وسط طموح عالمي وتحديات تنظيمية... مودي يقدِّم الهند كمركز عالمي للذكاء الاصطناعي

غوتيريش وماكرون وألتمان يحذرون من المخاطر... وغيتس ينسحب من القمة

رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي يمسك بالأيدي ويلتقط صوراً مع عدد من رؤساء الدول المشاركين خلال قمة الذكاء الاصطناعي (أ.ب)
رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي يمسك بالأيدي ويلتقط صوراً مع عدد من رؤساء الدول المشاركين خلال قمة الذكاء الاصطناعي (أ.ب)
TT

وسط طموح عالمي وتحديات تنظيمية... مودي يقدِّم الهند كمركز عالمي للذكاء الاصطناعي

رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي يمسك بالأيدي ويلتقط صوراً مع عدد من رؤساء الدول المشاركين خلال قمة الذكاء الاصطناعي (أ.ب)
رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي يمسك بالأيدي ويلتقط صوراً مع عدد من رؤساء الدول المشاركين خلال قمة الذكاء الاصطناعي (أ.ب)

قدَّم رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، يوم الخميس، الهند كلاعب محوري في منظومة الذكاء الاصطناعي العالمية، مؤكداً أن بلاده تهدف إلى بناء التكنولوجيا محلياً وتصديرها عالمياً. وقال مودي أمام قادة العالم وكبار المسؤولين التنفيذيين في مجال التكنولوجيا وصناع السياسات خلال قمة تأثير الذكاء الاصطناعي في نيودلهي: «التصميم والتطوير في الهند، ثمّ تقديمها للعالم، ثمّ تقديمها للبشرية».

وجاءت تصريحات مودي في وقت تسعى فيه الهند، إحدى أسرع الأسواق الرقمية نمواً في العالم، إلى الاستفادة من خبرتها في بناء بنية تحتية رقمية عامة واسعة النطاق، وتقديم نفسها كمركز فعال من حيث التكلفة للابتكار في مجال الذكاء الاصطناعي.

وتهدف الهند إلى توسيع نطاق استخدام الذكاء الاصطناعي، مستغلة القمة لترسيخ مكانتها كجسر يربط بين الاقتصادات المتقدمة ودول الجنوب العالمي. ويستشهد المسؤولون بنظام الهوية الرقمية وأنظمة الدفع الإلكتروني في البلاد كنموذج لتطبيق الذكاء الاصطناعي بتكلفة منخفضة وفعالية عالية، خصوصاً في الدول النامية.

وقال مودي: «يجب أن نُعمّم استخدام الذكاء الاصطناعي، ليصبح أداة للشمول والتمكين، خاصة لدول الجنوب العالمي».

ومع ما يقرب من مليار مستخدم للإنترنت، أصبحت الهند سوقاً رئيسيةً لشركات التكنولوجيا العالمية الراغبة في توسيع استثماراتها في الذكاء الاصطناعي. ففي ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أعلنت «مايكروسوفت» عن استثمار بقيمة 17.5 مليار دولار على مدى أربع سنوات لتعزيز البنية التحتية للحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي في الهند. وجاء ذلك بعد إعلان «غوغل» عن استثمار 15 مليار دولار على مدى خمس سنوات، بما في ذلك خطط لإنشاء أول مركز ذكاء اصطناعي وطني. كما تعهدت «أمازون» باستثمار 35 مليار دولار بحلول عام 2030 لتعزيز التحول الرقمي المدعوم بالذكاء الاصطناعي. وتسعى الهند أيضاً إلى جذب استثمارات تصل إلى 200 مليار دولار في مراكز البيانات خلال السنوات المقبلة لتعزيز قدراتها التكنولوجية.

ناريندرا مودي في صورة جماعية مع قادة شركات الذكاء الاصطناعي بما في ذلك الرئيس التنفيذي لـ«أوبن إيه آي» سام ألتمان والرئيس التنفيذي لـ«أنتروبيك» داريو أمودي خلال القمة (أ.ف.ب)

ومع ذلك، تواجه البلاد تحديات جوهرية في تطوير نموذج ذكاء اصطناعي واسع النطاق خاص بها، على غرار نموذج «أوبن إيه آي» الأميركي أو «ديب سيك» الصيني، مما يُبرز تحدياتٍ مثل محدودية الوصول إلى رقائق أشباه الموصلات المتقدمة، ومراكز البيانات، ومئات اللغات المحلية التي يمكن التعلم منها.

