ما النرجسية؟

مصطلح جامع لطيْفٍ واسعٍ من السلوكيات المكروهة أو المُحبطة

ما النرجسية؟
TT

ما النرجسية؟

ما النرجسية؟

تترى النصائح على تطبيق «تيك توك» لكشف الشخص النرجسي: ابحث عن «العدوانية السلبية»، كما اقترح أحد المؤثرين... النرجسي هو شخص «يخلق تبعية عاطفية»، كما قال آخر.

شخصية ساحرة وباردة

ووصفت إحدى النساء، وهي تضع مكياجها على وجهها، الشخص النرجسي بأنه «ساحر وجذاب للغاية، لكن نظراته باردة».

طيف من السلوكيات المكروهة

قبل عقود، لم يكن مصطلح النرجسية يُستخدم خارج السياقات السريرية أو الدراسات البحثية، إلا في النادر. أما اليوم، فقد أصبح «مصطلحاً جامعاً لطيف واسع من السلوكيات المكروهة أو المُحبطة»، كما قال فيرجيل زيغلر - هيل، أستاذ علم النفس في جامعة أوكلاند في روتشستر بميشيغان.

إن النرجسية narcissism، أو الرغبة الشديدة في الشعور بالتميز والتفرد، هي سمة شخصية تتفاوت في شدتها. يمتلك كل شخص درجة منها؛ أما من يقعون في أعلى هذا الطيف، فعادةً ما يكونون أنانيين ومتكبرين، لكن هذا لا يعني بالضرورة إصابتهم باضطراب الشخصية النرجسية.

اضطراب الشخصية النرجسية

هناك معايير محددة لتشخيص اضطراب الشخصية النرجسية narcissistic personality disorder NPD، تشمل بعض هذه المعايير حاجة ملحة للإعجاب، وشعوراً مفرطاً بأهمية الذات، وانعدام التعاطف مع الآخرين. هذه السمات ليست عابرة، بل هي مستمرة، وعادةً ما تؤدي إلى ضيق نفسي أو تعيق العلاقات أو العمل أو جوانب أخرى من الحياة.

خرافات وحقائق

ما مدى فهمك للنرجسية؟ تحقق مما إذا كنت تتعرف على أي من الخرافات الشائعة أدناه.

* خرافة: النرجسيون الأكثر ضرراً يعانون من اضطراب نفسي.

-حتى الأشخاص الذين لا تنطبق عليهم معايير اضطراب الشخصية النرجسية، قد يُلحقون الأذى بأنفسهم وبالآخرين. واضطراب الشخصية النرجسية نادر الحدوث، إذ يُقدّر أنه يصيب ما بين 1في المائة و2 في المائة من البالغين في الولايات المتحدة.

ولا يشترط إجراء أي تشخيص طبيٌ لعدّ الشخص نرجسياً، فالمختصون في الصحة النفسية يصفون النرجسيين بأنهم أشخاصٌ يُظهرون سلوكياتٍ أو سماتٍ نرجسيةً أعلى من المتوسط.

الشعور بالاستحقاق والأنانية والتلاعب والخداع

وتشمل هذه السمات انخفاض التعاطف، والشعور بالاستحقاق، والأنانية، والتلاعب، والخداع، وإلقاء اللوم على الآخرين، والسعي الحثيث وراء الإعجاب والمكانة والتقدير، كما أوضحت راماني دورفاسولا، الأخصائية النفسية السريرية، ومؤلفة كتاب «الأمر لا يتعلق بك: التعرف على الأشخاص النرجسيين والتعافي منهم».

ويُصبح النرجسيون أكثر ضرراً عندما يتحولون إلى أشخاصٍ انتقاميين أو قساة القلوب، أو عندما يستغلون نقاط ضعف الآخرين. كما يُعانون من صعوبةٍ بالغةٍ في السيطرة على عواطفهم، حسب دورفاسولا. وأضافت: «غالباً ما تعني النرجسية حياةً مليئةً بالشعور بالظلم والاضطهاد والريبة والانفصال عن الآخرين، وهي ليست حياةً كريمة».

نرجسيات فاعلة وعصابية وعدائية

* خرافة: جميع النرجسيين متشابهون.

-على مرّ السنين، حدّد الباحثون أنواعاً مختلفةً من النرجسيين.

