هل تنجح المقاربات الأمنية في ضبط سوق العملة الليبية؟

موجة مضاربات أدت إلى تراجع الدينار أمام الدولار في السوق السوداء بنسبة 5.5 في المائة

اجتماع المصرف المركزي مع أصحاب شركات ومكاتب المصارف في طرابلس يناير الماضي (المصرف المركزي)
اجتماع المصرف المركزي مع أصحاب شركات ومكاتب المصارف في طرابلس يناير الماضي (المصرف المركزي)
TT

هل تنجح المقاربات الأمنية في ضبط سوق العملة الليبية؟

اجتماع المصرف المركزي مع أصحاب شركات ومكاتب المصارف في طرابلس يناير الماضي (المصرف المركزي)
اجتماع المصرف المركزي مع أصحاب شركات ومكاتب المصارف في طرابلس يناير الماضي (المصرف المركزي)

تصاعدت شكاوى الليبيين من المضاربات على الدينار الليبي والعملات الأجنبية في السوق السوداء خلال الأسبوع الماضي، وهو ما دفع مصرف ليبيا المركزي إلى أن يطالب وزارة الداخلية في غرب البلاد باتخاذ إجراءات قانونية حازمة، بعدما أقر بخطورة هذا الوضع.

وأجمع خبراء اقتصاديون ومصرفيون على أن هذا الإجراء «شكلي ومؤقت»، ولا يعالج جذور مشكلة الضغوط المتزايدة على العملة المحلية، في ظل موجة مضاربات تعبر عن اختلالات هيكلية في النظام النقدي الليبي، أدت إلى تراجع الدينار أمام الدولار في السوق السوداء بنسبة 5.5 في المائة على مدى أسبوع.

محافظ المصرف المركزي في ليبيا ناجي عيسى (صفحة المصرف)

وقفز سعر صرف الدولار من 9.08 دينار مطلع الأسبوع الماضي إلى 9.58 دينار في نهايته، في حين بقي السعر الرسمي عند 6.30 دينار فقط. عزز هذا الارتفاع من انتقادات النخب الاقتصادية إلى سياسات محافظ مصرف ليبيا المركزي، ناجي عيسى، الذي سارع بدوره لتوجيه وزارة الداخلية باتخاذ إجراءات حازمة لإيقاف نشاط السوق السوداء، والتحذير من عمليات تحويل الأموال داخل البلاد وخارجها بمنأى عن الأطر الرقابية.

وطالب عيسى، بحسب الرسالة التي نشرتها وسائل إعلام محلية، السلطات الأمنية بمعاقبة المتعاملين بالعملات الأجنبية خارج الإطار الرسمي، ومتابعة حركة نقل الأموال بالدينار، وحصر التداول خارج المصارف على مكاتب الصرافة المرخصة، وإقفال الجهات غير المرخصة.

ومع ذلك لم يحظ طلب محافظ المصرف المركزي بـ«حل أمني» في مواجهة المضاربات بارتياح اقتصاديين، ومن بينهم عضو إدارة المصرف سابقاً، مراجع غيث، الذي عدّ أن اللجوء إلى الإجراءات الأمنية لمواجهة المضاربات وشركات الصرافة غير القانونية «سيكون بمثابة حرب مع السراب».

عميل بأحد البنوك يتسلم أوراقاً نقدية من موظف بالبنك بمصراتة الليبية في أبريل (نيسان) 2024 (رويترز)

وأوضح غيث لـ«الشرق الأوسط» أن التعامل يجري عبر «غرف مظلمة بـ(واتساب)»، لا مع حالات يمكن ضبطها ميدانياً، مبرزاً أن السوق السوداء تُدار – بحسب تعبيره – من أطراف خارج ليبيا، وعادّاً أن ما يظهر في سوق المشير بطرابلس «ليس سوى جزء من الصورة».

في الاتجاه نفسه، عدّ أستاذ الاقتصاد بالأكاديمية الليبية، الدكتور عمر زرموح، أن الحلول الأمنية «قد تحد من المشكلة على نحو مؤقت»، لكنها «لن تنجح في تقديم حل حاسم»، وهي وجهة نظر الخبير المصرفي نعمان البوري نفسها.

