معارضة الجزائر تعد عزوف الناخبين «إنذاراً جماعياً» للسلطة

انتقدت «تضييق مساحات الفضاء السياسي وممارسة ضغوط على الإعلام»

أعضاء «سلطة الانتخابات» (سلطة الانتخابات)
أعضاء «سلطة الانتخابات» (سلطة الانتخابات)
TT

معارضة الجزائر تعد عزوف الناخبين «إنذاراً جماعياً» للسلطة

أعضاء «سلطة الانتخابات» (سلطة الانتخابات)
أعضاء «سلطة الانتخابات» (سلطة الانتخابات)

احتجت قوى المعارضة في الجزائر بشدة على توجيه أصابع الاتهام إليها من طرف «سلطة الانتخابات» وقطاع من وسائل الإعلام، بخصوص «مسؤولية» العزوف الكبير عن صناديق الاقتراع التشريعي، الذي جرى يوم 2 يوليو (تموز) الحالي، الذي بلغ نحو 80 في المائة من الكتلة الناخبة.

رئيس «سلطة الانتخابات» بالنيابة (سلطة الانتخابات)

وبعد المؤتمر الصحافي الذي عقده كريم خلفان، رئيس «سلطة الانتخابات» بالنيابة، الأحد الماضي، والذي عرض فيه نتائج الانتخابات البرلمانية، توالت ردود فعل أحزاب المعارضة عبر مؤتمرات صحافية، عقدتها يومي الثلاثاء والأربعاء، للتنديد بتصريحات خلفان، والاحتجاج على مجريات العملية الانتخابية بكاملها.

وأجمعت قوى المعارضة، ممثلة في «جبهة القوى الاشتراكية» (12 مقعداً)، و«حركة مجتمع السلم» (43 مقعداً)، و«حزب العمال» (3 مقاعد)، على تحميل السلطة السياسية وحدها مسؤولية نسبة التصويت المتدنية (21 في المائة)؛ «نظراً إلى تضييقها مساحات الفضاء السياسي، وممارستها ضغوطاً على المعارضة والإعلام، الأمر الذي رسخ قناعة لدى الجزائريين بأن الصناديق لم تعد قادرة على حمل التغيير المأمول»، وفق ما جاء في تصريحات قادة سياسيين معارضين.

رئيس «حركة البناء الوطني» مفجر قضية «تصويت الموتى» في الانتخابات (إعلام حزبي)

وهاجم يوسف أوشيش، السكرتيرُ الأول لـ«القوى الاشتراكية»، من سماهم «بارونات السلطة» في الولايات، ووصف ممارساتهم بـ«البعيدة عن قيم الجمهورية»، مندداً بـ«شرعنة سلوك حيتان في بعض الولايات، يعتقدون أن التنافس الانتخابي لم يعد يخضع لقواعد اللعبة الديمقراطية، بل بات محكوماً بالقدرة على النفوذ والضغط، وفرض الهيمنة البعيدة؛ ما دمر الثقة، حتى في المناطق التي ظل مواطنوها يؤمنون بأن أصواتهم يمكن أن تُعبر وتُنقل بأمانة». وكان يقصد ممثلي «سلطة الانتخابات» في الولايات المشرفين على الانتخابات.

وفي خطوة تصعيدية، وجّه أوشيش 4 أسئلة استنكارية، حملت طعناً مباشراً في نزاهة الفرز وإعلان النتائج؛ مطالباً بتفسيرات بشأن «أسباب انقطاع المنصة الرقمية الداخلية لسلطة الانتخابات»، بالتزامن مع إعداد المحاضر، وتبرير نسب المشاركة «الفلكية» في مراكز معينة مقارنة بالمتوسط العام الضئيل. كما استنكر «التناقضات المرصودة في القوائم الانتخابية، التي حرمت آلاف المواطنين من التصويت»، مستغرباً في الوقت ذاته «السماح بخروقات تمس صدقية الصندوق، كتصويت الموتى، وتكرار الاقتراع دون وكالات قانونية».