+ النرجسية الفاعلة narcissism Agentic هي ما يتبادر إلى ذهن معظم الناس عند تخيّل شخص نرجسي. يتميّز هؤلاء الأفراد بالثقة بالنفس، والحزم، والشعور بالاستحقاق، والغرور، ويركّزون على المكانة والسلطة والنجاح.

+ النرجسية العصابية Neurotic narcissism . تتميّز بالحاجة الدائمة إلى التقدير والحساسية المفرطة للنقد والرفض. غالباً ما يعاني هؤلاء الأشخاص من شعورٍ كبيرٍ بالخزي والقلق وعدم الاستقرار العاطفي وانعدام الأمان والشك في الذات.

+النرجسية العدائية Antagonistic narcissismتبدو تنافسية، واستغلالية، وعدائية. هؤلاء الأشخاص مستعدون للتقليل من شأن الآخرين ليشعروا بالتفوق. كما أنهم يفتقرون إلى التعاطف.

لا يقتصر الأمر على شكل واحد من النرجسية، بل يمكن للأفراد إظهار أي مزيج من سمات النرجسية الثلاث - فقد يكون الشخص متفوقاً في سمتين ولكنه ضعيف في الثالثة، أو قد يُظهر سمات مختلطة أخرى.

الافتقار إلى التعاطف

* خرافة: جميع النرجسيين يفتقرون إلى التعاطف.

-النرجسي قادر على التعاطف، لكنه غالباً ما يكون أنانياً. قد يتعاطف النرجسيون عندما يحتاجون إلى شيء ما، كما قالت دورفاسولا. وأضافت أنهم قد يُظهرون التعاطف أيضاً عندما يريدون إظهار أنفسهم بمظهر المتعاطف. في حالات أخرى، قد يفهمون الحاجة إلى التعاطف لكنهم ببساطة لا يُبالون بإظهار أي استجابة رحيمة.

وقالت دورفاسولا: «مع أن هذه المشاعر ليست تعاطفاً عميقاً أو تعاطفاً حقيقياً، إلا أنها تبدو وكأنها تعاطف، تماماً كالمُحلي الصناعي والسكر»، مضيفة أن هذا «غالباً ما يُربك الأشخاص الذين لديهم تجارب مع شخص نرجسي، حيث يشعرون بتعاطفٍ ظاهري، لكنه يختفي بمجرد أن يحصل النرجسي على ما يريد».

* خرافة: النرجسيون لا يُدركون أنهم نرجسيون.

-يعرف النرجسيون أنهم نرجسيون. وقد أظهرت الدراسات أن لديهم فهماً للجوانب السلبية في شخصياتهم.

إنهم يعرفون أنهم يبدون متغطرسين، كما قال ميتيا باك، أستاذ علم النفس في جامعة مونستر وخبير في أبحاث النرجسية. لكنه أضاف أن هذا لا يُمثل مشكلة بالنسبة لهم.

* خرافة: النرجسي لا يتغير أبداً.

النرجسية ليست سمة ثابتة. في الواقع، فإنها تميل إلى الانخفاض قليلاً مع تقدم العمر، كما يقول أولريش أورث، أستاذ علم النفس التنموي في جامعة برن بسويسرا. وقد يعود ذلك جزئياً إلى أن التعاطف يزداد مع تقدمنا ​​في السن. وتشير الأبحاث أيضاً إلى أن الأفراد قد يقللون من نزعاتهم النرجسية عندما يُشجعون على الاهتمام بالآخرين أو التأمل في قيمهم.

إذا رغب النرجسيون حقاً في التغيير، فيمكنهم طلب المساعدة من معالج نفسي. وأوضح زيغلر - هيل أن أصحاب النزعات النرجسية الفاعلة أو العدائية غالباً ما يقاومون طلب المساعدة، ويعود ذلك جزئياً إلى عدم إدراكهم لحاجتهم إليها، أو ربما ينظرون إلى العلاج على أنه اعتراف بالضعف.

وأضاف: «في المقابل، يميل الأفراد ذوو النرجسية العصابية العالية إلى طلب العلاج، عادةً بسبب الضيق النفسي المرتبط بالقلق والاكتئاب وعدم الاستقرار العاطفي».

نمو النزعة النرجسية

* خرافة: لم يتلقَ النرجسيون ما يكفي من الحب أو التقدير من والديهم خلال طفولتهم.

-فيما يتعلق بتربية الأبناء، تشير الأدلة التجريبية إلى عكس ذلك. أوضح أورث أن ميل الوالدين إلى عدّ طفلهم مميزاً ومستحقاً أكثر من غيره يرتبط بظهور سمات الشخصية النرجسية في سن مبكرة.

