الجزائر تستعجل فرنسا تطهير مواقع تفجيراتها النووية وسط توتر دبلوماسي

ملف التلوث الإشعاعي يعود إلى الواجهة بوصفه أحد أبرز المطالب في «نزاع الذاكرة»

صورة لأحد التفجيرات النووية في الجزائر (مؤسسة الأرشيف الجزائري)
صورة لأحد التفجيرات النووية في الجزائر (مؤسسة الأرشيف الجزائري)
TT

الجزائر تستعجل فرنسا تطهير مواقع تفجيراتها النووية وسط توتر دبلوماسي

صورة لأحد التفجيرات النووية في الجزائر (مؤسسة الأرشيف الجزائري)
صورة لأحد التفجيرات النووية في الجزائر (مؤسسة الأرشيف الجزائري)

بينما أطلق الجيش الجزائري حملةً لتطهير مواقع التجارب النووية، التي أجرتها فرنسا في صحراء البلاد من الإشعاعات الملوثة، انتقد وزير المجاهدين، عبد المالك تشريفت، ما وصفه بـ«تنكر باريس لمسؤولياتها التاريخية والأخلاقية عن جريمة قائمة بذاتها، ألحقت أضراراً جسيمة بالبيئة والإنسان، ولا تزال جرحاً غائراً في نفوسنا».

وأكد وزير المجاهدين وذوي الحقوق في تصريحات، بمناسبة مرور 66 سنة على أول تجربة ذرية فرنسية، أن التفجيرات النووية الفرنسية، التي نفذت في الجنوب الجزائري قبل عدة عقود، تمثل «جريمة مكتملة الأركان مست الطبيعة وحق الإنسان في الوجود».

وزير المجاهدين في موقع لتجارب الذرة الفرنسية (الوزارة)

وكان تشريفت يتحدث في أدرار، حيث وقع هذا التفجير في 13 من فبراير (شباط) 1960، مؤكداً أن الدراسات العلمية والبحوث الميدانية أثبتت أن «آثار هذه التفجيرات النووية وإشعاعاتها لم تستثن الإنسان، ولا الطبيعة ولا الحيوان». وأوضح أنها «تسببت في تسميم البيئة وتلوث الغلاف الجوي، وأدت إلى وفيات وتشوهات خلقية وأمراض مزمنة، مورثةً معاناة دامت لأجيال بأكملها».

وأشار الوزير إلى أن «إحياء هذه الذكرى، رغم ما تحمله من ألم، يحفز الخبراء والأكاديميين على تعميق بحوثهم العلمية والتاريخية في هذا المجال لمواصلة تحليل أبعاد هذه الجريمة، تاريخياً وطبياً وقانونياً وإنسانياً»، مؤكداً أن «الحق لا يسترد إلا بالبراهين العلمية الدامغة والبحوث الموثقة».

وتأتي هذه الانتقادات بينما تستمر الأزمة الدبلوماسية بين البلدين، التي اندلعت إثر إعلان «الإليزيه» اعترافه بسيادة المغرب على الصحراء في نهاية يوليو (تموز) 2024.

التفجيرات النووية في قلب «الذاكرة»

جرت التجربة الذرية الفرنسية الأولى تحديداً في منطقة رقان (1400 كلم جنوب العاصمة)، وحينها كانت الجزائر لا تزال تحت الاحتلال. وقد نفّذت السلطات الاستعمارية خلال هذه المرحلة أربع تجارب نووية جوية في المنطقة نفسها، ضمن سلسلة حملت الاسم الرمزي «اليربوع».

وبعد استقلال الجزائر في 5 يوليو (تموز) 1962، واصلت فرنسا اختباراتها الذرية، بموجب اتفاقيات سرّية مع السلطات الجزائرية آنذاك، حيث أجرت بين عامي 1962 و1966 ما مجموعه 13 تجربة نووية تحت الأرض في منطقة إن إكر بجبال الهقار (1900 كلم جنوب). وبذلك بلغ إجمالي عدد التجارب النووية الفرنسية في الجزائر 17 تجربة، خلفت آثاراً بيئية وصحية جسيمة، لا تزال تداعياتها مستمرة حتى اليوم، بحسب تصريحات السلطات الجزائرية.