وكان أول من ندد بـ«استخدام أصوات أشخاص متوفين» لرفع نسبة التصويت، عبد القادر بن قرينة، رئيس «حركة البناء الوطني» (38 مقعداً)، مؤكداً أن ذلك وقع بإحدى بلديات ولاية بريكة في شرق البلاد.

رئيس «حركة مجتمع السلم» (إعلام حزبي)

من جهته، شدد رئيس «حركة مجتمع السلم»، عبد العالي حساني شريف، على «استحالة عدّ هذا العزوف أمراً عادياً، أو القبول بتبريره على أنه ظاهرة عابرة تحدث في بلدان أخرى»، موضحاً أن «التعامل مع هذه النسبة (نسبة تصويت 21 في المائة) على أنها أمر طبيعي لمجرد أنها ساعدت في رسم المشهد السياسي الحالي، أو لأنها تسهم في تقزيم قوى سياسية معينة لا يُراد لها البروز، هو قراءة خاطئة وتملص من المسؤولية الجماعية».

ووفق حساني، فلا يمكن قراءة نتائج الانتخابات من زاوية فنية باردة، «بل هي مؤشر سياسي كثيف على عمق الفجوة، وأزمة الثقة المستحكمة بين الشارع والمؤسسات الرسمية».

وحمل رئيس «الحركة» على رئيس «سلطة الانتخابات»، الذي حاول التقليل من خطورة العزوف الانتخابي بحجة أن النسب ضعيفة أيضاً في دول أخرى، مؤكداً أن «السلطة السياسية وحدها تتحمل مسؤولية العزوف؛ نتيجة تضييقها مساحات العمل السياسي، وتكميم الصحافة وإغلاقها أمام القوى السياسية الجادة».

زعيمة حزب «العمال» (إعلام حزبي)

ورأت الأمينة العامة لـ«حزب العمال»، لويزة حنون، أن الرفض الشعبي للانتخابات «لا يمثل ظاهرة ظرفية أو مجرد زهد عابر في الشأن العام، بل هو إنذار جماعي صريح، يترجم شعوراً عميقاً بالإقصاء لدى فئات واسعة من المجتمع؛ لا سيما المتقاعدين، والعاطلين عن العمل، والشباب المواجهين لأزمة السكن، والعمال في وضعية هشاشة، وذوي الاحتياجات الخاصة، فضلاً عن سكان المناطق، التي تعاني عجزاً في بنيتها التحتية».

وأكدت حنون أن هذه الشرائح «لم تَعُد انشغالاتُها تَجدُ صدى في القنوات المؤسساتية القائمة». وبناءً على هذه القراءة، فإنها ترفض تحميل مسؤولية هذا المقاطعة القياسية لجميع الأحزاب السياسية دون تمييز، مؤكدة أن حزبها خارج دوائر المسؤولية الحكومية أو البرلمانية منذ سنوات عدة، وأنه «ظل؛ على العكس من ذلك، وفياً لخطه النضالي الحامل للمطالب الاجتماعية، والمندد بالاختلالات الإدارية»، وفق تعبيرها.

أعضاء المحكمة الدستورية (المحكمة الدستورية)

وأفرزت نتائج الانتخابات هيمنة أحزاب «الغالبية الرئاسية» على البرلمان، كما كانت الحال في العهدة التشريعية السابقة، حيث حافظت «جبهة التحرير الوطني» على الريادة (90 مقعداً)، يليها «التجمع الوطني الديمقراطي» (73 مقعداً)، فـ«جبهة المستقبل» (59 مقعداً).

ويُنتظر أن تفرج المحكمة الدستورية عن النتائج النهائية في غضون 10 أيام من إعلان حصيلة الانتخابات، وهي المهلة القانونية المخصصة للفصل في الطعون المرفوعة إليها، في وقت لا يتوقع فيه مراقبون حدوث تغيير جذري في الخريطة السياسية التي أفرزها الصندوق.


