الجزائر تتقدم في مكافحة غسل الأموال وتستعد لمغادرة «المنطقة الرمادية»

«جافي» تعلن زيارة ميدانية للتأكد من نجاعة إصلاحات بنكية وتشريعية

من اجتماع سابق لقضاة جزائريين حول تطبيق أحكام قانون مكافحة غسل الأموال (متداولة)
من اجتماع سابق لقضاة جزائريين حول تطبيق أحكام قانون مكافحة غسل الأموال (متداولة)
TT

الجزائر تتقدم في مكافحة غسل الأموال وتستعد لمغادرة «المنطقة الرمادية»

من اجتماع سابق لقضاة جزائريين حول تطبيق أحكام قانون مكافحة غسل الأموال (متداولة)
من اجتماع سابق لقضاة جزائريين حول تطبيق أحكام قانون مكافحة غسل الأموال (متداولة)

أحرزت الجزائر تقدماً جوهرياً في تنفيذ خطة عملها، المتعلقة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وفقاً لما أكدته «مجموعة العمل المالي»، المعروفة اختصاراً بـ«جافي»، في تقرير لها صدر في شهر فبراير (شباط) الحالي، يتضمن تقييماً لمجهودات بلدان مصنَّفة «الأقل التزاماً بمكافحة مصادر المال المشبوه».

وحمل التقرير عنوان «دول تحت المراقبة المشددة»، حيث أشارت فيه «جافي» إلى أن الجزائر «استكملت، بشكل واسع، خطة العمل المتفَق عليها»، وهو ما دفع الهيئة الدولية المعنية برقابة المعاملات المالية، والمدعومة من «مجموعة السبع»، إلى اتخاذ قرار بإجراء زيارة ميدانية «قريباً» لـ«التحقق من بدء تنفيذ الإصلاحات واستدامتها، والتأكد من استمرار الالتزام السياسي بضمان فاعليتها مستقبلاً».

وبهذه الخطوة، باتت الجزائر في وضع مريح يمهّد لسحب اسمها من «القائمة الرمادية» للمجموعة، ومن ثم «القائمة السوداء» للاتحاد الأوروبي، وهي تصنيفات تخص تحركات البلدان التي تسجل أدنى مستويات الاستجابة لمتطلبات مكافحة الجريمة المالية.

وكان اسم الجزائر قد أُدرج، الصيف الماضي، ضمن «القائمة الرمادية»، التي تضم الدول ذات مستويات الامتثال المنخفضة، وقد تبنّتها المفوضية الأوروبية في يونيو (حزيران) 2025 لتقييم جهود الدول في هذا المجال.

إصلاحات هيكلية ورقابة صارمة

وفق تقرير «جافي»، تمثَّل أبرز «القفزات النوعية التي حققتها الجزائر» في تعزيز الرقابة القائمة على المخاطر، ولا سيما في القطاعات الحساسة، مثل البنوك وشركات المحاماة والتوثيق، وذلك عبر اعتماد أدلة توجيهية وإجراءات تفتيش صارمة، وفق التقرير، مع تطبيق عقوبات رادعة ومتناسبة.

من اجتماعات «مجموعة العمل المالي» بمقرها في باريس (جافي)

كما نجحت الجزائر في إرساء منظومة فعالة لجمع المعلومات حول «المستفيدين الحقيقيين» من الشركات والجمعيات والمؤسسات العمومية، مع تطوير آليات الإبلاغ عن المعاملات المشبوهة، وفق التقرير نفسه.

وعلى الصعيد التشريعي، أفاد التقرير بأن الإطار القانوني والمؤسساتي، المخصص للعقوبات المالية المستهدفة، «أظهر كفاءة عالية»، عقب تعديل قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في بداية 2023. وينص التعديل على منع الأشخاص أو الكيانات المتورطة في الإرهاب من ممارسة أنشطة معينة، وتجميد أو مصادرة أموالهم، وتعزيز التحقيقات المالية التي تُجريها الجهات المختصة.

