رئيس الوزراء العراقي ينهي عقود بعض مستشاريه «ضغطاً للنفقات»

الأزمة المالية وصلت لمقر الحكومة

السوداني خلال اجتماع المجلس الاقتصادي (رئاسة الوزراء)
السوداني خلال اجتماع المجلس الاقتصادي (رئاسة الوزراء)
TT

رئيس الوزراء العراقي ينهي عقود بعض مستشاريه «ضغطاً للنفقات»

السوداني خلال اجتماع المجلس الاقتصادي (رئاسة الوزراء)
السوداني خلال اجتماع المجلس الاقتصادي (رئاسة الوزراء)

يواصل رئيس الوزراء العراقي المنتهية ولايته -محمد السوداني- جهوده الرامية إلى معالجة الأزمة المالية التي تحاصر حكومته، وتهدد بعجزها عن الإيفاء بالتزاماتها المتعلقة برواتب القطاع العامة، إضافة إلى الاتفاقات التشغيلية، والاستثمارية، والخدمية للدولة.

وبعد يوم واحد فقط من قرارها المؤقت بإيقاف الموظفين «الفائضين» عن حاجة مؤسساتهم، بهدف تقليص الإنفاق، امتدت حالة «التقشف» إلى مقر رئاسة الوزراء، والمطبخ الحكومي. إذ وجه السوداني بإلغاء العقود المبرمة مع عدد الأشخاص الذين يشغلون صفة «مستشار» لرئيس الوزراء.

ووفقاً لبيان صادر عن رئاسة الوزراء، الاثنين، اتخذ السوداني مجموعة من خطوات الدمج، والتنظيم داخل تشكيلات ومفاصل مكتب الرئاسة في إطار «ضغط النفقات، وتنشيط الأداء»، من بينها إنهاء عقود عدد من المستشارين، والخبراء الذين كانوا مكلفين بإدارة ومتابعة ملفات حكومية مهمة، وحيوية في إطار تنفيذ البرامج الحكومية.

واتخذ السوداني أيضاً «جملة خطوات ترشيدية مهمة لضغط النفقات في معظم أبواب الموازنة التشغيلية للمكتب». وشدّد على ضرورة التزام «جميع المؤسسات الحكومية بتنفيذ قرارات مجلس الوزراء ذات الصلة، بما يحقق ترشيداً واضحاً للنفقات، ويضمن الاستفادة القصوى من إمكانياتها»، وفق ما ورد في البيان.

وتبلغ الميزانية العامة المخصصة للأمانة العامة لمجلس الوزراء، ضمن جداول موازنة عام 2024 -التي يُعمل بها لعام 2025 أيضاً وفقاً للموازنة الثلاثية- نحو تريليونين و193 مليار دينار عراقي كنفقات إجمالية (جارية واستثمارية).

السوداني خلال اجتماع المجلس الاقتصادي (رئاسة الوزراء)

وكان تعيين عشرات المستشارين الحكوميين (يُناهز عددهم 70) قد أثار تساؤلات وانتقادات واسعة عند بداية ولاية حكومة السوداني قبل أربع سنوات، نظراً للتكلفة المالية المترتبة عليهم. غير أن الحكومة حينها أكدت أن «معظمهم موظفون في القطاع العام، ولن يكلّفوا الخزينة مبالغ إضافية». إلا أن قرار إلغاء عقود الكثير منهم أظهر لاحقاً عكس ذلك.

إجراءات تقشفية أخرى

خلال اجتماع رئيس حكومة تصريف الأعمال، الاثنين، بالمجلس الوزاري للاقتصاد، وجّه السوداني جميع الجهات الحكومية بتنفيذ القرارات الخاصة بتعظيم الإيرادات، وترشيد النفقات، وذلك وفق بيان جديد صادر عن رئاسة الوزراء.

وشهد الاجتماع حضور وزراء التجارة، والصناعة، والصحة، والاتصالات (وكالة)، والأمين العام لمجلس الوزراء، إضافة إلى عدد من المستشارين المعنيين بالملف الاقتصادي.

وشدّد السوداني على «ضرورة التزام الجهات الحكومية كافة بتنفيذ قرارات مجلس الوزراء المتعلقة بتعظيم الإيرادات، وترشيد النفقات، ضمن منهج الإصلاحات الاقتصادية الأساسية الذي تبنّته الحكومة».

