أربع خلاصات من «مؤتمر ميونيخ للأمن»

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني فريدريش ميرتس ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في «مؤتمر ميونيخ للأمن» (أ.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني فريدريش ميرتس ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في «مؤتمر ميونيخ للأمن» (أ.ب)
TT

أربع خلاصات من «مؤتمر ميونيخ للأمن»

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني فريدريش ميرتس ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في «مؤتمر ميونيخ للأمن» (أ.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني فريدريش ميرتس ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في «مؤتمر ميونيخ للأمن» (أ.ب)

سلّط «مؤتمر ميونيخ للأمن» في نسخته الأخيرة الضوء على قضايا أساسية عدة، أبرزها ظهور أميركا على أنّها أكثر حرصاً من دون أن تبدّد شكوك حلفائها بشأن مدى التزامها تجاههم، وإبداء أوروبا ميلاً أكبر للاعتماد على نفسها، وخصوصاً على المستوى الدفاعي.

وفي مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية»، فصّلت راشيل إليهوس المديرة العامة للمعهد الملكي للخدمات المتحدة (RUSI) هاتين النقطتين، مشيرة أيضاً إلى بروز السعي الصيني للتقرّب من الأوروبيين و«شغل المقعد الذي تخليه واشنطن»، وعدم اقتناع الأوروبيين بإمكان التوصل إلى نهاية وشيكة للحرب في أوكرانيا.

تطمينات أميركية قصيرة الأجل

وفق إليهوس، بعد عام من الخطاب الناري لنائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، أرسلت الولايات المتحدة «الناضجين في إدارة (الرئيس) دونالد ترمب؛ أي وزير الخارجية ماركو روبيو، ومساعد الوزير لشؤون الدفاع إلدريج كولبي» لإلقاء خطابات مدروسة بشكل أكبر أمام مؤتمر ميونيخ.

وقالت إنّ الأميركيين «أوضحوا أنّهم يعتبرون أوروبا بمنزلة شريك، وأنّ الولايات المتحدة تعتبر أنّ (حلف شمال الأطلسي/ ناتو) مفيد بالنسبة إليها، وأنّها تريد إنجاح هذه الشراكة»، في حال أخذ الأوروبيون زمام الأمور بأيديهم.

وأشارت إلى أنّ كولبي أدلى بتصريحات «صريحة للغاية، أكد فيها أنّ الولايات المتحدة لديها الكثير من المسؤوليات، وأن الأوروبيين يتمتعون بثروة كبيرة، وحان الوقت كي تتولى أوروبا زمام المبادرة في عمليات الدفاع التقليدية ضمن (حلف شمال الأطلسي)»، مضيفة أنّه «من المهم التأكيد على أنّهم لم يقولوا إنّ الولايات المتحدة مستعدة للتخلي عن مظلّتها النووية».

مع ذلك، لا تزال هناك تساؤلات كبيرة لدى العديد من الأوروبيين بشأن مستوى الثقة التي يمكن منحها لواشنطن.

وفي هذا السياق، قالت راشيل إليهوس: «شاركتُ في اجتماعات مع دول الشمال، لا تزال هذه الدول قلقة للغاية بشأن خطر عودة رغبة ترمب في شراء جزيرة غرينلاند، واحتمال حدوث مفاجآت أخرى».

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو خلال كلمته في «مؤتمر ميونيخ للأمن» (أ.ب)

من جهة أخرى، قالت إنّ كولبي «استخدم مصطلح (الواقعية المرنة)»، مضيفة: «لا أفهم تماماً كيف يمكن أن تكون الواقعية مرنة»، ومتسائلة: «هل يعني هذا أنّه يمكننا اختيار متى نريد احترام مبادئ الواقعية؟».

وأعربت عن قلقها من أنّ الولايات المتحدة تميّز «أعضاء (الناتو) الجيدين، الذين بذلوا جهوداً مثل ألمانيا والنرويج، على أنّهم يستحقون الدفاع عنهم أكثر من غيرهم» ممن بذلوا جهداً أقل في إطار زيادة الإنفاق الدفاعي، مثل إسبانيا.

وأشارت المديرة العامة للمعهد الملكي للخدمات المتحدة إلى «سبب آخر يدعو للقلق، يتمثّل في إشارات روبيو العديدة إلى القيَم المسيحية، والروابط الحضارية بين الولايات المتحدة وأوروبا»، معتبرة أنّ هذه الإشارات تثير مخاوف من تدخل أميركي في الانتخابات الأوروبية لصالح حركات اليمين المتطرّف.

