الأمم المتحدة: التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن قوي وسريع

جوليان هارنيس لـ«الشرق الأوسط»: الحوثيون يواصلون احتجاز زملائنا والسيطرة على مكاتبنا دون سبب

وصف المنسق الأممي التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن بأنه كان قوياً وسريعاً (الأمم المتحدة)
وصف المنسق الأممي التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن بأنه كان قوياً وسريعاً (الأمم المتحدة)
TT

الأمم المتحدة: التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن قوي وسريع

وصف المنسق الأممي التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن بأنه كان قوياً وسريعاً (الأمم المتحدة)
وصف المنسق الأممي التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن بأنه كان قوياً وسريعاً (الأمم المتحدة)

«لم أعد أسمع أصوات المولدات؛ لأن شبكة الكهرباء الحكومية بدأت في العودة؛ بفضل الاستجابة السريعة من المملكة، كما أنني غادرت الأحد عبر مطار عدن، وشاهدت أعمال إعادة تأهيل المدرج، وهو أمر إيجابي جداً»، بهذه العبارة وصف المنسق المقيم ومنسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في اليمن جوليان هارنيس الوضع في العاصمة المؤقتة عدن.

وأكد هارنيس في حوار مع «الشرق الأوسط»، أن «التدخلات التنموية السعودية لا تقل أهمية عن تدخلاتها الإنسانية، وذلك من خلال تنفيذ البرنامج السعودي لتنمية إعمار اليمن مشاريع عدة في مختلف أنحاء اليمن». وقال: «المملكة العربية السعودية تحركت بقوة خلال الأيام والأسابيع الماضية لدعم التنمية ودعم الحكومة اليمنية، وكان ذلك سريعاً وواضحاً».

المنسق المقيم ومنسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في اليمن جوليان هارنيس (الشرق الأوسط)

وكشف المنسق الأممي عن أن قوات الأمن الحوثية التي تحتجز نحو 73 من العاملين مع الأمم المتحدة، لا تزال تسيطر على مكاتب عدة تابعة للأمم المتحدة، وصادرت مئات أجهزة الاتصالات والمعدات الضرورية، لافتاً إلى عدم وجود أي مؤشرات على أن الوضع سيتغير وأن ذلك «محبط للغاية»، على حد تعبيره.

مركز الملك سلمان

وأوضح هارنيس أن زيارته للرياض جاءت للمشاركة في اجتماع مع مركز الملك سلمان للإغاثة، حيث يجري بحث المشهد الإنساني العالمي. وقال: «خلال السنوات العشر الماضية، تطور مركز الملك سلمان للإغاثة بشكل كبير، وأصبح اليوم فاعلاً عالمياً رئيسياً في مجال الاستجابة الإنسانية».

وأضاف: «بطبيعة الحال، لدى مركز الملك سلمان اهتمام كبير بالاستجابة الإنسانية في اليمن؛ ولذلك ركزتُ في هذه الزيارة على الملف الإنساني اليمني، وكان من المفيد جداً تبادل الآراء معهم في هذا الشأن، العلاقة والتعاون مع مركز الملك سلمان للإغاثة كانا دائماً ممتازَين (...) وكان دائماً داعماً قوياً للأمم المتحدة وللاستجابة الإنسانية، ما نسعى إليه اليوم هو الارتقاء بهذه العلاقة عبر نقاشات أعمق تتعلق بالجوانب الفنية والقيادية، وكيف تُنظم الاستجابة الإنسانية، وهذا أمر بالغ الأهمية».

السعودية من أكبر المانحين

وفي سياق حديثه عن الدور السعودي الإنساني والتنموي في اليمن، أشار المنسق الأممي المقيم إلى أن «مركز الملك سلمان للإغاثة قدّم دعماً استثنائياً على مدى السنوات العشر الماضية، وكان دائماً من أكبر المانحين، ومن المرجح أن يكون هذا العام المانح الأكبر، ولا يقتصر دوره على التمويل فقط، بل يمتلك فهماً عميقاً للوضع في اليمن، وهو أمر بالغ الأهمية».