مقالات ذات صلة

جدل واسع بالجزائر بعد حبس ناشطة انتقدت الانتخابات

شمال افريقيا صورة لأستاذة اللغة الأمازيغية نادية موساوي نشرتها على حسابها على «فيسبوك» يوم 7 سبتمبر 2026

جدل واسع بالجزائر بعد حبس ناشطة انتقدت الانتخابات

أثار حبس ناشطة وأستاذة للُّغة الأمازيغية في الجزائر موجة جدل حقوقي وسياسي واسع، بعد احتجازها بسبب منشور متصل بالانتخابات.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيسان الجزائري والفرنسي على هامش قمة السبعة الكبار بإيطاليا في يونيو 2024 (الرئاسة الجزائرية)

تقرير يكشف حجم تداعيات الأزمة الجزائرية - الفرنسية على العلاقات الاقتصادية

تتواصل الأزمة الجزائرية الفرنسية منذ أكثر من عامين، مخلّفة تداعيات مباشرة على العلاقات الاقتصادية، أبرزها تراجع حضور المؤسسات الفرنسية في السوق الجزائرية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الكاتب الفرنسي - الجزائري بوعلام صنصال (حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

الكاتب صنصال يفجّر الجدل بإعلان مواقف تصعيدية ضد الجزائر

عاد الكاتب الفرنسي - الجزائري بوعلام صنصال إلى واجهة الجدل الإعلامي بتصريحات صحافية في فرنسا أعرب فيها عن رفضه القاطع للعفو الرئاسي الذي استفاد منه.

شمال افريقيا من أشغال بداية الدورة الأولى للبرلمان المنبثق عن تشريعية 2 يوليو الماضي (البرلمان)

«ملف حارق» يختبر التشريع الجديد أمام البرلمان الجزائري

يشرع البرلمان الجزائري الجديد، المنبثق عن الانتخابات التشريعية التي جرت في الثاني من يوليو (تموز) الماضي، في أعماله اليوم الأربعاء ضمن دورته التشريعية الأولى

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس تبون أمر بتعديل قانون العقوبات لفرض عقوبة الإعدام على الذين يشعلون حرائق الغابات (د.ب.أ)

«العفو الدولية» تدعو الجزائر إلى التخلي عن خطط توسيع حكم الإعدام

دعت منظمة العفو الدولية، الثلاثاء، الجزائر إلى عدم توسيع استخدام عقوبة الإعدام، بعدما تعهّدت السلطات بإنزال هذه العقوبة بحق مفتعلي حرائق الغابات المميتة.

«الشرق الأوسط» (تونس)

معلمو ليبيا يلوّحون بالإضراب العام

وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)
وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)
TT

معلمو ليبيا يلوّحون بالإضراب العام

وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)
وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)

تواجه حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة اعتصاماً جديداً يُضاف إلى سلسلة من الأزمات والاحتجاجات المتصاعدة في البلاد، مع تمسك المعلمين بمطالبهم ورفضهم ما وصفوه بـ«تحويل حقوقهم إلى وعود مؤجلة». ويأتي التحرك في وقت تواجه فيه السلطات ضغوطاً متزايدة على ملفات خدمية وأمنية ومعيشية عديدة.

جانب من اعتصام معلمي مدرسة شهداء الانتصار للتعليم الأساسي في «أبو سليم» بطرابلس يوم الأحد (من مقطع فيديو بثته النقابة العامة للمعلمين)

وأعلن رئيس «حراك المعلمين» في ليبيا، أشرف الهادي، استمرار الاعتصام السلمي المنظم الذي ينفذه المعلمون حتى انتهاء المهلة المحددة للحوار مع الجهات الرسمية، مؤكداً أن الهدف هو الوصول إلى حلول حقيقية وتنفيذ مطالب المعلمين، وليس تعطيل العملية التعليمية.