ويعتقد زرموح في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن خطوة محافظ مصرف ليبيا المركزي «قد تُتخذ كأداة لإلقاء إخفاقات إدارة النقد الأجنبي بالمصرف المركزي على جهات أخرى»، عادّاً أن القوانين الاقتصادية «أقوى من الحلول الأمنية». وذهب إلى القول إن غياب الاقتصاديين الفاعلين عن مجلس الإدارة «حجب الرؤية وخلق ضبابية في القرار».

وينظر اقتصاديون إلى أزمة السوق السوداء في ليبيا وموجات المضاربات على أنها أحد أعراض الانقسام السياسي والأمني، الذي تعيشه البلاد منذ عام 2014، وما رافقه من انقسام مصرفي بين إدارتين في طرابلس والبيضاء، قبل أن يتم توحيد المصرف منذ خمس سنوات. وعلى مدى هذه السنوات، نشطت أسواق غير رسمية للعملات في مختلف المدن الليبية، أبرزها سوق المشير في طرابلس، إضافة إلى مصراتة وزليتن وبنغازي، مع نشاط ملحوظ في سبها ومدن الجنوب، حيث شكلت هذه التجمعات مراكز تداول غير رسمي، تتأثر بالسيولة والطلب على الدولار والمضاربات.

ويشير غيث إلى أن البلاد قبل 2014، وخلال فترة توليه عمله بالمصرف، لم تشهد أزمة مشابهة للسوق السوداء، مؤكداً أن موجات المضاربة تفاقمت بعد الانقسام السياسي، وانتقد ما وصفه بـ«العلاج بأدوات خاطئة» على مر السنوات، مثل ضخ الدولار في السوق، لما لذلك من أثر في تعميق الاختلالات.

وفي محاولة للحد من نشاط السوق السوداء، شرع مصرف ليبيا المركزي منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 في تقنين أوضاع شركات ومكاتب الصرافة، ليصل عدد المرخص منها حتى ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي إلى 278 شركة ومكتباً، تغطي مختلف مناطق البلاد. وانطلق العمل الشهر الماضي بضوابط تشغيلية جديدة، تسمح لهذه الشركات ببيع النقد الأجنبي للمواطنين والأجانب، وفق سقوف محددة تصل إلى 8 آلاف دولار.

صورة أرشيفية لعناصر شرطة في سوق المشير للعملات بالعاصمة طرابلس (صفحة السوق)

ويؤيد زرموح تنظيم قطاع شركات الصرافة، داعياً المصرف إلى «تسريع منح الموافقات ومنح فترة انتقالية كافية للتكيف مع منظومة بيع النقد الأجنبي، قبل تشديد الرقابة»، مبرزاً أن «بعض الشركات لا تزال طلباتها مستوفية للشروط قيد الانتظار».

غير أن الخبير الاقتصادي، الدكتور يوسف يخلف مسعود، يعارض هذا التقنين والإجراءات الأمنية المصاحبة، ويرى أن «منح دور أوسع لشركات الصرافة، في ظل رقابة هشة وسياسات نقدية مشوهة، عمّق الأزمة»، مشيراً إلى أن ذلك «خلق بيئة احتكارية وزاد من المضاربات»، وفق تصريحاته لـ«الشرق الأوسط».

ووسط أزمة طال أمدها في سوق الصرف الليبية، اقترح خبراء ومصرفيون مجموعة من الحلول لمواجهة المضاربات والسوق السوداء، شملت الإصلاحات النقدية والمالية، وتعزيز الرقابة، وإصلاح المؤسسات واستبعاد غير المتخصصين من صناعة القرار الاقتصادي.

من جهته، يرى الخبير المصرفي، نعمان البوري، أن «ضبط سوق الصرف يتطلب إعادة هيكلة سياسات بيع النقد الأجنبي، وربطها بالاستخدامات الفعلية»، مبرزاً ضرورة «تقليص الفجوة بين السعر الرسمي وسعر التوازن، عبر أدوات نقدية ومالية منسقة، بالإضافة إلى إصلاح سوق السيولة، وأدوات الدين المحلية للحد من المضاربات غير المباشرة».