أكد هارنيس أن السعودية واحدة من كبار المانحين للاستجابة الإنسانية في اليمن (الأمم المتحدة)

وتابع بقوله: «أما على صعيد التنمية، فالجهود لا تقل أهمية، وربما تفوقها، حيث ينفذ البرنامج السعودي للتنمية وإعادة الإعمار مشاريع في مختلف أنحاء البلاد. كما أن المملكة العربية السعودية تحركت بقوة خلال الأيام والأسابيع الماضية لدعم التنمية ودعم الحكومة اليمنية، وكان ذلك سريعاً وواضحاً».

وفنّد هارنيس حديثه قائلاً: «على سبيل المثال، ملف الكهرباء: هذه المشكلة قائمة منذ ما لا يقل عن 15 أو 20 عاماً، وكانت دائماً نقطة توتر في حياة اليمنيين، الاعتماد كان شبه كلي على المولدات، وما يصاحبها من ضجيج ودخان وتلوث، خلال الأسبوع أو الأيام العشرة الماضية، لم أعد أسمع أصوات المولدات؛ لأن شبكة الكهرباء الحكومية بدأت في العودة؛ بفضل الاستجابة السريعة من المملكة، كما أنني غادرت الأحد عبر مطار عدن، وشاهدت أعمال إعادة تأهيل المدرج، وهو أمر إيجابي جداً».

ولفت إلى أن «ما نحتاج إليه في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة هو دولة قوية قادرة على إظهار فوائد التنمية، وسيادة القانون، والحكم الرشيد للمواطنين، وهذا تطور إيجابي للغاية».

احتجاز موظفي الأمم المتحدة

وقال جوليان هارنيس إن «من أكثر الأمور إيلاماً أن الأمم المتحدة تعمل في اليمن منذ عقود، وكل ما تهدف إليه وكالاتها وبرامجها هو مساعدة الفئات الأشد ضعفاً، مع الالتزام بالحياد والنزاهة واحترام الثقافة المحلية».

وأضاف: «لكن، ولأسباب لا نفهمها، قامت سلطات الأمر الواقع (الحوثيون) في صنعاء باحتجاز 73 من زملائنا، وتوفي أحدهم أثناء الاحتجاز، كما تم احتجاز موظفين سابقين في الأمم المتحدة، ولم يحدث ذلك مرة واحدة، بل في 2021 في ديسمبر (كانون الأول) 2023، و2024، وثلاث مرات في 2025، كان آخرها قبل ثلاثة أسابيع فقط».

ويواصل هارنيس حديثه بالقول: «تمت مصادرة مكاتبنا وأصولنا، ولا تزال مكاتب عدة إما تحت سيطرة قوات أمن تابعة للحوثيين أو مغلقة، كما تمت مصادرة مئات أجهزة الاتصالات والمعدات الضرورية لعملنا، ولا توجد أي مؤشرات من صنعاء على أن هذا الوضع سيتغير، وهو أمر محبط للغاية، خصوصاً في هذا التوقيت الحرج بالنسبة لليمنيين».

الخطة الإنسانية لليمن لعام 2026 تحتاج إلى نحو 2.16 مليار دولار منها 1.6 مليار للأولويات القصوى (الأمم المتحدة)

زيارات صعدة

وقال إن زياراته لمحافظة صعدة (معقل الحوثيين) نحو ست مرات خلال السنوات الماضية، كما بقية المناطق اليمنية الأخرى للحوار لضمان العمل الإنساني. وأضاف: «زرت صعدة للمرة الأولى في 2013، وكنت هناك في 2014 و2015 و2016، ثم قبل عامين، والعام الماضي، كما زرت معظم مناطق اليمن، في كثير من المناطق، السلطة بيد جماعات مسلحة، ولا بد من الحوار معها لضمان العمل الإنساني».

وتابع: «في آخر زيارة لي، التقيت المحافظ، وكان الحديث مُنصبَّاً على استئناف المساعدات الإنسانية، بعد احتجاز موظفينا، قررنا تعليق العمل حتى نفهم المشكلة ونحصل على ضمانات أمنية وإطلاق سراح زملائنا، للأسف، لم نحصل على إجابات واضحة».