كما تبنّت السلطات الجزائرية نهجاً متوازناً في الرقابة على المنظمات غير الهادفة للربح، يضمن حماية النظام المالي دون عرقلة أنشطتها المشروعة.

دور القطاع المصرفي

وفق تقرير «مجموعة العمل المالي»، تُشدد الجزائر على دور البنوك في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، استناداً إلى نظام بنك الجزائر، الصادر في 24 يوليو (تموز) 2024، والذي يُلزم البنوك والمؤسسات المالية، بما في ذلك «بريد الجزائر»، بتطبيق «واجب اليقظة» عبر برامج مكتوبة للوقاية، والكشف عن العمليات المشبوهة.

محافظ بنك الجزائر (البنك)

كما تؤكد لوائح بنك الجزائر المركزي، وفق التقرير نفسه، ضرورة اعتماد تدابير فعالة لـ«معرفة العميل»، مع تحديد مستوى هذه التدابير، بناء على تقييم فردي دقيق للمخاطر، يأخذ في الحسبان خصائص كل عميل وطبيعة معاملاته، بما يعزز حماية المنظومة المالية الوطنية من أي استغلال، أو اختراق غير قانوني.

وفي ختام اجتماعٍ لها عقدته في باريس بين 20 و25 أكتوبر (تشرين الأول) 2025، رفعت «جافي» توصيات إلى الجزائر، شددت فيها على ضرورة استمرار الجهود لتعزيز تحديد المستفيدين الفعليين للشركات لضمان الشفافية، وتوسيع الرقابة على القطاع غير المالي، مثل المهن القانونية والعقارية والمحاسبية، وتحسين الشفافية في التحويلات المالية عبر الحدود، مع مراقبة التحويلات غير الرسمية، بالإضافة إلى متابعة «الكيانات عالية المخاطر»، وتطوير نظام الإشراف القائم على المخاطر والإبلاغ عن المعاملات المشبوهة.

كما أعلنت المجموعة، في الاجتماع نفسه، شطب أربع دول أفريقية من «قائمتها الرمادية»، وهي جنوب أفريقيا ونيجيريا وموزمبيق وبوركينا فاسو، دون إضافة أي دولة جديدة إليها.

«الوداع الأخير» للسيولة

اتخذ «بنك الجزائر» خطوات متسارعة، في الأشهر الأخيرة، لتجهيز المنظومة المصرفية والمالية للانتقال نحو بيئة رقمية متكاملة؛ وهي الخطوة التي تهدف إلى تقليص دائرة الاقتصاد الموازي، وتعزيز موقف الجزائر في مساعيها للخروج من «القائمة الرمادية» للدول الأقل امتثالاً لمعايير مكافحة التدفقات المالية المشبوهة. تأتي هذه التحركات تنفيذاً لرؤية محافظ البنك المركزي، صلاح الدين طالب، التي كشف عنها في شهر أكتوبر الماضي، في تصريحات، لوكالة الأنباء الجزائرية.

رجال أعمال جزائريون في السجن بتهمة غسل أموال (الشرق الأوسط)

وفي أفقٍ لا يتجاوز ثلاث سنوات، تتطلع الجزائر لإعلان «الوداع الأخير» للسيولة الورقية في المبادلات التجارية، والتحول الكامل نحو نموذج «الصفر نقدي»، بحلول عام 2028. وأوضح طالب، في تصريحاته، أن القانون النقدي والمصرفي الجديد (صدر في يونيو «حزيران» 2023) يمثل «خريطة طريق» لتحديث النظام البنكي، ولا سيما من خلال «اللجنة الوطنية للدفع»، التي تضطلع بمهمة تنفيذ «الاستراتيجية الوطنية للرقمنة الشاملة للمعاملات المالية».