واجهة البنك المركزي بطرابلس (رويترز)

أما مراجع غيث فيرى أن المخرج يكمن في «حصر الاستيراد والمعاملات المالية عبر القنوات المصرفية الرسمية، بما يعزز الشفافية، ويحد من التدفقات غير النظامية للنقد الأجنبي»، بينما ذهب يوسف يخلف مسعود إلى «ضرورة إعادة هيكلة المصرف المركزي، واستبعاد المسؤولين غير المتخصصين»، عادّاً أن «ضعف الخبرة جعل بعض القائمين على السياسات جزءاً من المشكلة».


مقالات ذات صلة

الجنوب الليبي... جبهة مفتوحة لتنافس سياسي وعسكري بين الشرق والغرب

شمال افريقيا عربات عسكرية تابعة لـ«الجيش الوطني» الليبي على الحدود الجنوبية الغربية (إعلام الجيش الوطني)

الجنوب الليبي... جبهة مفتوحة لتنافس سياسي وعسكري بين الشرق والغرب

تحوّل الجنوب الليبي خلال الأشهر الأخيرة إلى ساحة تنافس سياسي وعسكري مفتوحة بين الأفرقاء السياسيين في شرق البلاد وغربها

علاء حموده (القاهرة )
شمال افريقيا الطرابلسي خلال حفل الإفطار بالزاوية (داخلية الوحدة)

انتقادات لوزير «داخلية الوحدة» الليبية عقب استقباله شخصيات «مطلوبة دولياً»

أثار حضور وزير الداخلية المكلف بحكومة الوحدة الليبية «المؤقتة»، عماد الطرابلسي، مأدبة إفطار في مدينة الزاوية، مساء الجمعة، جدلاً واسعاً وانتقادات لاذعة.

خالد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح في لقاء مع رؤساء الهيئات القضائية بمحاكم الاستئناف في ليبيا فبراير الماضي (مجلس النواب)

مخاوف الانقسام داخل القضاء الليبي تتصاعد بعد قرارات «ندب وإقالة»

تتعمق الأزمة داخل السلطة القضائية الليبية في ظل تبادل جهتين متنازعتين على المجلس الأعلى للقضاء في طرابلس وبنغازي قرارات وبيانات متعارضة بشأن ندب وإقالة القضاة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا أطفال يلعبون أمام خيام للنازحين السودانيين على أطراف مدينة الكفرة الليبية (الصفحة الرسمية لبلدية المدينة)

ليبيا: سلطات بنغازي تبحث ترحيل السودانيين «المخالفين»

قال جهاز مكافحة الهجرة غير النظامية في بنغازي إنه بدأ اجتماعات موسعة لـ«بحث تسريع وتيرة ترحيل السودانيين المخالفين، وتعزيز التعاون مع قنصليتهم في بنغازي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا أسامة حماد رئيس الحكومة المكلفة من مجلس النواب الليبي (الحكومة)

حمّاد يتهم «الوحدة» الليبية بـ«تزوير» بيانات لـ«تضليل الرأي العام»

حذر أسامة حماد، رئيس الحكومة المكلفة من مجلس النواب الليبي، من تداول وثائق ومراسلات قال إنها «مزورة ومنسوبة زوراً» إلى حكومته بقصد «تضليل الرأي العام».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

الجنوب الليبي... جبهة مفتوحة لتنافس سياسي وعسكري بين الشرق والغرب

عربات عسكرية تابعة لـ«الجيش الوطني» الليبي على الحدود الجنوبية الغربية (إعلام الجيش الوطني)
عربات عسكرية تابعة لـ«الجيش الوطني» الليبي على الحدود الجنوبية الغربية (إعلام الجيش الوطني)
TT

الجنوب الليبي... جبهة مفتوحة لتنافس سياسي وعسكري بين الشرق والغرب

عربات عسكرية تابعة لـ«الجيش الوطني» الليبي على الحدود الجنوبية الغربية (إعلام الجيش الوطني)
عربات عسكرية تابعة لـ«الجيش الوطني» الليبي على الحدود الجنوبية الغربية (إعلام الجيش الوطني)

تحوّل الجنوب الليبي خلال الأشهر الأخيرة، إلى ساحة تنافس سياسي وعسكري مفتوحة بين الأفرقاء السياسيين في شرق البلاد وغربها، في ظل استمرار الانقسام الحكومي، والصراع على النفوذ منذ سقوط نظام العقيد معمر القذافي عام 2011.