انتقاد الحوثيين

وجزم منسق الشؤون الإنسانية لدى اليمن بأن الأمم المتحدة لم تخفف لهجتها أو انتقادها للحوثيين مقابل الحصول على تسهيلات تشغيلية أو خلاف ذلك، وأكد أن «الأمين العام نفسه تحدث مراراً عن احتجاز موظفينا، رؤساء الوكالات تحدثوا، هناك مئات البيانات، لم نتوقف يوماً عن الحديث». مشيراً إلى أن «المؤسف هو أن مئات وربما آلاف اليمنيين المحتجزين لا يُسمع صوتهم».

الرقابة على الإنفاق الإنساني

وفي رده على تساؤلات تُطرح بشأن عملية صرف الأموال الأممية في اليمن، أكد جوليان هارنيس أن «كل ما نقوم به شفاف ومتاح للجمهور عبر نظام تتبع التمويل (fts.un.org)، حيث يمكن الاطلاع على مصادر التمويل والمشاريع منذ سنوات طويلة، كما تخضع جميع وكالات الأمم المتحدة لعمليات تدقيق داخلية وخارجية سنوية، إضافة إلى مراجعات من المانحين».

نقل مكتب المنسق المقيم إلى عدن

وأوضح هارنيس أن قرار نقل مكتب منسق الشؤون الإنسانية من صنعاء إلى عدن اتخذه الأمين العام للأمم المتحدة بناءً على عوامل عدة، «من بينها أن الحكومة اليمنية هي الممثل الرسمي في الأمم المتحدة، وسوء معاملة السلطات في صنعاء للأمم المتحدة»؛ ولذلك رأى أن «يكون مقر المنسق المقيم في عدن».

علاقة جيده مع الحكومة

وأكد أن العلاقة مع الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً «جيدة وخاصة رئيس الحكومة، ونحن في تنسيق دائم في جميع الصعد». وقال: «هدفنا الدائم هو العمل بشكل وثيق مع الحكومة، ومصلحتنا مشتركة، في البناء والتنمية وتخفيف الأزمة الإنسانية، وهذا ما نسعى إلى تعزيزه، لا بد من قيادة حكومية واضحة وخطة مستقرة، خلال العامين الماضيين، عملتُ على إشراك الحكومة في آليات التنسيق مع المانحين، وربط أولويات التنمية بأولويات الحكومة، وقد شهدنا تقدماً ملموساً في هذا الاتجاه».

أولويات عام 2026

وتركز الأمم المتحدة هذا العام في اليمن – حسب هارنيس – على دعم قيادة الحكومة للتنمية بناءً على الأولويات الوطنية، وإنسانياً للحد قدر الإمكان من تداعيات الأزمة الإنسانية وخاصة في مناطق الحوثيين، وسنقوم بذلك الدور هناك عبر المنظمات غير الحكومية الدولية، مع التركيز على الأمن الغذائي والصحة والتغذية.

وكشف عن أن «الخطة الإنسانية لليمن لعام 2026 تحتاج إلى نحو 2.16 مليار دولار، منها 1.6 مليار للأولويات القصوى».


مقالات ذات صلة

من اتفاق «الصخيرات» إلى «4+4».... ليبيا رهينة «معرقلِي الحل»

شمال افريقيا تيتيه المبعوثة الأممية لدى ليبيا أمام مجلس الأمن الأربعاء (البعثة الأممية)

من اتفاق «الصخيرات» إلى «4+4».... ليبيا رهينة «معرقلِي الحل»

بين اتفاق «الصخيرات» وآلية «4+4»، تتوالى المبادرات وتتكرر التعطيلات، ليبقى المشهد الليبي أسيراً لتجاذبات القوى النافذة وتصفية حسابات المصالح الضيقة.

جمال جوهر (القاهرة)
العالم العربي مدينة تعز المحاصرة من قبل الميليشيا الحوثية (إعلام حكومي)

الحكومة اليمنية تطالب بتحرك أممي عاجل لفك حصار تعز

دعت الحكومة اليمنية الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي إلى اتخاذ خطوات عاجلة وفعّالة لفك الحصار الخانق الذي تفرضه الميليشيا الحوثية على تعز، وينذر بكارثة إنسانية.