كما استضاف الاجتماع وزير الصحة ووزير الاتصالات وكالة ورئيس الجهاز التنفيذي لهيئة الإعلام والاتصالات، لمناقشة المقترحات المتعلقة بـ«تعظيم الإيرادات عبر هذا القطاع الحيوي».

وفي سياق متابعة ملف الدعم الحكومي للطاقة، حضر وكيل وزارة الكهرباء وعدد من كوادرها لمناقشة مقترحات الوزارة الجديدة الخاصة بـ«تعظيم الدخل وترشيد الإنفاق والاستهلاك للطاقة». ووجّه السوداني بـ«الاستمرار في تحويل جباية الأحمال العالية إلى الجباية الإلكترونية، واعتماد السياق ذاته تدريجياً في بقية أنواع الجبايات».

ويحظى قطاع الطاقة الكهربائية بدعم حكومي ضخم يثير انتقادات واسعة من الخبراء، نظراً لما يُنفق عليه من أموال طائلة مقارنة بما يُحصَّل من إيرادات. وكان رئيس البنك المركزي قد أكد قبل أيام أن الدولة تنفق أكثر من 23 تريليون دينار سنوياً على ملف الطاقة، في حين لا تحصل في المقابل إلا على نحو تريليون دينار فقط.

تفاقم الأزمة المالية

يواجه العراق مع مطلع عام 2026 أزمة سيولة مالية متصاعدة تهدّد قدرة الدولة على سداد رواتب القطاع العام التي يستحقها أكثر من 4 ملايين ونصف المليون موظف، فضلاً عن الالتزامات التشغيلية الأخرى. ورغم أنّ الأزمة ليست جديدة، فإنها تفاقمت في الفترة الأخيرة نتيجة انخفاض أسعار النفط عالمياً، وغياب الموازنة المالية الاتحادية لعامي 2025 و2026.

وتُعدّ أسباب نقص السيولة أحد أبرز ملامح الأزمة الحالية؛ إذ اضطرت الحكومة إلى سحب ما يقارب 20 تريليون دينار (نحو 13.2 مليار دولار) من مصرف الرافدين، و7 إلى 8 تريليونات دينار من مصرف الرشيد، إضافة إلى 7 مليارات دولار من مصارف أخرى لتغطية الرواتب.

وتتداول بعض الأوساط الاقتصادية معلومات عن امتناع الجانب الأميركي خلال الأشهر الماضية عن تزويد الحكومة العراقية بكميات كافية من العملة الصعبة (الدولار)، لأسباب ترتبط بالصراع بين واشنطن وطهران، بما يعني سعي الإدارة الأميركية إلى منع إيران من الوصول إلى الدولار عبر المنافذ والأسواق العراقية. ويضع ذلك الحكومة العراقية أمام أزمة مالية حقيقية، نظراً لأن عائدات النفط العراقي تُودَع في البنك الفيدرالي الأميركي قبل تحويلها إلى بغداد.


مقالات ذات صلة

العراق... اجتماع مرتقب لـ«الإطار التنسيقي» لحسم ملف مرشح رئاسة الوزراء

المشرق العربي العراق... اجتماع مرتقب لـ«الإطار التنسيقي» لحسم ملف مرشح رئاسة الوزراء

العراق... اجتماع مرتقب لـ«الإطار التنسيقي» لحسم ملف مرشح رئاسة الوزراء

تفيد الأنباء الخارجة من كواليس قوى «الإطار التنسيقي» الشيعية بأنها بصدد اجتماع حاسم لتجاوز عقبة المرشح لشغل منصب رئاسة الوزراء.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي صورة جوية لجانب من بغداد (متداولة)

بغداد تستعين بقوانين «البعث» لمعالجة التضخم الوظيفي في القطاع العام

تسعى حكومة رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد السوداني إلى تدارك أزمتها المالية عبر اتخاذ سلسلة إجراءات من شأنها التقليل من الإنفاق الضخم على موظفي القطاع العام.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي قادة أحزاب «الإطار التنسيقي» خلال أحد اجتماعاتهم الدورية في بغداد (واع)

واشنطن تُصعّد ضغوطها على إيران في العراق

أكدت واشنطن استعدادها لاستخدام «كامل نطاق الأدوات المتاحة» لمواجهة ما تصفه بـ«الأنشطة الإيرانية المزعزعة للاستقرار» في العراق.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي الزعيم الكردي مسعود بارزاني مستقبلاً المبعوث الأميركي توماس برَّاك في أربيل (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