غوتيريش يدق ناقوس الخطر

من جانبه، حذَّر الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، قادة قطاع التكنولوجيا من المخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، مؤكداً أن مستقبل هذه التكنولوجيا لا يمكن أن يُترك «رهيناً بأهواء قلة من أصحاب المليارات».

وفي كلمته، دعا غوتيريش إلى دعم صندوق عالمي بقيمة 3 مليارات دولار لضمان الوصول المفتوح إلى الذكاء الاصطناعي للجميع، مشدداً على أن «الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون ملكاً للجميع».

وأشار إلى أن ترك مستقبل الذكاء الاصطناعي في أيدي حفنة من الدول أو قلة من أصحاب الثروات قد يؤدي إلى تعميق عدم المساواة عالمياً، محذراً من أن الاستخدام غير المنظم يمكن أن يُفاقم التحيز ويزيد الضرر الاجتماعي. وأضاف أن التطبيق الصحيح للذكاء الاصطناعي يمكن أن يُسرّع التقدم في مجالات الطب والتعليم، ويُعزّز الأمن الغذائي، ويدعم جهود العمل المناخي والتأهب للكوارث، ويحسِّن الوصول إلى الخدمات العامة الحيوية.

ولمواجهة هذه التحديات، أنشأت الأمم المتحدة هيئة استشارية علمية للذكاء الاصطناعي لمساعدة الدول على اتخاذ قرارات مدروسة بشأن هذه التكنولوجيا الثورية. وأكد غوتيريش على ضرورة حماية الأفراد، خصوصاً الأطفال، من الاستغلال، مشيراً إلى أنه «لا ينبغي أن يكون أي طفل فأر تجارب للذكاء الاصطناعي غير المنظم».

كما دعا إلى وضع ضوابط عالمية تضمن الرقابة والمساءلة، وإنشاء «صندوق عالمي للذكاء الاصطناعي» لبناء القدرات الأساسية. وأوضح أن الهدف هو جمع 3 مليارات دولار، وهو مبلغ أقل من واحد في المائة من الإيرادات السنوية لشركة تقنية واحدة، مؤكّداً أن هذا استثمار زهيد مقابل نشر الذكاء الاصطناعي بما يعود بالنفع على الجميع، بما في ذلك الشركات المطوّرة له.

وحذَّر غوتيريش أيضاً من أن عدم الاستثمار سيؤدي إلى تخلف العديد من الدول عن ركب عصر الذكاء الاصطناعي، مما يزيد الانقسامات العالمية، مشدداً على ضرورة أن تتحول مراكز البيانات إلى الطاقة النظيفة لتلبية الطلب المتزايد على الطاقة والمياه، بدلاً من تحميل المجتمعات الضعيفة الأعباء البيئية.

ماكرون يؤكد على رقابة آمنة للذكاء الاصطناعي

أما الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، فقد أكَّد خلال القمة، عزمه على ضمان رقابة آمنة على تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي المتسارعة التطور. وقد بادر الاتحاد الأوروبي إلى وضع معايير تنظيمية عالمية عبر قانون الذكاء الاصطناعي، الذي تم اعتماده عام 2024 ويُطبَّق تدريجياً.

وقال ماكرون: «نحن عازمون على مواصلة صياغة قواعد اللعبة مع حلفائنا، مثل الهند». وأضاف: «أوروبا لا تركز بشكل أعمى على التنظيم، بل هي بيئة حاضنة للابتكار والاستثمار، وفي الوقت ذاته بيئة آمنة».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي كلمة خلال قمة تأثير الذكاء الاصطناعي في نيودلهي (أ.ب)

وأشار إلى أن فرنسا تعمل على مضاعفة عدد العلماء والمهندسين المتخصصين في الذكاء الاصطناعي، حيث توفر الشركات الناشئة في هذا القطاع «عشرات الآلاف» من فرص العمل. وفي الشهر الماضي، أقرَّ المشرعون الفرنسيون مشروع قانون يحظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون سن الخامسة عشرة، وينتظر التصويت النهائي في مجلس الشيوخ، بعد حظر مماثل فرضته أستراليا في ديسمبر الماضي.