«الشرق الأوسط» (تعز)
المشرق العربي وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)

لاكروا: يجب البدء بالمحادثات حول مستقبل بعثة حفظ السلام في لبنان قريباً

حث وكيل أمين عام الأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا، مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على بدء مفاوضات حول مستقبل قوات حفظ السلام المنتشرة في لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شمال افريقيا من جلسة مجلس الأمن حول ليبيا (المجلس)

تيتيه تؤكد وجود «دعم واسع» للاتفاق الليبي... وتحذر من تعطيل الانتخابات

أبلغت هانا تيتيه أعضاء مجلس الأمن أن الاتفاق الذي توسطت فيه لإنهاء الجمود السياسي في ليبيا بات يحظى بدعم واسع.

علي بردى (واشنطن)
المشرق العربي  الرئيس اللبناني جوزيف عون خلال لقائه وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيار لاكروا (صفحة الرئاسة اللبنانية على «إكس»)

عون: لبنان متمسّك ببقاء قوات «يونيفيل»

أبلغ الرئيس اللبناني جوزيف عون، وكيل أمين عام الأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيار لاكروا، أن لبنان متمسّك ببقاء قوة «يونيفيل»، تقديراً لدورها وتضحيات أفرادها.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

لقاء سعودي - يوناني يبحث تداعيات هجمات الحوثيين

وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان مستقبلاً نظيره اليوناني نيكوس ديندياس في الرياض الخميس (واس)
وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان مستقبلاً نظيره اليوناني نيكوس ديندياس في الرياض الخميس (واس)
TT

لقاء سعودي - يوناني يبحث تداعيات هجمات الحوثيين

وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان مستقبلاً نظيره اليوناني نيكوس ديندياس في الرياض الخميس (واس)
وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان مستقبلاً نظيره اليوناني نيكوس ديندياس في الرياض الخميس (واس)

ناقش الأمير خالد بن سلمان، وزير الدفاع السعودي، مع نظيره اليوناني، نيكوس ديندياس، في الرياض، الخميس، التطورات الإقليمية.

وأدان الوزيران الهجمات الإرهابية التي تشنها الميليشيا الحوثي على السعودية، كما بحثا تداعياتها على الأمن والاستقرار.

واستعرض الجانبان خلال اللقاء سبل تعزيز الشراكة الدفاعية بين البلدين، بما يخدم المصالح المشتركة.

حضر اللقاء عدد من كبار المسؤولين من الجانبين.


الرئيس الفرنسي في جولة خليجية موسعة «لتعزيز الشراكات الاستراتيجية»

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في باريس (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في باريس (رويترز)
TT

الرئيس الفرنسي في جولة خليجية موسعة «لتعزيز الشراكات الاستراتيجية»

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في باريس (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في باريس (رويترز)

جولة موسعة في أربع دول خليجية ستقود الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من الاثنين وحتى الأربعاء القادمين تباعاً تبدأ من الكويت، ثم الإمارات، والبحرين، قبل أن يقوم بزيارة دولة إلى قطر تلبية لدعوة من أميرها الشيخ تميم بن حمد.

ومن المرجح جداً أن تكون هذه الجولة هي الأخيرة لماكرون في المنطقة نظراً لانتهاء ولايته الرئاسية الثانية في الربيع القادم، بينما تجرى الانتخابات الرئاسية بعد أقل من 200 يوم.

الإليزيه: فرنسا حليف موثوق

ثمة مجموعة رسائل وأهداف يسعى الرئيس ماكرون لإيصالها، وتحقيقها، وأولها، وفق ما تؤكده مصادر الإليزيه، «التذكير بأن فرنسا حليف يمكن الوثوق به، وشريك يقف إلى جانب الدول المعنية. هذا كان موقفها في السابق، وسيكون نفسه في المستقبل».

وترتبط فرنسا باتفاقيات دفاعية مع ثلاث دول خليجية، وهي قطر، والكويت، والإمارات، كما أنها أبرمت مع السعودية اتفاقية «شراكة استراتيجية» العام الماضي، وانعقد خلال الزيارة التي قام بها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى باريس في أغسطس (آب) الماضي أول اجتماع لمجلس الشراكة الاستراتيجية بين البلدين برئاسته مع ماكرون.