أحد مواقع التجارب النووية الفرنسية بالصحراء الجزائرية (أرشيفية)

وتشكل «قضية التفجيرات النووية» إحدى أبرز المشكلات بين الجزائر وفرنسا، ضمن ما يعرف بـ«ملف الذاكرة»، حيث تتمحور المطالب الجزائرية الحالية في تطهير المواقع الثلاثة، التي شهدت التفجيرات، وهي رقان، إن إكر، وواد الناموس، من بقايا النفايات الإشعاعية والكيميائية، بالإضافة إلى تسليم الخرائط والوثائق الطوبوغرافية، التي تُحدد بدقة أماكن الدفن ومستويات التلوث. كما تدعو الجزائر إلى مراجعة قانون «موران» الفرنسي الصادر عام 2010، المخصص لتعويض ضحايا التجارب النووية الفرنسية خارج التراب الفرنسي، إما عبر تعديله ليشمل جميع المتضررين بشكل عادل، أو من خلال إبرام اتفاقية جديدة أكثر إنصافاً وشمولاً.

التخلص من الإشعاعات

في سياق هذه المناسبة، أعلنت وزارة الدفاع الجزائرية عبر موقعها الإلكتروني، عن إطلاق أول خطوة ميدانية لإزالة جزء من التلوث الإشعاعي، الناجم عن التجارب النووية الفرنسية، وذلك انطلاقاً من موقع إن إكر بولاية تمنراست، اعتماداً على كفاءات وطنية ومعدات محلية الصنع.

وجاء هذا الإعلان بعد سنوات طويلة من الدراسات والتحضيرات، والتنسيق بين عدة قطاعات وزارية، حيث تم إطلاق عملية تطهير جزئي لموقع تجربة «بيريل» في منطقة تاوريرت تان أفلا بإن إكر. وقد وثّق فيلم بعنوان «جزائريون في قلب التحديات»، أعدته القوات المسلحة، تفاصيل هذه المبادرة، التي تُعد سابقة في مسار معالجة مخلفات التجارب النووية.

الرئيسان الجزائري ناشد نظيره الفرنسي تنظيف المواقع التي شهدت التفجيرات النووية (الرئاسة الجزائرية)

ويستحضر الوثائقي حادثة التفجير الباطني، الذي عدّ من أخطر الإخفاقات النووية، إذ بلغت قوته ما يعادل 150 ألف طن من مادة «تي. إن. تي»، ما أدى إلى تشققات داخل نفق الاختبار وتسرب غازات مشعة، وتكوّن سحابة ملوثة، وانتشار حمم تسببت في تدمير واسع للبيئة المحلية. ولا تزال المنطقة إلى اليوم تعاني آثار تلوث بعناصر مشعة، مثل «السيزيوم-137» و«البلوتونيوم».

وبعد تقييم شامل لمستويات التلوث والمخاطر الصحية، من قبل خبراء وفنيين جزائريين من مختلف القطاعات، أُنشئ «مخيم» مخصص لعمليات التطهير الجزئي، يعد نموذجاً أولياً لمشروعات إعادة تأهيل شاملة، ويرتقب تعميم ذلك على بقية المواقع المتضررة، بحسب وزارة الدفاع.

وكان الرئيس عبد المجيد تبون قد دعا فرنسا، في عدة مناسبات، إلى «تحمل مسؤولياتها الكاملة» إزاء مواقع التجارب النووية التي أجرتها، مؤكداً أن «تطهير هذه المواقع يمثل خطوة جوهرية في مسار تصحيح العلاقات بين البلدين، ومعالجة إرث خطير ما تزال آثاره الصحية والبيئية قائمة». وفي نهاية 2022، شدد خلال مقابلة مع صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية، على «ضرورة» تنظيف مواقع التجارب في رقان وتمنراست، داعياً إلى التكفل بعلاج السكان المتضررين من تداعيات الإشعاعات النووية.

كما جدد تبون في أواخر عام 2024 وأوائل 2025، مطالبه عبر تصريحات صحافية ومناسبات رسمية، حاثّاً على التوصل إلى اتفاق شامل، يضمن تطهير المواقع المتضررة، وكشف جميع تفاصيلها الدقيقة، وعدّ تحقيق ذلك «شرطاً أساسياً» لأي تعاون جاد ومستدام بين الجزائر وفرنسا.

كما أكد تبون أن قضية تطهير مواقع التجارب النووية «ليست مسألة سياسية فحسب، بل واجب إنساني وأخلاقي»، داعياً فرنسا إلى تحديد الحدود الدقيقة لمواقع التجارب والأماكن، التي دفنت فيها المواد المشعة، وتحمل مسؤولياتها تجاه الصحة العامة والبيئة، وضمان علاج المتضررين من الإشعاعات. كما طالبها بـ«الكفّ عن تجاهل تداعيات هذه التجارب»، التي ما تزال تلقي بظلالها على مناطق الجنوب الجزائري.