وأضاف ماكرون: «ستكون حماية الأطفال من مخاطر الذكاء الاصطناعي والإساءة الرقمية إحدى أولوياتنا في مجموعة السبع»، مشدداً على أنه «لا يوجد أي مبرر لتعريض أطفالنا على الإنترنت لما هو محظور قانوناً في العالم الواقعي».

وأكَّد الرئيس الفرنسي أن فرنسا «ملتزمة بهذا المسار» بالتعاون مع العديد من الدول الأوروبية، موضحاً ثقته في انضمام الهند إلى هذا الجهد. وختم قائلاً: «حماية أطفالنا ليست مجرد تشريع، بل هي مسألة حضارة».

ألتمان يؤكد الحاجة الملحّة لتنظيم الذكاء الاصطناعي

قال سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي»، المطوِّرة لبرنامج «تشات جي بي تي»، خلال القمة، بأن العالم يواجه حاجة ملحَّة لتنظيم هذه التكنولوجيا سريعة التطور. وأضاف: «إتاحة الذكاء الاصطناعي للجميع هي أفضل طريقة لضمان ازدهار البشرية»، محذراً من أن تركيز هذه التقنية في يد شركة أو دولة واحدة قد يؤدي إلى كارثة. وأوضح ألتمان أن هذا لا يعني الاستغناء عن أي تنظيم أو ضمانات، بل إن الحاجة إليها ملحة، كما هو الحال مع التقنيات الأخرى عالية القدرات. وأضاف: «التكنولوجيا دائماً ما تغيّر طبيعة الوظائف، ودائماً ما نجد طرقاً جديدة وأفضل لأدائها». وأشار إلى أن روبوت الدردشة «تشات جي بي تي»، المدعوم بالذكاء الاصطناعي التوليدي، يشهد استخداماً أسبوعياً من نحو 100 مليون مستخدم في الهند، أكثر من ثلثهم من الطلاب.

سام ألتمان الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي» يتحدث خلال قمة الذكاء الاصطناعي في نيودلهي (أ.ب)

انسحاب بيل غيتس وإخفاقات تنظيمية

انسحب بيل غيتس من قمة تأثير الذكاء الاصطناعي في الهند قبل ساعات من إلقاء كلمته الرئيسية يوم الخميس، مما شكل ضربة إضافية لحدث واجه بالفعل تحديات تنظيمية وجدلاً حول الروبوتات وازدحاماً مرورياً خانقاً. وتبعه انسحاب جنسن هوانغ من شركة «إنفيديا»، مما أضاف صعوبة على أول منتدى رئيسي للذكاء الاصطناعي في الجنوب العالمي، الذي تسعى الهند من خلاله لترسيخ مكانتها كصوت رائد في حوكمة الذكاء الاصطناعي.

وأوضحت «مؤسسة غيتس» أن الانسحاب جاء لضمان تركيز القمة على الأولويات الأساسية، بعد أيام قليلة من نفي المؤسسة شائعات غيابه. وقد شهدت القمة إخفاقات تنظيمية أثارت استياء الحضور، شملت إغلاق قاعات العرض أمام الجمهور، وإجبار جامعة غالغوتيا على إخلاء جناحها بعد تقديم روبوت تجاري على أنه ابتكار الجامعة، فضلاً عن إغلاق الشرطة للطرق بشكل متكرر لإفساح المجال لحركة الشخصيات المهمة، مما تسبب بفوضى في دلهي ذات الـ20 مليون نسمة.

كما أظهرت لقطات على وسائل التواصل الاجتماعي الحضور يسيرون مسافات طويلة وسط المدينة بسبب انقطاع وسائل النقل. وانتقدت أحزاب المعارضة الحكومة ورئيس الوزراء لسوء التنظيم، فيما أكد باوان خيرا، المتحدث باسم حزب المؤتمر، أن هذه الظروف تعكس تقصيراً في التخطيط القائم.

