السلطة الفلسطينية تتفاعل مع دعوات «التغيير» بانتخابات وملاحقات

عباس حدد موعد انتخابات «المجلس الوطني»... والقضاء يدين مسؤولاً كبيراً سابقاً بتهم «فساد»

عباس يترأس اجتماعاً للجنة المركزية لحركة «فتح» في جلسة سابقة (أرشيفية من وفا)
عباس يترأس اجتماعاً للجنة المركزية لحركة «فتح» في جلسة سابقة (أرشيفية من وفا)
TT

السلطة الفلسطينية تتفاعل مع دعوات «التغيير» بانتخابات وملاحقات

عباس يترأس اجتماعاً للجنة المركزية لحركة «فتح» في جلسة سابقة (أرشيفية من وفا)
عباس يترأس اجتماعاً للجنة المركزية لحركة «فتح» في جلسة سابقة (أرشيفية من وفا)

أظهرت السلطة الوطنية الفلسطينية استجابة، وتفاعلاً مع مطالبات محلية، وإقليمية، ودولية بإجراء «تغيير وإصلاح» في مؤسساتها، ومرافقها، عبر إعلان موعد انتخابات في صفوف «منظمة التحرير»، في وقت أدان فيه القضاء غيابياً مسؤولاً كبيراً سابقاً بتهم «فساد»، وعاقبه بالسجن 15 عاماً، وألزمه برد مبالغ طائلة. وأصدر الرئيس الفلسطيني محمود عباس، مرسومين، يوم الاثنين، يحددان موعد انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني التابع لمنظمة التحرير، وعقد المؤتمر الثامن لحركة «فتح».

وحدد عباس في مرسومه الأول إجراء انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني، بتاريخ الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل على أن تجرى الانتخابات «حيثما أمكن داخل فلسطين وخارجها، وفق التمثيل النسبي الكامل»، كما حدد في مرسوم ثانٍ موعد انعقاد المؤتمر العام الثامن لحركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح» في مدينة رام الله بتاريخ 14 مايو (أيار) المقبل.

مرسوم أصدره عباس حول إجراء انتخابات المجلس الوطني (وزعته حركة فتح)

وتكتسب انتخابات «المجلس الوطني» أهميتها بأنها «تُعيد تشكيل «منظمة التحرير الفلسطينية»، والتي تعد الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، فيما لا يتوقع انضمام «حماس» إلى تشكيلاتها.

ويعد «المجلس الوطني» هو أعلى هيئة تشريعية فلسطينية، وهو الذي اتخذ قرار تشكيل «السلطة الفلسطينية»، وفوض صلاحياته في السنوات القليلة الماضية للمجلس المركزي الفلسطيني (هيئة أقل عدداً).

وبحسب قرار سابق لعباس سيتشكل المجلس الوطني الفلسطيني من (350 عضواً)، على أن يكون ثلثا أعضائه يمثلون الوطن، والثلث الآخر من أعضائه يمثلون الخارج، والشتات.

شروط تستبعد «حماس»

يشترط قرار الدعوة للانتخابات أن يكون من مؤهلات العضوية التزام العضو ببرنامج «منظمة التحرير الفلسطينية»، والتزاماتها الدولية، وقرارات الشرعية الدولية.

ويستهدف بند شروط العضوية بشكل خاص «حماس» التي ترفض حتى الآن الالتزام بـتعهدات «منظمة التحرير»، وعلى الأخص الاعتراف بإسرائيل.

وقال مصدر من السلطة الفلسطينية لـ«الشرق الأوسط» إن «القيادة الفلسطينية لن تأتي بـ(حماس) إلى المنظمة»، مضيفاً: «على الحركة أن تسلم السلطة في غزة وسلاحها، وتتحول إلى حزب سياسي، يعترف باعترافات (منظمة التحرير) قبل أن تكون جزءاً منها».

وبدأت فعلياً خطوات السلطة لاستبعاد «حماس» من التشكيلات الرسمية، إذ تجرى انتخابات المجالس البلدية والمحلية في شهر أبريل (نيسان) القادم، ومن بين شروط المشاركة فيها الالتزام بقرارات وتعهدات «منظمة التحرير».

وقال المصدر «إن الانتخابات البلدية كانت البداية للتمهيد لانتخابات المجلس التشريعي، وكذلك للرئاسة في حالة حدثت»، متابعاً: «كل ذلك ينسجم مع الدستور الفلسطيني الجديد الذي تجري صياغته».