وتسعى باريس من خلال هذه الزيارة إلى التأكيد على «ثبات موقفها» القائم على تعزيز أمن واستقرار المنطقة «من خلال تعزيز الشراكات الاستراتيجية، والاقتصادية» التي تقيمها مع بلدان الخليج. من هنا، فإن المسائل الدفاعية بكافة أشكالها ستكون حاضرة في المحادثات التي سيجريها ماكرون مع قادة الدول الأربع.

غير أن باريس تسعى، بالتوازي، إلى دفع علاقاتها الاقتصادية والاستثمارية قدماً في المنطقة الخليجية، الأمر الذي يمر من خلال تعزيز حضور شركاتها العاملة هناك. ويبرز هدف رئيس من الزيارة وعنوانه: تحصين وصول إمدادات النفط ومشتقاته إلى فرنسا.

لذا، فإن مجموعة من المسائل سيتم التداول بشأنها، وأولها تأمين الملاحة في مضيق هرمز، وحرية الإبحار فيه، والنظر فيما تحقق في توفير المسارات البديلة لإيصال النفط إلى الأسواق العالمية.

ولا يختلف حال فرنسا عن حال الدول الأخرى التي تعاني من ارتفاع أسعار الطاقة، ومشتقاتها، والتي تؤثر على حالة الاقتصاد الفرنسي، وعلى ميزانية البلاد التي تشهد حراكاً طلابياً واجتماعياً منذ عدة أسابيع، وسيبرز مجدداً بقوة يوم السبت القادم، حيث من المرتقب حصول مظاهرات حاشدة احتجاجاً على الغلاء، وانخفاض القوة الشرائية، وارتفاع أسعار مشتقات النفط، والغاز.

حالة اللاسلم واللاحرب

إضافة إلى ما سبق، ستكون الاستثمارات المتبادلة أحد الملفات التي سيبحثها الرئيس ماكرون، بما فيها المشاريع المشتركة الخاصة بالذكاء الاصطناعي، والطاقة.

ووفق ما تؤكده أوساط الإليزيه، فإن مباحثات الرئيس الفرنسي ستتناولها إلى جانب القضايا السياسية الخاصة بالوضع في الخليج وما تسميه باريس «حالة اللاسلم واللاحرب»، مقرونة بالمسائل الأمنية والدفاعية، والطاقة، وكيفية التغلب على أزمتها من خلال المسارات البديلة، وما تعتبره باريس «التحديات الشاملة» التي تتناول البيئة، ومؤثراتها.

وحرصت مصادر الإليزيه على التأكيد على «التواصل الدائم» بين باريس والرياض، وعزت عدم شمول جولة ماكرون السعودية للزيارة المهمة الأخيرة التي قام بها الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا.

وتستشعر باريس، كما تقول مصادرها، «الحاجة إلى التوجه إلى المنطقة لمواصلة الحوار، وتقييم الوضع في مرحلة مفصلية، والاستمرار في بناء العلاقات الثنائية بمختلف أبعادها، فضلاً عن مواصلة الدفاع عن مصالحنا الاستراتيجية، والاقتصادية، والدفاعية، وعن مصالح الفرنسيين المتضررين من هذه الأزمة التي لم يختاروها».

وفيما تتواصل حالة «اللاحرب واللاسلم»، ترى باريس أن الوضع اليوم «دخل في مأزق استراتيجي حقيقي»، وأن «التصعيد، والخيار العسكري» في الحرب بين الولايات المتحدة وإيران «لم يحققا أي نتيجة». وبحسب هذه المصادر، فإن «نهج فرنسا هو الحوار».

ويجدر التذكير بأن باريس أطلقت مبادرة مشتركة مع بريطانيا منذ عدة أشهر تقوم على ضمان حرية الإبحار في مضيق هرمز، ومرافقة الناقلات، والبواخر العابرة فيه في حال توفر شرطان: الأول: التزام إيراني بعدم استهداف القطع البحرية العابرة. والثاني: أن تعمد الولايات المتحدة إلى رفع الحصار عن الموانئ الإيرانية. والحال أن أياً من الشرطين لم يتوفر، وبقيت المبادرة الأوروبية رهن تطور الأوضاع.