وترسخت رؤية نخب سياسية ليبية لهذا التنافس اللافت بعد تعيين سالم الزادمة نائباً لرئيس حكومة «الوحدة» الوطنية، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، الأسبوع الماضي، وذلك بعد أشهر من إقالته من منصبه بوصفه نائباً لرئيس حكومة «الاستقرار»، المكلّفة من مجلس النواب في يوليو (تموز) الماضي.

ويرى سياسيون أن هذه الخطوة «تعكس سيولة التحالفات السياسية بين المعسكرين المتنافسين»، وتتماشى مع إعادة تموضع سياسي وأمني للقوى الليبية في الجنوب، الممتد على الحدود الجنوبية مع دول الجوار والغني بالموارد الاستراتيجية.

نائب رئيس حكومة الوحدة في غرب ليبيا سالم الزادمة (متداولة)

وبهذا الخصوص، قالت العضوة السابقة في «المؤتمر الوطني العام»، نادية الراشد، لـ«الشرق الأوسط»، إن ما يجري في الجنوب «يمثل جزءاً من إعادة رسم موازين القوى بين الشرق والغرب، تحسباً لأي مسار تفاوضي مقبل لتقاسم محتمل للسلطة».

وتذهب تقديرات بحثية صادرة عن «المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية»، إلى أن الأحداث تأتي في سياق «استثمار الانقسامات المحلية، والتناقضات بين بعض القيادات المرتبطة بمعسكر الجيش الوطني، بقيادة المشير خليفة حفتر، ضمن صراع أوسع للسيطرة على الإقليم الجنوبي، وتحويله إلى ورقة تفاوض في أي تسوية سياسية مستقبلية».

وتعد «عائلة الزادمة» من الأسر المؤثرة في الجنوب، حيث ينتمي أفرادها إلى قبيلة «أولاد سليمان»، التي حظيت بتحالف سابق مع حفتر. وإلى جانب سالم الزادمة، هناك شقيقاه حسن، وهو قيادي عسكري سبقت له قيادة إحدى كتائب «الجيش الوطني» في الجنوب، ورضوان، القيادي القبلي في المنطقة.

رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الفريق أول خالد حفتر خلال إفطار رمضاني مع عسكريين في جنوب غربي ليبيا (إعلام الجيش الوطني)

تاريخياً، اعتمد نظام القذافي على ترتيبات اجتماعية وأمنية محلية لإدارة الجنوب الليبي، وفي هذا السياق، يعيد «المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية» التذكير بأن القذافي استعان بشخصيات قبلية ومحلية لضمان الاستقرار، على غرار تكليف مسعود عبد الحفيظ بإدارة مدينة سبها، التي تحولت في فترة معينة إلى منطقة خاضعة لإشراف أمني خاص لسنوات.

ولا ينفصل التحول السياسي الحاصل في الجنوب عن التطورات العسكرية، إذ تصاعد نشاط ما يعرف بـ«غرفة عمليات الجنوب» في مواجهة «الجيش الوطني الليبي» خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، خصوصاً بعد هجمات متزامنة، استهدفت 3 نقاط حدودية على الحدود مع النيجر نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي.

ومع استمرار الصراع الميداني، يتحدث الطرفان عن تحقيق تقدم في بعض المناطق، فيما تشير تقارير إلى دعم أطراف سياسية وإعلامية في غرب ليبيا لقائد «غرفة عمليات الجنوب»، محمد ودرقو، وهو دعم لم تُنفِه حكومة الدبيبة.

الباحث العسكري، محمد الترهوني، يؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أن ظهور «غرفة عمليات الجنوب» يعكس محاولة لإعادة تشكيل المشهد الأمني والسياسي، أكثر من كونه جهداً لترسيخ الاستقرار، متحدثاً عن «معلومات متطابقة عن دعم أطراف في غرب ليبيا لهذا التمرد في جنوب البلاد».

