باريس تدعو 50 دولة لدعم الجيش اللبناني

مؤتمر رئيسي يعكس الرهان الدولي الكبير على الدور المنوط به

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (وسط) متحدثاً إلى نظيريه البلجيكي مكسيم بريفو (يسار) واللوكسمبورغي كزافيه باتيل يوم 29 يناير بمناسبة انعقاد اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في بروكسل (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (وسط) متحدثاً إلى نظيريه البلجيكي مكسيم بريفو (يسار) واللوكسمبورغي كزافيه باتيل يوم 29 يناير بمناسبة انعقاد اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في بروكسل (إ.ب.أ)
TT

باريس تدعو 50 دولة لدعم الجيش اللبناني

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (وسط) متحدثاً إلى نظيريه البلجيكي مكسيم بريفو (يسار) واللوكسمبورغي كزافيه باتيل يوم 29 يناير بمناسبة انعقاد اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في بروكسل (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (وسط) متحدثاً إلى نظيريه البلجيكي مكسيم بريفو (يسار) واللوكسمبورغي كزافيه باتيل يوم 29 يناير بمناسبة انعقاد اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في بروكسل (إ.ب.أ)

قبل أكثر من شهر بقليل من انعقاده، تراهن باريس على نجاح مؤتمر دعم الجيش اللبناني الذي ستستضيفه يوم 5 مارس (آذار) والذي سيدير اعماله الرئيس إيمانويل ماكرون.

وتتوقع فرنسا أن تحضره 50 دولة ونحو 10 منظمات دولية وإقليمية، مما يعني، إذا صحّت هذه التوقعات، أنه سيكون مؤتمراً رئيسياً يعكس الرهان الدولي الكبير على الدور المنوط بالجيش اللبناني وعلى أهمية إسناده.

ويحل موعد المؤتمر مع انطلاق المرحلة الثانية من عملية حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، انطلاقاً من شمال نهر الليطاني في جنوب لبنان وفي المنطقة الممتدة منه حتى نهر الأولي. ويتم العمل في الوقت الحاضر على الاجتماع التمهيدي للمؤتمر الذي سيحصل بعد أسبوعين.

وحسب باريس، فإنه سينعقد إما في الرياض وإما في الدوحة. وأفادت باريس بأنه طُلب من الجيش اللبناني أن «يحدّث» حاجاته المختلفة تسليحاً وعتاداً وتمويلاً للسنوات المقبل بحيث يكون بمستطاع المؤتمرين أن يوفروا الردود المناسبة على هذه الحاجات.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مرحِّباً برئيس الوزراء اللبناني نواف سلام بقصر الإليزيه في باريس يوم 23 يناير بمناسبة زيارة الأخير الرسمية لفرنسا (أ.ف.ب)

وتفيد باريس بأن المؤتمر والتحضيرات الجارية له والوضع اللبناني بكل تشعباته وامتداداته الإقليمية، ستشكل محاور اللقاءات التي سيُجريها جان نويل بارو، وزير الخارجية الفرنسي، في محطته اللبنانية، وذلك في إطار الجولة التي ستقوده هذا الأسبوع قبل بيروت، إلى بغداد وأربيل وأيضاً دمشق. وهذه الزيارة هي الثالثة من نوعها للوزير الفرنسي الذي زار لبنان مرتين، ولكن قبل وصول الرئيس جوزيف عون إلى بعبدا وتشكيل حكومة الرئيس نواف سلام.

حصر السلاح و«حزب الله»

من نافل القول التأكيد أن الملف الطاغي على لقاءات بارو في جولته على الرؤساء الثلاثة، واجتماعه بنظيره وزير الخارجية اللبناني، سيكون بلا شك موضوع جمع سلاح «حزب الله»، وما يثار حول رفض قيادة الحزب، من جهة، الانصياع لهذا الطلب، ومن جهة تأكيد أمينه العام نعيم قاسم، عدم تردده في الانخراط في الحرب على إيران، في حال استهدافها أميركياً و/أو إسرائيلياً.