الأوروبيون حسموا أمرهم ظاهرياً

بحسب إليهوس، فقد قدم المستشار الألماني فريدريش ميرتس في خطابه «دفعاً قوياً للغاية باتجاه (ناتو) أكثر أوروبية»، مضيفة أنّ رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر «أبدى رغبته في علاقات أوثق مع أوروبا القارية والاتحاد الأوروبي، وهو ما وجدته جريئاً للغاية على المستوى السياسي». وأشارت إلى أنّ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تحدث عن «دفاع أوروبي، وليس عن مجرد دفاع للاتحاد الأوروبي، بل دفاع أكثر شمولاً يضم دولاً مثل النرويج وتركيا والمملكة المتحدة».

وأكدت أنّ «كل هذا يشكّل خطوات جيدة إلى الأمام، بحيث تتقارب الدول الأوروبية الكبرى بشكل أوثق لصالح الدفاع الأوروبي، بما في ذلك على الجبهة النووية». ولكنها لفتت النظر إلى عقبات يجب التغلّب عليها، تتمثل في أنّ فرنسا والمملكة المتحدة تواجهان أوضاعاً مالية سيئة تحدّ من قدرتهما الاستثمارية، في حين تستغرق زيادة الإنفاق الدفاعي التي تقرّرت في إطار «حلف شمال الأطلسي» (ناتو) وقتاً أكبر، إضافة إلى صعوبة تنفيذ مشاريع التعاون الدفاعي، وغيرها من المسائل.

الصين بالمرصاد

اقترح وزير الخارجية الصيني وانغ يي تعزيز العلاقات مع ألمانيا، و«استئناف» العلاقات مع كندا، كما أبدى استعداداً لتقديم «مساعدات إنسانية جديدة» لأوكرانيا، في ظل مواصلة الغزو الروسي.

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر خلال كلمته في «مؤتمر ميونيخ للأمن» (رويترز)

واعتبرت إليهوس أنّ بكين «ستكون سعيدة بشغل المقعد الذي تعمل الولايات المتحدة على إخلائه، وبتقديم نفسها على أنّها حارس للتعددية». وقالت: «لا أحد يصدق ذلك، ولكنّهم (الصينيين) أظهروا وجهاً ودوداً للغاية قد يكون مغرياً للبعض».

وأوردت أنّ الأوروبيين «يدركون المخاطر، ولكنّهم قد ينجذبون إلى الفوائد الاقتصادية لعلاقة أوثق مع الصين، وربما يعتقدون أنّهم قادرون على إدارة الآثار السلبية، ليرتكبوا بذلك الخطأ نفسه الذي ارتكبته الولايات المتحدة قبل سنوات».

مفاوضات بشأن أوكرانيا

لا يعتقد الأوروبيون أنّ وقف إطلاق النار أمر وشيك في أوكرانيا. ورأت إليهوس أنّ «الشعور السائد هو أنّ روسيا لم تكن صادقة بشأن إنهاء الحرب، وأنّ المفاوضات الحالية ليست سوى محاولة من جانبها لكسب الوقت ومواصلة القتال».

غير أنّها لفتت النظر إلى أنّ كثراً منهم «حاولوا دحض السردية القائلة إنّ الروس ينتصرون»، عبر الإشارة إلى الخسائر الفادحة التي تكبّدوها مقابل مكاسب ميدانية ضئيلة وتدهور اقتصادي وضغوط على المجتمع الروسي. وقالت: «هذا ليس انتصاراً بالمعنى الحرفي للكلمة».


مقالات ذات صلة

شي يؤكد دعم استقلال دول أميركا اللاتينية في اختيار شركائها

آسيا  الرئيس الصيني شي جينبينغ (أ.ب)

شي يؤكد دعم استقلال دول أميركا اللاتينية في اختيار شركائها

أعرب الرئيس الصيني شي جينبينغ اليوم الثلاثاء عن دعمه دول أميركا اللاتينية في سعيها إلى الحفاظ على «استقلالها واعتمادها على الذات».