وقال الهادي في تصريحات نقلتها وسائل إعلام محلية إن الإضراب العام «يظل أحد الخيارات المطروحة إذا انتهت المهلة دون استجابة جدية ونتائج ملموسة». وأضاف: «الحراك يُفضّل الحوار، لكنه يشترط أن يتحول إلى قرارات واضحة وجدول زمني وآليات محددة للتنفيذ».

وتشمل مطالب المعلمين معالجة المرتبات، وتسوية الفروقات والمستحقات المالية، وتوفير التأمين الصحي، وتحسين الوضع الوظيفي والمعيشي، وإصدار قانون لحماية المعلم.وفي السابع من سبتمبر (أيلول) الجاري، أعلن الحراك عن مهلة 15 يوماً لتنفيذ مطالب المعلمين.

وأوضح الهادي أن باب التفاوض مفتوح بشأن آليات التنفيذ، وليس حول أصل الحقوق، وأكد أن الحراك لم يتلقّ تواصلاً رسمياً مباشراً بالقدر المطلوب حتى الآن، داعياً الجهات صاحبة القرار إلى «فتح حوار جاد ومسؤول»، كما ناشد المعلمين الحفاظ على وحدتهم والالتزام بالسلمية والتنظيم خلال المرحلة المقبلة.

يأتي هذا في خضم موجة احتجاجات واعتصامات واسعة النطاق بدأت مع انطلاق العام الدراسي الجديد في منتصف الشهر الجاري، وامتدت من العاصمة طرابلس ومدن المنطقة الغربية مثل مصراتة وبني وليد وأبو سليم إلى بنغازي ومناطق أخرى في الشرق والجنوب.

وأعلنت نقابات معلمين في بلديات الغرب اعتصاماً مفتوحاً وإضراباً عن العودة إلى الدراسة، قائلة إنه جاء نتيجة «استمرار تجاهل حقوق المعلمين، وليس بهدف عرقلة التعليم».

وأدت هذه التحركات إلى إرباك انطلاق الدراسة في كثير من المدارس، حيث ظلت أبوابها مغلقة أو شبه فارغة في الأيام الأولى من العام الدراسي، فيما يشكو المعلمون من أن مرتباتهم، التي لا تتجاوز في كثير من الحالات 2000 دينار شهرياً، لم تعد تتناسب مع ارتفاع تكاليف المعيشة، إضافة إلى تأخر صرف المستحقات وغياب التأمين الصحي الفعال. والدولار يساوي 6.33 دينار في السوق الرسمية، و9.56 دينار في السوق الموازية.

في مقابل ذلك عقد وزير التربية والتعليم بحكومة «الوحدة»، محمد عبد السلام القريو، اجتماعاً موسعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقتين الغربية والوسطى، الأحد، لمتابعة انطلاقة العام الدراسي الجديد الذي بدأ في 13 من الشهر الجاري، والوقوف على جاهزية المؤسسات التعليمية.

وقالت الوزارة في بيان، الأحد، إن القريو أكد أن المعلم «يمثل الركيزة الأساسية للعملية التعليمية»، مشدداً على «التزام الوزارة الكامل بحماية حقوقه، وتحسين أوضاعه المهنية والمعيشية، وتمكينه من أداء رسالته بكفاءة».

كما أشار إلى أن «ضمان حق الطلاب في تعليم جيد وعادل وشامل، داخل بيئة آمنة ومحفزة، يُعد أولوية وطنية لا تنازل عنها»، منوهاً إلى أن استقرار المؤسسات التعليمية وانتظام الدراسة مسؤولية مشتركة تستوجب تكثيف المتابعة الميدانية، وترسيخ الانضباط والمساءلة، إلى جانب تفعيل منظومة الحوافز للقيادات والمدارس المتميزة.

ويحذر مراقبون من أن استمرار الاحتقان داخل صفوف المعلمين دون حلول ملموسة قد يؤدي إلى تصعيد أوسع يشمل إضراباً عاماً، مما يفاقم الضغط على العملية التعليمية في البلاد.