في هذا السياق، ستكون نصيحة بارو قاطعة إذ إن باريس لا تستبعد أن تعمد إيران، التي توترت علاقاتها بفرنسا في الأسابيع الأخيرة، كما علاقات الدول الأوروبية الأخرى، إلى محاولة جر عدد من حلفائها إلى هذه الحرب.

النصيحة الفرنسية

وتقول باريس إنه في هذه الحالة سيكون «حزب الله» معنياً. لذا، فإنها تسارع إلى التحذير من الانزلاق إلى هذه الحرب ونصيحتها أن مصلحة لبنان الذي يواجه مجموعة من التحديات الداخلية والخارجية متنوعة الأشكال، تكمن في أن يبقى خارج النزاع الإيراني - الأميركي - الإسرائيلي للمحافظة سلامته وسيادته وأمن مواطنيه.

وترى باريس أن «حزب الله» ليس في موقف سهل بعد أن ضعفت قدراته المادية والعسكرية بسبب «الهزيمة» التي لحقت به في الحرب ضد إسرائيل، مما يضعه في موقف بالغ الهشاشة. إلا أنها تقدر، رغم ذلك، أنه يستطيع بقوته الراهنة، رفض تسليم سلاحه حتى باللجوء إلى القوة، وفق ما يؤكده قادته، صباح مساء، بعد أن قبلوا تسليمه جنوب الليطاني.

ثمن باهظ

لكن باريس ترى أن الوضع أكثر تعقيداً من حالتي القبول أو الرفض. ذلك أن ثمن الرفض سيكون «باهظاً» بالنظر إلى ما سيستجلبه على مجتمعه وعلى لبنان بشكل عام من تدمير وخسائر، كما بسبب الحجة التي يوفرها لإسرائيل التي أصلاً تتهمه بانتهاك اتفاق وقف إطلاق النار المبرم في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024.

كذلك تلحظ باريس تشققات داخل بيئته ووجود تساؤلات حول الخط الذي ينتهجه رغم أن هذه الأصوات تبقى خافتة إلى حد بعيد. ويبدو أن فرنسا تتبنى المقاربة الرسمية اللبنانية التي عبَّر عنها الرئيس عون، كما قائد الجيش العماد رودولف هيكل، لجهة الابتعاد عن اللجوء إلى القوة المسلحة لتحقيق هدف نزع السلاح، إذ ترى في ذلك مخاطرة كبرى وباهظة الثمن.

لذا، فإنها ترى أن الأفضل اتباع «استراتيجية ضغوط ذكية ومتناسبة» من شأنها الإيصال إلى نتائج إيجابية متدرجة. وبرأيها أن هذه المقاربة التدريجية يمكن لها أن تستفيد من إضعاف «حزب الله»، وأنها أكثر «واقعية» من المقاربة الأميركية التي تضع حدوداً زمنية قصيرة المدى، وتريد من الجيش اللبناني أن ينفّذها. وأخيراً، فإن باريس ترى أن مبدأ «احتواء» سلاح «حزب الله» لن يكون بالضرورة متناقضاً مع مبدأ نزع السلاح، وأنه، في المحصلة، يمكن أن يقود إليه.

دعم السلطة اللبنانية

تنظر باريس بإيجابية إلى ما حققه الجيش اللبناني في المرحلة الأولى جنوب الليطاني، وتتمسك بمواصلة الخطة حتى اكتمالها، وتشيد بالإرادة السياسية التي تعبر عنها السلطة السياسية لإنجاز هذا الهدف. وتكشف باريس عن أنه بعكس كلامه العام، فإن الطرف الإسرائيلي يعترف، داخل المكاتب المغلقة، بأن الجيش اللبناني قد أنجز الكثير من المهمات.

ولا تبدو فرنسا قلقة بالنسبة إلى مصير آلية الرقابة على وقف إطلاق النار (الميكانيزم) التي ترى أنها مفيدة ويجب أن يتواصل عملها. إلا أنها تريد من الجيش اللبناني أن يعتمد، من غير تحفظ، آليةً تُظهر ما يقوم به حقيقةً، وهي النصيحة التي قدمتها فرنسا قبل عدة أشهر. وإزاء الاتهامات الإسرائيلية للجيش بأنه لا يقوم بما يُطلب منه، ويؤكد أحياناً أنه يقوم بما لم يقم به، فإن باريس تحضه على إبراز ما يُنجزه.