وفي السياق ذاته، يقول رئيس «المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية»، أشرف عبد الله، إن «تشكيلات مسلحة في الجنوب تحركها حسابات مصلحية، أكثر من ارتباطها بمشروع سياسي واضح»، مشيراً إلى أن ولاءاتها تتغير وفق ميزان القوة والتمويل.

لكن مآلات هذا الصراع العسكري في الجنوب الليبي تبدو تحت رحمة «الطبيعة الجغرافية المعقدة للجنوب، التي تجعل السيطرة العسكرية الكاملة صعبة»، وفق عبد الله، الذي قال لـ«الشرق الأوسط»، إن «المساحة واسعة، والبنية الأمنية والاجتماعية ضعيفة، ما يحد من قدرة أي طرف على فرض سيطرة شاملة».

عبد الحميد الدبيبة يصافح أحد عناصر تشكيل مسلح في غرب البلاد (مكتب الدبيبة)

وبحسب توقعات «المركز البحثي الليبي»، فقد يسعى «الجيش الوطني» لتعزيز حضوره في الجنوب الشرقي، خصوصاً في مناطق الكفرة وجبل العوينات والقواعد العسكرية القريبة من تشاد، بينما تحاول القوات الموالية لحكومة الدبيبة توسيع نفوذها في الجنوب الغربي، نحو الجزائر والنيجر ومحيط غات والمعابر الصحراوية.

كما يحظى البعد الاقتصادي بحضور بارز في تفاعلات هذا الملف، إذ يلفت الباحث السياسي خالد الحجازي، إلى احتضان الجنوب حقولاً نفطية كبرى؛ مثل حقلي الشرارة والفيل، إلى جانب ثروات معدنية ضخمة مثل الذهب، ما يمنح السيطرة عليها وزناً اقتصادياً وسياسياً في أي مسار تفاوضي.

يشار إلى أن حقل الشرارة يعدّ الأكبر في ليبيا، إذ يصل إنتاجه إلى نحو 240 ألف برميل يومياً، بما يعادل نحو 25 في المائة من إجمالي إنتاج الخام في البلاد.

ولا يقتصر الصراع على المنافسة الداخلية؛ بل يتقاطع مع تحولات إقليمية ودولية. وبهذا الخصوص، تقول نادية الراشد إن «التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، والتنافس الدولي على النفوذ، يجعلان الجنوب الليبي ورقة استراتيجية لإعادة تشكيل موازين القوى في ليبيا ودول الساحل والصحراء».

وبحسب الحجازي، فإن الجنوب أصبح ساحة تجاذبات إقليمية ودولية نظراً لأهميته الجيوسياسية، ونشاط شبكات التهريب والهجرة غير النظامية، بالإضافة إلى اضطرابات دول الجوار مثل النيجر وتشاد والسودان، ما زاد من اهتمام القوى الدولية بالمنطقة.


انتقادات لوزير «داخلية الوحدة» الليبية عقب استقباله شخصيات «مطلوبة دولياً»

الطرابلسي خلال حفل الإفطار بالزاوية (داخلية الوحدة)
الطرابلسي خلال حفل الإفطار بالزاوية (داخلية الوحدة)
TT

انتقادات لوزير «داخلية الوحدة» الليبية عقب استقباله شخصيات «مطلوبة دولياً»

الطرابلسي خلال حفل الإفطار بالزاوية (داخلية الوحدة)
الطرابلسي خلال حفل الإفطار بالزاوية (داخلية الوحدة)

أثار حضور وزير الداخلية المكلف بحكومة الوحدة الليبية «المؤقتة»، عماد الطرابلسي، مأدبة إفطار في مدينة الزاوية، مساء الجمعة، جدلاً واسعاً وانتقادات لاذعة، بعد استقباله قادة تشكيلات مسلحة، من بينهم محمد كشلاف، الملقب بـ«القصب»، والمطلوب دولياً في قضايا تهريب البشر، فيما وصف حقوقيون ووسائل إعلام محلية اللقاء بأنه «تطبيع مع قادة الميليشيات».