ويُنتظر طرح دستور فلسطيني جديد يحظر على أي فصيل أو شخص لا يعترف بمنظمة التحرير والتزاماتها المشاركة في أي انتخابات فلسطينية.

أما انعقاد المؤتمر الثامن لحركة فتح، فيأتي في وقت حساس، يعمل فيه عباس على ترتيب وضع السلطة الفلسطينية، وضمان انتقال سلس لقيادتها.

وعقد المؤتمر الثامن يعني اختيار لجنة مركزية جديدة للحركة، وهي أعلى هيئة للحركة تتخذ القرارات في الشأن الفلسطيني، سواء الحركة، أو السلطة، أو المنظمة.

والعام الماضي، تولى حسين الشيخ منصب نائب الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وأثناء ذلك تعهد عباس بإعادة هيكلة الأطر القيادية للدولة، وضخ دماء جديدة في المنظمة، و«فتح»، وأجهزة الدولة، وأصدر كذلك عفواً عامّاً عن جميع المفصولين من حركة فتح.

عزل مسؤولين وملاحقة الفساد

واشتملت الإصلاحات التي تنفذها السلطة على مسار آخر حتى الآن هو عزل مسؤولين مدنيين وعسكريين، والتحقيق مع آخرين، وإحالة بعضهم إلى التقاعد، وعمليات تدقيق مالي كبيرة.

وأصدرت محكمة جرائم الفساد، الاثنين، حكمها غيابياً ضد الرئيس السابق لهيئة المعابر والحدود الفلسطينية (فار خارج البلاد) نظمي مهنا، بالسجن 15 سنة، كما أدانت متهمة أخرى بالقضية بالسجن 7 سنوات عن التهم المسندة إليهما.

وألزمت المحكمة المتهم الرئيس بردّ مبالغ جاءت في لائحة الاتهام، والبالغة 6137225 شيقلاً، و4499030 دولاراً أميركياً، و2923717 ديناراً أردنياً، و6974 يورو، كما قضت بفرض غرامة مالية على المحكوم عليهما توازي المبالغ المحكوم بردّها، وقررت مصادرة الأموال المنقولة، وغير المنقولة المتحصلة عن الجريمة، والمحجوزة، والمضبوطة على ذمة القضية، ومصادرة العقارات العائدة للمحكوم عليهما، والموجودة داخل فلسطين، وفي كلٍّ من المملكة الأردنية الهاشمية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وحرمانهما من التصرف فيها، وذلك وفقاً للأصول القانونية.

وأعفي مهنا من منصبه في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي بعد شبهات «فساد كبيرة»، وأسندت النيابة العامة إلى تهم الكسب غير المشروع، والمتاجرة بالنفوذ، وإساءة استعمال السلطة، والاستثمار بالوظيفة.

وجاء الحكم بعد يوم من إعلان النيابة العام الفلسطينية إحالة ثلاثة ملفات فساد جديدة إلى الجهات القضائية المختصة، أحدها متعلق بمشاريع تطويرية مرتبطة بالهيئة العامة للمعابر والحدود، وملف آخر يتصل بموظفين في وزارة المالية لارتباطهم بتقديم تسهيلات مخالفة لأحكام القانون لصالح الهيئة العامة للمعابر والحدود، إضافة إلى ملف يتعلق بعقود التوريدات في الهيئة ذاتها.

وخلال الأسابيع الماضية أوقفت السلطة وزراء عن العمل، وموظفين كباراً، وأخضعت بعضهم للتحقيق، كما أخضعت الأجهزة الأمنية عسكريين للتحقيق في قضايا مختلفة، في تغيير لافت في طريقة التعامل مع قضايا متعلقة بالفساد.