كذلك، فإن فرنسا تنظر بإيجابية «نسبية» إلى مشروع القانون الذي قدمته الحكومة اللبنانية إلى مجلس النواب بخصوص الفجوة المالية، وإن كانت تعده غير كامل وتشوبه الثغرات، فبنظرها أن نصاً غير كامل أفضل من غياب أي نص.

غير أنها ترى فيه السبيل الذي لا بد منه من أجل التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي الضروري جداً لتمكين لبنان من الحصول على القروض والمساعدات الضرورية لإنهاضه والتي من دونها لن تتم الدعوة إلى مؤتمر دعم اقتصاد لبنان وإعادة إعماره. ولأن مقاربتها «براغماتية»، فإنها تدعو مجلس النواب للتعجيل بالتصويت على القانون المشار إليه الذي بنظرها من شأنه أن ينصف 85 في المائة من صغار المودعين في مرحلة زمنية محددة. وأخيراً، تتوقع باريس أن يعمد مجلس النواب إلى تأجيل «تقني» لعدة أشهر للانتخابات النيابية، والأرجح حتى الصيف المقبل.


مقالات ذات صلة

«حزب الله» وطاولات الحوار... عشرون عاماً من النقاش حول السلاح بلا اتفاق تنفيذي

خاص طاولة الحوار الوطني في لبنان (متداولة)

«حزب الله» وطاولات الحوار... عشرون عاماً من النقاش حول السلاح بلا اتفاق تنفيذي

أعادت دعوة الرئيس السابق للحزب «التقدمي الاشتراكي» وليد جنبلاط إلى حوار مع «حزب الله»، يستند إلى حصرية السلاح بيد الدولة، الجدل بشأن جدوى استعادة طاولات الحوار.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي مدخل مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين في جنوب لبنان (الوكالة الوطنية للإعلام)

سلام: المخيمات الفلسطينية تخضع للسيادة اللبنانية والقانون اللبناني

فتح لبنان ملف حوكمة المخيمات الفلسطينية، في محاولة لتنظيم واقع أمني وإداري وخدماتي تتداخل فيه صلاحيات الفصائل واللجان الشعبية ومؤسسات الدولة و«أونروا».

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي المحكمة العسكرية في لبنان (الوكالة الوطنية)

القضاء اللبناني يتهم عناصر من «حزب الله» بـ«الاعتداء على أمن الدولة»

سلك ملف شاحنة المتفجرات المضبوطة على حاجز ضهر البيدر منحًى قضائياً بارزاً، تمثل بادعاء مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية، القاضي كلود غانم، على ثلاثة عشر شخصاً.

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي مُناصِرة لـ«حزب الله» ترفع شعار: «لن نترك السلاح» في الذكرى الثانية لاغتيال الأمينين العامّين الأسبق حسن نصر الله والسابق هاشم صفي الدين (أرشيفية - إ.ب.أ)

ماذا طبّق لبنان من قرار حظر الجناح العسكري لـ«حزب الله»؟

يعيد توقيف شحنة المتفجرات في منطقة ضهر البيدر في شرق لبنان أخيراً، النقاش حول قرار الحكومة اللبنانية الشهير بحظر الأنشطة العسكرية والأمنية لـ«حزب الله».

