا تكتفي بتقييم مبدأ الفصل بين السلطات، وإنما تسعى إلى اختبار قدرته على إنتاج قواعد قانونية ناجعة في الواقع السياسي والمؤسسي.


سيد الأقداح

محمد العلي
محمد العلي
TT

سيد الأقداح

محمد العلي
محمد العلي

(إلى الكبير محمد العلي في أبديته)

هي والقصيدةُ حيث كنْتَا

هي والقصيدةُ عمرُكَ المكتوبُ في أوراق ذاكرةٍ

ملأتَ جرارَها بصداكَ حتَّا

فاضتْ بها أشواطُ أحْرفِكَ التي

أخذتْكَ نحو مدائنِ العشَّاقِ فانْشطرَتْ بها شفتاكَ

بين مرافئِ الكلماتِ والقُبلاتِ

لكن ما برحْتَا

تُملي فتكتُبكَ السنينُ مفازةً

تعبَ الحُداةُ وهم يجُوبونَ القصائدَ

ربما انْتجعوكَ بيتَا

يا سيِّدَ النايات

يا ابنَ نبوءةِ الشجرِ المُحرَّز بالرياحِ

متى تماثلَ سردُه للبوحِ

محْمولًا بأطرافِ الحكاياتِ انْعتَقْتا

يا سيِّدَ الأقداحِ

منذُ سُلالةِ الماء الذي أرْخى أعِنَّتهُ

فغادرَ في شُقوقِ الغيْم

مُنتظرًا لأرضٍ لم تُضاجعْها الخُطى يومًا

فكيف عرفتَ أنَّ الدربَ لم يعرفْ ظلالكَ حين عدتَا

يا أيُّها العَرَّافُ

كم حجرًا لنردِكَ ضلَّ وجهتَه فعادَ

وما رميتَا؟

---------------

* شاعر سعودي.