«الشرق الأوسط» (بكين)
شؤون إقليمية سفن تظهر بالقرب من مضيق «هرمز» (رويترز)

ترمب يصعّد بشأن مضيق «هرمز»: أرض أميركية جديدة

نشر الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم، صورةً على منصته للتواصل الاجتماعي «تروث سوشيال»، تظهر مضيق «هرمز» على خريطة، مرفقة بتعليق مقتضب: «أرض أميركية جديدة».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ ترمب وناتالي هارب بعد قضاء عطلة نهاية الأسبوع بنادي الغولف الخاص به في نيوجيرسي (أ.ف.ب)

من هي ناتالي هارب؟... المرأة التي لا تفارق ترمب

تثير ناتالي هارب، مساعدة ترمب، التساؤلات بسبب ظهورها الدائم إلى جانبه ودورها في نقل المعلومات إليه، خصوصاً بعد مرافقتها له في رحلة سرية من تركيا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

تراجع التأييد لترمب لأدنى مستوى خلال رئاسته عند 33 %

أظهر ‌استطلاع أجرته «رويترز - إبسوس» اليوم الاثنين تراجع نسبة التأييد للرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى أدنى مستوى لها منذ توليه الرئاسة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب والكاتبة إي جين كارول (أ.ف.ب)

المحكمة العليا الأميركية ترفض مجدداً طعن ترمب في قضية اعتداء على كاتبة

رفضت المحكمة العليا الأميركية، الاثنين، للمرة الثانية، محاولة الرئيس دونالد ترمب إلغاء حكم صادر عن هيئة محلفين خلص إلى أنه اعتدى جنسياً على كاتبة عام 1996.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

زلزال جديد يضرب غرناطة الإسبانية... و3 إصابات طفيفة

جدار متضرر من مبنى مُطوَّق عقب زلزال ضرب غرناطة في جنوب إسبانيا يوم 18 أغسطس 2026 (رويترز)
جدار متضرر من مبنى مُطوَّق عقب زلزال ضرب غرناطة في جنوب إسبانيا يوم 18 أغسطس 2026 (رويترز)
TT

زلزال جديد يضرب غرناطة الإسبانية... و3 إصابات طفيفة

جدار متضرر من مبنى مُطوَّق عقب زلزال ضرب غرناطة في جنوب إسبانيا يوم 18 أغسطس 2026 (رويترز)
جدار متضرر من مبنى مُطوَّق عقب زلزال ضرب غرناطة في جنوب إسبانيا يوم 18 أغسطس 2026 (رويترز)

ضرب زلزال جديد بلغت قوته 4,8 درجة مدينة غرناطة الإسبانية صباح الثلاثاء، ما تسبب في إصابة 3 أشخاص بجروح طفيفة، وحدوث تصدعات في بعض الجدران وتساقط حطام، حسبما قال مسؤولون، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويأتي ذلك بعد أيام من وقوع زلزال آخر في المدينة السياحية بجنوب إسبانيا.

ووقع الزلزال في نحو الساعة 10:38 صباحاً (08:38 بتوقيت غرينيتش)، وكان مركزه في بلدة أليندين الواقعة على بعد 10 كيلومترات جنوب غرناطة، وفقاً للمعهد الجغرافي الوطني.

حطام متناثر بأحد الشوارع عقب زلزال ضرب غرناطة في جنوب إسبانيا يوم 18 أغسطس 2026 (رويترز)

وقال وزير الطوارئ في إقليم الأندلس، أنتونيو سانث، إن 3 أشخاص أصيبوا بجروح طفيفة، بينهم فتاة نُقلت إلى المستشفى.

وقالت خدمات الطوارئ إنها تلقت أكثر من 50 اتصالاً، للإبلاغ عن تصدعات وتساقط حطام جراء الزلزال.

وأظهرت مقاطع فيديو نُشرت على وسائل التواصل الاجتماعي حطاماً متناثراً في الشوارع، وبعض الأضرار التي لحقت بالسيارات في المدينة.

وكتبت كريستينا رويث لوبيث (وهي عاملة مختبر كانت في متجر استهلاكي أثناء وقوع الزلزال) على منصة «إكس»: «كل شيء انهار. كان الأمر مرعباً».

وحثَّت شرطة بلدية غرناطة الناس على الابتعاد عن المباني بسبب خطر تساقط الحطام.

مركبة متضررة من الحطام عقب زلزال ضرب غرناطة بجنوب إسبانيا يوم 18 أغسطس 2026 (أ.ف.ب)

ودعا رئيس الحكومة الإقليمية خوان مانويل مورينو عبر منصة «إكس» الناس لاتخاذ أقصى درجات الحذر، مؤكداً أن الخبراء يحذِّرون «من إمكانية استمرار النشاط الزلزالي والهزات الارتدادية في المنطقة».

