سباق أميركي ــ صيني لاستكشاف القمر

بين مهمات «أرتيميس» الأميركية ورحلات المركبات الفضائية الصينية

جهود أميركية حثيثة لاستكشاف القمر
جهود أميركية حثيثة لاستكشاف القمر
TT

سباق أميركي ــ صيني لاستكشاف القمر

جهود أميركية حثيثة لاستكشاف القمر
جهود أميركية حثيثة لاستكشاف القمر

لطالما نفت وكالة الفضاء الصينية المأهولة (CMSA) وجود أي منافسة مع الولايات المتحدة على غرار سباقها مع الاتحاد السوفياتي السابق، للوصول إلى القمر في ستينات القرن الماضي. ومع ذلك، نجد أنه رويداً رويداً، وعلى امتداد عقود، بنت الصين برنامجاً فضائياً مأهولاً يسعى نحو أهداف تتضمن إنزال رواد فضاء على سطح القمر بحلول عام 2030، وإنشاء قاعدة هناك في السنوات اللاحقة.

تنافس صيني - أميركي

مع استمرار تأجيل مواعيد إطلاق مهمة «أرتيميس 3»، التابعة لـ«ناسا» للهبوط على سطح القمر، بدأت تتصاعد حدة تصريحات القيادات الأميركية بمجال الفضاء تجاه سباق الفضاء مع بكين. وفي هذا الصدد، صرّح جاريد أيزكمان، الرئيس الجديد لوكالة «ناسا»، ديسمبر (كانون الأول) الماضي: «نحن في خضم منافسة شرسة مع منافس يمتلك الإرادة والأدوات التي تمكنه من تحدّي التميّز الأميركي عبر مجالات متعددة، بما في ذلك الريادة في مجال الفضاء. ليس هذا وقت التأجيل، بل وقت العمل، لأننا إن تخلفنا عن الركب - إن ارتكبنا خطأً - فقد لا نتمكن من اللحاق بالركب ثانية أبداً، وقد تبدل عواقب ذلك موازين القوى هنا على الأرض».

ورغم تأخر إطلاق مهمة «أرتيميس 2» التابعة لـ«ناسا»، لنقل طاقم من رواد الفضاء في رحلة تجريبية حول القمر، فقد صرّح البيت الأبيض بأن على رواد الفضاء الأميركيين إعطاء الأولوية للهبوط على سطح القمر بحلول عام 2028. وهنا، ثمة تساؤلات تفرض نفسها: هل بمقدور بكين أن تسبقهم؟ وكيف ستجري الرحلة القمرية الصينية؟ وهل يمتلك البرنامج الفضائي الصيني تكنولوجيا تُضاهي أو تتفوق على نظيرتها الأميركية؟

تقول نامراتا غوسوامي، الأستاذة بجامعة جونز هوبكنز، في حديث نقله موقع «سبيكتروم» التابع لجمعية المهندسين الكهربائيين الأميركيين الإلكتروني: «لا أحد (في الصين) يُجادل بأننا في سباق فضائي. ومع ذلك، فإنهم ربما يضطلعون بجهود تُظهر الصين باعتبارها قوة فضائية، وهم جادّون للغاية في الوصول إلى مكانة متقدمة على هذا الصعيد».

مركبات فضائية صينية

أما المركبتان الفضائيتان «مينغتشو» (Mengzhou) و«لانيو» (Lanyue)، فتعتمد المعدات القمرية الصينية على أساس هندسي قائم بالفعل، وتقوم على أساس سفينة فضائية متعددة الأغراض تُدعى «مينغتشو»، تتسع لستة أو سبعة رواد فضاء، مع إمكانية سفر ثلاثة رواد فضاء فقط في رحلة من الأرض إلى مدار قمري منخفض. وبحسب ما عرضته وكالة الفضاء الصينية، تتضمن المركبة «مينغتشو» قسماً للطاقم على شكل مخروط ناقص، مع وحدة خدمة في الخلف تضم أنظمة الطاقة والدفع.

وإذا دققت النظر فستلاحظ تشابهاً مع مركبات الفضاء الأميركية «أرتيميس» أو «أبولو»، أو مركبة «كرو دراغون» التابعة لشركة «سبيس إكس»، أو مركبة «نيكس» الأوروبية، التي لم تُجرَّب بعد. وجدير بالذكر أن مبادئ الديناميكا الهوائية الأساسية، تجعل من المخروط الناقص شكلاً فاعلاً للغاية لإطلاق مركبة فضائية بأمان، وإعادتها عبر الغلاف الجوي للأرض.