مقالات ذات صلة

كيف ستتعامل «حماس» مع استحقاقات الانتخابات التشريعية؟

خاص فلسطينية تلوّح بعَلم «فتح» خلال مشاركتها بالمؤتمر الثامن للحركة في جامعة الأزهر بمدينة غزة 14 مايو 2026 (رويترز)

كيف ستتعامل «حماس» مع استحقاقات الانتخابات التشريعية؟

تواجه «حماس» الكثير من التساؤلات عن قدرتها في التعامل مع استحقاقات المرحلة التي تلت الحرب على قطاع غزة، إضافة إلى اشتراطات برنامج منظمة التحرير الفلسطينية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطيني يتفقد الأضرار بعد أن هدمت آليات إسرائيلية مبنى فلسطينياً قرب بيت لحم في الضفة الغربية المحتلة (رويترز)

إسرائيل تواصل التصعيد بالضفة... اقتحامات واعتقالات وهدم

تواصل إسرائيل التصعيد في الضفة الغربية عبر اقتحامات، واعتقالات، وهدم منازل رغم تحذير مسؤولين أمميين بأن الوضع بلغ منعطفاً خطيراً.

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي الجيش الإسرائيلي يفجر الثلاثاء منزل فاروق رمضان الذي قتله في قرية تل قرب نابلس الشهر الماضي (د.ب.أ)

«السلام الآن» تتهم حكومة نتنياهو بتفكيك «السلطة» و«أوسلو»

اتهمت «السلام الآن»، في تقرير شامل، حكومة بنيامين نتنياهو، باتباع سياسة ممنهجة لإضعاف السلطة الفلسطينية اقتصادياً وسياسياً وجغرافياً وأمنياً.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي راهبة كاثوليكية تُصلي خلال قداس في دير اللاتينيين ببلدة الطيبة المسيحية الفلسطينية شمال شرقي مدينة رام الله بالضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

الأوضاع في الضفة الغربية تخيّر المسيحيين بين الهجرة والتفكير بها

تدفع الأوضاع الاقتصادية المتردية والإجراءات العسكرية الإسرائيلية وتصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية إلى النزوح أو الحلم به.

«الشرق الأوسط» (رام الله )
الولايات المتحدة​ قاضية المحكمة العليا الأميركية سونيا سوتومايور (رويترز)

القضاء الأميركي يرفض تعليق دفع الفلسطينيين تعويضات 655 مليون دولار

رفضت قاضية بالمحكمة العليا الأميركية تعليق دفع السلطة الفلسطينية لتعويضات بقيمة 655.5 مليون دولار في قضية تتعلق بهجمات أسفرت عن مقتل وإصابة أميركيين في القدس.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

وفد من «الطاقة الذرية» يجمع عيّنات من موقع يضم مواد نووية في سوريا

شعار «الوكالة الدولية للطاقة الذرية» بمقر المنظمة في فيينا بالنمسا 6 مارس 2023 (رويترز)
شعار «الوكالة الدولية للطاقة الذرية» بمقر المنظمة في فيينا بالنمسا 6 مارس 2023 (رويترز)
TT

وفد من «الطاقة الذرية» يجمع عيّنات من موقع يضم مواد نووية في سوريا

شعار «الوكالة الدولية للطاقة الذرية» بمقر المنظمة في فيينا بالنمسا 6 مارس 2023 (رويترز)
شعار «الوكالة الدولية للطاقة الذرية» بمقر المنظمة في فيينا بالنمسا 6 مارس 2023 (رويترز)

أعلن وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، الثلاثاء، أن فريقاً من «الوكالة الدولية للطاقة الذرية» جمع عينات من موقع غير معلن يضم مواد نووية، يعود إلى حقبة الحكم السابق، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال الشيباني في دمشق خلال مؤتمر صحافي مشترك مع المدير العام للوكالة التابعة للأمم المتحدة رافاييل غروسي: «في 17 يوليو (تموز) الماضي وجّهنا رسالة رسمية إلى الوكالة نعلن فيها بإرادة حرة وجود مواد نووية في موقع غير معلن ضمن الإرث الذي خلفه النظام البائد». وأضاف أن سوريا دعت الوكالة للتحقق من الموقع، وقد «أتمّ المدير العام وفريق الوكالة صباح اليوم زيارة الموقع وجمع العينات اللازمة».