جاءت المأدبة الرمضانية التي جمعَت وزير الداخلية الليبي بعدد من عمداء البلديات والقيادات الميليشياوية في مدينة الزاوية (30 كلم غرب طرابلس)، في وقت تشهد فيه المنطقة توترات أمنية واشتباكات متكررة. وأبدى الطرابلسي تفاؤله، مؤكداً أن «مدينة الزاوية قادرة على الإسهام الفاعل في دعم الاستقرار، وتعزيز الأمن في المنطقة الغربية».

عماد الطرابلسي (أ.ف.ب)

وذهب وزير الداخلية في غرب ليبيا إلى الحديث عن التصالح، قائلاً إن «الخلافات مهما طالت فلن تدوم، وأبناء الوطن الواحد قادرون على تجاوزها بروح الأخوة والمسؤولية». وشدد على «نبذ الفرقة والخلاف، وأن تكون جميع مدن ومناطق ليبيا يداً واحدة لترسيخ الأمن والاستقرار».

لكن نشطاء ووسائل إعلام محلية انتقدوا استقبال الطرابلسي للقصب، المتهم بتهريب البشر والوقود، فيما أشاد القصب عبر حسابه الرسمي بموقع «فيسبوك» بـ«حسن الضيافة»، عاداً هذا الإفطار «يعزز جسور التواصل بين أبناء الوطن الواحد».

والقصب قائد ميليشيا «سرية الإسناد»، المعروفة أيضاً باسم «سرية النصر» في الزاوية، مدرج على قوائم العقوبات الدولية منذ يونيو (حزيران) 2018، مع ستة أشخاص آخرين متهمين بـ«الانخراط في شبكات تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر في ليبيا». وأصدر النائب العام الليبي، الصديق الصور، أمراً بحبسه قبل عامين بتهم تتعلق بـ«تهريب النفط».

الصديق الصور النائب العام الليبي (مكتب النائب العام)

يشار إلى أن الزاوية، ذات الأهمية الاستراتيجية، تضم أكبر مصفاة نفط عاملة في البلاد، إضافة إلى موقعها الحيوي على الطريق الساحلي الدولي الرابط بين العاصمة ومعبر رأس جدير الحدودي مع تونس.

وتعد مآدب الإفطار التي ينظمها رئيس حكومة الوحدة، عبد الحميد الدبيبة، ووزير الداخلية الطرابلسي، تجمعاً غير معتاد لقادة ميليشيات وقيادات قبلية واجتماعية من غرب البلاد، لكنها تواجه انتقادات حقوقية واسعة.

في هذا السياق، قال رئيس منظمة «ضحايا» لحقوق الإنسان، ناصر الهواري، إن هذه الموائد «تمثل ترسيخاً لمبدأ الإفلات من العقاب، ومظلة رسمية لتجاهل حقوق الضحايا، وإضفاء الطابع الرسمي على ممارسات غير قانونية لقادة الميليشيات في غرب ليبيا».

وأضاف الهواري لـ«الشرق الأوسط» أن «اللقاءات قد تمثل بداية لتنسيق جديد لتصعيد في العاصمة طرابلس، وربما يؤدي إلى مزيد من المآسي على المدنيين».

من جانبه، علّق مدير «مركز بنغازي لدراسات الهجرة»، طارق لملوم، على صورة مصافحة الدبيبة مع أحد قادة الميليشيات قائلاً: «احتفظوا بهذه الصورة جيداً، فقد تصبح دليلاً لاحقاً على مسؤوليات لم يُعترف بها، كما حدث سابقاً حين تبرأ بعض الأشخاص من أمراء حرب، كانوا يجلسون معهم على موائد مماثلة».

بدورها، استهجنت «المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان» إقامة هذه المآدب، وأكدت استنكارها الشديد لاستقبال الدبيبة لشخصيات جدلية، مثل معمر الضاوي، قائد «الكتيبة 55 مشاة»، المتهم بانتهاكات جسيمة تشمل الاعتقالات التعسفية والتهجير القسري، والتعذيب والقتل خارج نطاق القانون.