رغم ذلك، تعهدت شركات كبرى باستثمارات تزيد عن 100 مليار دولار في مشروعات الذكاء الاصطناعي في الهند، بما في ذلك مجموعات «أداني» و«مايكروسوفت» و«يُوتا»، بينما تتوقع الحكومة أن تتجاوز التعهدات 200 مليار دولار خلال العامين المقبلين، رغم تحذيرات المحللين من الضغوط على شبكة الكهرباء وإمدادات المياه نتيجة التوسع السريع.


مقالات ذات صلة

الاقتصاد وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاجاني (يسار) مع وزير التجارة الصيني وانغ وينتاو في مناسبة اقتصادية بالعاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)

الصين تُشيد بالعلاقات التجارية مع إيطاليا

أشادت الصين بتعزيز العلاقات التجارية مع إيطاليا خلال محادثاتها مع نائب رئيس وزرائها الزائر

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد مشاركون في الجلسة العامة للجنة التنمية التابعة لصندوق النقد والبنك الدوليين خلال اجتماعات الربيع في واشنطن (د.ب.أ)

صندوق النقد والبنك الدوليان يعلنان استئناف تعاملاتهما مع فنزويلا

أعلن صندوق النقد والبنك الدوليان، يوم الخميس، استئناف تعاملاتهما مع فنزويلا، التي كانت متوقفة منذ عام 2019.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد رجل ينظر إلى شاشة تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ ف ب)

«نيكي» يتخلى عن قمته متأثراً بتراجع أسهم التكنولوجيا

تراجع مؤشر نيكي الياباني للأسهم يوم الجمعة من أعلى مستوى قياسي سجله في اليوم السابق

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد أذرع روبوتية في مصنع بمدينة فوزو شرق الصين (أ.ف.ب)

نمو فصلي يفوق التوقعات للاقتصاد الصيني... ومخاوف من التحديات

شهد الاقتصاد الصيني انتعاشاً ملحوظاً في أوائل عام 2026، مدفوعاً بارتفاع الصادرات قبل أن تؤدي الحرب الإيرانية إلى ارتفاع أسعار الطاقة بشكل حاد

«الشرق الأوسط» (بكين)

الجدعان: إنهاء الصراعات وتأمين السلام ركيزتان أساسيتان لتحقيق النمو المستدام

اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي يرأسها وزير المالية السعودي (الصندوق)
اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي يرأسها وزير المالية السعودي (الصندوق)
TT

الجدعان: إنهاء الصراعات وتأمين السلام ركيزتان أساسيتان لتحقيق النمو المستدام

اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي يرأسها وزير المالية السعودي (الصندوق)
اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي يرأسها وزير المالية السعودي (الصندوق)

أطلق وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، موقفاً حازماً أكد فيه أن قدرة العالم على مواجهة الأزمات مرهونة بتبني «رؤية استراتيجية موحدة وإصلاحات سريعة»، مُحذراً من أن التفاؤل المفرط في الأسواق قد يحجب حقيقة التحديات الجيوسياسية الراهنة، لا سيما في ظل الصراعات التي تهدد أمن الإمدادات.

كلام الجدعان جاء في مؤتمر صحافي مشترك مع المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا، عقب اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي يرأسها وزير المالية السعودي، وذلك خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين.

وقد توّج الاجتماع بتبني «مبادئ الدرعية» إطاراً تاريخياً لحوكمة صندوق النقد الدولي؛ ما يرسخ مرحلة جديدة من التعاون متعدد الأطراف في مواجهة حالة عدم اليقين العالمي.

الجدعان متحدثاً في المؤتمر الصحافي (أ.ف.ب)

السلام ركيزةً للنمو المستدام

استهل الجدعان المؤتمر بالتأكيد على أن الاقتصاد العالمي قد تعرَّض لاختبارات متلاحقة جراء صدمات متكررة على مدى السنوات القليلة الماضية، ناتجة من الحروب والصراعات، بما في ذلك الصراع الجديد في منطقة الشرق الأوسط.

وأوضح أنه بالإضافة إلى الآثار الإنسانية العميقة، فإن الأثر الاقتصادي لهذه الصدمات هو أثر عالمي، وسوف يضرب مرة أخرى الفئات الأفقر والأكثر ضعفاً بشدة، محذراً من أن هذا يأتي في وقت تآكلت فيه مساحة السياسات وضعف فيه التعاون الدولي.