مقالات ذات صلة

الجزائر وفرنسا تفتحان مجدداً باب إعادة «تطبيع» علاقاتهما الثنائية المضطربة

تحليل إخباري اجتماع الوفدين الجزائري والفرنسي يوم الاثنين بالعاصمة الجزائرية (أ.ف.ب)

الجزائر وفرنسا تفتحان مجدداً باب إعادة «تطبيع» علاقاتهما الثنائية المضطربة

الجزائر وفرنسا تفتحان مجدداً باب إعادة «تطبيع» علاقاتهما الثنائية المضطربة... قلق من الجانبين إزاء احتمال وصول اليمين المتطرف إلى السلطة بفرنسا العام المقبل

ميشال أبونجم (باريس)
شمال افريقيا محامون يدافعون عن الناشطين المعارضين المسجونين (حسابات ناشطين)

الجزائر: ملاحقات قضائية تطول نخباً فكرية بسبب تدوينات على منصات التواصل

يثير اعتقال أستاذ جامعي وخبير اقتصادي وصحافي في الجزائر قلقاً بالغاً في الأوساط السياسية وبين الناشطين، بسبب ما يصفونه بـ«تصاعد المضايقات».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا وزير الداخلية الفرنسي والوفد المرافق له خلال لقائه نظيره الجزائري (أ.ف.ب)

وزير داخلية فرنسا يؤكد من الجزائر الاتفاق على إعادة تفعيل «تعاون أمني رفيع المستوى»

أكّد وزير الداخلية الفرنسي، لوران نونييز، الثلاثاء، أنه اتفق مع نظيره الجزائري، سعيد سعيود، على إعادة تفعيل «تعاون أمني رفيع المستوى».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا رئيسا الجزائر والنيجر خلال المؤتمر الصحافي المشترك (الرئاسة الجزائرية)

رئيس النيجر يبرئ الجزائر من تهمة «الاعتداء» على جيرانها

أكد رئيس النيجر، الجنرال عبد الرحمن تياني، أنه «لا يمكن لأي جزائري، ولا لأي أفريقي، أن يفهم كيف يمكن للجزائر أن تُعير أراضيها للاعتداء على دولة أفريقية».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون (الرئاسة الجزائرية)

تبون يستقبل رئيس المجلس العسكري معلناً نهاية «مرحلة غير طبيعية» مع النيجر

أعلن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون نهاية «مرحلة غير طبيعية» من التوتر مع النيجر، وذلك مع استقباله رئيس المجلس العسكري الحاكم الجنرال عبد الرحمن تياني.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

إفطارات رمضان الجماعية تعود إلى الخرطوم لأول مرة منذ بداية الحرب

سودانيون يجتمعون على إفطار جماعي في بورتسودان (أ.ف.ب)
سودانيون يجتمعون على إفطار جماعي في بورتسودان (أ.ف.ب)
TT

إفطارات رمضان الجماعية تعود إلى الخرطوم لأول مرة منذ بداية الحرب

سودانيون يجتمعون على إفطار جماعي في بورتسودان (أ.ف.ب)
سودانيون يجتمعون على إفطار جماعي في بورتسودان (أ.ف.ب)

في حي الحتانة داخل أم درمان على ضفة النيل المقابلة لمدينة الخرطوم، افترش حسن بشير وجيرانه بساطاً وضعوا عليه أطباقاً من الطعام عند غروب الشمس، ليتشاركوا أول إفطار جماعي في شهر رمضان المبارك منذ بدء الحرب قبل نحو 3 سنوات.

عاد بشير (53 عاماً) إلى السودان قبل بضعة أشهر بعد أن هُجّر منه بسبب الحرب. ويعبّر عن فرحته باستعادة تقليد توقّف جراء الحرب المشتعلة في البلاد بين الجيش و«قوات الدعم السريع».

يقول بشير، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «لم أكن هنا في رمضان الماضي، ولكنني كنت موجوداً خلال رمضان الذي سبقه حين كانت الحرب مشتعلة».