لبنان يدرس إلغاء 600 ألف مذكرة أمنية بحقّ سوريين

جندي لبناني يراقب العائدين عبر معبر المصنع الحدودي على أثر سقوط النظام السوري (أ.ب)
جندي لبناني يراقب العائدين عبر معبر المصنع الحدودي على أثر سقوط النظام السوري (أ.ب)
TT

لبنان يدرس إلغاء 600 ألف مذكرة أمنية بحقّ سوريين

جندي لبناني يراقب العائدين عبر معبر المصنع الحدودي على أثر سقوط النظام السوري (أ.ب)
جندي لبناني يراقب العائدين عبر معبر المصنع الحدودي على أثر سقوط النظام السوري (أ.ب)

في خطوة تعكس إصراراً لبنانياً على إعادة تنظيم العلاقة مع سوريا على أسس أمنية وقانونية أكثر وضوحاً، بدأت السلطات اللبنانية معالجة أحد الملفات الأكثر تعقيداً الذي خلّفته سنوات النزوح السوري، من خلال إعادة النظر في القيود الأمنية التي حالت دون دخول مئات آلاف السوريين إلى لبنان.

وتعكس هذه الخطوة، في بعدها الأوسع، محاولة لبنانية للانتقال من إدارة ملف العلاقة مع سوريا عبر القيود والإجراءات الاستثنائية إلى إطار أكثر انتظاماً، يقوم على التعاون الأمني واحترام القوانين، بما يمهّد لمرحلة جديدة من العلاقات بين البلدين. وعلمت «الشرق الأوسط» أن جهاز الأمن العام اللبناني «بدأ إجراءات قانونية لإلغاء الوثائق الأمنية التي تشمل أكثر من 600 ألف سوري وتمنع دخولهم إلى البلاد منذ سنوات، والسماح لهم بالعودة بصورة شرعية وفق ضوابط قانونية محددة».

عناصر من الأمن العام اللبناني عند معبر المصنع الحدودي مع سوريا بشرق لبنان (إ.ب.أ)

وكشف مصدر أمني بارز أن المدير العام للأمن العام اللواء حسن شقير «شكّل لجنة أمنية - إدارية، لدراسة ملفات السوريين الذين سبق أن صدرت بحقهم مذكرات أمنية تقيّد دخولهم الأراضي اللبنانية، نتيجة مخالفات مرتبطة بالإقامة أو الدخول إلى الأراضي اللبنانية». وأوضح المصدر لـ«الشرق الأوسط»، أن «كل مواطن سوري حُرم من العودة إلى لبنان بسبب كسر الإقامة (مخالفة شروطها والبقاء في لبنان بعد انتهاء مفاعليها) أو الدخول خلسة، أو استخدام وثائق مزورة من دون علمه بالأمر، تتم الآن إعادة دراسة ملفه تمهيداً لشطب اسمه من لوائح القيود الأمنية، شرط ألّا تكون القضية مرتبطة بجرائم جنائية»، مشيراً إلى أن اللجنة «تأخذ في الاعتبار الظروف التي رافقت مرحلة النزوح السوري إلى لبنان، لا سيما حالات الدخول غير الشرعي التي لم تقترن بارتكاب جرائم».

ويخضع عمل اللجنة الأمنية - الإدارية لمعايير محددة توازن ما بين الضوابط القانونية ومنح آلاف السوريين حقّ الدخول إلى لبنان إذا كان بداعي السياحة أو العمل، بما تضمن عدم مخالفة القوانين والأنظمة المرعيّة. وقال المصدر إن الأمن العام اللبناني «أنجز حتى الآن عشرات آلاف الملفات، واقترب من تسوية أوضاع ما بين 90 و95 ألف سوري، على أن يرتفع العدد تدريجياً ليصل إلى نحو 600 ألف ملف، بعد استكمال عملية التدقيق»، مؤكداً أن الأمن العام «سيُصدر بعد انتهاء الإجراءات، بياناً يوضح الآلية الجديدة، على أن يتم إبلاغ الجانب السوري بأن الأشخاص الذين كانت لديهم إشكالات قانونية غير جنائية مع لبنان بات بإمكانهم العودة إلى الأراضي اللبنانية بصورة شرعية».