وكان زلزال آخر بقوة 5 درجات أيقظ سكان غرناطة بُعَيد منتصف ليل الجمعة- السبت. ولم يُبلَّغ عن وقوع إصابات جرَّاء ذلك الزلزال، ربما لأن عدد الأشخاص في الشوارع كان أقل في تلك الساعة، رغم الإبلاغ عن أضرار في بعض المباني.


الحكم على أوكراني في ألمانيا بتهمة التجسس لصالح روسيا

متهمان يغطيان وجهيهما لدى وصولهما إلى قاعة محكمة ألمانية وسط اتهامات بالتآمر لارتكاب هجمات متعمد نيابةً عن جهاز استخبارات روسي (رويترز)
متهمان يغطيان وجهيهما لدى وصولهما إلى قاعة محكمة ألمانية وسط اتهامات بالتآمر لارتكاب هجمات متعمد نيابةً عن جهاز استخبارات روسي (رويترز)
TT

الحكم على أوكراني في ألمانيا بتهمة التجسس لصالح روسيا

متهمان يغطيان وجهيهما لدى وصولهما إلى قاعة محكمة ألمانية وسط اتهامات بالتآمر لارتكاب هجمات متعمد نيابةً عن جهاز استخبارات روسي (رويترز)
متهمان يغطيان وجهيهما لدى وصولهما إلى قاعة محكمة ألمانية وسط اتهامات بالتآمر لارتكاب هجمات متعمد نيابةً عن جهاز استخبارات روسي (رويترز)

أصدرت محكمة ألمانية، الثلاثاء، حكماً بالسجن لمدة عام وثلاثة أشهر بحق أوكراني بعد إدانته بتهمة التجسس لصالح روسيا، والمساعدة في التحضير لأعمال تخريب محتملة، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وبرّأت المحكمة في شتوتغارت رجلين أوكرانيين آخرين كانا يحاكَمان في القضية نفسها التي تشمل محاولة إرسال طرود تحتوي على أجهزة تتبع عبر نظام تحديد المواقع (GPS) إلى أوكرانيا. وخلصت المحكمة إلى أن المخطط كان يهدف إلى «تعطيل المواصلات والبنية التحتية».

وقالت المحكمة إن الأوكراني البالغ من العمر 30 عاماً والذي كان «يقيم مؤخراً في سويسرا» مذنب بتهمة «التجسس بهدف التخريب».

متهم أوكراني يظهر أمام المحكمة الإقليمية العليا في شتوتغارت بألمانيا (إ.ب.أ)

وعلى الرغم من ذلك، سيتم حالياً الإفراج عنه، بعد احتساب الفترة التي أمضاها محتجزاً قبل بدء المحاكمة ضمن المهلة التي حددتها المحكمة.

ومنذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا، تُعدّ ألمانيا داعماً رئيسياً لكييف، وبقيت في حالة تأهب قصوى لمواجهة أي عمليات تخريب أو تجسّس من جانب موسكو.

وفي وقت سابق هذا الشهر، عُثر على طائرة مسيَّرة محملة بمتفجرات قرب طائرة شحن أوكرانية في مطار لايبزيغ/هاله في ألمانيا الذي يُعدّ مركزاً استراتيجياً للنقل العسكري واللوجستي.

ووصف وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبرينت الواقعة بأنها «هجوم هجين»، ملمحاً إلى أن «قوة أجنبية» ربما تكون ضالعة فيه، من دون أن يسمي روسيا مباشرة.


ألمانيا تسرع العمل على تكنولوجيا المسيرات بعد هجوم فاشل في مطار لايبزيغ

وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوربنت يتفحص مسيرة خلال افتتاح مركز لتكنولوجيا المسيرات في ولاية ساكسونيا أنهالت (رويترز)
وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوربنت يتفحص مسيرة خلال افتتاح مركز لتكنولوجيا المسيرات في ولاية ساكسونيا أنهالت (رويترز)
TT

ألمانيا تسرع العمل على تكنولوجيا المسيرات بعد هجوم فاشل في مطار لايبزيغ

وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوربنت يتفحص مسيرة خلال افتتاح مركز لتكنولوجيا المسيرات في ولاية ساكسونيا أنهالت (رويترز)
وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوربنت يتفحص مسيرة خلال افتتاح مركز لتكنولوجيا المسيرات في ولاية ساكسونيا أنهالت (رويترز)

أمام التهديدات الأمنية المتزايدة من المسيرات، افتتحت ألمانيا مركز أبحاث متخصصاً في المسيرات في ولاية «ساكسونيا أنهالت» التي كانت ضحية هجوم فاشل بمسيرة مزودة بمتفجرات قبل قرابة أسبوعين.