ويجري التسويق لمركبة «مينغتشو» باعتبارها قابلة لإعادة الاستخدام، إذ تتميز بدرع حرارية خارجية يمكن استبدالها بعد الرحلة. ومن المقرر أن تجري عمليات الهبوط في صحراء غرب الصين. وجاء في بيان صادر عن وكالة الفضاء الصينية: «بالإضافة إلى أسلوب الهبوط باستخدام الوسائد الهوائية، يمكن حماية المركبة الفضائية بشكل أفضل من التلف، ما يسمح بإعادة استخدامها».

ومن المقرر إطلاق المركبة بواسطة صاروخ «لونغ مارش 10» الجديد ذي القدرة العالية على الرفع، وهو أحد صاروخين يُستخدمان في أي مهمة قمرية محددة. ويبلغ ارتفاع صاروخ «لونغ مارش 10»، المعد للرحلات القمرية، 92.5 مترً عند الإطلاق، ويولد قوة دفع تبلغ 2678 طناً. وتجدر الإشارة إلى أن صاروخ «أرتيميس 2» أقوى، إذ تبلغ قوته 3992 طناً.

وستنطلق «مينغتشو» إلى القمر بعد أن يُطلق صاروخ «لونغ مارش 10» آخر مركبة هبوط قمرية تحمل اسم «لانيو». وسيلتقي الصاروخان ويرسوان في مدار قمري، وسينتقل رائدا فضاء إلى «لانيو» ويهبطان على سطح القمر. بعد ذلك، ستنتظر مركبة «مينغتشو» رائدي الفضاء في مدارها للعودة إلى الأرض. يذكر أن كتلة مركبة «لانيو» تقدر بـ26 طناً، ويمكنها حمل مركبة جوالة تزن 200 كيلوغرام.

من ناحيتها، أفادت السلطات الصينية بأن اختبارات «لانيو» بدأت عام 2024. ومن المقرر أن تنطلق «مينغتشو» في أول رحلة آلية لها عام 2026، و«لانيو» عام 2027. أما أول مهمة اختبار مشتركة فمُخطط لها في عام 2028 أو 2029، على أن يتوجه أول طاقم إلى القمر بعد ذلك بعام.

خطة صينية طويلة الأجل

ما خطة بكين طويلة الأجل للفضاء؟ يغفل التركيز على المعدات فرقاً جوهرياً بين جهود بكين وواشنطن للهبوط على القمر؛ فبرنامج «أرتيميس» يعدّ نتاجاً لنقاشات متقطعة داخل أروقة الحكومة الأميركية منذ انتهاء برنامج «أبولو» في سبعينات القرن الماضي. ومنذ ذلك الحين، تغيرت الأهداف مراراً وتكراراً، غالباً مع تولي رؤساء جدد مناصبهم.

وفي المقابل، نجد أن الحملة الصينية نتاج خطة تسمى «مشروع 921»، نالت دعم الحزب الشيوعي الصيني للمرة الأولى عام 1992. ورغم تعرضها لبعض التحديثات وبعض النكسات التكنولوجية، ظلت الصين ملتزمة بها إلى حد كبير منذ ذلك الحين.

وعن ذلك، تقول غوسوامي: «ما ميّز الجهود الصينية في مجال الفضاء عن غيرها، دمج جميع العناصر؛ فالأمر لا يقتصر على مجرد إطلاق مهمة، بل يتجاوز ذلك بكثير. إنهم ينظرون إلى الفضاء باعتباره نشاطاً كاملاً، وليس مجرد مهمات».