وأشار الجدعان إلى أن الاستجابة المناسبة من حيث السياسات تعتمد على كيفية انتشار الصدمة عبر الاقتصاد المحلي؛ ما يستدعي سياسات في توقيتها المناسب وقابلة للتكيف مدعومة بأطر عمل موثوقة وتعاون دولي.

وشدد على أن إنهاء الحروب والصراعات وتأمين سلام دائم في جميع أنحاء العالم يظل أمراً أساسياً لا غنى عنه لتحقيق النمو المستدام والاستقرار طويل الأجل.

المؤتمر الصحافي المشترك للجدعان وغورغييفا (أ.ف.ب)

مخاطر الصراعات وتداعياتها على أمن الطاقة

وأكد بيان صادر عن اللجنة أن الاقتصاد العالمي ظل صامداً على مدى السنوات القليلة الماضية رغم الصدمات المتكررة، بما في ذلك الحروب والصراعات. ووصف البيان الصراع في الشرق الأوسط بأنه صدمة عالمية رئيسية جديدة، سيعتمد أثرها الاقتصادي على مدتها وكثافتها وتوسعها الجغرافي.

ولفت إلى أنه بات من الواضح بالفعل، من خلال الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية واضطرابات النقل حتى الآن، أنها تشكل تهديداً خطيراً للاقتصاد العالمي، رغم الجهود الملحوظة لاستدامة تدفق الطاقة، بما في ذلك من خلال إعادة توجيه مسارات النقل لتعزيز أمن الإمدادات.

ونوّه الأعضاء إلى أن تأثير الصدمة غير متماثل للغاية عبر البلدان، وإذا طال أمدها، فقد تبقي أسعار الوقود والأسمدة مرتفعة لفترة ممتدة، وتعطل إمدادات المدخلات الرئيسية، وتضخم المخاطر التي تهدد أمن الطاقة والغذاء، والنمو العالمي، والتضخم، وحسابات القطاع الخارجي.

وأشار البيان إلى أن الأوضاع المالية المشددة والتداعيات المحتملة على الاستقرار المالي قد تزيد من الضغط على الآفاق المستقبلية، في وقت يمر فيه العالم بتحولات هيكلية عميقة في التكنولوجيا، والديموغرافيا، والمخاطر المرتبطة بالمناخ، وهي تغييرات ستعيد تشكيل الاقتصادات وتختبر قدرتها على التكيف.

الجدعان يتحدث مع رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول (رويترز)

أولويات السياسة الاقتصادية والمالية

أكدت اللجنة أنه في هذه البيئة التي تكتنفها حالة من عدم اليقين الشديد، تتمثل الأولوية القصوى في تعزيز الاستقرار الاقتصادي الكلي والمالي، مع تمكين نمو قوي واسع القاعدة، من خلال سياسات في توقيتها المناسب وقابلة للتكيف وموثوقة.

وشددت البنوك المركزية على التزامها القوي بالحفاظ على استقرار الأسعار، عادَّةً أن استقلاليتها والتواصل الواضح ضروريان لمصداقية السياسة وإبقاء توقعات التضخم راسية.

كما أفادت بأن السياسة المالية يجب أن تُعايَر بشكل مناسب وتُرسخ في أطر متوسطة الأجل موثوقة لضمان استدامة الدين، مع إمكانية استخدام تدابير مؤقتة ومستهدفة لحماية الفئات الأكثر ضعفاً حيثما توفرت المساحة المالية.

وأكد الأعضاء استمرارهم في الالتزام بالمعايير الدولية ومراقبة المخاطر التي تهدد الاستقرار المالي، بما في ذلك تعزيز الرقابة على المخاطر النظامية الناشئة عن الذكاء الاصطناعي، والمؤسسات المالية غير المصرفية، والأصول الرقمية، مع تسخير فوائد الابتكار التكنولوجي.

الإصلاحات الهيكلية والتعاون الدولي

وأشارت اللجنة إلى المضي قدماً في الإصلاحات الهيكلية لتمكين استثمار القطاع الخاص، وزيادة الإنتاجية، وحماية أمن الطاقة.