تقارب كردي لتشكيل جبهة سياسية موحدة في بغداد

برز في المشهد العراقي تطور لافت تمثل في اقتراب الحزبين الكرديين الرئيسيين من التفاهم على تشكيل جبهة سياسية موحدة، في خطوة قد تعيد رسم موقع الكرد في بغداد.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني وإلى يساره في الصورة نوري المالكي (أ.ف.ب)

انسداد سياسي يهدد مساعي تشكيل الحكومة العراقية

رغم تأكيد القوى العراقية التزامها بالمواعيد الدستورية لتشكيل الحكومة، فإن البلاد تعيش حالة «انسداد سياسي» من دون الاتفاق على رئيس وزراء جديد.

حمزة مصطفى (بغداد)

غوتيريش يطالب إسرائيل بـ«التراجع فوراً» عن إجراءاتها في الضفة الغربية

مبانٍ شُيّدت حديثاً في مستوطنة غيفعات زئيف الإسرائيلية قرب مدينة رام الله الفلسطينية بالضفة الغربية (أ.ف.ب)
مبانٍ شُيّدت حديثاً في مستوطنة غيفعات زئيف الإسرائيلية قرب مدينة رام الله الفلسطينية بالضفة الغربية (أ.ف.ب)
TT

غوتيريش يطالب إسرائيل بـ«التراجع فوراً» عن إجراءاتها في الضفة الغربية

مبانٍ شُيّدت حديثاً في مستوطنة غيفعات زئيف الإسرائيلية قرب مدينة رام الله الفلسطينية بالضفة الغربية (أ.ف.ب)
مبانٍ شُيّدت حديثاً في مستوطنة غيفعات زئيف الإسرائيلية قرب مدينة رام الله الفلسطينية بالضفة الغربية (أ.ف.ب)

طالب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، إسرائيل، بـ«التراجع فوراً» عن إجراءاتها الجديدة المتعلقة بتسجيل أراضٍ في الضفة الغربية المحتلة، حسبما ذكر المتحدث باسمه ستيفان دوجاريك في بيان الاثنين.

واعتبر غوتيريش في البيان أن «إجراءات مماثلة، بما فيها استمرار الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، لا تُزعزع الاستقرار فحسب، بل هي أيضاً، كما أكدت محكمة العدل الدولية، غير قانونية»، مضيفاً أن «المسار الحالي على الأرض يُقوّض فرص حل الدولتين».


الشرع في مؤتمر «وحدة الخطاب الإسلامي»: خطوة مهمة لترسيخ الاعتدال

الرئيس السوري في مؤتمر «وحدة الخطاب الإسلامي» بدمشق الاثنين (حساب الرئاسة)
الرئيس السوري في مؤتمر «وحدة الخطاب الإسلامي» بدمشق الاثنين (حساب الرئاسة)
TT

الشرع في مؤتمر «وحدة الخطاب الإسلامي»: خطوة مهمة لترسيخ الاعتدال

الرئيس السوري في مؤتمر «وحدة الخطاب الإسلامي» بدمشق الاثنين (حساب الرئاسة)
الرئيس السوري في مؤتمر «وحدة الخطاب الإسلامي» بدمشق الاثنين (حساب الرئاسة)

بمشاركة أكثر من مائة وخمسين عالم دين وداعية في سوريا، عقدت وزارة الأوقاف مؤتمرها الأول «وحدة الخطاب الإسلامي» على مدى يومي الأحد والاثنين. وشارك الرئيس أحمد الشرع، اليوم، في المؤتمر الذي عقد في قصر المؤتمرات بدمشق.

وقال المتحدث باسم الوزارة، أحمد الحلاق، إن المؤتمر يهدف إلى توحيد الخطاب الديني وتعزيز حضوره الوطني الجامع، بما يسهم في ترسيخ قيم التعايش والتكامل مع مختلف مكونات المجتمع السوري، ونشر مفاهيم الوحدة الوطنية، وتعزيز استقرار المجتمع في هذه المرحلة الحساسة؛ وذلك من خلال ميثاق جامع «يشكّل منطلقاً حقيقياً لتوحيد الكلمة، وأحد أهم المرتكزات التي تسهم في بناء سوريا الجديدة».