وبعبارة أخرى، كما تقول الباحثة، فإن كل تكنولوجيا جديدة تعدّ جزءاً من جهد منسق لخلق وجود مستدام في الفضاء، الأمر الذي يُحقق مكاسب اقتصادية وجيوسياسية، وأحياناً عسكرية. وقد تكاملت جميع هذه العناصر، حتى الآن، بعضها مع بعض؛ فقد أطلقت أول كبسولة مدارية، «شنتشو 1» عام 1999، ما أسهم في إنجاز أول رحلة لرائد فضاء، يانغ ليوي، على متن «شنتشو 5» عام 2003. بعد ذلك، تطورت المحطات الفضائية (سلسلة «تيانغونغ»)، التي بدأت عام 2011، والتي يسافر إليها طاقم «شنتشو» بانتظام منذ ذلك الحين (أُطلقت «شنتشو 22» في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي). ومن المنتظر أن تتولى «مينغتشو»، نهاية المطاف، دور المركبة الرئيسية لنقل الطاقم في رحلات الفضاء حول الأرض.

في غضون ذلك، شهدنا وتيرة ثابتة لإطلاق المركبات الفضائية الروبوتية المدارية والهابطة على سطح القمر (أعادت مركبة «تشانغ إي - 6» أول عينة تربة من الجانب البعيد للقمر عام 2024)، وسيتبعها، كما قيل لنا الآن، رواد فضاء صينيون.

وبذلك يتضح أن الصينيين بدأوا ببطء وتأنٍّ، عن عمد، مع فترات راحة طويلة بين المهمات، ولم تكتسب جهودهم بمجال الفضاء زخماً واضحاً إلا في الفترة الأخيرة. وفي بعض الأحيان، استعانوا بخبرات دول أخرى. على سبيل المثال، استعارت كبسولة «شنتشو» المأهولة في التسعينات، جزءاً كبيراً من تصميمها من مركبة «سويوز» الروسية.

ويشير كثير من المهندسين، اليوم، إلى أن خطة «مينغتشو - لانيو» تشبه إلى حد كبير ما اقترحه مدير «ناسا» آنذاك، مايكل غريفين، لبرنامج «كونستليشن»، التابع لـ«ناسا»، عام 2005، وهو عبارة عن مركبة مأهولة تُطلق بواسطة صاروخ، ومركبة هبوط على سطح القمر بواسطة صاروخ آخر، حيث ينتقل رواد الفضاء إلى مركبة الهبوط بمجرد وصولهم إلى مدار القمر.

وبالتأكيد، فإن إطلاق كبسولة مأهولة ومركبة هبوط على سطح القمر، سيشكل عبئاً كبيراً على عملية إطلاق واحدة، كما كانت الحال مع برنامج «أبولو - ساتورن 5»، لأن عمليات الهبوط ستكون أكثر طموحاً مما يمكن إنجازه باستخدام وحدة الهبوط القمرية البسيطة لبرنامج «أبولو»، نظراً لطول مدة الإقامة وتجهيزات القاعدة القمرية.

من جهته، يقول مدير سابق رفيع المستوى في وكالة «ناسا»، طلب، كغيره، عدم ذكر اسمه: «يسعى الصينيون إلى تصميم مشابه لتصميم برنامج (أبولو). وهذا أمر مفهوم، لأن طموحهم يكمن في السرعة، وقد نجح برنامج (أبولو)».

ولهذا السبب يتحدث جاريد أيزكمان عن ضرورة الإسراع من وتيرة الجهود التي تبذلها وكالة «ناسا». وقد تجنب حتى الآن ذكر كلمة «الصين» علانية؛ فالصينيون، على حد تعبيره، هم عادةً «خصمنا الأكبر» أو «منافسنا».

من جهتهم، يقول بعض المخضرمين في وكالة «ناسا» إن الصين قد تُسهم في دفع الوكالة نحو مزيد من السرعة والمرونة. ويشيرون إلى أن نجاح برنامج «أبولو» يعود، إلى حد كبير، إلى سباق التفوق على الاتحاد السوفياتي. وقد يُساعد التحدي الصيني - حتى إن كان غير مُعلن أو متخيلاً - برنامج «أرتيميس» في المضي قدماً. وقال أيزكمان لموظفي «ناسا»: «لدينا منافس قوي يتحرك بسرعات مُذهلة، ومن المُقلق التفكير في عواقب فشلنا في الحفاظ على تفوقنا التكنولوجي والعلمي والاقتصادي في الفضاء. إن الوقت يداهمنا!».


