معارضة الجزائر تعد عزوف الناخبين «إنذاراً جماعياً» للسلطة

انتقدت «تضييق مساحات الفضاء السياسي وممارسة ضغوط على الإعلام»

أعضاء «سلطة الانتخابات» (سلطة الانتخابات)
أعضاء «سلطة الانتخابات» (سلطة الانتخابات)
TT

معارضة الجزائر تعد عزوف الناخبين «إنذاراً جماعياً» للسلطة

أعضاء «سلطة الانتخابات» (سلطة الانتخابات)
أعضاء «سلطة الانتخابات» (سلطة الانتخابات)

احتجت قوى المعارضة في الجزائر بشدة على توجيه أصابع الاتهام إليها من طرف «سلطة الانتخابات» وقطاع من وسائل الإعلام، بخصوص «مسؤولية» العزوف الكبير عن صناديق الاقتراع التشريعي، الذي جرى يوم 2 يوليو (تموز) الحالي، الذي بلغ نحو 80 في المائة من الكتلة الناخبة.

رئيس «سلطة الانتخابات» بالنيابة (سلطة الانتخابات)

وبعد المؤتمر الصحافي الذي عقده كريم خلفان، رئيس «سلطة الانتخابات» بالنيابة، الأحد الماضي، والذي عرض فيه نتائج الانتخابات البرلمانية، توالت ردود فعل أحزاب المعارضة عبر مؤتمرات صحافية، عقدتها يومي الثلاثاء والأربعاء، للتنديد بتصريحات خلفان، والاحتجاج على مجريات العملية الانتخابية بكاملها.

وأجمعت قوى المعارضة، ممثلة في «جبهة القوى الاشتراكية» (12 مقعداً)، و«حركة مجتمع السلم» (43 مقعداً)، و«حزب العمال» (3 مقاعد)، على تحميل السلطة السياسية وحدها مسؤولية نسبة التصويت المتدنية (21 في المائة)؛ «نظراً إلى تضييقها مساحات الفضاء السياسي، وممارستها ضغوطاً على المعارضة والإعلام، الأمر الذي رسخ قناعة لدى الجزائريين بأن الصناديق لم تعد قادرة على حمل التغيير المأمول»، وفق ما جاء في تصريحات قادة سياسيين معارضين.

رئيس «حركة البناء الوطني» مفجر قضية «تصويت الموتى» في الانتخابات (إعلام حزبي)

وهاجم يوسف أوشيش، السكرتيرُ الأول لـ«القوى الاشتراكية»، من سماهم «بارونات السلطة» في الولايات، ووصف ممارساتهم بـ«البعيدة عن قيم الجمهورية»، مندداً بـ«شرعنة سلوك حيتان في بعض الولايات، يعتقدون أن التنافس الانتخابي لم يعد يخضع لقواعد اللعبة الديمقراطية، بل بات محكوماً بالقدرة على النفوذ والضغط، وفرض الهيمنة البعيدة؛ ما دمر الثقة، حتى في المناطق التي ظل مواطنوها يؤمنون بأن أصواتهم يمكن أن تُعبر وتُنقل بأمانة». وكان يقصد ممثلي «سلطة الانتخابات» في الولايات المشرفين على الانتخابات.

وفي خطوة تصعيدية، وجّه أوشيش 4 أسئلة استنكارية، حملت طعناً مباشراً في نزاهة الفرز وإعلان النتائج؛ مطالباً بتفسيرات بشأن «أسباب انقطاع المنصة الرقمية الداخلية لسلطة الانتخابات»، بالتزامن مع إعداد المحاضر، وتبرير نسب المشاركة «الفلكية» في مراكز معينة مقارنة بالمتوسط العام الضئيل. كما استنكر «التناقضات المرصودة في القوائم الانتخابية، التي حرمت آلاف المواطنين من التصويت»، مستغرباً في الوقت ذاته «السماح بخروقات تمس صدقية الصندوق، كتصويت الموتى، وتكرار الاقتراع دون وكالات قانونية».

وكان أول من ندد بـ«استخدام أصوات أشخاص متوفين» لرفع نسبة التصويت، عبد القادر بن قرينة، رئيس «حركة البناء الوطني» (38 مقعداً)، مؤكداً أن ذلك وقع بإحدى بلديات ولاية بريكة في شرق البلاد.