لكن باك أشار إلى أن تأثير الوالدين قد يكون مدفوعاً بشكل أساسي بالعوامل الوراثية. في الواقع، تُظهر الأبحاث أن طفل الشخص النرجسي أكثر عرضةً لامتلاك سمات نرجسية بارزة.

ويفترض الباحثون أن عوامل أخرى، مثل الصداقات والعلاقات العاطفية والتجارب في المدرسة ومكان العمل، قد تلعب دوراً أكثر أهمية من دور الوالدين في تنمية السمات النرجسية.

النرجسي والتعاون

* خرافة: النرجسيون لا يفكرون إلا في أنفسهم.

-يمكن للأشخاص النرجسيين أن يتصرفوا بطرق تعاونية ومفيدة، مثل التطوع أو التبرع للجمعيات الخيرية. و«يكمن الفرق في دوافعهم وكيفية قيامهم بذلك»، كما قالت سارة كونراث، مديرة البرنامج متعدد التخصصات لأبحاث التعاطف والإيثار في جامعة إنديانا.

وتُظهر الأبحاث أن دوافعهم ليست إيثارية بحتة. فهم أكثر اهتماماً بإبهار الآخرين والحصول على نوع من الفائدة أو المكافأة. كما أنهم يميلون إلى تقديم المساعدة علناً بدلاً من تقديمها سراً، لضمان أن تكون جهودهم مرئية.

النرجسية والنجاح

* خرافة: الأشخاص النرجسيون عادةً ما يكونون ناجحين.

-لا تُحقق النرجسية وحدها النجاح، ولكنها قد تُوفر مزايا. وقال زيغلر - هيل إن الشخص الذي يتمتع بقدر معقول من النرجسية يميل إلى امتلاك «الثقة بالنفس، والحزم، والدافع القوي للقيادة»، وهذا غالباً ما يُسهم في النجاح الشخصي والمهني.

لكنّ النرجسيين، مثل غيرهم، لديهم سمات أخرى أيضاً. فإذا كانت مهاراتهم الاجتماعية ضعيفة أو كانوا غير منظمين، كما قال باك، فقد يُشكل ذلك عائقاً أمام تحقيق الإنجازات.

ونظراً لأن القادة النرجسيين يميلون إلى الحسم والعدوانية، ويتوقون إلى التقدير، فإنهم «قد يكونون مفيدين للغاية عندما يكون من المهم تغيير الأمور في فترة وجيزة جداً»، كما قال باك، مضيفاً أنهم أقل فائدة «إذا كان الأهم هو الحفاظ على الوضع الراهن واستمراره على ما هو عليه».

* خرافة: النرجسيون يبالغون في تقدير أنفسهم.

-النرجسية ليست مرادفة لتقدير الذات. تكشف الأبحاث أن بعض النرجسيين يعانون في الواقع من هشاشة في تقدير الذات.

«على سبيل المثال، قد يشعر الشخص المصاب بمستوى عالٍ من النرجسية العصابية بالثقة فقط عندما يثني الآخرون على مظهره أو إنجازاته، لكنه سرعان ما يصبح قلقاً أو ساخطاً عندما يتلاشى هذا التقدير، ما يجعل تقديره لذاته في حالة تذبذب مستمر»، كما قالت زيغلر - هيل.

لكن حتى أولئك الذين يميلون إلى العظمة غالباً ما يحملون تصورات إيجابية مفرطة عن أنفسهم، تعتمد على تأييد خارجي مستمر، كما أضاف.

التلاعب النفسي والخداع

* خرافة: النرجسيون لا يشعرون بالندم.

يدرك النرجسيون متى ارتكبوا خطأً، لكن ذلك لا يمنعهم من تكراره.

يقول دورفاسولا: «يتحول أي شعور بالذنب سريعاً إلى خجل، ثم إلى إلقاء اللوم على الآخرين: حسناً، لقد خنتك - لكن ماذا كنت تتوقع؟ أنت لا تُعرني أي اهتمام أبداً. بدلاً من أن يكونوا صادقين ومسؤولين، يهاجم النرجسيون عندما يُكشف أمرهم».