مقالات ذات صلة

«إنفيديا» تطرح نموذج «إيزينغ» لتقريب الحوسبة الكمية من الاستخدام العملي

خاص يركز «إيزينغ» على معالجة اثنتين من أصعب العقبات الهندسية التي تعوق الاستخدام العملي للأنظمة الكمية (غيتي)

«إنفيديا» تطرح نموذج «إيزينغ» لتقريب الحوسبة الكمية من الاستخدام العملي

تطرح «إنفيديا» نموذج «إيزينغ» المفتوح لتحسين معايرة المعالجات الكمية وتصحيح الأخطاء، في محاولة لتقريب الحوسبة الكمية من الاستخدام العملي.

نسيم رمضان (لندن)
خاص يشير استعداد المستخدمين للدفع مقابل أداء أفضل إلى فرصة إيرادية قد تضيف للمشغلين ما يصل إلى شهرين إضافيين من متوسط العائد السنوي لكل مستخدم (شاترستوك)

خاص «إريكسون» لـ«الشرق الأوسط»: جودة الشبكة المضمونة تحسم 53 % من قرار الاشتراك

تظهر دراسة «إريكسون» أن المستهلك السعودي بات يمنح الأداء المضمون وزناً أكبر في اختيار الشبكة مع فرص نمو مدفوعة بالجيل الخامس والذكاء الاصطناعي.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا التحديث الأمني العاجل يعالج ثغرة حرجة في برنامجي «Reader» و«Acrobat» على «ويندوز» و«ماك أو إس» (شاترستوك)

ثغرة خطيرة في «Reader» و«Acrobat » تدفع «أدوبي» إلى تحديث عاجل

أصدرت «أدوبي» تحديثاً عاجلاً لسد ثغرة خطيرة في «Reader» و«Acrobat» استُغلت فعلياً عبر ملفات «PDF» ما يتطلب التحديث فوراً.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا قالت الشركة إن بيانات الدفع وحسابات المستخدمين نفسها لم تتعرض للاختراق لكنها لم تكشف عدد المتضررين (شاترستوك)

«Booking.com» تؤكد اختراق بعض بيانات حجوزات العملاء

أكدت «Booking.com» اختراق بعض بيانات الحجوزات، ما يثير مخاوف من استغلالها في التصيد، والاحتيال، رغم عدم تسرب بيانات الدفع.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا يعكس إطلاق الميزة في العالم العربي توجه «غوغل» إلى توسيع قدرات «جيميناي» الشخصية والمدفوعة خارج أسواق الإطلاق الأولى (غيتي)

«غوغل» تطرح ميزة «الذكاء الشخصي» في العالم العربي عبر «جيميناي»

تطرح «غوغل» ميزة «الذكاء الشخصي» عبر «جيميناي» في العالم العربي مقدمةً إجابات أكثر تخصيصاً مع تركيز على الخصوصية والشفافية.

نسيم رمضان (لندن)

روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم نصائح طبية مضللة

روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم نصائح طبية مضللة
TT

روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم نصائح طبية مضللة

روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم نصائح طبية مضللة

كشفت دراسة جديدة أن روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم للمستخدمين نصائح طبية خاطئة في نحو نصف الحالات، ما يسلط الضوء على المخاطر الصحية لهذه التقنية التي باتت جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية.

تقييم 5 نماذج ذكية

وأجرى باحثون من الولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة تقييماً لـ5 منصات شائعة: «تشات جي بي تي»، و«جيميناي»، و«ميتا إيه آي»، و«غروك»، و«ديب سيك» من خلال طرح 10 أسئلة على كل منها، ضمن 5 فئات صحية.

نصف الإجابات خاطئة

ووفقاً للنتائج المنشورة هذا الأسبوع في المجلة الطبية «BMJ Open»، اعتُبر نحو 50 في المائة من إجمالي الإجابات خاطئاً، بما في ذلك ما يقرب من 20 في المائة كانت إجابات خاطئة للغاية، وفقاً لتقرير نشرته وكالة «بلومبرغ».

وأظهرت الدراسة أن أداء روبوتات الدردشة كان أفضل نسبياً في الإجابة عن الأسئلة المغلقة، والأسئلة المتعلقة باللقاحات والسرطان، بينما كان أداؤها أسوأ في الإجابة عن الأسئلة المفتوحة وفي مجالات مثل الخلايا الجذعية والتغذية.