وحذر وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوربنت خلال افتتاح المركز في مطار مدينة ماغدبورغ، عاصمة الولاية، من أن ألمانيا «ضحية يومية لهجمات هجينة من قوى خارجية تحاول زعزعة استقرارها عبر عمليات تجسس وتخريب وتلاعب»، وأضاف أن «من يستهدف ألمانيا يضرب كل أوروبا».

طائرة الشحن الأوكرانية التي عثر بالقرب منها على مسيرة محملة بمتفجرات في مطار لايبزغ ليل 5 أغسطس الماضي (أ.ف.ب)

وأشار دوربنت إلى أن العثور على مسيرة مزودة بمتفجرات في مطار لايبزغ في الولاية نفسها، أكد على الحاجة الملحة لاتخاذ تدابير دفاعية في هذا المجال. وقال دوربنت إن المركز هدفه المساعدة في الفوز «بسباق التسلح بين تكنولوجيا المسيرات الدفاعية وتكنولوجيا التدابير المضادة للمسيرات من خلال الابتكار والبحث»، مضيفاً أن المركز سيكون «عنصراً رئيسياً في البنية الأمنية للتصدي للتهديد الهجين الذي تشكله الطائرات المسيرة».

وسيكون المركز الذي يحمل تسمية «مركز تكنولوجيا سلامة الطائرات المسيرة» تحت قيادة المركز الألماني للفضاء. وقالت وزير الأبحاث دوروثي باير التي شاركت في افتتاح المركز، إن ألمانيا «تتميز بأداء متميز في مجال الأبحاث الأساسية لكننا بحاجة ببساطة إلى تسريع وتيرة التطبيق العلمي لتلك الأبحاث». وأشارت إلى أن التقنيات الخاصة بأنظمة المسيرات والتصدي لها تتطور «بسرعة فائقة»، مضيفة أن المركز «يهدف إلى المساعدة في تقييم الأساليب الجديدة في مراحل مبكرة ومواصلة تطويرها وتحويلها بسرعة أكبر إلى تطبيقات عملية». وستستثمر الحكومة الألمانية قرابة 10 ملايين يورو في السنوات المقبلة لتوسيع البحث في مجال التصدي للمسيرات.

وعثرت السلطات في مطار لايبزيغ على مسيرة محملة بمتفجرات على مسافة أمتار من طائرة بضائع أوكرانية، ليل الأربعاء 5 أغسطس (آب) الماضي. وأظهرت التحقيقات الأولية وجود مادة النيترات الشديدة التفجير في المسيرة إضافة إلى صاعق للتفجير عن بعد. وتعتقد السلطات أن المسيرة لم تنفجر؛ لأن الصاعق توقف عن العمل. وأرسلت السلطات فور اكتشاف المسيرة، رجلاً آلياً لإجراء الفحص الأول والإعداد لتفجير مدروس.

نظام دفاعي لطائرة مسيرة تابع للمركز الألماني للفضاء الذي يشغل مركز تكنولوجيا المسيرات في ولاية ساكسونيا أنهالت (رويترز)

وعثرت السلطات لاحقاً على أثر حمض نووي على المسيرة قادها إلى مكان في ولاية «ساكسونيا أنهالت» يعتقد المحققون أن من كان يديرها موجود هناك. وتبحث السلطات في محيط المنطقة عن المشتبه به الذي كان يسير الطائرة. وبحسب صحيفة «بيلد» الألمانية، فإن الحمض النووي الذي تم العثور عليه يتطابق مع ذلك الذي عثر عليه في موقع هجوم الحريق المتعمد الذي وقع في يوليو من عام 2024 في مركز للخدمات اللوجستية التابع لشركة «دي إتش إل» في لايبزيغ، عثر حينها على عبوة حارقة داخل طرد حيث اشتعلت تلقائياً.

ورغم أن ألمانيا لم توجه أصابع الاتهام لأي طرف، فإن الشكوك تحوم حول روسيا. ونقلت وسائل إعلام أميركية أن المخابرات الأميركية تعتقد أن روسيا مسؤولة عن الهجوم الفاشل في مطار لايبزيغ. ونقلت صحيفة «وول ستريت جورنال»، عن مصادر قالت إنها مطلعة على تقارير المخابرات الأميركية، أن الحكومة الروسية على الأرجح مسؤولة عن المسيرة. ونقلت قناة «سي إن إن» عن مسؤولين أميركيين في أوروبا، أن المخابرات الأميركية استنتجت أن المخابرات الروسية هي المسؤولة عن المسيرة.