ولفت الرئيس تبون أيضاً إلى أن فرنسا «خلّفت تلوثاً وأمراضاً مست الشعب الجزائري في سبيل تحولها لقوة نووية»، مؤكداً أن الغاية من مطلب التطهير «هي إحقاق العدالة، وصون كرامة الضحايا، بعيداً عن أي حسابات تتعلق بالتعويضات المادية».

الاستعانة بالخبرة الروسية

خلال زيارة رسمية إلى موسكو في يونيو (حزيران) 2023، أعرب تبون عن رغبة بلاده في التعاون مع روسيا بشأن هذا الملف الحساس، مقترحاً توقيع اتفاقيات ثنائية لمعالجة آثار التجارب النووية، ومؤكداً أن الجزائر تطمح للاستفادة من خبرة موسكو في هذا المجال.

الرئيسان الجزائري والروسي في موسكو في يونيو 2023 (الرئاسة الجزائرية)

أُدرجت قضية التجارب النووية تاريخياً ضمن اتفاقيات الاستقلال، الموقعة بين الحكومة الجزائرية المؤقتة والسلطات الفرنسية في مارس (آذار) 1962، حيث نص الفصل الثالث على بند سري منح فرنسا الحق في الاستمرار باستخدام القواعد الجوية والمنشآت العسكرية، بما في ذلك مواقع التجارب النووية، لمدة خمس سنوات بعد الاستقلال.

غير أن تسليم هذه المنشآت للسلطات الجزائرية في عام 1967 لم يرافقه أي التزام فرنسي رسمي بتطهير المواقع، أو مراقبتها إشعاعياً، كما لم تحدد بدقة مواقع دفن النفايات النووية، ولا تزال فرنسا ترفض رفع السرية عن الوثائق المرتبطة بهذا الملف.


مقالات ذات صلة

وصول أول قوات جزائرية إلى النيجر

شمال افريقيا الرئيس الجزائري مستقبلاً رئيس النيجر منتصف فبراير الماضي (الرئاسة الجزائرية)

وصول أول قوات جزائرية إلى النيجر

وصلت قافلة عسكرية جزائرية إلى النيجر، في أول انتشار لقوات الجيش الجزائري خارج البلاد منذ حرب أكتوبر 1973.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا رئيس النيجر مصافحاً نظيره الجزائري منتصف فبراير الماضي (الرئاسة الجزائرية)

لهذه الأسباب... الجزائر تحاول استعادة موقعها بالساحل الأفريقي

تحاول الجزائر استعادة موقعها في منطقة الساحل الأفريقي من خلال إرسال قوات عسكرية إلى النيجر، في سابقة من نوعها منذ أكثر من نصف قرن.

«الشرق الأوسط» (أبيدجان)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون (رويترز)

رئيس الجزائر يترأس اجتماعاً تنسيقياً بحضور قادة عسكريين بارزين

ترأس الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، القائد الأعلى للقوات المسلحة وزير الدفاع الوطني، اليوم الأربعاء، اجتماعاً تنسيقياً حضره قادة عسكريون بارزون.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا «الخطوط الجوية الجزائرية» تقرر استئناف رحلاتها إلى طرابلس (الخطوط الجوية الجزائرية)

«الخطوط الجوية الجزائرية» تستأنف رحلاتها إلى العاصمة الليبية

أعلن المكتب الإعلامي لرئيس حكومة الوحدة الوطنية، المعترف بها دولياً في ليبيا، أن الخطوط الجوية الجزائرية استأنفت، اليوم الأربعاء، رحلاتها المباشرة إلى طرابلس.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري مستقبلاً الاشتراكية الفرنسية سيغولين رويال في يناير 2026 (الرئاسة الجزائرية)

ملف صحافي مسجون يُجدّد التوتر بين الجزائر وباريس

عاد الصحافي الرياضي الفرنسي المسجون في الجزائر، كريستوف غليز، إلى دائرة الضوء خلال اليومين الأخيرين، كما عادت المطالبات بإطلاق سراحه...