وبالمقابل، ينشط الاتحاد الأوروبي لتوفير مزيد من الفعالية لمهمة «اسبيدس» في البحر الأحمر التي أطلقت في العام 2024. ودعت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، الدول المشاركة في العملية المذكورة إلى زيادة مساهماتها بالقطع البحرية نظراً للأهمية المتزايدة للبحر الأحمر، وباب المندب في توفير طريق رديف لمضيق هرمز.

وفيما يتعلق بالزيارة، تبدأ جولة ماكرون من الكويت، حيث سيبحث مع أميرها الشيخ مشعل الأحمد «تعاون الطرفين في مجالات الدفاع، والبنى التحتية، والصحة»، وفي الإمارات، حيث يلتقي رئيس الدولة الشيخ محمد بن زايد، ستتركز المحادثات بالدرجة الأولى، وفق الإليزيه، على مسائل الدفاع، والأمن، والتكنولوجيات الجديدة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، التي تشكل «أعمدة الشراكات الاستراتيجية» بين الطرفين.

ويجري حالياً بناء مركز للبيانات في فرنسا بتمويل من صناديق استثمار إماراتية، وذلك في إطار اتفاق استثماري بين البلدين بقيمة 50 مليار يورو.

ومن أبوظبي، يتوجه ماكرون الثلاثاء إلى البحرين، محطته الثالثة، للقاء الملك حمد بن عيسى، حيث ملفات المباحثات لا تختلف عن سابقاتها في العاصمتين الأوليين، وهي تتناول، وفق باريس، الوضع الإقليمي، والعلاقات الدفاعية، والاقتصادية، مع التفاتة خاصة للاستثمارات البحرينية في فرنسا.

ومن المنامة، يصل ماكرون بعد ظهر الثلاثاء إلى الدوحة، محطته الأخيرة، حيث يقوم بزيارة دولة تمتد ليومين هما: 20 و21 أكتوبر (تشرين الأول).

وقال الإليزيه إن هدف الزيارة يكمن في «تعميق الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، وتعزيز المبادلات الاقتصادية، والدفاعية، والتشاور بشأن الملفات الكبرى الإقليمية والدولية». كما يشارك في اليوم التالي في الجلسة العامة لـ«شبكة الصناديق السيادية من أجل كوكب واحد» الخاصة بملف المناخ.

ويرافق الرئيس الفرنسي، إلى جانب الرسميين وعلى رأسهم وزير الخارجية جان نويل بارو، وفد من كبار مسؤولي الشركات الرئيسة الفاعلة في قطاع الطاقة، والدفاع، التكنولوجيات المتقدمة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي. و

منذ عدة سنوات يدفع ماكرون باتجاه تعزيز الشراكات في هذه القطاعات، والهدف ردم الهوة التي تفصل فرنسا كما غيرها من الدول الأوروبية عن الدولتين الأكثر تقدماً في قطاع الذكاء الاصطناعي، وهما الولايات المتحدة، والصين. وهذا السباق بحاجة لضخ الكثير من الأموال، ما يبرر رغبة باريس في العمل على بناء شراكات في هذا القطاع التنافسي.


كفاءة الدفاع الجوي السعودي تُحبط تهديدات «كروز»

تتعامل قوات الدفاع الجوي الملكي السعودي بكفاءة عالية مع التحديات التي تفرضها صواريخ «كروز» (وزارة الدفاع)
تتعامل قوات الدفاع الجوي الملكي السعودي بكفاءة عالية مع التحديات التي تفرضها صواريخ «كروز» (وزارة الدفاع)
TT

كفاءة الدفاع الجوي السعودي تُحبط تهديدات «كروز»

تتعامل قوات الدفاع الجوي الملكي السعودي بكفاءة عالية مع التحديات التي تفرضها صواريخ «كروز» (وزارة الدفاع)
تتعامل قوات الدفاع الجوي الملكي السعودي بكفاءة عالية مع التحديات التي تفرضها صواريخ «كروز» (وزارة الدفاع)

نجحت قوات الدفاع الجوي السعودي في التصدِّي لمختلف أنواع الهجمات الجوية التي استهدفت كثيراً من المناطق، وفي مقدِّمتها صواريخ «كروز» المجنحة، مؤكدةً بذلك جاهزيتها القتالية العالية، وكفاءتها الاستثنائية في حماية أمن الوطن ورسم منظومة أمان متكاملة تحمي الأعيان المدنية والبنى التحتية الحيوية من جميع التهديدات العابرة للحدود.