وشارك نحو 150 عالم دين وداعية بمناقشة سبل تطوير الخطاب الديني ودور العلماء في ترسيخ خطاب جامع ينسجم مع متطلبات المرحلة.

افتتاح مؤتمر الأوقاف الأول في سوريا الأحد (سانا)

وقال الحلاق إن المؤتمر جاء «ثمرة لسلسلة من الورشات العلمية التي أُقيمت في مختلف المحافظات السورية، وشارك فيها أكثر من 500 عالم وداعية، بحثت خلالها محاور الخطاب الديني وسبل تطويره بما ينسجم مع متطلبات المرحلة، ويعزز روح المسؤولية الوطنية، ويؤكد دور العلماء في ترسيخ خطاب جامع يعبّر عن أصالة الدين وحكمة الاعتدال».

ولفت إلى أن المؤتمر وضع اللمسات النهائية بناءً على آراء ومقترحات العلماء المشاركين، لصياغة ميثاق جامع يشكل «منطلقاً حقيقياً لتوحيد الكلمة، وأحد أهم المرتكزات التي تسهم في بناء سوريا الجديدة على أسس الوحدة والتكامل والوعي المسؤول».

رفض الخطاب التحريضي

وخلال المؤتمر، عقد الرئيس السوري أحمد الشرع جلسة حوارية، اعتبر فيها أن «ميثاق وحدة الخطاب الإسلامي» يمثل خطوة مهمة لتعزيز وحدة الكلمة وترسيخ الاعتدال وتحقيق التوازن في الخطاب الديني، والابتعاد عن أي خطاب تحريضي أو إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية بما يعزز الانسجام المجتمعي ويحافظ على وحدة النسيج الوطني، مع ما يتميز به المجتمع السوري من تنوع.

الشرع تحدث أيضاً عن الأوضاع في سوريا خلال الجلسة الحوارية، فأشار إلى «تراكم من الفساد الإداري والتنظيمي لأكثر من 60 عاماً» الذي ورثه الحكم الجديد، واستعرض أكثر من عام من تسلم الحكومة الحالية لإدارة الأمور في البلاد، وتحدث عن عدد المنازل المهدمة التي تعيق عودة بعض النازحين، وعن إصلاحات في القضاء والاقتصاد، وإنجاز توقيع عقود استثمار.

مقاتلون من الأويغور كانوا في مقدمة عملية «ردع العدوان» التي أسقطت نظام الأسد ديسمبر الماضي (د.ب.أ)

تجدر الإشارة إلى أنه منذ اندلاع الثورة ضد نظام بشار الأسد، ظهر على الساحة السورية عدد من الجماعات الإسلامية بين فصائل مسلحة معارضة (سلفية، وجهادية، وإخوانية) وجماعات دعوية - صوفية تقليدية.

ومع وصول جماعات إسلامية مسلحة إلى السلطة في سوريا بعد الإطاحة بنظام الأسد، توحدت تحت قيادة «هيئة تحرير الشام»، فيما برزت قضية توحيد الخطاب الديني بوصفها أحد أهم التحديات التي تواجه بناء «الدولة الجديدة» وضمان حقوق كل مكونات المجتمع السوري، في ظل تحديات سياسية معقدة إقليمية ودولية.

ليس إلغاء للتنوع

من جهته، دعا وزير الأوقاف محمد أبو الخير شكري في افتتاح المؤتمر إلى «صياغة ميثاق جامع يلم شمل أطياف الهوية الدينية الإسلامية، ويضبط مسار العمل الديني في مواجهة التحديات الراهنة»، مؤكداً على أن «وحدة الخطاب لا تعني إلغاء التنوع أو الخصوصيات العلمية، بل تعني إدارة هذا التنوع تحت سقف المرجعية الجامعة وبوعي عميق بأن ما يجمع الأمة أكبر مما يفرقها».

وحذر رئيس اللجنة التحضيرية للمؤتمر، الشيخ أنس الموسى، من أن «غياب أدوات فهم النص ومنهجيات التعامل معه يفتح الباب لاجتهادات غير منضبطة، وهذا لا يعالج بالشعارات بل بإحياء أدوات الفهم». وأوضح أن وحدة الخطاب الإسلامي المنشودة تعني «بناء أرضية مشتركة في المنهج، وضبط الاختلاف بآداب العلم، واستعادة التوازن بين الموقف المعرفي والسلوك الأخلاقي».