رئيس «حركة مجتمع السلم» (إعلام حزبي)

من جهته، شدد رئيس «حركة مجتمع السلم»، عبد العالي حساني شريف، على «استحالة عدّ هذا العزوف أمراً عادياً، أو القبول بتبريره على أنه ظاهرة عابرة تحدث في بلدان أخرى»، موضحاً أن «التعامل مع هذه النسبة (نسبة تصويت 21 في المائة) على أنها أمر طبيعي لمجرد أنها ساعدت في رسم المشهد السياسي الحالي، أو لأنها تسهم في تقزيم قوى سياسية معينة لا يُراد لها البروز، هو قراءة خاطئة وتملص من المسؤولية الجماعية».

ووفق حساني، فلا يمكن قراءة نتائج الانتخابات من زاوية فنية باردة، «بل هي مؤشر سياسي كثيف على عمق الفجوة، وأزمة الثقة المستحكمة بين الشارع والمؤسسات الرسمية».

وحمل رئيس «الحركة» على رئيس «سلطة الانتخابات»، الذي حاول التقليل من خطورة العزوف الانتخابي بحجة أن النسب ضعيفة أيضاً في دول أخرى، مؤكداً أن «السلطة السياسية وحدها تتحمل مسؤولية العزوف؛ نتيجة تضييقها مساحات العمل السياسي، وتكميم الصحافة وإغلاقها أمام القوى السياسية الجادة».

زعيمة حزب «العمال» (إعلام حزبي)

ورأت الأمينة العامة لـ«حزب العمال»، لويزة حنون، أن الرفض الشعبي للانتخابات «لا يمثل ظاهرة ظرفية أو مجرد زهد عابر في الشأن العام، بل هو إنذار جماعي صريح، يترجم شعوراً عميقاً بالإقصاء لدى فئات واسعة من المجتمع؛ لا سيما المتقاعدين، والعاطلين عن العمل، والشباب المواجهين لأزمة السكن، والعمال في وضعية هشاشة، وذوي الاحتياجات الخاصة، فضلاً عن سكان المناطق، التي تعاني عجزاً في بنيتها التحتية».

وأكدت حنون أن هذه الشرائح «لم تَعُد انشغالاتُها تَجدُ صدى في القنوات المؤسساتية القائمة». وبناءً على هذه القراءة، فإنها ترفض تحميل مسؤولية هذا المقاطعة القياسية لجميع الأحزاب السياسية دون تمييز، مؤكدة أن حزبها خارج دوائر المسؤولية الحكومية أو البرلمانية منذ سنوات عدة، وأنه «ظل؛ على العكس من ذلك، وفياً لخطه النضالي الحامل للمطالب الاجتماعية، والمندد بالاختلالات الإدارية»، وفق تعبيرها.

أعضاء المحكمة الدستورية (المحكمة الدستورية)

وأفرزت نتائج الانتخابات هيمنة أحزاب «الغالبية الرئاسية» على البرلمان، كما كانت الحال في العهدة التشريعية السابقة، حيث حافظت «جبهة التحرير الوطني» على الريادة (90 مقعداً)، يليها «التجمع الوطني الديمقراطي» (73 مقعداً)، فـ«جبهة المستقبل» (59 مقعداً).

ويُنتظر أن تفرج المحكمة الدستورية عن النتائج النهائية في غضون 10 أيام من إعلان حصيلة الانتخابات، وهي المهلة القانونية المخصصة للفصل في الطعون المرفوعة إليها، في وقت لا يتوقع فيه مراقبون حدوث تغيير جذري في الخريطة السياسية التي أفرزها الصندوق.


مقالات ذات صلة

إصلاح التعليم يقسم الشارع السياسي بالجزائر

شمال افريقيا ترقب تدخل الرئيس تبون لحسم الخلافات حول إصلاح التعليم بالجزائر (الرئاسة)

إصلاح التعليم يقسم الشارع السياسي بالجزائر

تصاعدت حدة الاستقطاب في الجزائر منذ الإعلان عن إصلاحات في قطاع التعليم بداية الشهر الحالي.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا المواطن الألماني أولوماسكان سينان مع مدير الإعلام بوزارة الدفاع الجزائرية (وزارة الدفاع)

كواليس عملية استخباراتية جزائرية لتحرير ألماني احتُجز في النيجر

لا يزال الغموض يكتنف قضية «الرهينة الألماني» الذي تسلّمته الجزائر من النيجر بعدما خطفته «مجموعة إجرامية مسلحة» وطالبت بفدية، وفق تقارير صحافية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عربية المنتخب الجزائري للسيدات (منصة إكس)

الجزائر إلى مونديال السيدات للمرة الأولى بعد بلوغ نصف نهائي كأس أفريقيا

ضَمِن المنتخب الجزائري للسيدات تأهله إلى كأس العالم للمرة الأولى في تاريخه، بعدما بلغ نصف نهائي كأس أمم أفريقيا لكرة القدم المقامة في المغرب.