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي دبابة إسرائيلية تنفّذ عملية عسكرية في بلدة زوطر الشرقية بجنوب لبنان كما بدت من بلدة زوطر الغربية المجاورة (أ.ف.ب)

لماذا تواكب إسرائيل انتخاباتها بتصعيد في جنوب لبنان؟

واكب التصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان انطلاق الانتخابات التشريعية الإسرائيلية، الثلاثاء، وسط ترقب لبناني لنتائجها وانعكاساتها على مسار المفاوضات.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

فصيل يحذر واشنطن من استخدام أجواء العراق لضرب إيران

مقاتلون من الفصائل العراقية في جنازة ببغداد لعناصر قُتلوا بضربة أميركية خلال ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)
مقاتلون من الفصائل العراقية في جنازة ببغداد لعناصر قُتلوا بضربة أميركية خلال ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)
TT

فصيل يحذر واشنطن من استخدام أجواء العراق لضرب إيران

مقاتلون من الفصائل العراقية في جنازة ببغداد لعناصر قُتلوا بضربة أميركية خلال ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)
مقاتلون من الفصائل العراقية في جنازة ببغداد لعناصر قُتلوا بضربة أميركية خلال ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)

أكد أحد الفصائل العراقية الموالية لإيران، الجمعة، أنه «سيبقى ملتزماً بالحياد» إلا إذا استخدمت الولايات المتحدة الأجواء أو الأراضي العراقية لتنفيذ أي هجمات عسكرية ضد إيران.

وعدّ الفصيل المعروف باسم «أنصار الله الأوفياء»، الذي يقوده حيدر الغراوي، أحد قادة تحالف «الإطار التنسيقي»، أن استخدام الأجواء العراقية لضرب إيران «خرق يستدعي من الفصيل الرد على الولايات المتحدة».

وقال المتحدث باسم الحركة، علي الفتلاوي، إن الحركة ستلتزم الحياد ما دام العراق غير مستخدم منطلقاً للاعتداء على أي دولة مجاورة، مشيراً إلى أن واشنطن مطالبة بالالتزام بعدم خرق الأجواء العراقية، وفق ما أوردته وكالة «شفق نيوز» المحلية.

وحسب الفتلاوي، فإن أي «انتهاك للسيادة العراقية سيقابله موقف من الحركة»، مبيناً أن طبيعة الرد ستحددها القيادة وفق مقتضيات المرحلة.

وتقول الجماعة التي تسمي نفسها «المقاومة الإسلامية في العراق» إنها رصدت عشرات الاختراقات من الطيران الحربي والاستطلاعي للقوات الأميركية خلال الأيام الماضية.

وأكد الفتلاوي أن الحركة لم تسلّم سلاحها، موضحاً أن الاتفاق يتضمن تنظيم السلاح وحصره خلال المدة الممتدة من سبتمبر (أيلول) 2026 حتى يونيو (حزيران) 2027، وليس سحبه أو تسليمه.

وكانت الحكومة قد أمهلت أساساً الفصائل حتى 30 سبتمبر 2026 لتسليم سلاحها بالتزامن مع انتهاء مهمّة التحالف الدولي لمحاربة تنظيم «داعش»، غير أنها تراجعت بعد ذلك، ثم حددت 30 يونيو 2027 موعداً جديداً، في ظلّ استمرار مفاوضاتها مع الفصائل.

وكان رئيس الحكومة، علي الزيدي، قد حذر مطلع أكتوبر (تشرين الأول)، «قوى الإطار التنسيقي» من مغبة عدم الالتزام بالمواعيد المحددة لحصر السلاح بيد الدولة.

إلى ذلك، تداولت أوساط سياسية عراقية موقفاً أميركياً من الفصائل المسلحة تضمنت تحذيراً من مواصلة دورها في «سرقة موارد الشعب العراقي».

ونسبت تقارير الموقف إلى متحدث أميركي عن «الخارجية» قوله إن «استراتيجية واشنطن تجاه العراق تقوم على دعم سيادته وتعزيز أمنه واستقراره الاقتصادي»، فيما شدد على أن إيران لا يمكن أن تؤدي أي دور في تحقيق هذه الأهداف، متهمة طهران باستغلال الفصائل المسلحة للاستيلاء على موارد الشعب العراقي.