وأكد الأعضاء مواصلة التعاون لمعالجة الاختلالات العالمية المفرطة والتوترات التجارية وبناء سلاسل إمداد أكثر صموداً، ودعم اقتصاد عالمي عادل ومنفتح، مع التأكيد مجدداً على التزامات أسعار الصرف الصادرة في أبريل (نيسان) 2021.

وعبّر البيان عن ترحيب اللجنة بجدول أعمال السياسة العالمية للمدير العام، مؤكداً على الدور الحاسم لصندوق النقد الدولي في مساعدة الدول عبر مشورة السياسات وتنمية القدرات والدعم المالي بالتعاون مع المؤسسات الأخرى.

دعم الدول الضعيفة ومعالجة الديون

وتعهد البيان بمواصلة دعم البلدان في جهودها لتعزيز الاستقرار والنمو، مع إيلاء اهتمام خاص للبلدان منخفضة الدخل والدول الهشة المتأثرة بالصراعات، لا سيما حيث تتزايد ضغوط الديون. وأكد الأعضاء التزامهم بتحسين عمليات إعادة هيكلة الديون، بما في ذلك في «إطار العمل المشترك»، والمضي قدماً في المائدة المستديرة العالمية للديون السيادية.

ورحَّب البيان بـ«دليل إعادة الهيكلة» المحدث، ودعا إلى تعزيز شفافية الديون من جميع أصحاب المصلحة، بما في ذلك الدائنون من القطاع الخاص.

كما حث البيان على زيادة الدعم للبلدان ذات الديون المستدامة التي تواجه تحديات تمويل قصيرة الأجل عبر تسريع تنفيذ نهج الركائز الثلاث لصندوق النقد والبنك الدولي، والانتهاء من مراجعة إطار استدامة الديون.

تعزيز الرقابة وأدوات الإقراض

أعلن البيان دعم اللجنة لزيادة تركيز الرقابة بناءً على الصرامة التحليلية والإنصاف، والتطلع إلى الانتهاء من المراجعة الشاملة للرقابة ومراجعة برنامج تقييم القطاع المالي (FSAP).

كما أيَّد الأعضاء الجهود المستمرة لتحصين إطار الإقراض الخاص بالصندوق، بما في ذلك مراجعة تصميم البرامج والشروط (ROC) والعمل على أطر السياسة النقدية للبلدان التي تمر بأزمات.

مبادئ الدرعية وحوكمة الصندوق

وفي ختام البيان، أعلن الأعضاء تأييدهم لـ«مبادئ الدرعية التوجيهية» لإصلاحات الحصص والحوكمة، عادِّين إياها إنجازاً جماعياً كبيراً ومعلماً مهماً في أجندة إصلاح حوكمة الصندوق.

وتقدمت اللجنة بالشكر لنواب اللجنة الدولية والمجلس التنفيذي والإدارة على جهودهم، مؤكدة أن هذه المبادئ ستعمل كدليل للمناقشات المستقبلية، بما في ذلك المراجعة العامة السابعة عشرة للحصص.

واختتم البيان بالتأكيد مجدداً على الالتزام بصندوق نقد دولي قوي، وقائم على الحصص، ومزود بموارد كافية ليكون في مركز شبكة الأمان المالي العالمية، مع التطلع إلى الانتهاء من الموافقات المحلية لموافقة الأعضاء على زيادة الحصص بموجب المراجعة العامة السادسة عشرة دون أي تأخير إضافي.


الأسواق العالمية تستعيد زخمها بعد الإعلان عن فتح «مضيق هرمز»

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

الأسواق العالمية تستعيد زخمها بعد الإعلان عن فتح «مضيق هرمز»

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

شهدت الأسواق العالمية تحركات حادة يوم الجمعة، في أعقاب قرار إيران فتح مضيق هرمز أمام جميع السفن التجارية، ما دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم مخاطر الإمدادات الجيوسياسية بسرعة.

فقد أعلن وزير الخارجية الإيراني، يوم الجمعة، أن مضيق هرمز بات مفتوحاً بالكامل أمام جميع السفن التجارية طوال فترة وقف إطلاق النار، في خطوة جاءت بالتزامن مع الهدنة في لبنان. وقال عباس عراقجي في منشور على منصة «إكس» إن عبور السفن عبر المضيق سيجري وفق المسار المنسق الذي أعلنته سابقاً منظمة الموانئ والملاحة البحرية الإيرانية.