المنفي مع وفد نسائي بمناسبة اليوم العالمي للمرأة (المجلس الرئاسي)

في شأن آخر، أشاد رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، بالدور الوطني للمرأة الليبية، مثمناً إسهاماتها في دعم مسار الاستقرار، وتعزيز جهود الوحدة الوطنية وبناء مؤسسات الدولة. وقال خلال اجتماعه بالعاصمة طرابلس مع عدد من السيدات بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، مساء الجمعة، إن «المرأة كانت ولا تزال شريكاً أساسياً في مسيرة البناء والتنمية».

إلى ذلك، أعلن جهاز «مكافحة الهجرة غير المشروعة»، التابع لوزارة الداخلية في حكومة «الاستقرار» عن ترحيل 255 مهاجراً سرياً من بنغازي إلى مركز إيواء «أبراك الشاطئ»، استعداداً لإعادتهم إلى بلدانهم الأصلية في منطقة القرن الأفريقي.

مهاجرون غير شرعيين بليبيا (جهاز الهجرة)

وأوضح «الجهاز» أن المهاجرين ينتمون لثلاث جنسيات أفريقية، بينهم 144 إريترياً، و82 صومالياً، و29 إثيوبياً، مؤكداً أن «الإجراء يأتي ضمن جهود الحكومة لتنظيم ملف الهجرة غير المشروعة وحماية الأمن القومي في المناطق الخاضعة لسيطرتها».


لندن في مواجهة انتقادات واسعة بعد إغلاق باب الدراسة أمام السودانيين

وزيرة الداخلية البريطانية شبانة محمود (رويترز)
وزيرة الداخلية البريطانية شبانة محمود (رويترز)
TT

لندن في مواجهة انتقادات واسعة بعد إغلاق باب الدراسة أمام السودانيين

وزيرة الداخلية البريطانية شبانة محمود (رويترز)
وزيرة الداخلية البريطانية شبانة محمود (رويترز)

طالب أكثر من 1700 أكاديمي ومهني من المجتمع الأكاديمي السوداني والبريطاني والدولي، الحكومة البريطانية بمراجعة سياستها الأخيرة المتعلقة بوقف منح تأشيرات الدراسة للسودانيين، محذِّرين من أنَّ القرار قد يحرم آلاف الطلاب من إحدى آخر الفرص المتاحة لهم للوصول إلى التعليم العالي في ظلِّ الحرب التي تشهدها بلادهم.

وجاءت الدعوة في مذكرة مشتركة وُجِّهت إلى رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، وأعضاء حكومته، أعرب فيها الموقِّعون عن قلقهم من «الأثر غير المتناسب» الذي قد تُحدثه القيود الجديدة على المتقدمين السودانيين، مؤكدين أنَّ مثل هذه الإجراءات قد تمسُّ السمعة التاريخية للمملكة المتحدة بوصفها مركزاً عالمياً للفرص الأكاديمية والتبادل العلمي. ويخشى أكثر من 200 طالب سوداني، من طلاب الدراسات العليا والبكالوريوس، فقدان مقاعدهم الدراسية في 46 جامعة، من بينها أكسفورد وكمبردج وإمبريال كوليدج لندن. ويقول بعضهم إنَّ القرار «المفاجئ» مزَّق خططهم المستقبلية.

ملصقٌ صُمِّمَ لحملة الطلاب السودانيين لإلغاء قرار الحكومة بمنعهم من الدراسة في المملكة المتحدة

وتضم قائمة الموقِّعين أساتذة جامعات، وأطباء، ومتخصصين قانونيين، وقادة مجتمع مدني، وطلاباً من مؤسسات تعليمية في قارات عدة. وأشاروا في رسالتهم إلى أن حرمان الشباب السودانيين من فرص التعليم في الخارج، في وقت دمَّرت فيه الحرب الجامعات وشرَّدت الملايين، من شأنه تعميق التداعيات طويلة الأمد للنزاع، وإغلاق أحد المسارات القليلة المتبقية أمام الجيل المقبل.

وكانت وزارة الداخلية البريطانية قد أعلنت، في قرار صدر مطلع الشهر الحالي، وقف إصدار بعض أنواع تأشيرات الدخول الدراسية لمواطني السودان وأفغانستان والكاميرون وميانمار، في إطار ما وصفتها بـ«إجراءات طارئة» تهدف إلى تخفيف الضغط على نظام اللجوء، والحدّ من «إساءة استخدام القنوات القانونية». ومن المقرر أن يبدأ تطبيق القرار في السادس والعشرين من مارس (آذار) الحالي.