إجابات بثقة... من دون مراجع

أفاد الباحثون بأن الإجابات كانت تُقدَّم غالباً بثقة ويقين، مع أن أياً من برامج الدردشة الآلية لم يُقدِّم قائمة مراجع كاملة ودقيقة استجابةً لأي سؤال. ولم يُسجَّل سوى رفضين للإجابة عن سؤال، وكلاهما من نموذج «ميتا».

افتقار النماذج للخبرة الطبية

تُسلِّط هذه النتائج الضوء على القلق المتزايد بشأن كيفية استخدام الناس لمنصات الذكاء الاصطناعي التوليدي، التي لا تملك ترخيصاً لتقديم المشورة الطبية، وتفتقر إلى الخبرة السريرية اللازمة للتشخيص.

200 مليون يستشيرون «الطبيب جي بي تي» أسبوعياً

وقد أدى النمو الهائل لبرامج الدردشة الآلية التي تعمل بالذكاء الاصطناعي إلى تحويلها لأداة شائعة للأشخاص الذين يبحثون عن إرشادات بشأن أمراضهم. وصرَّحت شركة «أوبن إيه آي» بأن أكثر من 200 مليون شخص يطرحون أسئلة حول الصحة والعافية على منصة «تشات جي بي تي» أسبوعياً.

وكانت المنصة قد أعلنت في يناير (كانون الثاني) الماضي عن أدوات صحية لكل من المستخدمين العاديين والأطباء. وفي الشهر نفسه أعلنت شركة «أنثروبيك» عن إطلاق منتجها «كلاود» كخدمة جديدة للرعاية الصحية.

تضخيم المعلومات المضللة

وأشار مؤلفو الدراسة إلى أن أحد المخاطر الرئيسية لنشر برامج الدردشة الآلية دون توعية عامة ورقابة، هو أنها قد تُضخِّم المعلومات المضللة. وكتب الباحثون أن النتائج «تُسلِّط الضوء على قيود سلوكية مهمة، وعلى ضرورة إعادة تقييم كيفية استخدام روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في التواصل الصحي والطبي الموجَّه للجمهور». وأضافوا أن هذه الأنظمة قد تُنتج «ردوداً تبدو موثوقة، ولكنها قد تكون معيبة».


حين يقترح الذكاء الاصطناعي الدواء… مَن يقرر فعلاً؟

بين الشاشة والطبيب
بين الشاشة والطبيب
TT

حين يقترح الذكاء الاصطناعي الدواء… مَن يقرر فعلاً؟

بين الشاشة والطبيب
بين الشاشة والطبيب

في الطب، لم يكن القرار يوماً مجرد اختيار بين خيارات متاحة، بل لحظة مسؤولية معقدة، يقف فيها الطبيب بين ما تقوله البيانات وما يعيشه الإنسان. فالتشخيص قد يكون علماً، لكن القرار ظل دائماً فعلاً إنسانياً يقوم على مزيج من الخبرة والحدس والقدرة على قراءة ما بين السطور.

عندما يصبح القرار احتمالاً

وفي الطب النفسي تحديداً، يزداد هذا التعقيد. فالمريض ليس رقماً ولا عضواً يمكن قياسه، بل تجربة إنسانية كاملة: مشاعر، ذاكرة، وعلاقات. لذلك؛ كان اختيار الدواء أقرب إلى محاولة فهم... لا إلى تطبيق معادلة.

لكن هذا التوازن بدأ يتغير مع دخول الذكاء الاصطناعي التنبؤي، حيث لم يعد القرار يبدأ من الفهم فقط، بل من الاحتمال.

الدواء تحت مجهر الخوارزمية

من«أي دواء أختار؟» إلى «ما احتمال النجاح؟»

في دراسة حديثة نُشرت في أبريل (نيسان) 2026 في مجلة «جاما للطب النفسي» (JAMA Psychiatry)، حلّل باحثون بيانات أكثر من 300 ألف مريض لتقدير احتمالية الاستجابة لمضادات الاكتئاب من نوع مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية (SSRIs)، وأظهرت النتائج أن النماذج التنبؤية بلغت دقة تقارب 74 في المائة، مقارنة بما يقابل نحو 48 في المائة في الممارسة التقليدية.

لكن الأهم من الأرقام هو ما تعكسه من تحول في طريقة التفكير الطبي. فبدلاً من أن يبدأ الطبيب من خبرته ليختار الدواء، يبدأ الآن من تقدير احتمالي مسبق يوجه القرار منذ البداية... وهنا لا تتغير الإجابة فقط... بل يتغير السؤال نفسه.