إذا شعرتَ أن شخصاً ما في حياتك يُمارس عليك التلاعب النفسي،

والكذب والخداع، ولم تكن متأكداً مما إذا كان هذا الشخص نرجسياً، فقد ترغب في اختيار وقت أكثر هدوءاً لمحاولة التحدث معه عن مشاعرك. تُطلق دورفاسولا على هذا «دخول قفص النمر».

وأضافت: «إذا أظهروا تحملاً حقيقياً للمسؤولية، فستكون هناك إمكانية للإصلاح والنمو». أما إذا قوبلت محاولتك لمعالجة المشكلة بمزيد من إلقاء اللوم والغضب، فمن المرجح أن يكون هذا الشخص نرجسياً. وقالت دورفاسولا: «ربما من الأفضل ألا تعود إلى ذلك القفص».

* خدمة «نيويورك تايمز».


مقالات ذات صلة

الاضطرابات النفسية الشديدة قد تزيد خطر الوفاة بأمراض جسدية خطيرة

صحتك المصابون باضطرابات نفسية شديدة أكثر عرضة للوفاة بأمراض جسدية خطيرة (رويترز)

الاضطرابات النفسية الشديدة قد تزيد خطر الوفاة بأمراض جسدية خطيرة

كشفت دراسة جديدة أن البالغين الذين يعانون من مشكلات صحية عقلية واضطرابات نفسية حادة، أكثر عرضة بشكل كبير للوفاة بأمراض جسدية خطيرة قبل سن 75 مقارنة بأقرانهم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق عبارات شائعة قد تبدو عادية في بيئة العمل لكنها تحمل تأثيراً نفسياً سلبياً (بكسلز)

منها «أنت حساس»... 6 عبارات مؤذية لا تقلها لزملائك في العمل

قد تبدو بعض العبارات المتداولة في مكان العمل عابرة أو غير مقصودة، لكنها قد تترك أثراً أعمق مما يبدو، وتبقى عالقة في الذاكرة لفترة طويلة حتى بعد مغادرة الوظيفة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق 8 علامات تكشف أن المدير الودود الذي قابلته خلال مقابلة التوظيف يخفي جانباً ساماً (بكسلز)

لا تنخدع بوده الكاذب... 8 علامات تكشف أن مديرك الجديد سام

8 علامات تكشف أن المدير الودود الذي قابلته خلال مقابلة التوظيف يخفي جانباً ساماً.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك سيدة تحتسي فنجاناً من القهوة (بيكسلز)

مزاج أفضل قبل أول رشفة؟ سرّ قد يكون في رائحة القهوة

قد لا تكون القهوة الصباحية مجرد جرعة من الكافيين تساعدك على بدء يومك، إذ يبدو أن تأثيرها في مزاجك قد يبدأ حتى قبل أن ترتشفها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق الاستجابة المستمرة لطلبات الآخرين قد تنتهي بك إلى الاحتراق الوظيفي (بيكسلز)

حين تصبح «لا» ضرورية... 3 طرق لقولها بأناقة

قد تبدو كلمة «لا» بسيطة، لكنها في كثير من المواقف قد تكون من أصعب الكلمات التي يمكن قولها، خصوصاً عندما يكون الرفض موجّهاً إلى مدير أو زميل.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

الذكاء الاصطناعي يحلل تخطيط كهربائية القلب ويتنبأ بأمراضه المقبلة

 تخطيط القلب يرى ما وراء النبض
تخطيط القلب يرى ما وراء النبض
TT

الذكاء الاصطناعي يحلل تخطيط كهربائية القلب ويتنبأ بأمراضه المقبلة

 تخطيط القلب يرى ما وراء النبض
تخطيط القلب يرى ما وراء النبض

اعتاد الطب أن يبدأ عندما يعلن المرض عن نفسه: عرض يشعر به المريض، أو علامة يلتقطها الطبيب، أو فحص يكشف أن تغيراً مرضياً قد حدث بالفعل. لكن الذكاء الاصطناعي يطرح اليوم سؤالاً أكثر طموحاً: هل يمكن اكتشاف الخطر قبل ظهور الأعراض، والتدخل في وقت يسمح بتغيير مسار المرض؟ وفي طب القلب، قد تأتي الإجابة من فحص قديم ومألوف: تخطيط كهربائية القلب (ECG)، فالخوارزميات تستطيع البحث داخل إشاراته عن أنماط دقيقة قد يصعب تمييزها بالقراءة التقليدية، وربطها باضطرابات قلبية ومخاطر مستقبلية؛ ليصبح التخطيط ليس مجرد قراءة لما يحدث الآن، بل نافذة محتملة على ما قد يحدث لاحقاً.