جدل واسع بالجزائر بعد حبس ناشطة انتقدت الانتخابات

صورة لأستاذة اللغة الأمازيغية نادية موساوي نشرتها على حسابها على «فيسبوك» يوم 7 سبتمبر 2026
صورة لأستاذة اللغة الأمازيغية نادية موساوي نشرتها على حسابها على «فيسبوك» يوم 7 سبتمبر 2026
TT

جدل واسع بالجزائر بعد حبس ناشطة انتقدت الانتخابات

صورة لأستاذة اللغة الأمازيغية نادية موساوي نشرتها على حسابها على «فيسبوك» يوم 7 سبتمبر 2026
صورة لأستاذة اللغة الأمازيغية نادية موساوي نشرتها على حسابها على «فيسبوك» يوم 7 سبتمبر 2026

أثار حبس ناشطة وأستاذة للُّغة الأمازيغية في الجزائر موجة جدل حقوقي وسياسي واسع، بعد احتجازها بسبب منشور متصل بالانتخابات، وسط ملاحقات قضائية لكثير من النشطاء، بسبب تدويناتهم ومواقفهم السياسية عبر المنصات.

واتَّخذ الأمر منحى سياسياً، حين طالبت زعيمة «حزب العمال» اليساري المعارض ومرشحة انتخابات الرئاسة السابقة، لويزة حنون، في مؤتمر صحافي بالعاصمة، السبت، بالإفراج عن الناشطة نادية موساوي، المعروفة في منطقة القبائل، وإحدى الداعيات إلى تمكين اللغة الأمازيغية التي ينطق بها ملايين الجزائريين.

واستنكرت حنون إيداع الناشطة الحبس الاحتياطي منذ أسبوعين، بسبب منشور بحسابها الخاص على «فيسبوك»، مستغربة «توظيف قانون الانتخابات في القضية»، ومؤكدة أن «المنطق القانوني غير مفهوم في ملاحقة شخص بجريمة مرتبطة بالانتخابات».

الأمينة العامة لحزب العمال لويزة حنون (إعلام حزبي)

كما أشادت بمسار نادية موساوي التعليمي، في مجال نشر اللغة والثقافة الأمازيغيتين، وسط حملة تضامن واسعة تطالب بإعادة النظر في إجراء الحبس المتخذ بحقها.

«عرقلة عملية انتخابية»

وتُعرَف الناشطة في شبكة التواصل الاجتماعي بـ«تمازيغت موساوي»، وهي مُعلمة بمدرسة ثانوية في مدينة الشرفة بولاية البويرة، على بعد مائة كيلومتر إلى الشرق من العاصمة، بينما يُنظر ملفها قضائياً أمام محكمة مدينة مشدالة المختصة إقليمياً.

وعلى مدار سنوات، تجاوزت شهرة نادية موساوي نطاق مؤسستها التعليمية، لتصبح صانعة محتوى باللغة القبائلية؛ خصوصاً بعد أن أطلقت قناة مجانية على «يوتيوب» لتقديم دروس في الأمازيغية بهدف تبسيطها وترويجها للناطقين بالأمازيغية والعربية على حد سواء، معتبِرة أن المدرسة لا تفي بهذا الغرض بالقدر الكافي، وفق ما نقل عنها مقربون منها.

وفي التاسع من سبتمبر (أيلول) الجاري، فوجئت الناشطة باستدعاء من الشرطة المحلية التي أخضعتها للمساءلة، وأحالتها إلى النيابة بمحكمة مشدالة في ولاية البويرة، ثم على قاضي التحقيق لدى المحكمة نفسها الذي أمر بوضعها رهن الحبس الاحتياطي، بسبب منشور تضمَّن رأيها الشخصي حول التصويت في الانتخابات التشريعية التي جرت في الثاني من يوليو (تموز) الماضي، وشهدت مقاطعة كبيرة من الناخبين؛ خصوصاً في منطقة القبائل.

ووفق دفاعها، وجَّه لها قاضي التحقيق تهمة «عرقلة عملية انتخابية»، الأمر الذي أثار استغراب الأوساط السياسية والحقوقية.