ويضيف: «اليوم ذهبت إلى سوق أم درمان لشراء الحاجيات (لإعداد الطعام)... بعد ما شاهدته خلال الحرب، لم أكن أتوقع أن تعود الأمور إلى طبيعتها بهذه الصورة».

في اليوم الأول من شهر الصوم المبارك، يتشارك بشير إفطاره مع رجال من أكثر من 10 أسر يرتدون «الجلاليب» السودانية التقليدية الملونة، وتتوزّع بينهم أباريق المشروبات التقليدية مثل «الحلو مرّ»، وهو مشروب يصنعه السودانيون في رمضان المبارك من دقيق الذرة.

وتمزّق المعارك بين الجيش و«قوات الدعم السريع» السودان منذ أبريل (نيسان) 2023، وأسفرت عن مقتل عشرات الآلاف، وتشريد الملايين، وانتشار المجاعة في بعض المناطق، وتدمير المدن والبنية التحتية.

توزعت أباريق المشروبات التقليدية مثل «الحلو مرّ» بالإفطار الجماعي في أم درمان (أ.ف.ب)

وكانت الخرطوم، التي تشمل مناطق أم درمان وبحري، مركزاً للحرب طيلة عامين، وعاد إليها الهدوء منذ سيطر عليها الجيش في مارس (آذار) الماضي؛ مما فتح الباب أمام عودة بطيئة للحياة وسط المباني المهدمة وأطلال الحرب.

ويقول عبد القادر عمر، الذي كان يعمل في التجارة، إنه عاد إلى منزله في أم درمان بعدما نزح 3 مرات إلى ولايات سنار والنيل الأبيض والجزيرة وفقد عمله في سوق أم درمان.

ويضيف: «لم يكن هنا أكثر من أسرتين خلال رمضان الماضي. اليوم؛ نحن 13 أسرة تتناول طعام الإفطار معاً، وهذا في شارع واحد فقط داخل الحي».

وينتشر الخروج إلى الشارع للإفطار الجماعي أمام المنازل في جميع مناطق السودان، إذ تأتي كل أسرة بطعامها ويجلس الجيران معاً على بساط يتشاركونه كما يتشاركون الطعام والشراب.

غير أن عمر يُذكّر بأنه «صحيح السلع متوافرة، لكن الأسعار مقابل الدخل تجعل الوضع صعباً». ويؤكد بشير كذلك ارتفاع الأسعار، إلا إن «السودانيين يساعد بعضهم بعضاً عن طريق التكايا (المطابخ العامة) وغيرها».

وأدت الحرب إلى تدهور الوضع الاقتصادي الذي كان هشّا بالفعل، مع معدّلات تضخّم تجاوزت نسبة مائة في المائة.

وتعاني العملة المحلية انهياراً حاداً؛ إذ انخفضت قيمتها من 570 جنيهاً سودانياً للدولار الأميركي قبل الحرب، إلى 3500 جنيه مقابل الدولار في عام 2026، وفقاً لسعر السوق السوداء.

الوضع اختلف

في السوق المركزية بالخرطوم، يعرض الباعة الخضراوات والفواكه في أكياس صغيرة؛ إذ لا تستطيع الأسر تحمّل تكلفة الكميات الكبيرة.

ويقول محمد، أحد الباعة في سوق الخرطوم المركزية، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «يشكو الناس من الأسعار ويقولون إنها باهظة. يمكنك أن تجد كل شيء، لكن التكاليف في ارتفاع مستمر؛ المؤن والعمالة والنقل».

رغم ذلك، فإن عمر لا يخفي سعادته بالعودة إلى منزله بعد أن «هجرناه مدة طويلة. ولكن حين عدنا وجدنا المكان آمناً والناس عادوا إلى بيوتهم».