وفي 2 سبتمبر (أيلول) 2026، تناول الدكتور ريتشارد داسيلار (Richard Dasselaar)، خبير التحول الرقمي المقيم في سويسرا ورئيس مجموعة عمل متخصصة في الذكاء الاصطناعي في أمراض القلب، هذه النقلة في مقال تصدّر غلاف العدد الرابع من المجلد 26 لمجلة «HealthManagement.org» بعنوان «من التنبؤ إلى الوقاية: تحويل طب القلب الدقيق إلى واقع». وينطلق داسيلار من سؤال يتجاوز قدرة الخوارزمية على توقع المرض: هل يمكن اكتشاف الخطر في مرحلة مبكرة بما يكفي لمنح الطبيب فرصة للتدخل قبل أن يتحول الاحتمال إلى مرض واضح؟ فالقيمة الحقيقية للتنبؤ، في هذه الرؤية، ليست في معرفة ما قد يحدث للمريض فحسب، وإنما في استخدام تلك المعرفة في الوقت الذي لا يزال فيه ممكناً تغيير مسار المرض.

حين يرى الذكاء الاصطناعي خطر القلب قبل الاعراض

تخطيط القلب... شفاء المستقبل

تخطيط قلب قد يرى المستقبل. المفارقة أن إحدى الأدوات التي قد تساعد الطب على استشراف أمراض القلب ليست تقنية جديدة، بل تخطيط كهربائية القلب (ECG)، أي الفحص البسيط والرخيص والمتاح على نطاق واسع منذ أكثر من قرن. والجديد ليس التخطيط نفسه، وإنما الطريقة التي أصبح الذكاء الاصطناعي يقرأ بها إشاراته. فالطبيب يفسر التخطيط عادةً بالبحث عن أنماط معروفة في النشاط الكهربائي للقلب، مثل اضطراب النظم أو التغيرات التي قد تشير إلى مشكلة قلبية. أما نماذج الذكاء الاصطناعي المعروفة باسم AI-ECG، فتستطيع تحليل تفاصيل وعلاقات دقيقة داخل الإشارة الكهربائية قد يصعب تمييزها بالقراءة التقليدية، وربطها بمعلومات عن اضطرابات بنيوية أو وظيفية في القلب، وكذلك ببعض المخاطر المستقبلية. وتشير الدراسات التي يستعرضها داسيلار إلى أن تخطيط القلب يمكن، بهذه الطريقة، أن يتحول من تسجيل كهربائي للحظة الراهنة إلى ما يشبه «المؤشر الحيوي الرقمي» (Digital Biomarker) الذي يكشف معلومات إضافية كامنة داخل الفحص نفسه.

وتكمن جاذبية الفكرة في بساطتها: لا يحتاج الأمر بالضرورة إلى فحص جديد أو جهاز جديد؛ فقد يستطيع الذكاء الاصطناعي استخراج معلومات لم تكن متاحة سابقاً من تخطيط يُجرى بالفعل يومياً في المستشفيات والعيادات. لكن اكتشاف إشارة خفية لا يعني تلقائياً أننا منعنا المرض؛ وهنا يبدأ السؤال الأصعب: ماذا نفعل عندما تخبرنا الخوارزمية بأن المريض معرض للخطر؟

• عندما يتحول التنبؤ إلى تدخل. لكن معرفة أن شخصاً معرض لخطر المرض ليست في حد ذاتها علاجاً. وهذا أحد أهم التحولات في النقاش حول الذكاء الاصطناعي الطبي. ففي السنوات الأولى كان السؤال المتكرر: ما مدى دقة الخوارزمية؟ وما حساسيتها ونوعيتها؟ هذه الأسئلة مهمة، لكنها لم تعد كافية.

فقد يحقق نموذج أداءً ممتازاً داخل قاعدة بيانات بحثية، ثم تتراجع فائدته عند انتقاله إلى مستشفى آخر أو مجتمع مختلف، نتيجة اختلاف المرضى وانتشار الأمراض وجودة البيانات والأجهزة ومسارات العمل السريري. والأهم أن التنبؤ لا يملك قيمة حقيقية إذا لم يؤدِّ إلى قرار سريري مناسب في الوقت المناسب.