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

بوتين يعرض مساعدة البرهان لإنهاء الحرب

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مرحباً برئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان عبد الفتاح البرهان في موسكو الجمعة (أ.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مرحباً برئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان عبد الفتاح البرهان في موسكو الجمعة (أ.ب)
TT

بوتين يعرض مساعدة البرهان لإنهاء الحرب

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مرحباً برئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان عبد الفتاح البرهان في موسكو الجمعة (أ.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مرحباً برئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان عبد الفتاح البرهان في موسكو الجمعة (أ.ب)

أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين استعداد بلاده للمساعدة في إنهاء الحرب السودانية وإرساء السلام دون إملاءات خارجية، وقدم لرئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان خريطة طريق لتعزيز التعاون الاقتصادي والتقني بين البلدين، خلال لقائهما على هامش القمة الروسية - الأفريقية الثالثة في موسكو.

وأكد بوتين دعم بلاده وقف الأعمال القتالية والتوصل إلى تسوية سياسية، مشيراً إلى التداعيات الإنسانية والاقتصادية للحرب. وتشمل خريطة الطريق المقترحة التعاون في مجالات التجارة والصناعة والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية.

من جانبه، دعا البرهان إلى إقامة شراكة استراتيجية مع روسيا، مقترحاً إنشاء منطقة اقتصادية حرة على ساحل البحر الأحمر، تضم مستودعات روسية للوقود والقمح. وشدد على تمسك حكومته بسلام «سوداني خالص» يمهد لانتقال مدني ديمقراطي وانتخابات حرة.

وفي تطور موازٍ، أكد وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم وجود عسكريين أوكرانيين يقاتلون إلى جانب «قوات الدعم السريع» ويقومون بتدريب عناصرها على استخدام المسيّرات، وأكد امتلاك الخرطوم أدلة على مشاركة أوكرانيين وكولومبيين وأجانب آخرين في الحرب. وكشف أنه سلّم واشنطن العام الماضي وثائق تثبت وصول أسلحة أميركية إلى السودان عبر أوكرانيا.


روسيا تستخدم الفيتو لنقض مشروع قرار أميركي بشأن الصحراء المغربية

جلسة لمجلس الأمن الدولي (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي (رويترز)
TT

روسيا تستخدم الفيتو لنقض مشروع قرار أميركي بشأن الصحراء المغربية

جلسة لمجلس الأمن الدولي (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي (رويترز)

استخدمت روسيا حق ​النقض (الفيتو) لنقض مشروع قرار صاغته الولايات المتحدة، كان يهدف إلى تقليص المكون العسكري لبعثة ‌الأمم المتحدة ‌لحفظ السلام ​في ‌الصحراء ⁠المغربية، ​وترسيخ خطة ⁠الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب أساساً وحيداً للتفاوض من أجل التوصل إلى ⁠تسوية سياسية للنزاع القائم ‌منذ ‌نصف قرن.

وجاء ​هذا ‌التصويت بعد مواجهة غير معتادة بين القوى الكبرى بشأن ملف كان ‌يعد لفترة طويلة إجراء روتينياً داخل مجلس ⁠الأمن، ⁠حيث طرحت روسيا مشروع قرار منافساً يقضي بتمديد ولاية البعثة عاماً آخر، دون إدخال التغييرات التي سعت إليها واشنطن، وفق وكالة «رويترز».

وقالت السلطات المغربية إن عدم تجديد مهمة حفظ السلام خطوة نحو الإغلاق النهائي لقضية الصحراء في الأمم المتحدة.

وأضافت أنه ينبغي مغادرة أفراد بعثة الأمم المتحدة ومركباتها ومعداتها ورموزها خلال الأيام المقبلة.


وصول أول قوات جزائرية إلى النيجر

الرئيس الجزائري مستقبلاً رئيس النيجر منتصف فبراير الماضي (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري مستقبلاً رئيس النيجر منتصف فبراير الماضي (الرئاسة الجزائرية)
TT

وصول أول قوات جزائرية إلى النيجر

الرئيس الجزائري مستقبلاً رئيس النيجر منتصف فبراير الماضي (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري مستقبلاً رئيس النيجر منتصف فبراير الماضي (الرئاسة الجزائرية)

وصلت قافلة عسكرية جزائرية إلى النيجر، في أول انتشار لقوات الجيش الجزائري خارج البلاد منذ حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، وذلك عقب قرار الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إرسال وحدات من الجيش الوطني الشعبي إلى الأراضي النيجرية، في خطوة تعكس تطور العلاقات الأمنية بين البلدين، واتساع التعاون لمواجهة التحديات الأمنية وحماية المصالح الاقتصادية المشتركة.