العملية العسكرية الإسرائيلية في الخليل متواصلة لليوم الثامن

جندي إسرائيلي يشير بيده نحو رجل فلسطيني خلال احتجاج نظمه سكان فلسطينيون ضد تهجيرهم من أحد الأحياء وفي مدينة الخليل بالضفة الغربية قي 27 أكتوبر 2026 (رويترز)
جندي إسرائيلي يشير بيده نحو رجل فلسطيني خلال احتجاج نظمه سكان فلسطينيون ضد تهجيرهم من أحد الأحياء وفي مدينة الخليل بالضفة الغربية قي 27 أكتوبر 2026 (رويترز)
TT

العملية العسكرية الإسرائيلية في الخليل متواصلة لليوم الثامن

جندي إسرائيلي يشير بيده نحو رجل فلسطيني خلال احتجاج نظمه سكان فلسطينيون ضد تهجيرهم من أحد الأحياء وفي مدينة الخليل بالضفة الغربية قي 27 أكتوبر 2026 (رويترز)
جندي إسرائيلي يشير بيده نحو رجل فلسطيني خلال احتجاج نظمه سكان فلسطينيون ضد تهجيرهم من أحد الأحياء وفي مدينة الخليل بالضفة الغربية قي 27 أكتوبر 2026 (رويترز)

واصلت إسرائيل، اليوم الجمعة، ولليوم الثامن على التوالي، عمليتها العسكرية في الخليل، بالضفة الغربية، ودفعت بتعزيزات عسكرية كبيرة نحو منطقة دير بحة غرب المدينة، حيث أجبرت عدداً جديداً من العائلات على النزوح القسري من تلك المنطقة.

ونقلت «وكالة الأنباء الفلسطينية» (وفا) عن شهود عيان قولهم إن قوات الاحتلال دفعت بتعزيزات عسكرية إضافية ترافقها وحدات هندسية من مدخل الخليل الشمالي «فرش الهوى»، باتجاه منطقة دير بحة المغلقة والمحاصرة من قبل الاحتلال منذ الجمعة الماضي.

وفجرت القوات الإسرائيلية منزلي أحمد وحمودة الجعبة، في منطقة دير بحّة المحاصرة بمدينة الخليل، بعد اقتحامهما برفقة خبراء ووحدة الهندسة والمتفجرات، حيث أقدمت على تفخيخ المنزلين اللذين تفصل بينهما عشرات الأمتار، قبل تفجيرهما عن بعد بشكل متزامن، في ظل مواصلة الحصار والإغلاق المفروضين في محيطهما.

الجيش الإسرائيلي يفجر منزل أسير فلسطيني في بلدة بيتا القريبة من نابلس بالضفة الغربية الأربعاء الماضي (إ.ب.أ)

وكان أحمد وحمودة الجعبة قتلا في 23 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي عقب إطلاق جنود الاحتلال الإسرائيلي الموجودين على الحاجز العسكري عند المدخل الشمالي للخليل «فرش الهوى»، الرصاص الحي تجاههما.

إلى ذلك، ارتفع عدد العائلات المتضررة جراء العدوان إلى أكثر من 780 عائلة، منها 537 عائلة هُجّرت قسراً بشكل كامل، فيما يواجه نحو 5000 مواطن ظروفاً من الحصار والتهجير القسري، سواء بإجبارهم على النزوح من منازلهم أو محاصرتهم داخلها، لا سيما في منطقتي الجلدة ودير بحة اللتين تخضعان لحصار وإغلاق مشددَّين منذ يوم الجمعة الماضي.

واعتقلت القوات الإسرائيلية منذ بدء عدوانها، ما يزيد على 115 مواطناً، بينهم فتاة، فيما احتجزت مئات المواطنين وأخضعتهم للتنكيل.

كما تسبب الحصار العسكري المفروض على مناطق في مدينة الخليل ومحيطها في تعطيل التعليم الوجاهي في 66 مدرسة، ما انعكس على 2872 طالباً وطالبة، بينهم 2198 طالباً وطالبة تحت الحصار المباشر، و674 من النازحين قسراً الذين تعذر وصولهم إلى صفوفهم الدراسية.