«الشرق الأوسط» (جوهانسبرغ)
شمال افريقيا الدرك الجزائري خلال عملية أسفرت عن مصادرة كمية كبيرة من المخدرات (الدرك)

الجزائر تصعِّد حربها على تجار المخدرات

اعتمدت الجزائر خطوة جديدة في إطار خطتها لمحاربتها ظاهرة الاتجار بالمخدرات؛ بعد عام من اعتماد قانون جديد يتسم بصرامة عالية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عربية الجزائري إسماعيل بن ناصر يرحل عن فريق ميلان (رويترز)

الجزائري بن ناصر يودّع جماهير ميلان

أصبح رحيل الجزائري إسماعيل بن ناصر عن فريق ميلان الإيطالي مؤكداً، فبعد أكثر من 5 سنوات مع النادي، قام اللاعب بطي صفحة ميلان.

«الشرق الأوسط» (ميلانو)

إحالة شركات المحمول للنيابة المصرية بسبب مخالفات «خطوط الجوال»

«الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» في مصر (صفحة الجهاز الرسمية على «فيسبوك»)
«الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» في مصر (صفحة الجهاز الرسمية على «فيسبوك»)
TT

إحالة شركات المحمول للنيابة المصرية بسبب مخالفات «خطوط الجوال»

«الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» في مصر (صفحة الجهاز الرسمية على «فيسبوك»)
«الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» في مصر (صفحة الجهاز الرسمية على «فيسبوك»)

أحال «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» في مصر شركات الهواتف المحمولة الأربع إلى النيابة العامة، للتحقيق فيما ورد من شكاوى من مستخدمين اكتشفوا تسجيل خطوط جوالة بأسمائهم دون حيازتهم لها.

وحسب إفادة صادرة عن «الجهاز»، الاثنين، جاء قرار إحالة شركات المحمول إلى جهات التحقيق «في ضوء ما قام به الجهاز من إجراءات الفحص والتفتيش للشكاوى الواردة إليه خلال اليومين الماضيين، وما استتبعه من استكمال الأدلة والقرائن والمستندات المرتبطة بها».

وكانت قضية وجود خطوط جوالة مجهولة بأسماء مشتركين لدى شركات الهواتف المحمولة بمصر قد أثارت جدلاً الفترة الأخيرة، في أعقاب واقعة طالب جامعي فوجئ بصدور حكم غيابي ضده بالسجن 25 عاماً في قضية اتجار بالمواد المخدرة، بعدما ورد رقم هاتف جوال مسجل باسمه ضمن تحقيقات القضية، قبل أن تنتقل حيازته إلى شخص آخر من دون علمه، وفق ما أكدته أسرته.

وتصاعدت مخاوف مستخدمي الهواتف الجوالة إزاء ما يمكن أن يواجهه صاحب البيانات حال استخدام خط مسجل باسمه من جانب شخص آخر، وهو ما استدعى «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» لإتاحة خدمة الاستعلام عن خطوط الجوال المسجلة بأسماء المستخدمين، بما يساعد المواطنين على مراجعة الأرقام المرتبطة ببياناتهم.

وأشار الجهاز، الاثنين، إلى أن إجراء الإحالة إلى النيابة العامة «يأتي حرصاً على حماية حقوق مستخدمي خدمات الاتصالات وصون بياناتهم الشخصية، والتصدي لأي ممارسات تخالف القواعد والإجراءات التنظيمية المعتمدة لتسجيل تفعيل خطوط المحمول».

وكان مستخدمون قد اشتكوا مؤخراً من توقف خدمة «أرقامي» عبر تطبيق «My NTRA»، التي أتاحها جهاز تنظيم الاتصالات للاستعلام عن أرقام الجوالات المسجلة بأسمائهم، قبل أن يعلن الجهاز عودتها للعمل، بعد إدخال تحديثات تنظيمية وفنية.