وقد بدأت الأدلة تنتقل بالفعل من اختبار قدرة الخوارزمية على التنبؤ إلى اختبار أثر استخدامها فعلياً على المرضى. ففي مايو (أيار) 2024، نشرت مجلة «Nature Medicine» تجربة سريرية عشوائية عملية بقيادة تشين-شان لين (Chin-Sheng Lin) وزملائه، شملت 15 ألفاً و965 مريضاً منوّمين في المستشفى. واختبرت الدراسة نظام تنبيه يعتمد على تخطيط القلب المدعوم بالذكاء الاصطناعي، ووجدت أن استخدامه ارتبط بانخفاض الوفيات لجميع الأسباب خلال 90 يوماً، مع تركز الفائدة لدى المرضى الذين صنّفهم النظام ضمن الفئة مرتفعة الخطورة.

ولا تعني هذه النتيجة أن تجربة واحدة حسمت مستقبل الذكاء الاصطناعي في طب القلب، لكنها تشير إلى تحول جوهري في طريقة تقييمه: لم يعد السؤال فقط: هل تستطيع الخوارزمية اكتشاف الخطر؟ بل: هل يؤدي استخدام ذلك الاكتشاف إلى تغيير ما يحدث للمريض؟

هل تفهم خوارزميات القلب المريض العربي؟

الخوارزمية والعلاج

الخوارزمية ليست العلاج. لنتخيل أن مريضاً أُجري له تخطيط للقلب، فاكتشف الذكاء الاصطناعي نمطاً يرتبط بارتفاع احتمال وجود خلل قلبي لم تظهر أعراضه بعد. ماذا يحدث بعد ذلك؟ من يتلقى التنبيه؟ ومن يقرر إن كان يستدعي فحصاً إضافياً؟ وماذا يحدث إذا اختلف تقدير الطبيب عن الخوارزمية؟ ومن يتحمل المسؤولية عن القرار؟ وكيف نشرح للمريض أن ارتفاع «احتمال الخطر» لا يعني أنه مصاب بالمرض؟

هنا يضع داسيلار قاعدة شديدة الأهمية: «المؤسسات الصحية لا تطبق خوارزميات، بل تطبق مسارات سريرية». فتنبيه الذكاء الاصطناعي ليس علاجاً بحد ذاته؛ وإنما تبدأ قيمته عندما يدخل في مسار واضح: يراجعه الطبيب، ويضعه في سياق حالة المريض، ويطلب الفحوص التأكيدية عند الحاجة، ثم يتخذ قراراً علاجياً أو وقائياً مناسباً. وبذلك لا يكون نجاح الذكاء الاصطناعي في أنه أطلق تنبيهاً صحيحاً، بل في أن هذا التنبيه وصل إلى الشخص المناسب، في الوقت المناسب، وأدى إلى إجراء يمكن أن يحسن ما يحدث للمريض.

• هل تصلح الخوارزمية نفسها للمريض العربي؟ هنا يبرز سؤال يهم منطقتنا مباشرة: إذا طُوّرت خوارزمية لتخطيط القلب واختُبرت على مرضى في الولايات المتحدة أو أوروبا، فهل يمكن افتراض أنها ستحقق الدقة نفسها عند استخدامها مع المرضى في الرياض أو جدة أو دبي أو القاهرة؟

ليس بالضرورة. فالذكاء الاصطناعي يتعلم من البيانات التي دُرّب عليها، وقد يتأثر أداؤه بخصائص السكان، وانتشار الأمراض، والأعمار والحالات المصاحبة، وكذلك بنوع الأجهزة المستخدمة، وطريقة تسجيل البيانات، والممارسات السريرية في كل مؤسسة. لذلك فإن نجاح الخوارزمية في المجتمع الذي طُوّرت واختُبرت فيه لا يكفي وحده لضمان الأداء نفسه في مجتمع آخر.

ويشدد داسيلار على أن التحقق الخارجي ليس مجرد تفصيل تقني، خصوصاً عندما تُستخدم الخوارزمية للكشف المبكر عن المرض. فالنموذج ينبغي أن يثبت أن أداءه يظل موثوقاً عند تغير الجغرافيا والتركيبة السكانية والبيئة السريرية وطريقة الحصول على البيانات. وعندما يتعلق الأمر بالتنبؤ بالمستقبل، تصبح الحاجة أكبر إلى دراسات تمتد زمنياً، للتأكد من أن الإشارة التي تلتقطها الخوارزمية اليوم ترتبط بالفعل بما يحدث للمريض لاحقاً، وفي وقت مبكر بما يكفي لإتاحة فرصة حقيقية للتدخل.