جندي إسرائيلي يصوّب سلاحه خلال احتجاج نظمه سكان فلسطينيون ضد تهجيرهم من أحد أحياء مدينة الخليل بالضفة الغربية في 27 أكتوبر 2026 (رويترز)

وفي الجانب الاقتصادي، تُقدّر الغرفة التجارية في الخليل الخسائر المباشرة الناجمة عن الإغلاقات في المدينة بما يتراوح بين 10 و12 مليون شيقل يومياً، منها نحو مليون شيقل في قطاع الحليب وحده.

وعلى صعيد الإغاثة وتقديم المساعدات، أعلنت لجنة المساندة والإغاثة المكلفة من محافظ محافظة الخليل، اعتماد بيانات 537 أسرة متضررة تضم 3361 فرداً، بينهم 232 رضيعاً، و1193 طفلاً تتراوح أعمارهم بين سنتين و17 عاماً، و326 من كبار السن، و147 امرأة حاملاً ومرضعاً، و32 شخصاً من ذوي الإعاقة، و213 من أصحاب الأمراض المزمنة.

وقد تلقت اللجنة 531 اتصالاً لطلب المساعدة عبر رقمها المجاني، وجرى التعامل مع الاحتياجات بالتنسيق مع المؤسسات المختصة، إلى جانب تشكيل لجان متخصصة للإغاثة والتسكين والتعليم والشؤون القانونية والإعلامية والمالية.

ورأى رئيس المجلس الوطني الفلسطيني، روحي فتوح، إن «ما تشهده محافظة الخليل من عدوان وحصار متواصل لليوم الثامن، وتهجير ومحاصرة نحو خمسة آلاف مواطن وتدمير عشرات المنازل وعمليات البطش والتنكيل، هو إرهاب دولة تمارسه حكومة اليمين العنصرية ضمن مشروع تطهير عرقي ممنهج يستهدف اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم وفرض واقع استعماري بالقوة».


«حزب الله» وطاولات الحوار... عشرون عاماً من النقاش حول السلاح بلا اتفاق تنفيذي

طاولة الحوار الوطني في لبنان (متداولة)
طاولة الحوار الوطني في لبنان (متداولة)
TT

«حزب الله» وطاولات الحوار... عشرون عاماً من النقاش حول السلاح بلا اتفاق تنفيذي

طاولة الحوار الوطني في لبنان (متداولة)
طاولة الحوار الوطني في لبنان (متداولة)

أعادت دعوة الرئيس السابق للحزب «التقدمي الاشتراكي» وليد جنبلاط إلى حوار مع «حزب الله»، يستند إلى حصرية السلاح بيد الدولة، الجدل بشأن جدوى استعادة طاولات الحوار اللبنانية، بعدما بقي سلاح الحزب بنداً خلافياً في معظم محطاتها.

وتتباين المواقف بين اعتباره مدخلاً لتفادي الصدام، ورؤيته وسيلة لتأجيل الحسم، بعد انتقال الملف من «الاستراتيجية الدفاعية» إلى قرارات حصرية السلاح.

ومنذ طاولة مارس (آذار) 2006 التي دعا إليها رئيس مجلس النواب نبيه برّي، انتقل بحث سلاح «حزب الله» إلى عنوان «الاستراتيجية الدفاعية»، قبل أن تقطع حرب يوليو (تموز) الجلسات.

وبعد مواجهات مايو (أيار) 2008، التي استعمل الحزب فيها سلاحه في الداخل ضد معارضيه، أفضى اتفاق الدوحة إلى انتخاب رئيس للجمهورية، وتشكيل حكومة وحدة وطنية حصلت فيها المعارضة على 11 وزيراً من أصل 30 وزيراً، بما أتاح لها تعطيل القرارات التي تتطلب أكثرية الثلثين، مع تعهد بعدم استخدام السلاح لتحقيق مكاسب سياسية، من دون الاتفاق على نزعه.

واستؤنف الحوار برعاية الرئيس اللبناني ميشال سليمان، وصولاً إلى «إعلان بعبدا» في يونيو (حزيران) 2012، الذي دعا إلى تحييد لبنان عن الصراعات الإقليمية، لكنه لم يحسم مصير السلاح، ثم انطلق حوار الحزب و«تيار المستقبل» في عين التينة عام 2014 لتخفيف الاحتقان المذهبي، في حين استمر الخلاف على «إعلان بعبدا» حتى لقاء بعبدا عام 2020.