في نفس الوقت، أعلن «جهاز تنظيم الاتصالات» عن حزمة من الإجراءات التنظيمية العاجلة لإحكام منظومة تسجيل خطوط الجوال، والتحقق من هوية حائزيها الفعليين، ومنع تكرار مثل هذه الوقائع مستقبلاً». وتضمنت الإجراءات «وقف بيع أو تفعيل أي خطوط جديدة من خلال أنظمة الشركات للجهات والمؤسسات، الحكومية أو الخاصة».

كما ألزم الجهاز شركات المحمول بإرسال رسائل نصية إلى كل الخطوط القديمة المسجلة على أنظمتها، لإخطار حائزيها بضرورة التوجه إلى فروعها لإبرام عقود جديدة باسم الحائز الفعلي للخط، على أن يتم إلغاء الخط نهائياً في حالة عدم استكمال إجراءات التعاقد خلال المهلة المحددة.

وجاءت الإجراءات التنظيمية بعد اجتماعات عقدت مع شركات المحمول الأربع في البلاد.

ويرى سكرتير شعبة الاتصالات بـ«الاتحاد العام للغرف التجارية»، تامر محمد، أن الإجراءات القانونية والتنظيمية المعلنة من «جهاز تنظيم الاتصالات» خطوة مهمة وضرورية لطمأنه مستخدمي الهواتف الجوالة، وقال إن بيان الجهاز «عَكَس وجود تلاعب من شركات المحمول في عملية تسجيل بيانات المستخدمين».

وتابع قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «ستعيد الإجراءات التنظيمية المعلنة من الجهاز ضبط وحوكمة بيانات مستخدمي خطوط الجوال»، مضيفاً: «هناك مخاوف لدى شرائح كثيرة من المستخدمين بعد واقعة الحكم على الطالب الجامعي الذي أدين في قضية استناداً إلى رقم هاتف جوال مسجل باسمه، وكان لا بد من اتخاذ تدابير لضبط تسجيل بيانات مستخدمي خطوط الجوال دون أي تلاعب».

وحذر «جهاز تنظيم الاتصالات»، في بيانه الاثنين، من مخالفة القواعد والضوابط التنظيمية لعمليات بيع وتسجيل وتفعيل خطوط الجوال في البلاد، وشدد على أنه في حال عدم التزام أي شركة بتلك القواعد «سيتم اتخاذ الإجراءات القانونية والإدارية المقررة، والتي قد تصل إلى وقف بيع وتفعيل خطوط جديدة للشركة المخالفة، مع الإحالة للنيابة العامة لمباشرة التحقيق».


إعلان «الطوارئ القصوى» بعد اندلاع حريق جراء استهداف مصفاة الزاوية في ليبيا

جانب من مصفاة الزاوية في غرب ليبيا (شركة الزاوية لتكرير النفط)
جانب من مصفاة الزاوية في غرب ليبيا (شركة الزاوية لتكرير النفط)
TT

إعلان «الطوارئ القصوى» بعد اندلاع حريق جراء استهداف مصفاة الزاوية في ليبيا

جانب من مصفاة الزاوية في غرب ليبيا (شركة الزاوية لتكرير النفط)
جانب من مصفاة الزاوية في غرب ليبيا (شركة الزاوية لتكرير النفط)

قالت شركة البريقة لتسويق النفط، في بيان، إن حريقاً اندلع اليوم الاثنين مصحوباً ​بسحب كثيفة من الدخان في خزان وقود بمصفاة الزاوية في ليبيا بعد التعرض لهجوم في ظروف لا يزال سببها غير معروف.

وشركة البريقة لتسويق النفط تابعة للمؤسسة الوطنية للنفط المملوكة للدولة، وتتولى مسؤولية إمدادات الوقود. وتبلغ الطاقة التكريرية لمصفاة الزاوية، الواقعة على بعد ‌نحو 40 كيلومتراً غرب ‌طرابلس، 120 ألف ​برميل ‌يومياً، ⁠وهي أكبر ​مصفاة ⁠في البلاد في ظل توقف مصفاة رأس لانوف عن العمل.

وترتبط المصفاة بحقل الشرارة النفطي الذي يبلغ إنتاجه نحو 300 ألف برميل يومياً. وقالت الشركة إن فرق الإطفاء تعمل على احتواء الحريق، مضيفة أنها تقيم حجم الأضرار ⁠وستقدم تحديثات فور توافر معلومات مؤكدة.