جلسة حوارية في مؤتمر وزارة الأوقاف الأول (حساب الرئاسة)

ومن جانبه، رأى عضو مجلس الإفتاء الأعلى محمد نعيم عرقسوسي، أن سوريا أحوج ما تكون إلى وحدة الكلمة لمواجهة الأعداء وإفشال المؤامرات التي تستهدف تفكيك الصف الإسلامي. كما اعتبر مستشار رئاسة الجمهورية للشؤون الدينية، عبد الرحيم عطون، أن مسؤولية وحدة الخطاب الإسلامي هي «مسؤولية جماعية، تشترك فيها الدولة والمؤسسات والجماعات الدينية»، ما يتطلب «صدق النية والتجرد العلمي والإرادة الصادقة والشراكة الحقيقية التي تقدم المصلحة العامة على المصالح والانتماءات الضيقة» مؤكداً على أن «الاستقلال العلمي ضمانة، والانتظام في مشروع الدولة ضمانة للوحدة».


التركيز على سلاح «حماس» مقابل خفوت الانسحاب الإسرائيلي يعقد «اتفاق غزة»

طفل فلسطيني صغير ينظر إلى دفن 53 جثة مجهولة الهوية في مقبرة في دير البلح بوسط قطاع غزة  (أ.ف.ب)
طفل فلسطيني صغير ينظر إلى دفن 53 جثة مجهولة الهوية في مقبرة في دير البلح بوسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

التركيز على سلاح «حماس» مقابل خفوت الانسحاب الإسرائيلي يعقد «اتفاق غزة»

طفل فلسطيني صغير ينظر إلى دفن 53 جثة مجهولة الهوية في مقبرة في دير البلح بوسط قطاع غزة  (أ.ف.ب)
طفل فلسطيني صغير ينظر إلى دفن 53 جثة مجهولة الهوية في مقبرة في دير البلح بوسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

عاد ملف نزع سلاح حركة «حماس» إلى الصدارة بعد تصريحات أميركية حاسمة ومغايرة لما تردد إعلامياً، حيث شدد الرئيس دونالد ترمب على ضرورة «التخلي الكامل والفوري» عن السلاح، متجاوزاً الإفادات التي تحدثت عن «نزع تدريجي» في الكواليس.

حديث ترمب الذي لم يشمل في المقابل بند الانسحاب الإسرائيلي جاء قبل أول اجتماع لمجلس السلام في 19 فبراير (شباط) الحالي، وهو ما يرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أنه قد يكون سبباً في تعقيد تنفيذ اتفاق غزة وصولاً لتجميد بعض البنود، لافتين إلى أن التدرج حل واقعي يجب على «حماس» قبوله لإجبار إسرائيل على الانسحاب، وإحراج واشنطن لدفعها لذلك، وإلا فإن «شبح عودة الحرب سيكون أقرب».

ويسري في القطاع الفلسطيني بداية من 10 أكتوبر (تشرين الأول)، اتفاق لوقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حماس»، استند إلى مقترح تقدم به الرئيس الأميركي، ويشكل نزع سلاح «حماس» جزءاً أساسياً من مرحلته الثانية، التي أعلنت الولايات المتحدة الانتقال إليها في منتصف يناير (كانون الثاني)، وكان من المفترض أن يتوازى مع انسحاب الجيش الإسرائيلي تدريجياً من القطاع، ونشر قوة دولية لتحقيق الاستقرار في غزة.

ممرضة فلسطينية تقوم برعاية مريض يعاني من حالة خطيرة جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

مطلب أميركي

وكتب ترمب، في منشور على منصته «تروث سوشال»، الأحد: «ببالغ الأهمية، ينبغي على (حماس) أن تحترم التزامها بنزع سلاحها بشكل كامل وفوري»، وذلك قبل أيام من الاجتماع الأول لمجلس السلام المقرر في واشنطن في 19 فبراير.

وقال مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير حسين هريدي، إن اللافت في تصريحات ترمب أنه لا يذكر انسحاب إسرائيل، وهذا بالتأكيد ينعكس على اتفاق غزة، ويشي بأن هناك اتفاقاً تم بينهما خلال زيارة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لواشنطن، الأسبوع الماضي، مستدركاً: «لكن أحاديث الرئيس الأميركي عادة ما تكون ضبابية، وتحمل أكثر من رسالة».