وأفادت وكالة «رويترز»، الجمعة، بوصول قافلة من الجيش الجزائري إلى النيجر، لكن دون الكشف عن حجم القوات المشاركة، أو طبيعة مهمتها، أو المدة المقررة لانتشارها، في حين يمثل التحرك سابقة عسكرية جزائرية منذ أكثر من خمسة عقود، عندما أرسلت الجزائر قوات لدعم مصر خلال حرب أكتوبر 1973.

وتحدثت وكالة «رويترز» ‌إلى 10 أشخاص قالوا إن ‌أول قافلة عسكرية جزائرية وصلت بالفعل إلى مدينة أرليت، وهي بلدة لتعدين اليورانيوم في شمال غربي النيجر.

وفي وقت سابق قالت الجزائر إنها اتخذت قرار نشر ‌القوات لحماية مصالحها في مجالي الاقتصاد والطاقة، من دون الكشف عن ⁠حجم ⁠القوة أو الجدول الزمني لوصولها، ويعد هذا الانتشار مؤشراً على تحسن العلاقات بين الجزائر ونيامي منذ العام الماضي، عندما استدعت النيجر سفيرها لدى الجزائر، ​بعد اتهام مالي الدولة ​العربية بإسقاط إحدى طائراتها المسيرة قرب الحدود.

وقالت الرئاسة الجزائرية إن إرسال هذه الوحدات يهدف إلى حماية المصالح الاقتصادية والاستراتيجية المشتركة، ولا سيما منشآت الطاقة وقطاع تعدين اليورانيوم، إضافة إلى تأمين الحدود، ومواجهة تهديدات الجماعات المسلحة المرتبطة بتنظيمي «القاعدة» و«داعش» في منطقة الساحل.

وجاء هذا التحرك

في ظل ارتباط البلدين بمصالح حيوية، من بينها مشروع «خط أنابيب الغاز العابر للصحراء»، الذي يضم الجزائر والنيجر ونيجيريا لنقل الغاز نحو الأسواق الأوروبية، إلى جانب استثمارات شركة «سوناطراك» الجزائرية في النيجر. كما

يأتي هذا التطور بعد تحسن العلاقات الثنائية بين الجزائر ونظام الحكم العسكري في النيجر الذي تولى السلطة.

وكانت غرفتا البرلمان الجزائري، قد صوّتتا بالإجماع، خلال جلستين طارئتين منفصلتين، على الموافقة على إخطار وجّهه الرئيس عبد المجيد تبون بشأن إرسال قوة عسكرية إلى النيجر، بهدف حماية المصالح الطاقوية الجزائرية، وفق ما أورده بيان لـ«المجلس الشعبي الوطني»، (الغرفة السفلى للبرلمان)، من دون الكشف عن طبيعة هذه المصالح.

وفي هذا السياق، نقل برلمانيون إلى صحافيين أن وزير الخارجية أحمد عطاف، أوضح، خلال جلسة التصويت، أن الخطوة تهدف إلى تأمين مشروعات تابعة لشركة المحروقات الوطنية «سوناطراك» في النيجر، مشيرين إلى أن طلب إرسال القوة العسكرية جاء من الحكومة النيجرية.

وعبّرت التشكيلات السياسية الجزائرية، في معظمها، عن دعمها الكامل للقرار، في حين أبدت أحزاب المعارضة «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية»، «جيل جديد»، و«جبهة القوى الاشتراكية» تحفظات بشأن الخطوة.

وبحسب مراقبين، يرتقب أن تتمركز القوات الجزائرية في قاعدة ماداما العسكرية، الواقعة شمال النيجر بالقرب من الحدود الليبية، على اعتبار أن هذه القاعدة كانت نقطة ارتكاز عسكرية فرنسية جرى تطويرها في إطار عملية عسكرية شنتها فرنسا عام 2013 ضد معاقل جماعات دينية متشددة في مالي.

وتكتسي هذه المنشأة أهمية استراتيجية لمراقبة منطقة الساحل والمحاور العابرة للحدود.

وتقع قاعدة «ماداما» العسكرية في شمال النيجر على بُعد نحو 263 كيلومتراً بخط مستقيم من قاعدة «الويغ» في إقليم فزّان الليبي، وهي موقع عسكري مرتبط بقوات المشير خليفة حفتر، ويُستخدم كنقطة إسناد في جنوب غربي ليبيا.

وعلى أثر هذا الخيار غير المألوف في تعامل الجزائر مع التحديات الواقعة خارج حدودها، تُطرح تساؤلات عدة بشأن أهداف نشر قوات من جيشها على امتداد الحدود المشتركة مع النيجر وموريتانيا.