وقالت ‌المؤسسة الوطنية للنفط ‌في بيان إن الخزان ​الذي يحتوي على حمولة ‌تقدر بنحو 4.5 مليون لتر من بنزين ‌السيارات تعرض «لاستهداف مباشر» أدى إلى اندلاع حريق شديد، قبل أن ينهار الخزان بالكامل، معلنة حالة الطوارئ القصوى في المنطقة. وطالبت المؤسسة الجهات المختصة بالتدخل العاجل ‌والفوري وفتح تحقيق شامل في ملابسات وخلفيات الواقعة.

وأظهرت لقطات مصورة جرى تداولها ⁠على ⁠الإنترنت، ولم يتسن التحقق منها، ألسنة لهب ضخمة وأعمدة كثيفة من الدخان الأسود تتصاعد في سماء مدينة الزاوية. وقال مهندسان يعملان في المصفاة إنها لا تزال تعمل دون أي توقف. جاء ذلك بعد يومين من ارتطام طائرة مسيرة بصهريج يحتوي على النفتا غير المعالجة في مصفاة الزاوية في وقت مبكر من صباح يوم السبت مما أسفر عن ​تسرب لكن العاملين ​هناك تمكنوا من السيطرة عليه.


سجال الدبيبة وحفتر بشأن دور الجيش الليبي يلقي بظلاله على مبادرة بولس

الدبيبة خلال حفل تخريج دفعات جديدة في الكليات العسكرية في الذكرى الـ86 لتأسيس الجيش الليبي يوم الأحد (حكومة الوحدة)
الدبيبة خلال حفل تخريج دفعات جديدة في الكليات العسكرية في الذكرى الـ86 لتأسيس الجيش الليبي يوم الأحد (حكومة الوحدة)
TT

سجال الدبيبة وحفتر بشأن دور الجيش الليبي يلقي بظلاله على مبادرة بولس

الدبيبة خلال حفل تخريج دفعات جديدة في الكليات العسكرية في الذكرى الـ86 لتأسيس الجيش الليبي يوم الأحد (حكومة الوحدة)
الدبيبة خلال حفل تخريج دفعات جديدة في الكليات العسكرية في الذكرى الـ86 لتأسيس الجيش الليبي يوم الأحد (حكومة الوحدة)

كشف السجال العلني بين رئيس حكومة الوحدة الوطنية «المؤقتة» عبد الحميد الدبيبة، والقائد العام للجيش الوطني المشير خليفة حفتر، بشأن حدود دور المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية، جانباً من التباينات المحيطة بالترتيبات المرتقبة للمرحلة الانتقالية في ليبيا.

لكن هذا السجال ألقى بظلال تساؤلات جديدة حول انعكاساته على مبادرة أميركية يقودها كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، تستهدف توحيد السلطة التنفيذية في ليبيا، والدفع نحو الانتخابات.

وكان الاحتفال بالذكرى السادسة والثمانين لتأسيس الجيش الليبي، الأحد، مسرحاً لهذا السجال بين معسكري الانقسام في الشرق والغرب الليبي، بعدما أكد الدبيبة أن توحيد المؤسسة العسكرية «أصبح ضرورة لا تحتمل التأجيل»، لكنه شدد على أن يتم ذلك «دون تدخل العسكريين في السياسة أو صناعة الحكومات»، حفاظاً على إرادة الليبيين.

في المقابل، سارع حفتر إلى تأكيد أن الجيش الوطني «لن يسمح للسياسة بأن تعبث بمصير المواطن»، وأنه «لن يخلي موقعه من الساحة حتى تستقر الأمور»، في رسالة بدت أكثر وضوحاً بشأن الدور الذي يريده الجيش خلال المرحلة القادمة، بل ذهب حفتر إلى الحديث عن التمسك بموقع الجيش في «مركز دائرة صنع القرار»، حفاظاً على «مكتسبات القوات المسلحة».

وعلى وقع هذه التصريحات بدا لمراقبين أن التباين بين الرجلين يتجاوز الخلاف حول وظيفة المؤسسة العسكرية، بل قد يكشف عن منغصات تعترض مسار مبادرة بولس، ضمن صراع أوسع على قواعد تقاسم النفوذ وشكل الدولة المقبلة.

غير أن المحلل السياسي الليبي أيوب الأوجلي يدرج ما حدث بين السلطتين في شرق ليبيا وغربها ضمن «مناوشات تفاوضية لا تعكس الأفعال على الأرض»، متوقعاً أن تتضح ملامحها أكثر مع بدء وضع المبادرة الأميركية موضع التنفيذ.