وجاء هذا الإعلان ليخفف جزئياً من المخاوف المرتبطة بإمدادات الطاقة العالمية، ما انعكس سريعاً على الأسواق مع تراجع حاد في أسعار النفط عقب التصريحات.

تراجع حاد في أسعار النفط

تراجعت أسعار النفط بأكثر من 10 في المائة يوم الجمعة، مواصلة خسائرها السابقة، وانخفضت العقود الآجلة لخام برنت بمقدار 11.12 دولار أو 11.2 في المائة لتسجل 88.27 دولاراً للبرميل عند الساعة 13:11 بتوقيت غرينتش، فيما هبطت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأميركي بمقدار 11.40 دولار أو 12 في المائة إلى 83.29 دولار للبرميل.

وقال جيوفاني ستونوفو، المحلل في بنك «يو بي إس»، إن تصريحات وزير الخارجية الإيراني «تشير إلى خفض التصعيد في حال استمر وقف إطلاق النار، لكن يبقى السؤال ما إذا كان تدفق ناقلات النفط عبر المضيق سيشهد زيادة ملموسة».

ويعكس هذا التراجع انحساراً مؤقتاً في علاوة المخاطر الجيوسياسية التي دعمت أسعار النفط خلال الفترة الماضية، وسط ترقب المستثمرين لاحتمال تحول وقف إطلاق النار إلى تهدئة أوسع نطاقاً في المنطقة.

الدولار يتراجع أيضاً

تراجع مؤشر الدولار الأميركي بعد إعلان إيران، مسجلاً انخفاضاً بنسبة 0.46 في المائة إلى مستوى 97.765. وتراجع الدولار بنسبة 0.6 في المائة إلى 158 يناً، فيما ارتفع اليورو بنسبة 0.6 في المائة إلى 1.1848 دولار، مسجلاً أعلى مستوى له في شهرين.

في المقابل، ارتفع الدولار الكندي أمام نظيره الأميركي يوم الجمعة، فيما تراجعت عوائد السندات الحكومية الكندية. وجرى تداول الدولار الكندي (اللوني) مرتفعاً بنسبة 0.3 في المائة عند 1.366 دولار كندي للدولار الأميركي، بما يعادل 73.21 سنت أميركي، بعد تحركات بين 1.3661 و1.3707 خلال الجلسة.

الأسهم العالمية تواصل مكاسبها

شهدت الأسهم العالمية، التي كانت تتداول بالفعل عند مستويات قياسية، مزيداً من المكاسب عقب الإعلان. وارتفع مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي بنسبة 1.4 في المائة، فيما صعدت العقود الآجلة لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.9 في المائة.

وقال مايكل براون، كبير استراتيجيي الأبحاث في شركة «بيبرستون»، إن تحسن آفاق الملاحة عبر مضيق هرمز يقلص بشكل واضح علاوة المخاطر الجيوسياسية، ما يدعم شهية المخاطرة في الأسواق. وأضاف أن هذا التحول يفسر رد الفعل الإيجابي في الأسواق.

السندات العالمية تتحرك بحذر

في أسواق السندات، استقرت عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات عند 4.27 في المائة، بينما سجلت عوائد السندات لأجل عامين 3.74 في المائة، في إشارة إلى توازن حذر في توقعات السياسة النقدية. كما انخفض عائد السندات الحكومية الكندية لأجل 10 سنوات بمقدار 8.3 نقطة أساس إلى 3.421 في المائة.

وفي أوروبا، تراجعت عوائد السندات الحكومية الألمانية لأجل عامين إلى أدنى مستوياتها في شهر، بعدما هبطت عوائد «شاتز» لأجل عامين، وهي الأكثر حساسية لتغيرات أسعار الفائدة والتضخم، بما يصل إلى 11.2 نقطة أساس لتسجل 2.412 في المائة قبل أن تقلص خسائرها إلى 2.43 في المائة، مسجلة تراجعاً يومياً بنحو 9.6 نقطة أساس. وكانت العوائد قد بلغت أعلى مستوياتها منذ يوليو الماضي في أواخر مارس (آذار) عند نحو 2.77 في المائة.