أما عثمان الجندي، وهو صحافي، فلم يغادر أم درمان طيلة فترة الحرب. ويقول، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «الوضع اختلف تماماً مقارنة برمضان عام 2025». ويضيف: «شارعنا هذا كانت فيه أسرتان فقط، والآن هنا 16 عائلة».

ارتدى السودانيون المشاركون بالإفطار الجماعي في أم درمان «الجلاليب» السودانية التقليدية الملونة (أ.ف.ب)

ويتذكر نميري الشيخ طه أنه في الأعوام السابقة في أم درمان «كنا نجلس متوجسين؛ قد يأتينا رصاص طائش أو تقع دانة (طلقة مدفع) حتى داخل المنازل. لقد أصابت المدفعية منزل جيراننا».

على مسافة نحو 400 كيلومتر جنوب غربي الخرطوم، لا تزال مدن كردفان تشهد معارك دامية، ويكثَّف القصف بالطائرات المسيّرة التي يقتل بعضها العشرات في هجوم واحد. ومع ذلك، فإن السودانيين افترشوا الأرض أمام منازلهم لتناول الإفطار معاً.

ويقول أحمد بلة، الذي يسكن حي البترول في الأبيّض؛ عاصمة شمال كردفان، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» عبر الهاتف: «نحن 17 أسرة اعتدنا تناول الإفطار معاً في رمضان الكريم، واليوم لم يتخلّف أحد منّا رغم الأوضاع الأمنية وهجمات المسيّرات من وقت لآخر».

وتحاول «قوات الدعم السريع» إعادة تطويق الأبيض منذ كسر الجيش حصاراً طويلاً عليها في فبراير (شباط) 2025.

ويتنازع الطرفان، في معارك ضارية بشمال كردفان، السيطرةَ على محور رئيسي لطرق الإمداد الحيوية بين شرق البلاد وغربها يمرّ بالأُبيّض.

في جنوب كردفان، حيث يستمر القصف العنيف، أعلنت أداة «التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي»، التي تضم حكومات ووكالات دولية، المجاعة في العاصمة كادوقلي التي كانت تحاصرها «قوات الدعم السريع» حتى بداية الشهر الحالي، وحذّرت من ظروف مشابهة في الدلنج بالولاية ذاتها.

ويواجه أكثر من 21 مليون شخص، أي نحو نصف عدد سكان السودان، مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وفق الأمم المتحدة.


تفاعل ليبي مع إطلاق حفتر «رؤية 2030» لتطوير المؤسسة العسكرية

حفتر يتوسط كبار قيادات المؤسسة العسكرية بشرق ليبيا (القيادة العامة)
حفتر يتوسط كبار قيادات المؤسسة العسكرية بشرق ليبيا (القيادة العامة)
TT

تفاعل ليبي مع إطلاق حفتر «رؤية 2030» لتطوير المؤسسة العسكرية

حفتر يتوسط كبار قيادات المؤسسة العسكرية بشرق ليبيا (القيادة العامة)
حفتر يتوسط كبار قيادات المؤسسة العسكرية بشرق ليبيا (القيادة العامة)

تفاعل ليبيون مع إطلاق المشير خليفة حفتر «رؤية 2030» لتطوير القوات المسلحة، في وقت التزمت فيه سلطات البلاد الصمت حيال حديث عن مقترح خرج عن اجتماع سري عقد مؤخراً في باريس، بشأن صيغة لإنهاء الانقسام، تقضي بتولي صدام حفتر، نائب قائد «الجيش الوطني» الليبي، رئاسة المجلس الرئاسي خلفاً لمحمد المنفي، في حين يُعيّن عبد الحميد الدبيبة رئيساً للحكومة «الموحدة».

