في مطلع عام 2026، برزت دراسة علمية حديثة بعنوان «الذكاء الاصطناعي في تشخيص التهاب اللثة: الأدلة الحالية والاندماج السريري المستقبلي»، أعدّتها الدكتورة ناريمان شاكر وفريقها من قسم طب الفم واللثة بكلية طب وجراحة الفم والأسنان بجامعة المستقبل بالقاهرة، ونُشرت في «مجلة طب اللثة السريري (Clinical Periodontology Journal)».
وخلصت الدراسة إلى أن نماذج الذكاء الاصطناعي المعتمدة على التعلم العميق باتت قادرة على تحليل صور اللثة والأشعة وتحديد مؤشرات الالتهاب وفقدان العظم بدقة عالية، مع قابلية متنامية للاندماج في الممارسة السريرية اليومية خلال عام 2026.
كاميرا صغيرة غيّرت فحص اللثة
* تحليل رقمي للثة: في إحدى عيادات الأسنان الحديثة بمدينة ساو باولو البرازيلية، لم يحتج الطبيب إلى المسبار المعدني المعتاد، ولا إلى المرآة الصغيرة التي ارتبطت طويلاً بصورة الفحص التقليدي، بل اكتفى بأن يطلب من المريض فتح فمه قليلاً، ثم وجّه كاميرا رقمية دقيقة نحو اللثة، وضغط زراً واحداً... صورة واحدة فقط كانت كافية لبدء التشخيص.
قد يبدو هذا المشهد أقرب إلى الخيال العلمي، لكنه اليوم واقع سريري يغيّر الطريقة التي نفهم بها أحد أوسع أمراض الفم شيوعاً وإهمالاً: التهاب اللثة. فالتشخيص هنا لا يقوم على النزف أو الفحص اليدوي، بل على تحليل رقمي دقيق لألوان اللثة، بوصفها مؤشراً بيولوجياً صامتاً على ما يجري في العمق. وكانت هذه المقاربة من أوائل الدراسات السريرية التي لفتت الانتباه في عام 2025، عندما نُشرت في مجلة «طب اللثة (Journal of Periodontology)» بقيادة الدكتور محمد أحمد حسن، من كلية طب الأسنان بجامعة ساو باولو؛ إحدى أبرز المؤسسات البحثية في أميركا اللاتينية. ومنذ ذلك الحين، لم يعد تحليل لون اللثة رقمياً يُنظر إليه بوصفه تجربة بحثية معزولة، بل أصبح يُدرج في الأدبيات العلمية الحديثة بوصفه من المسارات الواعدة في تشخيص الالتهاب المبكر وربط صحة الفم بالصحة الجهازية.

* التهاب صامت: لطالما صُنِّف التهاب اللثة بوصفه مشكلة ««بسيطة»، تبدأ باحمرار خفيف أو نزف عابر خلال تنظيف الأسنان. لكن هذا التوصيف التقليدي يُخفي حقيقة أكبر تعقيداً، فالالتهاب اللثوي غالباً ما يتطور بصمت، ويؤسس لعملية التهابية مزمنة قد تنتهي بتآكل العظم الداعم للأسنان، ثم فقدانها.
الأهم من ذلك أن هذا الالتهاب لا يظل محصوراً في الفم، فالأبحاث الحديثة تُظهر أن اللثة الملتهبة تُطلق وسائط التهابية تدخل مجرى الدم، وتسهم في رفع أخطار أمراض جهازية خطيرة، من بينها أمراض القلب وتصلّب الشرايين، والسكري من النوع الثاني، واضطرابات الإدراك والخرف، بل وحتى مضاعفات الحمل والولادة المبكرة. وبمعنى آخر؛ ما نراه نزفاً بسيطاً قد يكون في الحقيقة إشارة مبكرة إلى خلل صحي أوسع. * اللون أداة للتشخيص: في الدراسة البرازيلية، حلّل الباحثون أكثر من 110 صور رقمية للثة التُقطت باستخدام ماسح داخل الفم، قبل العلاج وبعده. لكن التميّز لم يكن في عدد الصور، بل في طريقة قراءتها؛ إذ لم تُعامَل الصورة بوصفها توثيقاً بصرياً فحسب؛ بل بوصفها بيانات قابلة للتحليل الدقيق.
وقد استخدم الفريق أنظمة تحليل لوني متقدمة، أبرزها نظام «إتش إس في (HSV)» الذي يقيس درجة اللون وتشبعها وسطوعها، ونظام «CIELAB» المستخدم عالمياً في علوم الألوان الدقيقة. وقد أظهرت النتائج أن اللثة المصابة بالالتهاب تتسم بارتفاع واضح في درجات الاحمرار والاصفرار، وهي مؤشرات بيولوجية دقيقة على الالتهاب. والمثير أن هذه التحليلات الرقمية استطاعت التمييز بين اللثة السليمة وتلك الملتهبة بدقة تجاوزت 80 في المائة، من دون الحاجة إلى فحص يدوي أو إحداث نزف؛ مما يفتح الباب أمام تشخيص مبكر وغير مؤلم.

الذكاء الاصطناعي
لم يعد الذكاء الاصطناعي ضيفاً على العيادة، بل شريكاً في القرار. لم يقف التشخيص عند حدود تحليل الألوان، ففي مطلع عام 2026، أكدت المراجعة العلمية الحديثة المذكورة أعلاه والمنشورة في «مجلة طب اللثة السريري»، أن نماذج الذكاء الاصطناعي المعتمدة على التعلم لها قابلية متنامية للاندماج في الممارسة السريرية اليومية. وتشير الدراسة إلى أن هذه الخوارزميات لا تعمل بوصفها أدوات تشخيص بديلة، بل بوصفها مساعداً ذكياً يقرأ الإشارات الصامتة للمرض قبل أن تفرض نفسها سريرياً. وهنا يتّسع دور الذكاء الاصطناعي من مجرد تحليل صورة، إلى جزء من رؤية أوسع في «الطب التنبؤي»، حيث يصبح الكشف المبكر هدفاً أساسياً، لا مرحلة متأخرة من العلاج.
وهكذا يتحوّل مشهد عيادة الأسنان بسرعة. فالأدوات المعدنية التقليدية تفسح المجال للتصوير الرقمي، والخبرة البصرية تُدعَّم بقراءات رقمية دقيقة، والقرار السريري يصبح أعلى استنارة بالبيانات. وهذا التحول ليس ترفاً تقنياً، بل ضرورة طبية. فكلما كُشف عن الالتهاب في مراحله الأولى، قبل أن يُحدث تلفاً دائماً، كانت فرص الوقاية والعلاج أفضل، والمضاعفات أقل. وقد لا يكون بعيداً اليوم الذي يصبح فيه فحص اللثة إجراءً روتينياً سريعاً، أشبه بقياس ضغط الدم، يعتمد على كاميرا صغيرة وخوارزمية ذكية.
ولطالما قيل إن الفم مرآة للجسد، لكن الطب الحديث يضيف اليوم معنى أدق: الفم نظام إنذار مبكر. فاللثة، بتغير لونها ونسيجها، قد تُخبرنا بما يجري في عمق الجسم قبل أن تظهر الأعراض الصاخبة. ومع تطور الذكاء الاصطناعي والتصوير الرقمي، لم يعد هذا «الإنذار» بحاجة إلى تخمين، بل يمكن قراءته بلغة الأرقام. كاميرا صغيرة... قد تكون كافية لتغيير مسار التشخيص، وربما مسار الصحة بأكملها.