وخلال الفترة القليلة الماضية، تمَّ اعتراض عدد من الصواريخ المجنحة، كان آخرها الخميس، في أجواء المدينة المنورة، واعتراض صاروخ آخر فوق محافظة الخرج، فضلاً عن التصدي لـ5 صواريخ طالت العاصمة الرياض، من بينها صاروخ استهدف محيط مطار الملك خالد الدولي.

وأسفرت عمليات الاعتراض الناجحة فوق المناطق السكنية عن تساقط شظايا وحطام نتجت عنها أضرار مادية محدودة شملت نحو 15 منزلاً ووقوع إصابات طفيفة بين المدنيين، دون أن تنجح هذه التهديدات في تحقيق أهدافها التخريبية بفضل الجاهزية القتالية لمنظومات الدفاع الجوي.

كفاءة متقدمة... وتكامل دفاعي

وتتعامل قوات الدفاع الجوي الملكي السعودي بكفاءة عالية مع التحديات التي تفرضها صواريخ «كروز» والتهديدات الجوية منخفضة الارتفاع، مستندة في ذلك إلى شبكة دفاع جوي متكاملة ومترابطة تُعدُّ من الأقوى والأحدث إقليمياً.

وتمتلك السعودية قدرات متقدمة في التصدي لهذه التهديدات عبر آليات طوَّرتها على مدى السنوات، تبدأ من طبقات الرصد والإنذار المبكر التي تكشف التهديدات الخفية، مروراً بمنظومات الاعتراض الدقيق التي تتميَّز بقدرتها الفائقة على تتبع واعتراض الصواريخ المجنحة والطائرات المسيَّرة بدقة تامة، وصولاً إلى منظومات الدفاع قصير ومتوسط المدى لحماية المنشآت الحيوية والمطارات والمناطق الحضرية من أي اختراق محتمل.

سقوط شظايا نتيجة اعتراض صاروخين من نوع «كروز» في مدينة الرياض (واس)

طبيعة التهديد... وتحديات التتبع الفني

ويُعرَّف صاروخ «كروز» بأنه طائرة دون طيار انتحارية تشبه في بنيتها المقاتلات الصغيرة؛ فهو يعمل بمحرك نفاث (توربيني مروحي أو نفاث) يمكِّنه من الطيران لمسافات طويلة وقطع آلاف الكيلومترات، وتُمثّل صواريخ «كروز» تحدياً أمنياً معقداً لشبكات الدفاع الجوي؛ نظراً لبصمتها الرادارية الصغيرة، وقدرتها على الطيران على ارتفاعات منخفضة جداً تحجبها عن الأفق الراداري التقليدي حتى وقت متأخر من مسار رحلتها.

وقال العميد حسن الشهري، المحلل والخبير العسكري، إن صاروخ «كروز»، هو صاروخ موجه، يطير داخل الغلاف الجوي، بمحرك نفاث وأجنحة، مثل طائرة مسيّرة انتحارية، يطير على ارتفاع منخفض جداً، بحيث يصعب على الرادارات رصده.

وأضاف: «تكمن نقاط قوة صاروخ كروز، في دقة الإصابة العالية، والقدرة على برمجة مسار للالتفاف حول الدفاعات، وبصمة رادارية صغيرة، وتبرز دول مختلفة في تصنيعه، ومن أهمها الولايات المتحدة والصين وفرنسا وبريطانيا بأنواع مختلفة من أسر الصواريخ المجنحة».