ويرى هريدي أن اجتماع «مجلس السلام» سيكون حاسماً في نظر هذين البندين؛ نزع السلاح والانسحاب، لأن دولاً عديدة وبينها مصر تريد انسحاب إسرائيل لضمان نجاح الاتفاق، وستطرح ذلك في الكواليس وعلى الطاولة.

خريطة لمراحل الانسحاب من غزة وفق خطة ترمب (البيت الأبيض)

ويعتقد المحلل السياسي الفلسطيني، عبد المهدي مطاوع، أن نزع السلاح سيكون عقبة المرحلة المقبلة في ظل تمسُّك واشنطن به وتكراره أكثر من مرة على لسان ترمب، خصوصاً أنه أيضاً مطلب إسرائيلي رئيسي، مشيراً إلى أنه لن يحدث انسحاب إسرائيلي دون بداية لنزع حقيقي للسلاح، وإلا فسنرى الحرب مجدداً.

ويأتي هذا الطلب بعد أن أفادت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، قبل أيام بأن واشنطن تعد مقترحاً جديداً موجهاً لحركة «حماس» يتضمن تسليم الأسلحة الثقيلة القادرة على ضرب إسرائيل، مع السماح لها بالاحتفاظ ببعض الأسلحة الخفيفة في المرحلة الأولى، وسيقدم هذا المقترح خلال أسابيع.

ويرى هريدي أن الحديث عن التراجع في المقترح المطروح، يجب أن يسبقه تساؤل مهم حول طبيعة ما تمتلكه «حماس» من أسلحة، مرجحاً أن «الحرب أنهت على أغلب تسليح الحركة، وتكرر الحديث عن النزع دون معرفته تفاصيل ما لديه هو محاولة لوضع العربة أمام الحصان، وتعطيل للاتفاق».

ويعتقد مطاوع، أن فكرة التدرج ستكون الأقرب للتطبيق وللقبول من جانب «حماس» حال ضغط عليها الوسطاء، لا سيما أنه ليس أمامها بديل.

ولم تعلق «حماس» على هذا الطرح، لكنها تشدد مراراً على رفضها نزع السلاح في ظل «الاحتلال الإسرائيلي».

مراسم التوقيع على منحة يابانية لدعم المستشفيات المصرية في الاستجابة للأزمة الإنسانية بقطاع غزة (مجلس الوزراء المصري)

وقبل يومين من تسريب الصحيفة الأميركية رفض القيادي البارز بـ«حماس»، خالد مشعل، في منتدى بالدوحة، نزع السلاح كلياً قائلاً: «شعبنا ما زال تحت الاحتلال؛ لذلك فالحديث عن نزع السلاح هو محاولة لجعل شعبنا ضحية يسهل القضاء عليه وإبادته، من طرف (إسرائيل) المتسلحة بكل السلاح الدولي».

ودعا مشعل «مجلس السلام»، الذي يرأسه ترمب إلى اعتماد «مقاربة متوازنة» قبيل اجتماعه المرتقب يوم 19 فبراير الحالي، ورغم هذا التعثر في مشهد نزع السلاح، يتواصل دخول المرضى والمصابين الفلسطينيين، وشهدت سمر الأهدل نائب وزير الخارجية المصري، الاثنين، التوقيع على منحة مشروع يابانية لتوفير الدعم الطبي الطارئ للمستشفيات المصرية المتأثرة من الأوضاع في قطاع غزة وأزمة النازحين بقيمة 3.38 مليون دولار، وفق بيان لـ«الخارجية».

ويرى مطاوع، أهمية أن توافق «حماس» على مبدأ نزع السلاح والذهاب لصيغة تحقق ذلك مع الوسطاء ليتم الانتقال سريعاً في بند الإغاثة والإعمار وعدم استخدام إسرائيل ذلك ذريعة، وإلا فسيعطي ترمب الضوء الأخضر لإسرائيل للعودة للحرب مجدداً.

ويتوقع أنه كلما اقترب موعد الانتخابات الإسرائيلية المحتمل في يونيو (حزيران) تَشَدَّدَ نتنياهو أكثر، ووجدنا عراقيل حتمية في الانسحاب، وكذلك في نزع السلاح، وهو ما قد يجمد تلك البنود، وتبقى الأولوية للإغاثة فقط.