مثال من العيادة... حيث يبدأ التردد

في عيادة نفسية، يحضر مريض يعاني اكتئاباً متوسطاً. في النموذج التقليدي، يختار الطبيب الدواء بناءً على خبرته، ثم يراقب الاستجابة ويعدّل العلاج عند الحاجة.

أما مع الذكاء الاصطناعي، فيمكن إدخال بيانات المريض للحصول على تقدير لاحتمال نجاح كل خيار. قد يشير النظام إلى أن دواءً معيناً يملك فرصة نجاح أعلى بنسبة 68 في المائة. في هذه اللحظة، لا يختفي دور الطبيب... لكنه يتغير.

ويظهر سؤال جديد: هل يتبع خبرته... أم الاحتمال؟

هل أصبح القرار حسابياً؟

رغم دقة هذه النماذج، فإنها لا «تفهم» المريض كإنسان، بل تحلل أنماطاً إحصائية مستخلصة من بيانات واسعة. فهي لا تدرك التاريخ النفسي أو السياق الاجتماعي أو التعقيد الشخصي للحالة. وما تقدمه هذه الأنظمة ليس قراراً، بل هو احتمال مبني على تشابه الحالات. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل يكفي أن يكون الخيار أكثر احتمالاً للنجاح... ليكون الخيار الأنسب؟

تعاون طبي بعقل واحد

بين الدقة والإقناع

كلما ازدادت دقة الخوارزميات، ازدادت قدرتها على إقناع الطبيب بنتائجها. لكن هذا الإقناع قد لا يعكس الحقيقة دائماً، بل قوة العرض الرقمي. ففي بيئة تعتمد على السرعة والكفاءة، قد يميل الطبيب إلى الوثوق بالنتيجة، لا لأنه تحقق من دقتها، بل لأنها تبدو منظمة وواثقة.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي: ليس في أن تخطئ الأنظمة... بل في أن تُقنعنا بأنها لا تخطئ.

الطب النفسي الشخصي... إلى أي مدى؟

تقود هذه التطورات إلى ما يُعرف بـ«الطب النفسي الشخصي»، الذي يسعى لتخصيص العلاج وفق خصائص كل مريض. لكن الاكتئاب ليس مجرد خلل كيميائي، بل حالة معقدة تتداخل فيها عوامل بيولوجية ونفسية واجتماعية، مثل التجارب الحياتية والعلاقات والضغوط اليومية - وهي عناصر يصعب قياسها بالكامل. لذلك؛ تظل النماذج التنبؤية محدودة بقدرتها على تمثيل هذا التعقيد الإنساني.

ما الذي يتغير فعلاً؟

التغيير الأهم ليس في دقة اختيار الدواء، بل في دور الطبيب. فلم يعد الطبيب المصدر الوحيد للقرار، بل أصبح مفسراً لتوصيات خوارزمية، ومقيّماً لمدى توافقها مع واقع المريض. وهذا يعيد تعريف دوره: من صانع قرار مباشر... إلى حارس للمعنى الإنساني داخل القرار. لكن هذا التحول يطرح سؤالاً أخلاقياً عميقاً: من يتحمل المسؤولية؟ الطبيب... أم النظام؟

الخلاصة: القرار ليس رقماً

قد تساعد الخوارزميات في توجيه القرار، لكنها لا تتحمل مسؤوليته. فالطب لم يكن يوماً مجرد اختيار الخيار الأكثر احتمالاً، بل كان دائماً تحملاً لنتائج هذا الاختيار في سياق إنساني معقد. ولهذا؛ قد لا يكون السؤال:

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي اختيار الدواء؟ بل: هل يمكن اختزال القرار الطبي... في رقم؟


مرض وهمي ابتدعه العلماء... ينشر الذكاء الاصطناعي دراساته

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي
TT

مرض وهمي ابتدعه العلماء... ينشر الذكاء الاصطناعي دراساته

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي

ابتكر العلماء مرضاً وهمياً زعموا أنه ينتج من تأثيرات الضوء الأزرق – وهم يرصدون اليوم مدى انتشار الأخبار عنه في الأبحاث الطبية، كما كتبت لوسيا أورباخ (*).