وأشارت الأسواق إلى تقليص رهاناتها على رفع البنك المركزي الأوروبي لأسعار الفائدة؛ إذ قدرت احتمالات الرفع في الاجتماع المقبل بنحو 8 في المائة، مقارنة بـ15 في المائة في وقت سابق من الجلسة، مع توقعات بوصول سعر فائدة الإيداع إلى 2.44 في المائة بنهاية العام مقابل 2.55 في المائة سابقاً.

المعادن النفيسة ترتفع

أما في أسواق المعادن النفيسة، فقد ارتفع الذهب الفوري بنحو 2 في المائة إلى 4881 دولاراً للأونصة، كما صعدت الفضة بأكثر من 5 في المائة إلى 82.30 دولار، والبلاتين بنسبة 3 في المائة إلى 2149.15 دولار، وارتفع البلاديوم بنسبة 3 في المائة إلى 1600.88 دولاراً، مدعومة بتزايد الطلب على الملاذات الآمنة رغم تراجع النفط.


شركات تأمين في لندن توفر تغطية بمليار دولار لسفن الشحن بمضيق هرمز

سفينة في مضيق هرمز قبالة ساحل محافظة مسندم العُمانية (رويترز)
سفينة في مضيق هرمز قبالة ساحل محافظة مسندم العُمانية (رويترز)
TT

شركات تأمين في لندن توفر تغطية بمليار دولار لسفن الشحن بمضيق هرمز

سفينة في مضيق هرمز قبالة ساحل محافظة مسندم العُمانية (رويترز)
سفينة في مضيق هرمز قبالة ساحل محافظة مسندم العُمانية (رويترز)

أعلنت شركات تأمين الشحن في لندن، في بيان اطلعت عليه «وكالة الصحافة الفرنسية» يوم الجمعة، عن توفير تغطية إضافية بقيمة مليار دولار أميركي للسفن العابرة لمضيق هرمز، أحد أهم الممرات التجارية العالمية، في ظل الاضطرابات التي تشهدها المنطقة بسبب الحرب في الشرق الأوسط.

وقالت شركة «بيزلي» للتأمين إنها ستقود «تحالفاً بحرياً للتأمين ضد مخاطر الحرب» عبر سوق «لويدز»، لتوفير هذه التغطية الإضافية.

وأضافت أن «هذا التحالف يهدف إلى تعزيز قدرة القطاع البحري على مواجهة مخاطر الحرب، في بيئة معقدة ومتغيرة في مضيق هرمز ومحيطه».

وستكون التغطية متاحة للسفن وشحناتها أثناء عبورها المضيق، بما يتماشى مع مستويات المخاطر التي تتحملها «بيزلي» ومع الالتزام التام بالعقوبات الدولية.

وقال الرئيس التنفيذي للشركة، أدريان كوكس، في البيان: «سيساعد هذا الترتيب في ضمان استمرار تدفق حركة التجارة العالمية».

وأشار محللون لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إلى أن الحرب أدت إلى ارتفاع ملحوظ في أقساط التأمين، التي تُعد ركيزة أساسية في قطاع الشحن العالمي.

وكانت القوات الإيرانية قد أغلقت مضيق هرمز أمام معظم السفن منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) عقب ضربات أميركية - إسرائيلية على إيران.

ووفقاً لمركز عمليات التجارة البحرية البريطاني، فقد أبلغت نحو 30 سفينة عن تعرضها للاستهداف أو الهجوم في المنطقة.

وأكد مسؤولون تنفيذيون في لندن، أكبر سوق عالمية لتأمين الشحن، أن تراجع حركة الملاحة يعود إلى اعتبارات أمنية تدفع قادة السفن لتجنب المسار، وليس إلى نقص في التغطية التأمينية.

وقالت رابطة سوق «لويدز»، وهي هيئة تجارية مختصة بتأمين السفن، في تقريرها إن «المخاوف الأمنية، وليس توفر التأمين، هي العامل الرئيسي وراء انخفاض حركة السفن».

من جانبه، قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في أواخر مارس (آذار) إن مبادرة أميركية لتأمين الشحن بهدف تعزيز عبور مضيق هرمز من المتوقع أن تبدأ العمل قريباً.