وكلفت الحكومة في أغسطس (آب) 2025 الجيش وضع خطة لحصرية السلاح، ثم حظرت في مارس 2026 أنشطة الحزب العسكرية والأمنية وطالبته بتسليم سلاحه. وفي المقابل، أعلن أمينه العام نعيم قاسم في السادس من أكتوبر (تشرين الأول) الاستعداد للتعاون في ملف حصرية السلاح، وفق الدستور والقوانين ومن دون إملاءات خارجية، مؤكداً أولوية الانسحاب الإسرائيلي.

 

برّي ونصر الله في دردشة أثناء الحوار الوطني قبل حرب 2006 (كتاب البرزخ للنائب علي حسن خليل)

الحوارات كرّست اختلال موازين القوى

واعتبر النائب السابق الدكتور فارس سعيد أن «تجارب الحوار الوطني في لبنان أثبتت أن الحزب كان المستفيد الأساسي منها؛ إذ استُخدمت، في رأيه، لتكريس سلاحه ونفوذه على القرار السياسي اللبناني»، مؤكداً أن «العودة إلى طاولة حوار داخلية مع الحزب لم تعد مجدية؛ لأن القرار الفعلي موجود في إيران، وبالتالي فإن أي حوار جدي يجب أن يكون مع طهران، وليس مع (حزب الله) بوصفه مكوّناً سياسياً داخلياً».

وقال سعيد لـ«الشرق الأوسط» إن «الحوار الوطني اللبناني - اللبناني الذي جاء بعد نحو 15 عاماً من الحرب الأهلية وسقوط 150 ألف ضحية، أفضى إلى تعديل دستوري وعقد اجتماعي وسياسي جديد تمثّل في اتفاق الطائف»، مشدداً على أن «أي حوار حصل بعد اتفاق الطائف كان يجب أن تكون مرجعيته تنفيذ هذا الاتفاق؛ لأنه لا يمكن أن تأتي نتائج حوار لاحق على حساب النتائج التي أرسى عليها (الطائف) النظام السياسي اللبناني».

ورأى أن «(حزب الله)، مستفيداً من موازين قوى إقليمية ودولية معينة، بعد أحداث 7 مايو 2008، عندما وضع يده بالقوة على القرار في لبنان، حاول استبدال اتفاق الدوحة باتفاق الطائف»، موضحاً أن «اتفاق الطائف قام على مبدأ العيش المشترك الإسلامي - المسيحي، في حين جاء اتفاق الدوحة ليكرّس الثلث المعطل وحق (الفيتو) داخل مجلس الوزراء، بما أتاح لفريقٍ تعطيل القرار السياسي».

وأضاف أن «طاولات الحوار التي انعقدت لاحقاً برعاية رئيس الجمهورية آنذاك ميشال سليمان، والتي كان من المفترض أن تشارك فيها أيضاً جهات عربية لكنها لم تشارك، تحوّلت إلى حوارات هدفها تكريس أمر يتناقض مع الدستور واتفاق الطائف، وهو حق فريق لبناني في الاحتفاظ بالسلاح تحت عنوان الدفاع عن لبنان في مواجهة إسرائيل».

ووصف الحوارات اللاحقة، ومنها «إعلان بعبدا»، بأنها «شكلية»، معتبراً أنها «لم تتمكن من تغيير موازين القوى أو إعادة القرار السيادي إلى مؤسسات الدولة». وفي شأن الحوار الثنائي في عين التينة، قال إن «الفكرة التي انطلق منها الحوار كانت تجنيب لبنان تداعيات الاحتقان السني - الشيعي، بعدما أصبحت المنطقة على صفيح ساخن مذهبياً، وكان المطلوب تفادي انتقال هذه المأساة إلى الداخل اللبناني».