معبر «العريضة» بين ريف حمص ولبنان (متداولة)

أهمية هذه الإجراءات لا تقتصر على تمتين الثقة بين لبنان والدولة وسوريا فحسب، بل ستكون لها نتائج أمنية واقتصادية، ويرى الأمن العام أن هذه الإجراءات «لا تندرج فقط في إطار تسوية أوضاع السوريين، بل تشكل أيضاً خطوة أمنية تهدف إلى تجفيف منابع شبكات تهريب الأشخاص التي تنشط على الحدود اللبنانية - السورية، وإتاحة الدخول بصورة قانونية». وفق المصدر «ستحدّ هذه الإجراءات من دور مافيات التهريب والاتجار بالبشر التي تستغل حاجة الراغبين في دخول لبنان، وتتقاضى مبالغ مالية مقابل إدخالهم خلسة عبر المعابر غير الشرعية»، مؤكداً أنه «سيصبح بإمكان السوريين دخول لبنان في المرحلة المقبلة بموجب الهوية السورية، سواء بصورة شخصية أو عبر مكاتب السياحة والسفر، وفق الشروط المعتمدة، أما السوري الراغب في العمل والإقامة في لبنان، فيمكنه الحصول على إجازة عمل وإقامة قانونية من الأمن العام، فيما تكون إقامة القادمين عبر وكالات السياحة والسفر محددة بشهر واحد»، لافتاً إلى أن لبنان «يرحب بكل من يريد الإقامة على أرضه، شرط أن تكون إقامته قانونية»، مشيراً إلى أن «سوريا دولة شقيقة، وتنظيم حركة الدخول بين البلدين يصب في مصلحة الطرفين».

Your Premium trial has ended


تهديد «حزب الله» بتحريك الشارع: تنفيس غضب أم ورقة ابتزاز؟

مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون علمي «الحزب» وإيران في الضاحية الجنوبية لبيروت خلال مراسم تزامناً مع تشييع المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي الشهر الماضي (إ.ب.أ)
مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون علمي «الحزب» وإيران في الضاحية الجنوبية لبيروت خلال مراسم تزامناً مع تشييع المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي الشهر الماضي (إ.ب.أ)
TT

تهديد «حزب الله» بتحريك الشارع: تنفيس غضب أم ورقة ابتزاز؟

مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون علمي «الحزب» وإيران في الضاحية الجنوبية لبيروت خلال مراسم تزامناً مع تشييع المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي الشهر الماضي (إ.ب.أ)
مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون علمي «الحزب» وإيران في الضاحية الجنوبية لبيروت خلال مراسم تزامناً مع تشييع المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي الشهر الماضي (إ.ب.أ)

«من حقكم أن تغضبوا، لكن نطلب منكم أن تختزنوا هذا الغضب في صدوركم وتتهيّأوا لاستخدامه في الوقت الذي يحين لتحقيق أهدافكم ومطالبكم». بهذه العبارات، وجّه الأمين العام لـ«حزب الله»، نعيم قاسم، رسالته إلى جمهوره في إطلالته الأخيرة الأسبوع الماضي، قبل أن يضيف أن «هذا الغضب له وقت، ويمكن أن ينفجر»، محمّلاً مسبقاً مسؤولية تداعيات أي انفجار محتمل لمن «لا يعرف كيف يشتغل» أو «يحاول أن يعمل ضد المقاومة وأهل المقاومة».

كلام قاسم فتح الباب أمام تساؤلات بشأن ما إذا كان «الحزب» يهيّئ جمهوره لمرحلة قد ينتقل فيها من ضبط الشارع واحتواء الغضب إلى تحريكه، لا سيما في ظل الظروف القاسية التي يعيشها الجنوب وأهله وتصاعد الخسائر والضغوط السياسية والعسكرية.

لا قرار بتحريك الشارع

بين وجود الغضب وحسم قرار النزول إلى الشارع مسافةٌ تبدو، حتى الآن، غير محسومة. ويعدّ الكاتب السياسي المقرّب من «حزب الله»، قاسم قصير، أن الغضب الذي تحدث عنه قاسم «موجود وفعلي داخل بيئة المقاومة، لا سيما في الجنوب، الذي يواجه القتل والتدمير والمجازر الإسرائيلية، من دون أن تتمكن السلطة اللبنانية من وقف هذا المسار رغم المفاوضات المستمرة مع إسرائيل».

إلا إن قصير يؤكد أنه «لا معطيات حتى الآن تفيد بتبدل قرار (حزب الله) و(حركة أمل) بعدم النزول إلى الشارع». ويلفت في المقابل إلى أن «مجموعات تقوم، بين الحين والآخر، بتحركات عفوية للتعبير عن غضبها، إلى جانب المواقف والتعليقات الغاضبة عبر وسائل التواصل الاجتماعي».