المقترح الذي نشرته وكالة «نوفا»، الخميس، ونسبته إلى مصادر ليبية مطلعة، قالت إنه نُوقش خلال سلسلة من الاجتماعات التي عقدت في روما سبتمبر (أيلول) الماضي، ثم في باريس يناير (كانون الثاني) الماضي، بوساطة المبعوث الأميركي مسعد بولس، مبرزة أن هذا المقترح يأتي «ضمن عدة خيارات أخرى، دون وجود توافق موحد بين الأطراف في الوقت الراهن».

حفتر مصافحاً أحد القيادات العسكرية (القيادة العامة)

وقال مصدر عسكري بغرب ليبيا إن الاجتماع، الذي حضره إبراهيم الدبيبة، مستشار حكومة «الوحدة الوطنية»، وصدام حفتر في باريس، ناقش أموراً عديدة تتعلق بالانقسام العسكري والسياسي، لكنها «تظل أفكاراً، أو مقترحات لم يتم التوافق بشأنها حتى الآن»، مستبعداً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» تنفيذ مثل هذه المقترحات، «في ظل الانقسام الحاد والاستقطاب بين شرق ليبيا وغربها».

وكان مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية والشرق الأوسط، قد صرح في كلمته أمام اجتماع مجلس الأمن الدولي، الأربعاء، بأن الولايات المتحدة «ستكون في طليعة الجهود الدبلوماسية الرامية إلى تحقيق الوحدة والسلام الدائم في ليبيا»، وأوضح أن بلاده «تجمع كبار المسؤولين من شرق ليبيا وغربها لوضع خطوات ملموسة نحو التكامل العسكري والاقتصادي؛ دعماً للقيادة الليبية وخريطة طريق بعثة الأمم المتحدة».

وأعلن حفتر عن «رؤية 2030 لتطوير القوات المسلحة العربية الليبية»، في احتفالية مساء الأربعاء، بحضور نائب القائد العام الفريق صدام حفتر، وعدد من قيادات المؤسسة العسكرية، وسط تفاعل ليبي خصوصاً بين المؤيدين للجيش في مناطق شرق وجنوب ليبيا.

وحسب القيادة العامة، تُمثل «رؤية 2030» مساراً استراتيجياً شاملاً يقود مرحلة التحوّل العسكري، ويؤسس لمرحلة جديدة من الاحترافية، ويضع أسس بناء مؤسسة عسكرية حديثة وقوية، قادرة على حماية الوطن، وصون سيادته والحفاظ على أمنه واستقراره.

خالد حفتر خلال حضور مراسم تخريج الدفعة الثانية من منتسبي «كتيبة الصاعقة» التابعة لـ«اللواء 166 مشاة» (شعبة الإعلام الحربي)

وعدّ حفتر هذه الرؤية «إنجازاً وطنياً يعكس الإرادة الصلبة والعزيمة الراسخة في بناء المؤسسة العسكرية»، موضحاً أنها «لم تكن مجرد خطة زمنية، بل مشروع استراتيجي لإعادة البناء والتأسيس على أسس حديثة ومتينة»، مؤكداً أن إطلاق الرؤية «يعكس انتقال المؤسسة العسكرية إلى مرحلة جديدة من الاحترافية والجاهزية؛ حيث أصبح التخطيط الاستراتيجي والعمل المؤسسي، القائم على الرؤية الواضحة والأهداف المحددة، هو الركيزة الأساسية في صناعة القرار العسكري».

ومن دون توضيح أبعاد هذه الرؤية وتفاصيلها، قال حفتر إنها «ليست محطة نهائية، بل بداية مرحلة أكثر طموحاً، تُبنى فيها الإنجازات على ما تحقق، وتُصان المكتسبات بروح المسؤولية والانضباط، لتظل قواتنا المسلحة في أعلى درجات الجاهزية، قادرة على مواجهة التحديات، وصناعة مستقبل أكثر أمناً واستقراراً».

وفي ختام الإعلان عن هذه الاستراتيجية الجديدة، سلّم حفتر وثيقة «رؤية 2030 لتطوير القوات المسلحة» رسمياً إلى نائب القائد العام، إيذاناً بانطلاق مرحلة التنفيذ الفعلي لهذا المشروع الوطني.