وفي تقريرها السنوي في يونيو (حزيران) الماضي، حذرت المخابرات الألمانية الداخلية من ازدياد عمليات التخريب المرتبطة بالمخابرات الروسية داخل ألمانيا، وقالت إن هذه العمليات تزداد منذ الحرب في أوكرانيا. وتعد ألمانيا أكبر مزود للسلاح لأوكرانيا بعد تراجع الولايات المتحدة إلى المركز الثاني منذ دخول الرئيس دونالد ترمب إلى البيت الأبيض.

مسيرات أوكرانية في مخزن بمدينة لفيف (إ.ب.أ)

وتتكرر في ألمانيا حوادث العثور على مسيرات بالقرب من مطارات أو مراكز حيوية، رغم أنها كانت المرة الأولى التي يتم العثور فيها مسيرة معدة للتفجير قبل أسبوعين. وتتكرر كذلك عمليات القرصنة لمراكز حكومية توجه فيها برلين عادة أصابع الاتهام إلى الكرملين، كان آخرها قبل أيام لوزارتين في ولاية برلين المحلية. وتعطل العمل بالإنترنت، وتوقفت المراسلات الإلكترونية الداخلية في وزارتي النقل والتخطيط التابعتين لحكومة برلين المحلية بعد تعرضهما لعمليات قرصنة، نهاية الأسبوع الماضي. وتم فصل الوزارتين عن شبكة الولاية لأسباب أمنية، ولمنع حدوث المزيد من الأضرار. ونقلت صحيفة «تاغس شبيغل» البرلينية أن الهجوم ربما يكون قد طال عدداً أكثر من المباني، كما أنه من المحتمل أن يكون تم تسريب بيانات، ولكن مصادر أضافت للصحيفة أن البيانات الجغرافية التي تم تسريها متوفرة أصلاً للعامة. وذكرت إذاعة برلين براندنبيرغ أن «بيانات حساسة» قد تعرضت للاختراق، مشيرة إلى أن المهاجمين «استغلوا على ما يبدو ثغرة في أنظمة تكنولوجيا المعلومات» لشن الهجوم الإلكتروني.

رجل يسير بموقع انفجار مبنى سكني عقب استهدافه بطائرة مسيّرة بالقرب من الحدود مع أوكرانيا بغالاتي الرومانية في مايو الماضي (رويترز)

وما زالت التحقيقات جارية لتحديد المسؤول عن الهجوم، كما لم يرجع العمل بعد بالشبكة الداخلية في الوزارتين المتأثرتين. ويحذر خبراء في المعلوماتية منذ سنوات بأن الإدارات المحلية في برلين وولايات أخرى غير مجهزة للتعامل مع اختراقات أمنية، كما أن الأنظمة التي تستخدمها ضعيفة وغير كافية لحمايتها من هذه الهجمات.

من جانب آخر، نددت وزارة الخارجية في مولدوفا، الاثنين، ​بانتهاك المجال الجوي للبلاد من جانب جسم جوي مجهول انفجر في وقت لاحق. وتشترك مولدوفا في حدود مع أوكرانيا، وتدعمها ‌في حربها ‌ضد روسيا، وتعاملت ​مولدوفا ‌مع ⁠عدة ​حوادث لطائرات ⁠مسيرة حلقت فوق أراضيها، إضافة إلى العثور على حطام قرب الحدود.

جزء من طائرة أوكرانية مسيّرة سقطت بمنطقة كراسلافاس في لاتفيا 25 مارس الماضي (رويترز)

وقالت السلطات في مولدوفا إن ⁠الجسم الجوي دخل المجال ‌الجوي للبلاد، ‌وانفجر ‌بعد وقت قصير قرب بلدة تالمازا المحاذية للحدود مع أوكرانيا، وأضافت أن الانفجار ‌أدى إلى اشتعال النيران في بعض الأعشاب ⁠لكن دون ⁠وقوع أي إصابات، ولم تحدد السلطات مصدر الجسم الجوي، وقالت وزارة الخارجية في بيان: «يشكل هذا الحادث انتهاكاً خطيراً لسيادة جمهورية مولدوفا، وينطوي على خطر مباشر على ​سلامة ​مواطنينا. مثل هذه الحوادث غير مقبولة».