وأضاف أن «أي تجربة حوارية جمعت أطرافاً لا تحمل السلاح، مثل (القوات اللبنانية) و(الحزب التقدمي الاشتراكي) و(حركة أمل) و(تيار المستقبل)، مع الفريق الذي يحمل السلاح؛ أي (حزب الله)، كانت في نهاية المطاف لمصلحة الحزب داخل لبنان».

وشدد على أن «أي حوار مع (حزب الله) اليوم، من جانب الجمهورية اللبنانية، يجب أن يكون في حقيقته حواراً بين الجمهورية اللبنانية وإيران، وليس إعادة إنتاج لطاولة حوار داخلية»، معتبراً أن «الحزب لا يملك حرية اتخاذ قرار الحوار؛ لأن قراره موجود في إيران».

 

برّي والحريري وبينهما خليل في البرلمان أثناء الحوار الوطني قبل حرب 2006 (كتاب البرزخ)

من «الاستراتيجية الدفاعية» إلى القرار التنفيذي

رأت الأكاديمية والباحثة السياسية الدكتورة حياة الحريري أن فكرة «الاستراتيجية الدفاعية» التي طُرحت لمناقشة سلاح الحزب تحولت إلى «اللاقرار وعملية شراء الوقت وتأجيل حسم الدولة»، معتبرة أن الخطأ الأساسي كان في إحالة مسألة أمنية تخص الدولة إلى طاولة تجمع قادة الأحزاب والزعامات الطائفية.

وشددت لـ«الشرق الأوسط» على أن «الاستراتيجية الدفاعية تضعها الدولة اللبنانية ومؤسسات الدولة اللبنانية، وليس الأحزاب»، موضحة أن تحديدها يقع ضمن صلاحيات السلطات الدستورية ووزارة الدفاع وقيادة الجيش، وأن مناقشة الأمن القومي بين القوى السياسية بدلاً من المؤسسات المعنية تمثل «عملية لشراء الوقت والتهرب من تحمل المسؤولية».

وقالت إن الحزب «لم يكن لديه أي مشكلة في الحديث عن السلاح، وفي الحديث عن (الاستراتيجية الدفاعية)، بطاولات حوار، بل كان يشجع النقاش ويقدم تصورات تعتبر سلاحه جزءاً أساسياً من أي استراتيجية دفاعية، وتنسق المنظومة الأمنية والعسكرية للدولة معه بما يتوافق مع مصالحه». ورأت أن الوثائق ساعدته على تحسين صورته وإظهار الانفتاح على الدولة؛ لأنه «ما دام هناك اعتراض لفظي فقط لا غير، لم يكن الحوار يشكل مشكلة له».

ولفتت إلى أن «البيانات الوزارية المتعاقبة وفرت للحزب غطاءً سياسياً لسلاحه تحت عنوان (المقاومة)، في حين أن اليوم تجاوزت قرارات حكومة نواف سلام الخط الأحمر في علاقته بالدولة، فالسلطة السياسية أخذت قراراً تنفيذياً ولو أنه لم يطبق، مع ضرورة الفصل بين دلالة القرار وإمكان تنفيذه».

وربطت الحريري ذلك بتصاعد هجوم الحزب على الحكومة واتهامه خصومه بالتعاون مع إسرائيل، قائلة إنه يشترط، بحسب قراءتها، التراجع عن قرارَي الخامس والسابع من أغسطس المتعلقين بحصرية السلاح، وعن قرار حظر نشاطه العسكري، قبل استئناف الحوار.

ورأت أن القبول بتلك الشروط سيعيد الحوار إلى «نقاشات طويلة عن (الاستراتيجية الدفاعية) من دون تقدم عملي»، وانتقدت الاكتفاء بتعابير «(حصر السلاح) و(تجميد السلاح) و(احتواء السلاح) إذا لم تقترن بخطوات تنفيذية». وخلصت إلى أن «الحزب يريد مناقشة دمج سلاحه ضمن منظومة الدولة مع الاحتفاظ بسلطة (حزب الله) على هذا السلاح وبقراره في استخدامه، بدلاً من نقل القرار العسكري بصورة حصرية إلى المؤسسات اللبنانية».