في شأن قريب، حضر رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة، الفريق خالد حفتر، رفقة مدير مكتب القائد العام، الفريق أول أيوب بوسيف، والمفوض العام لمدينة المشير خليفة حفتر العسكرية، الفريق عبد الله الثني، مراسم تخريج الدفعة الثانية من منتسبي «كتيبة الصاعقة» التابعة لـ«اللواء 166 مشاة» التي أُقيمت بالمدينة العسكرية.

وقالت شعبة الإعلام الحربي بـ«الجيش الوطني» إن الخريجين تلقوا خلال فترة إعدادهم برنامجاً مكثفاً، شمل تدريبات متقدمة في الصاعقة والمظلات، وفق أحدث النظم العسكرية، فيما أشاد رئيس الأركان العامة بـ«الضبط العسكري العالي والمستوى المتميز، الذي ظهر به الخريجون من منتسبي (اللواء 166)».


«الحوار الصومالي»... مساعٍ رئاسية لحل الخلافات مع المعارضة

الرئيس الصومالي استقبل الخميس مسؤولي «مجلس المستقبل» للمشاركة في جلسات التشاور التي نظمتها الحكومة الفيدرالية (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي استقبل الخميس مسؤولي «مجلس المستقبل» للمشاركة في جلسات التشاور التي نظمتها الحكومة الفيدرالية (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

«الحوار الصومالي»... مساعٍ رئاسية لحل الخلافات مع المعارضة

الرئيس الصومالي استقبل الخميس مسؤولي «مجلس المستقبل» للمشاركة في جلسات التشاور التي نظمتها الحكومة الفيدرالية (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي استقبل الخميس مسؤولي «مجلس المستقبل» للمشاركة في جلسات التشاور التي نظمتها الحكومة الفيدرالية (وكالة الأنباء الصومالية)

توجت مساعٍ رئاسية جديدة في الصومال لحل الأزمة السياسية مع المعارضة، الخميس، بلقاء في قصر الرئاسة بحث قضايا عديدة، أبرزها الخلافات المتعلقة بالانتخابات المباشرة المقررة هذا العام.

تلك المساعي الرئاسية الصومالية يراها خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط» أنها تهدف لحلحلة الخلافات مع المعارضة، ويعد ذلك الحوار محطة سياسية مفصلية في مسار التوافق الوطني الصومالي، شريطة التزام الأطراف بالنتائج لإنهاء الأزمة، مشيراً إلى أن التحركات الأوروبية، والأفريقية الداعمة للحوار قد تسهم في نجاحه.

وأفادت وكالة «الأنباء الصومالية»، الرسمية، بأن الرئيس حسن شيخ محمود، استقبل الخميس أعضاء ومسؤولي مجلس المستقبل في قصر الرئاسة، للمشاركة في جلسات التشاور التي نظمتها الحكومة الفيدرالية.

وعقب الاستقبال، ترأس الرئيس حسن شيخ محمود «اجتماعاً ناقش فيه الوضع العام في البلاد، بما في ذلك الانتخابات المقبلة، وتعزيز الوحدة الوطنية، والتماسك الاجتماعي، بالإضافة إلى جهود الإغاثة لمواجهة آثار الجفاف، ومكافحة جماعة الخوارج التي تهدد الأمن، والاستقرار».

تعزيز الحوار

وأكد شيخ محمود خلال اللقاء «أهمية التنسيق المستمر بين الحكومة الفيدرالية، ومجلس المستقبل، لضمان سير العمليات السياسية، والتنموية بسلاسة، وتعزيز الحوار الوطني لتحقيق مصالح الشعب الصومالي».