وذكرت وزارة الداخلية، في بيان، أن طلبات اللجوء المُقدَّمة من طلاب من الكاميرون والسودان ارتفعت بأكثر من 330 في المائة، وهو ما يُشكِّل - بحسبها - ضغطاً غير قابل للاستدامة على نظام اللجوء في المملكة المتحدة. وأفادت مصادر في الوزارة بأنَّ طلبات التأشيرات المُقدَّمة من طلاب الدول الـ4 ستستمر معالجتها حتى 26 مارس، غير أنه «من غير المرجح للغاية» أن يتمكَّن المتقدمون من الحصول على تأكيد قبول للدراسة قبل الموعد النهائي.

في المقابل، يرى معارضون أنَّ الحديث عن «إساءة استخدام» نظام التأشيرات مبالغ فيه، مشيرين إلى أن عدد الطلاب السودانيين الذين تقدَّموا بطلبات لجوء خلال العام الماضي بلغ 120 طالباً فقط، من إجمالي أكثر من 110 آلاف طلب لجوء.

شخصان يسيران على الضفة الجنوبية لنهر التيمس خلفها قصر وستمنستر في لندن (أ.ف)

ويرى المُوقِّعون أنَّ القرار لا يقتصر تأثيره على الأطر العامة للسياسات التعليمية والهجرة، بل امتد بالفعل إلى مسارات أكاديمية ومهنية فردية. ويستشهدون بحالة طبيبة سودانية لاجئة في أوغندا اجتازت بنجاح المراحل النظرية من زمالة الكلية الملكية لطب الطوارئ، غير أن استكمال الجزء العملي من الامتحان يتطلب السفر إلى بريطانيا، وهو ما أصبح مهدداً بسبب القيود الجديدة. وتقول الطبيبة إن حلمها بالتخصص في طب الطوارئ؛ للمساهمة في مواجهة الأوضاع الصحية الحرجة في بلادها، بات مؤجلاً وربما مهدداً، في وقت تفكر فيه بالبحث عن بدائل في دول أخرى تمنح المؤهل ذاته.

كما يلفت أكاديميون إلى أن القرار قد يقضي على خطط طلاب دراسات عليا وأولية كانوا قد حصلوا بالفعل على قبول في جامعات بريطانية أو في برنامج المنح الدولية «تشيفنينغ (Chevening)»، الذي استفاد منه آلاف السودانيين خلال السنوات الماضية. ويشير أحد الطلاب إلى أن الحرب أخَّرت تخرجه الجامعي، وأن قرار الحظر أجهض آماله في استئناف دراسته العليا وبناء مستقبل مهني مستقر.

وتؤكد الرسالة المشتركة أن القيود الجديدة، في ظلِّ استمرار النزاع في السودان، لا تعرقل فرص التعليم فحسب، بل قد تُعمّق خسائر بلد تضررت مؤسساته التعليمية بشدة، في وقت أصبحت فيه الدراسة في الخارج إحدى الفرص النادرة المتاحة أمام الشباب.

ودعا المُوقِّعون في ختام مذكرتهم الحكومة البريطانية إلى مراجعة عاجلة للنهج الحالي، بما يضمن اتساق قرارات التأشيرات مع التزامات المملكة المتحدة بمبادئ العدالة والانفتاح الأكاديمي، وعدم معاقبة الطلاب الساعين إلى التعليم بسبب ظروف الحرب التي أغلقت أمامهم آفاق الاستقرار داخل وطنهم.

من جانب آخر، ينتقد بعض الباحثين في السياسات العامة مبررات القرار، عادّين أنه يحمل أبعاداً سياسية أكثر من كونه إجراءً تنظيمياً. ويشيرون إلى أن أعداد الطلاب السودانيين الحاصلين على تأشيرات دراسة في بريطانيا تبقى محدودة مقارنة بإجمالي أعداد الطلاب الدوليين، ما يثير تساؤلات حول جدوى استهدافهم بهذه القيود.