ويرى أن موقف قاسم قد يكون «إشارة تحضيرية لخطوات مقبلة»، خصوصاً في ظل وجود ما وصفها بـ«تحضيرات نفسية» لإمكان الدعوة إلى تحرك ما إذا تطورت الأمور نحو مزيد من التصعيد، مؤكداً أن «البيئة الشعبية لـ(الحزب) جاهزة للتحرك، وهو ما تؤكده المشاركات الكبيرة التي تحصل عند الدعوة إلى نشاط أو تشييع».

الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم متحدثاً عبر الشاشة في وقت سابق (متداولة)

الغضب لا يعني بالضرورة الانفجار

في المقابل، تدعو الكاتبة السياسية والأكاديمية، منى فياض، إلى التمييز بين وجود غضب حقيقي داخل بيئة «الحزب»، والقدرة على تحويل هذا الغضب حركةً جماعيةً في الشارع.

وتقول فياض لـ«الشرق الأوسط» إن السؤال الأساسي هو «عمّا إذا كان هناك غضب لدى جمهور (الحزب) يمكن أن يؤدي إلى انفجار، وما إذا كان الأمين العام قادراً على تحويل هذا الغضب تحركاً فعلياً»، عادّةً أن «وجود الغضب ليس أمراً غريباً في ظل النزوح والظروف الاجتماعية والمعيشية الصعبة التي يعيشها أبناء هذه البيئة، لكن ذلك لا يعني أنه سيتحول انفجاراً شعبياً».

وتشير فياض إلى أن «الحركة الجماعية تحتاج إلى مجموعة من العناصر، أبرزها وجود شعور مشترك بالتهديد، وثقة بالقيادة التي تدعو إلى التحرك، إضافة إلى اعتقاد لدى الجمهور بأن هذا التحرك قادر على تحقيق نتيجة». وترى فياض أن «وصف القائد مشاعر جمهوره والدعوة في الوقت نفسه إلى تأجيل التعبير عنها قد يؤدي إلى شرخ بين القيادة والجمهور»، مضيفة أن «عدم تمتع قاسم بقدر كافٍ من الكاريزما، لا يخدمه في إدارة العلاقة بجمهور (الحزب) وتحويل الغضب تعبئةً شعبيةً».

التحرك في الهوامش

أما المحامي والأستاذ الجامعي، علي مراد، فيرى أن خطاب قاسم الأخير، لا سيما تحميل الدولة مسؤولية تداعيات الحرب، يعكس «وهماً كبيراً» و«استمراراً في الهروب من المسؤولية عبر تحميلها للدولة».

ويقول مراد، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن الوضع في الجنوب «بالغ الصعوبة، وجبل عامل يواجه أخطر لحظاته السياسية والاجتماعية، بعدما اقتُلع أهل الجنوب من أرضهم»، متسائلاً: «في وجه من سيكون الانفجار الذي يتحدث عنه قاسم، ولأي هدف؟ وهل سيكون في وجه الدولة التي تتعامل اليوم مع نتائج حرب لم تكن جزءاً منها؟»، مشدداً على أن «المرحلة الحالية ليست مرحلة غضب أو انفجار، بل مرحلة مراجعة وعمل على الحد من الخسائر ومعالجة تداعياتها». ويضيف: «(حزب الله) غير قادر على اتخاذ خطوات جدية في هذا الاتجاه، وهو يتحرك في الهوامش للهروب من مسؤوليته، خصوصاً أن أبناء الجنوب يدركون أن الدولة لا تتحمل مسؤولية ما جرى، وأن مسؤولية الخيارات التي أدت إلى الحرب تقع على عاتق (الحزب)».

ووفق مراد، فإن «الغضب والجرح والأسى التي يعيشها أهل الجنوب يجب أن تترجم سياسياً؛ عبر إنهاء الازدواجية القائمة والانتقال إلى معادلة واضحة» تقوم على «الأرض مقابل السلاح»، بدلاً من «تسعير المعركة أو إعادة إنتاجها»، عادّاً أن «مأساة أهل الجنوب باتت تتجاوز الخلاف السياسي بين (حزب الله) وخصومه، والجميع معني بالانضواء تحت كنف الدولة بصفتها الخيار الوحيد المتاح».

ويختم مراد متسائلاً عن «جدوى دعوة (الحزب) الناس إلى النزول للشارع للاحتجاج، في وقت يعيش فيه قسم كبير منهم أصلاً في الشارع بعدما خسر منزله وممتلكاته».