حيلة علمية

انطلت حيلة مرض غير موجود على نظم الذكاء الاصطناعي، وانتشرت أخباره على أنه حقيقة طبية. ويشرح الباحثون الذين ابتدعوه كيف حدث ذلك، ولماذا يكشف فعلاً عن ثغرة خطيرة في النماذج الذكية الحالية.

مرض «بيكسونيمانيا»

سميت الحالة المبتدعة بمصطلح «بيكسونيمانيا» bixonimania، ووصفت بأنها حالة شائعة، ربما تعانيها إذا كنت تعاني احمراراً وتهيجاً في العينين نتيجة التعرض المفرط للضوء الأزرق المنبعث من الشاشات. لكن إليك معلومة طريفة: «بيكسونيمانيا» ليست مرضاً حقيقياً.

اختبار تفسيرات الذكاء الاصطناعي

ابتداءً من مطلع عام 2024، بدأ العلماء بنشر دراسات زائفة على الإنترنت حول هذا المرض الوهمي، بهدف اختبار كيفية تفسير الذكاء الاصطناعي لهذه المعلومات المضللة، وما إذا كان سينشرها على أنها نصائح صحية موثوقة.

قادت ألميرا عثمانوفيتش ثونستروم، الباحثة الطبية في جامعة غوتنبرغ بالسويد، هذه التجربة، إذ قامت هي وفريقها بابتكار حالة جلدية وهمية، ثم قام الفريق بتحميل دراستين وهميتين عنها إلى خادم ما قبل النشر في أوائل عام 2024.

وقالت أوسمانوفيتش ثونستروم: «أردتُ أن أرى ما إذا كان بإمكاني ابتكار حالة طبية غير موجودة في قاعدة البيانات».

وقد نجحت التجربة، ففي غضون أسابيع، بدأت كبرى شركات الأدوية في تقديم هذه الحالة بصفته تشخيصاً لمن يبحثون عن أعراضهم.

* نموذج «مايكروسوفت كوبايلوت» ذكر أن «هوس الانعكاسات» ليس تشخيصاً طبياً معترفاً به على نطاق واسع حتى الآن، ولكن الكثير من الأبحاث والتقارير الحديثة تناقشه بوصفه حالة حميدة يتم تشخيصها بشكل خاطئ، وترتبط بالتعرض المطول لمصادر الضوء الأزرق مثل الشاشات.

* نموذج «تشات جي بي تي» ذكر أن «هوس الانعكاسات» هو نوع فرعي جديد مقترح من التصبغ حول العينين (الهالات السوداء حول العينين) يُعتقد أنه مرتبط بالتعرض للضوء الأزرق المنبعث من الشاشات الرقمية.

أخبار مقلقة

ونشر الكاتب كريس ستوكل-ووكر تقريراً عن هذا التزييف في مجلة «نتشر». وفي مقابلة له علل متحدث باسم «أوبن إيه آي» هذا بالقول إن «النماذج التي تُشغّل الإصدار الحالي من (تشات جي بي تي) مثل (جي بي تي-5) أفضل الآن بكثير من النماذج السابقة، في توفير معلومات طبية آمنة ودقيقة».

والمشكلة الأكثر إثارة للقلق هي أن هذه الأبحاث المزيفة قد استُشهد بها الآن في أدبيات علمية مُحكّمة. وقد أخبرت أوسمانوفيتش ثونستروم ستوكل-ووكر أن هذا يُشير إلى أن الباحثين كانوا «يعتمدون على مراجع مُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي دون قراءة الأبحاث الأصلية».

كيف نجحت هذه الخدعة؟

أطلقت أوسمانوفيتش ثونستروم على الحالة اسم «بيكسونيمانيا»، وقالت إن الاسم «يبدو سخيفاً... لأني أردت أن أوضح تماماً لأي طبيب أو أي فرد من الطاقم الطبي أن هذه حالة مُختلقة؛ لأنه لا يُمكن تسمية أي حالة عين، بالهوس mania - فهذا مصطلح نفسي».

إشارات خفية وصريحة لجمهور القراء

كما وُضعت عشرات الإشارات الخفية التي تُشير إلى أن الحالة مُختلقة، مثل أن الباحث الرئيسي، لازليف إزغوبليينوفيتش- وهو اسم مستعار- يعمل في جامعة وهمية تُدعى جامعة أستيريا هورايزون، في مدينة وهمية تُدعى نوفا سيتي، في كاليفورنيا.