وخلال محاكمتها يوم 16 سبتمبر الحالي، التمس ممثل النيابة العامة عقوبة عامَين حبساً مع التنفيذ، مع استمرار حبسها المؤقت لحين النطق بالحكم المقرَّر في 22 سبتمبر.

عشرات النشطاء تعرَّضوا للسجن منذ الحراك الشعبي سنة 2019 (ناشطون سياسيون)

وحسب مصادر قضائية، تعرضت نادية موساوي للمتابعة بناء على «المادة 295» من القانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات، والتي تنص على معاقبة كل من يعرقل أو يخلُّ بسير العملية الانتخابية، بالحبس من 6 أشهر إلى سنتين، مع احتمال تطبيق عقوبات تكميلية، تتمثل في الحرمان من حق الانتخاب والترشح، مدةً تتراوح بين 3 و5 سنوات.

وتشمل الأفعال المجَرَّمة تحت هذه المادة «تعكير سير عمليات التصويت»، و«عرقلة عمل مكتب التصويت أو مراكز الاقتراع»، و«منع مرشح أو ممثله القانوني من ممارسة حقوقه المقررة قانوناً أثناء العملية».

ويؤكد المحامون والحقوقيون أن هذه الوقائع لا تنطبق على الأفعال المنسوبة لموساوي، مشيرين إلى أن سبب سجنها منشور لها تتناول فيه موقفها من الانتخابات، إضافة إلى أن وقتاً طويلاً نسبياً مرَّ على تنظيم هذه الانتخابات.

وبتصفح حسابها على «فيسبوك»، بدا أن المنشور الذي قادها إلى السجن قد حُذِف.

حرية التعبير

وفي منطقة الشرفة وبين متابعيها عبر الإنترنت، تسود حالة من الضيق والترقب للحكم؛ إذ اعتادت على تقديم محتويات اجتماعية وتعليمية، والترويج أحياناً للتجار والحرفيين المحليين، وهو ما يفسر حجم التعبئة والتضامن الواسع حولها.

وقال أحد السكان المحليين ممن يعرفونها، لـ«الشرق الأوسط»، مفضلاً عدم نشر اسمه: «السيدة نادية تنشط دوماً في الثقافة والتعليم؛ فهي ليست في تيار المعارضة، وتقوم أحياناً بالترويج لحرفيين محليين، والتجار الصغار، ومطاعم المنطقة. يمكن أن نصفها بأنها بروفايل ربة أسرة صالحة، لا يمكنها أن تؤذي ذبابة».

ياسين عيسوان برلماني طالب بالإفراج عن أستاذة اللغة الأمازيغية نادية موساوي (حسابه الخاص)

ودعا ياسين عيسوان، النائب عن تيزي وزو، كبرى مدن منطقة القبائل، إلى الإفراج الفوري عنها، مُشدّداً في تصريحات إعلامية على أن «حرية التعبير حق أساسي، ولا يجوز تحويل الرأي إلى جريمة»؛ وهو الطرح الذي ترافعَت عنه مجدداً محاميتها نبيلة إسماعيل، مؤكدة استحالة إدراج حرية التعبير في خانة الجريمة.

ويكرِّس سجن أستاذة اللغة الأمازيغية واقعاً توثقه الهيئات الحقوقية باستمرار؛ حيث يدفع مئات النشطاء، منذ اندلاع الحراك الشعبي عام 2019 الذي أطاح بالرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة، ثمناً قانونياً للتعبير عن مواقفهم السياسية عبر المنصات الرقمية، في ظل سجال متواصل بين النصوص الزجرية ومبادئ حرية الرأي.