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن الدبيبة يسعى من خلال تحركاته إلى «رفع سقف التفاوض والحصول على مميزات أكثر»، خصوصاً أن تفاصيل المبادرة لم تظهر بعد إلى العلن، لافتاً إلى أن رئيس حكومة الوحدة يتجنب الحديث عنها بشكل مباشر.

ويرى الأوجلي أن رسائل حفتر «دائماً ما تحمل مضامين ضمنية للداخل والخارج»، مفادها أن «الجيش الوطني» لن يقف مكتوف الأيدي أمام تصريحات الدبيبة وتحركاته، لكنه مستعد للحوار مع الأطراف التي ترى أن التوافق مصلحة وطنية.

وتستهدف مبادرة بولس، وفق ما يتداول في أوساط سياسية ليبية، توحيد السلطة التنفيذية تمهيداً لإجراء الانتخابات، بينما تشير التسريبات إلى مقترح يقضي بوجود الدبيبة على رأس حكومة موحدة، مقابل تولي صدام حفتر، نائب القائد العام للجيش الوطني، رئاسة المجلس الرئاسي.

ويكتسب الحديث عن موقع الجيش في هذه المبادرة أهمية إضافية في ضوء تصريحات بولس نهاية الشهر الماضي، عندما تحدث عن «مؤشرات مهمة» على طريق توحيد المؤسسة العسكرية، بعد زيارة وفد من الكونغرس إلى ليبيا، وما واكبها من إعلان ليبي عن إنشاء غرفة عمليات مشتركة في سرت، ومركز تدريب موحد للقوات الجوية في مصراتة.

كما سبق وتحدث بولس عن قيادة جوية مندمجة، وأشاد بالتعاون العسكري بين الشرق والغرب، معيداً التذكير بنجاح ليبيا في أبريل (نيسان) الماضي في استضافة أحد محاور تدريب «فلينتلوك 2026» الذي ضم قوات من شرق البلاد وغربها.

خليفة حفتر في احتفالية الذكرى السادسة والثمانين لتأسيس الجيش الليبي يوم الأحد (الجيش الوطني الليبي)

ومن المنظور العسكري، لم يستبعد مدير «المركز الليبي للدراسات العسكرية والأمنية» أشرف بوفرده أن يكون هذا التصعيد الكلامي في سياق «التسريبات المتداولة بشأن مبادرة بولس التي تتضمن مقترحاً لإعادة هيكلة القيادة العامة للجيش الوطني، وصولاً إلى حلها ضمن صيغة تقود إلى تشكيل مؤسسة عسكرية ليبية موحدة».

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن هذا الطرح يواجه، بحسب المتداول، رفضاً من خليفة حفتر، الذي يدعو العسكريين في المنطقة الغربية إلى الالتحاق بقواته، إلا أن بوفرده يعتقد أن هذا الموقف لن يؤثر في مسار المبادرة أو فرص استمرارها.

ومع هذا السجال بين معسكري الانقسام في ليبيا، فإن مبادرة بولس لا تزال مرشحة للتبلور خلال الأسابيع القليلة المقبلة، وفق تقديرات الباحث في الشؤون الليبية جلال حرشاوي، الذي أشار إلى «ضرورة عدم أخذ تصريحات الدبيبة وحفتر على ظاهرها، وربطها فقط بالمواقف المعلنة أمام الليبيين».

ويذكّر حرشاوي بأن حفتر سبق أن قال خلال استقباله مشايخ وأعيان مدينة ترهونة في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي إن «القيادة العامة للجيش ليست هي من يتخذ القرار الحاسم بشأن الأزمة السياسية، بل الشعب»، وهي لغة تكررت منذ عام 2014 وما قبله.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن الدبيبة ينتهج بدوره السلوك نفسه، عبر الإعلان عن رفض الحكم العسكري والتشديد على أولوية السلطة المدنية، معتبراً أن الخطاب المعلن قد لا يعكس بالضرورة كامل ما يدور في الكواليس، أو طبيعة التفاوض الجاري بين الأطراف.

وفي هذا السياق، تبدو تصريحات الرجلين، من منظور مراقبين، أقرب إلى تثبيت مواقع تفاوضية منها إلى إعلان مواقف نهائية، خصوصاً أن شكل التسوية المرتقبة لم يحسم بعد، وأن تفاصيل المبادرة الأميركية لا تزال غير معلنة بصورة رسمية، فيما تستمر الاتصالات بشأنها بعيداً عن الأضواء.