وتشكل «مجلس مستقبل الصومال»، في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 عقب اجتماع في نيروبي، وأسَّسه رئيسا غوبالاند وبونتلاند أحمد مدوبي، وسعيد دني، وزعماء «منتدى الإنقاذ» المعارض رئيسا الوزراء السابقان حسن علي خيري، وسعد شردون، وعضو البرلمان عبد الرحمن عبد الشكور، وآخرون، بعد عام شهد خلافات جذرية مع الحكومة، لا سيما في الانتخابات المباشرة.

الملفات الحساسة

وأفاد مصدر صومالي مطلع تحدث لـ«الشرق الأوسط» الخميس بأن «الاجتماع في القصر الرئاسي الصومالي بمدينة مقديشو سبقه لقاءات تمهيدية كان أحدثها الثلاثاء»، موضحاً أنه «جمع بين الحكومة الفيدرالية في الصومال وقيادات بمجلس مستقبل الصومال المعارض».

وناقش اجتماع الخميس، بحسب المصدر ذاته «مجموعة من الملفات الحساسة، في مقدمتها الدستور الصومالي، حيث أجرت حكومة الرئيس حسن شيخ محمود تعديلات على عدد من مواده، بينما لا تزال مواد أخرى قيد النقاش داخل البرلمان، وكذلك النظام الانتخابي المرتقب مع اقتراب موعد الانتخابات المقرر إجراؤها خلال نحو ثلاثة أشهر، وما يستلزم ذلك من توافق سياسي يحدد شكل وآلية العملية الانتخابية».

أجواء إيجابية

وافتُتح الاجتماع في أجواء إيجابية اتسمت بروح الترحيب المتبادل، إلا أن مآلاته النهائية لا تزال غير واضحة حتى الآن.

وفي ضوء ذلك، يتوقع الخبير في الشؤون الأفريقية، الدكتور علي محمود كلني، إمكانية التوصل إلى تفاهم حول آلية استمرار الحوار عبر اجتماعات لاحقة، مرجحاً أن تسهم الاجتماعات في تقليص حدة الخلافات، والشكوك السياسية القائمة بين الأطراف المختلفة.

ولم يكن هذا الاجتماع الأول الذي تسعى الرئاسة لإنهاء الأزمة السياسية، حيث سبق أن شهدت مقديشو لقاءً غير مسبوق بين الرئيس حسن شيخ محمود، وسَلَفه شريف شيخ أحمد الزعيم المعارض البارز رئيس «منتدى الإنقاذ»، وسط توترات بين الحكومة الفيدرالية، والمعارضة، وتصاعد أزمة الإقليم الانفصالي بعد اعتراف إسرائيل به أواخر ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

ترحيب أوروبي

وقبيل الاجتماع الرئاسي، قالت سفيرة الاتحاد الأوروبي لدى الصومال، فرانشيسكا دي ماورو، في منشور على «إكس»، الثلاثاء، إن الاتحاد الأوروبي يرحب ترحيباً حاراً ببدء الحوار بين الحكومة الفيدرالية ومجلس مستقبل الصومال.

ويرى كلني أن الترحيب الأوروبي مهم لدعم الحوار المباشر، خاصة وقد لعب الاتحادان الأوروبي والأفريقي إلى جانب شخصيات وطنية مؤثرة دوراً في تهيئة الظروف لانعقاده بعد عام من الخلافات.

ويعتقد أن نتائج الاجتماع ومضمونه بصورة أساسية تعتمد على عدة عوامل، أبرزها، صدق الأطراف في الحوار السياسي، والاستعداد لتقديم تنازلات متبادلة تخدم المصلحة الوطنية، و الالتزام بحماية نظام الدولة والدستور بوصفهما مرجعية عليا فوق الاعتبارات السياسية الضيقة.

ويوضح كلني أن «هذا الاجتماع يمثل محطة سياسية مفصلية في مسار التوافق الوطني الصومالي، وقد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الحوار المؤسسي، شريطة توافر الإرادة السياسية الحقيقية لدى جميع الأطراف المعنية».