10 قتلى و21 جريحاً في انهيار منجم للذهب بالسودان

تجري عمليات التنقيب اليدوي في مناطق غير رسمية أو في مناجم متوقفة عن العمل (أرشيفية - رويترز)
تجري عمليات التنقيب اليدوي في مناطق غير رسمية أو في مناجم متوقفة عن العمل (أرشيفية - رويترز)
TT

10 قتلى و21 جريحاً في انهيار منجم للذهب بالسودان

تجري عمليات التنقيب اليدوي في مناطق غير رسمية أو في مناجم متوقفة عن العمل (أرشيفية - رويترز)
تجري عمليات التنقيب اليدوي في مناطق غير رسمية أو في مناجم متوقفة عن العمل (أرشيفية - رويترز)

انهار منجم للذهب في شمال السودان، ما أسفر عن مقتل 10 أشخاص، وإصابة 21 على الأقلّ، بحسب ما أفاد اثنان من الناجين لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، اليوم (الأحد)، عقب عمليات إسعاف في الليل.

ومنذ اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023 بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، اعتمد الطرفان في تمويل جهدهما الحربي بشكل كبير على قطاع الذهب، وفق الأمم المتحدة، إلى جانب دعم أطراف خارجية.

وقد بدأت آبار في منطقة تعدين أوني، شمال السودان، بالقرب من الحدود المصرية، تنهار أمس.

وبحلول صباح اليوم، «تمّ انتشال 10 جثث و21 مصاباً»، بحسب أحد الناجين، الذي كان يعمل في الموقع، وطلب عدم الكشف عن هويته لدواعٍ أمنية.

وقال ناجٍ آخر لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، طلب كذلك عدم الإفصاح عن هويته، إن «الحفر يتمّ بالآليات المتوفّرة في المنجم ومن الناس الشغّالين».

وأفاد الناجيان بأن عمليات البحث ما زالت متواصلة، فيما يُخشى العثور على مزيد من الضحايا.

وألحق النزاع ضرراً كبيراً بالاقتصاد السوداني، الذي كان ضعيفاً أصلاً، وخسر عدد كبير من السودانيين عملهم، ما دفع كثيرين إلى ممارسة عمليات خطيرة للتنقيب عن الذهب.

وتجري عمليات التنقيب اليدوي في مناطق غير رسمية، أو في مناجم متوقفة عن العمل.

ويقوم عمّال المناجم بالتنقيب بأيديهم وباستخدام أدوات بدائية مقابل أجور يومية زهيدة.

وداخل المناجم، وكثيرة منها غير مجهّزة، يستخلص العاملون شذرات الذهب من الكتل الصخرية، ما يعرضهم لمواد كيميائية خطرة، مثل السيانيد الذي يتسبب في انتشار الأمراض.

وتتكرّر انهيارات المناجم في أنحاء السودان. وفي مناطق سيطرة الجيش في شمال وشرق البلاد، يتسلل العمّال إلى داخل المناجم المتوقفة عن العمل أملاً في أجور يومية زهيدة.

والأسبوع الماضي، قُتل 82 شخصاً على الأقل، وأصيب العشرات في انهيار منجم في منطقة كردفان.

حتى قبل أن تهدّد الحرب ملايين السودانيين بالجوع، كان التعدين يوفّر العمل لأكثر من مليوني شخص، وفق بيانات القطاع.

ويعدّ السودان، ثالث أكبر دولة في أفريقيا من حيث المساحة، من أبرز منتجي الذهب في القارة، وسجل العام الماضي أعلى مستوى للإنتاج في 5 أعوام، بلغ 70 طناً، وفق البيانات.

لكن المسؤولين يقولون إن معظم الذهب يُهرب عبر حدود السودان، بما في ذلك عبر تشاد وجنوب السودان ومصر، قبل وصوله إلى دول في الخليج، ولا سيما الإمارات، ثاني أكبر مصدر للذهب في العالم.

وفي يوليو (تموز)، حظر الاتحاد الأوروبي بيع ونقل وتصدير الزئبق والسيانيد إلى السودان، نظراً لاستخدام هذه المواد في تجارة الذهب غير النظامية.

وحذّرت الأمم المتحدة مراراً من أن طرفي الحرب يحققان مكاسب مالية من السيطرة على موارد البلاد، وأن «اقتصاد الحرب» هو ما يُبقي الصراع مستمراً.