وتوجهت الدراسة بالشكر، وهمياً، إلى «الأستاذة ماريا بوم من أكاديمية ستار فليت على لطفها وكرمها في المساهمة بمعرفتها ومختبرها على متن سفينة (يو إس إس إنتربرايز)». وذكرت أن التمويل جاء من «مؤسسة البروفسور سايدشو بوب لعملها في مجال الخدع المتقدمة».

لكن، حتى ولو لم يصل القراء إلى هذه الفقرة، فإنهم كانوا سيكتشفون زيف كل الحالة من خلال التصريحات الصريحة في المقدمة، مثل «هذه الدراسة بأكملها من نسج الخيال» و«تم اختيار خمسين شخصاً وهمياً تتراوح أعمارهم بين 20 و50 عاماً لمجموعة الدراسة».

ما هي تداعيات مشروع بيكسونيمانيا؟

منذ نشر مقال ستوكل-ووكر في 7 أبريل (نيسان) 2026، بدأت الكثير من أنظمة الذكاء الاصطناعي في إنتاج مخرجات مصححة. سابقاً، كانت مختبرات التعلم الآلي تعتمد على أربعة مصادر رئيسية للمعلومات: منشوران على مدونة Medium بتاريخ 15 مارس (آذار) 2024، وورقتان بحثيتان منشورتان مسبقاً على SciProfiles بتاريخ 26 أبريل و6 مايو (أيار) من العام نفسه.

تأثير متواصل

لكن تأثير التجربة لا يزال قائماً. إذ لم تُجرَ هذه الدراسة لمجرد المزاح. كان هدف عثمانوفيتش ثونستروم هو تحديد مشكلة جوهرية خطيرة في اعتماد المجتمع المتزايد على الذكاء الاصطناعي.

يقول أليكس رواني، باحث دكتوراه في المعلومات الصحية المضللة في «يونيفرسيتي كوليدج لندن»: «إذا كانت العملية العلمية نفسها والأنظمة الداعمة لها ماهرة، ولا تستطيع رصد وتصفية أجزاء كهذه، فنحن محكوم علينا بالفشل. هذه دورة متقدمة في كيفية عمل المعلومات المضللة والمغلوطة».

ذكاء اصطناعي بوتيرة سريعة

تتطور تقنية الذكاء الاصطناعي بوتيرة سريعة للغاية؛ ما يُعجِز الباحثين عن وضع ضمانات وبروتوكولات اختبار فعّالة. يقول محمود عمر، الطبيب والباحث المتخصص في تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية بكلية الطب بجامعة هارفارد في بوسطن، ماساتشوستس، إن سرعة طرح النماذج الجديدة في السوق تجعل من الصعب التوصل إلى «إجماع أو منهجية لاختبار كل نموذج تلقائياً». عثمانوفيتش ثونستروم ليست أول من أشار إلى ذلك.

معلومات علمية مزيفة

لم تكن عثمانوفيتش ثونستروم أول من اختبر ما يمكن أن ينتجه الذكاء الاصطناعي من تغذية معلومات أكاديمية زائفة. فقد صرّحت إليزابيث بيك، عالمة الأحياء الدقيقة الهولندية ومستشارة النزاهة العلمية، بأن باحثين قاموا حتى بتأليف كتب وأوراق بحثية مزيفة لزيادة عدد الاستشهادات بها على «غوغل سكولار». ويكمن القلق الأكبر في تغذية نماذج الذكاء الاصطناعي بهذه المعلومات الزائفة، التي بدورها تعيد إنتاج هذه المعلومات المغلوطة، ما يُبعد المستخدمين أكثر فأكثر عن الواقع.

ويعمل العلماء وخبراء الأخلاقيات حالياً على قدم وساق لإيجاد حلول عملية لهذه النتائج. ومن المقلق أن تمر ادعاءات علمية ذات مصادر مشكوك فيها عبر منصات التعلم الإلكتروني دون أي رقابة. وقال رواني: «علينا حماية ثقتنا كما نحمي الذهب. الوضع فوضوي للغاية الآن».

* «إنك» - خدمات «تريبيون ميديا»