وعن أبرز منظومات الدفاع الجوي القادرة على مواجهته، قال الشهري هي منظومة «باتريوت»، التي تتوفر في السعودية ودول الخليج الأخرى، وهي منظومة متحرِّكة مُصمَّمة لاعتراض الطائرات وصواريخ «كروز» المنخفضة، والصواريخ الباليستية التكتيكية، إضافة إلى منظومات أخرى.

وأضاف: «الأهم من المنظومة، هي طائرات الإنذار المبكر المحمولة جواً، وتتوفر هي الأخرى في السعودية، إضافة إلى الطائرات المقاتلة، التي تتعامل مع صاروخ كروز الذي يطير بمستوى منخفض، تحت أفق الرادارات الأرضية، ويحتاج اكتشافه في وقت مبكر، إلى الرادار الجوي».

ونوه العميد الشهري بقدرات الدفاع الجوي السعودي العالية في التعامل مع هذا النوع من الصواريخ، مشيراً إلى أن السعودية تمتلك دفاعاً متعدد الطبقات، يتعامل مع مختلف أنواع التهديدات، إضافة إلى المقاتلات وطائرات الإنذار المبكر، والخبرات القتالية المتراكمة التي اكتسبها الدفاع الجوي السعودي، ونجح معظمها في اعتراض التهديدات القادمة من ميليشيا الحوثي أو إيران والعراق.

أجزاءً من صاروخ (كروز) المستخدم في الاعتداء الحوثي الإرهابي على مطار الملك خالد الدولي (الشرق الأوسط)

وأوضح العميد حسن الشهري، أن البيانات والمعطيات الميدانية تكشف زيف الرواية التي تسوقها ميليشيا الحوثي حول ادعائها تصنيع هذه الأسلحة محلياً؛ مشيراً إلى أن فريق خبراء الأمم المتحدة قدَّم منذ عام 2020 أدلةً تثبت أن بعض مكونات صاروخ «قدس 1» تعتمد على نسخة غير مرخصة لمحرّك نفاث تشيكي صغير، مع وجود معلومات ترجح تطويره بتقنيات صينية متقدمة، حيث تشير التقديرات إلى أن «قدس 1» ليس سوى المسمى الحوثي للصاروخ الإيراني «باوه»، نظراً للتطابق التام بينهما في الشكل والتصميم.

وأضاف الشهري أن جودة التصنيع المرتفعة لهذه الصواريخ ترجِّح إنتاجها بالكامل خارج اليمن، لافتاً إلى أن التصاميم والمكونات الحساسة الخاصة بالمحركات وأنظمة التوجيه تعود لمصادر متعددة، في مقدمتها إيران والصين وروسيا.

وأكد الخبير العسكري أن الميليشيا الحوثية تفتقر تماماً لهذه القدرات التصنيعية المعقدة، حيث يتولى عناصر من «الحرس الثوري» الإيراني و«حزب الله» في لبنان، عمليات التشغيل والإطلاق الفعلية، إلى جانب الاستعانة بعناصر حوثية تلقت دورات تدريبية مكثفة سابقاً في إيران والجنوب اللبناني.

وحول آلية وصول هذه الأسلحة، يبيّن العميد الشهري أن العملية تعتمد على شبكات تهريب وتمويل منظمة، حيث يتم شحن الصواريخ بعد إنتاجها خارجياً في صورة أجزاء ومكونات مجزأة إلى داخل اليمن، ليتم تجميعها لاحقاً في ورش ومناطق سرية مخصصة، مما أكسب بعض العناصر الحوثية خبرةً عمليةً في تقنيات التجميع والتركيب، بدرجة أعلى من قدراتهم المحدودة في الإطلاق.

وأشار المحلل العسكري في ختام حديثه إلى أن الميليشيا تعرَّضت مؤخراً لخسائر بشرية وفنية فادحة، شملت مقتل ومصرع عدد من الخبراء الإيرانيِّين المشرفين على هذه المنظومات، وهو ما انعكس مباشرة على كفاءتها الميدانية؛ حيث أدى ذلك إلى فشل إطلاق أكثر من 4 صواريخ، خلال الأسبوع الماضي وحده، وارتدادها وسقوطها داخل الأراضي اليمنية.