وبالنسبة إلى الدول العربية، يفتح ذلك قضية أكبر من مجرد استيراد أحدث خوارزمية: هل جرى التحقق منها على السكان الذين ستُستخدم معهم فعلياً؟

د. ريتشارد داسيلار لـ«الشرق الأوسط»: الذكاء الاصطناعي قد ينقل طب القلب من التنبؤ إلى الوقاية

لقاء صحافي

عينات سعودية للتحقق من التقنية. وفي لقاء مباشر مع «الشرق الأوسط»، سُئل الدكتور داسيلار عما إذا كان التحقق من هذه التقنية في الولايات المتحدة وسويسرا ودول أوروبية يعني أنها أصبحت جاهزة للتطبيق مباشرة في الشرق الأوسط. فأجاب بأن التحقق في دولة لا يمنح الخوارزمية تلقائياً صلاحية عالمية؛ فلكل بلد تركيبته السكانية ونظامه الصحي وأجهزته وبياناته السريرية، ومن الضروري أن يمتلك سياسة واضحة لحوكمة الذكاء الاصطناعي وآلية للتحقق المحلي قبل الانتقال إلى الاستخدام السريري.

وأوضح أن التحقق لا ينبغي أن يكون اختباراً يُجرى مرة واحدة وينتهي، بل عملية مستمرة تشمل قياس دقة الخوارزمية على السكان المحليين، والتأكد من أدائها مع الأجهزة والمنصات المستخدمة فعلياً في المؤسسات الصحية، ثم مراقبتها بعد التطبيق لرصد أي تغير في الأداء بمرور الوقت. ولعل التطور الأهم للمنطقة أن فريق المشروع، حسب داسيلار، قرر إدراج عينات من المملكة العربية السعودية ضمن مراحل التحقق من التقنية، بهدف تقييم أدائها لدى السكان في المملكة وتوسيع تنوع قاعدة التحقق. وهي خطوة قد تمهّد، إذا أثبتت النتائج كفاءتها، لاستخدام مستقبلي أكثر أماناً في المنطقة يستند إلى أدلة محلية، بدلاً من افتراض أن النجاح في أوروبا أو الولايات المتحدة سيُترجم تلقائياً إلى النتائج نفسها لدى المريض العربي.

وهنا تتبلور قاعدة أساسية في عصر الطب المدعوم بالذكاء الاصطناعي: الخوارزمية قد تكون عالمية، لكن الثقة السريرية بها يجب أن تُبنى محلياً.

• من التنبؤ بالخطر إلى رسم «مسار» المريض. الخطر القلبي ليس رقماً ثابتاً. فهو يتغير مع العمر وضغط الدم والأدوية والنشاط البدني والحالة الصحية ووظيفة القلب. ولذلك فإن تقدير احتمال إصابة المريض في لحظة واحدة لا يروي القصة كاملة.

من هنا ينتقل السؤال من: «ما احتمال إصابة هذا المريض؟» إلى سؤال أكثر طموحاً: «إلى أين يتجه مساره الصحي، وما الذي يمكن أن نفعله لتغيير هذا المسار؟» ويشير داسيلار إلى مفهوم ناشئ يعرف بـ«التوأم الرقمي القلبي» (Cardiovascular Digital Twin)، يقوم على إنشاء تمثيل رقمي لحالة الفرد المتغيرة مع الزمن، وقد يتيح مستقبلاً استكشاف مسارات صحية محتملة ومحاكاة أثر تدخلات مختلفة عليها. لكنه يحذر ضمناً من اختزال الفكرة في نموذج ذكاء اصطناعي أكبر أو لوحة بيانات أكثر تعقيداً؛ فالطموح الحقيقي هو تمثيل الحالة السريرية المتغيرة للفرد وفهم الاحتمالات المستقبلية التي قد تنتج عنها. والمجال لا يزال ناشئاً، مع أسئلة علمية وسريرية وتنظيمية لم تُحسم بعد.

وهكذا قد ينتقل طب القلب الدقيق مستقبلاً من خوارزمية تقول: «هذا المريض معرض للخطر» إلى نظام يساعد الطبيب على طرح سؤال أكثر فائدة: «أي تدخل اليوم يمكن أن يغيّر ما سيحدث لهذا المريض غداً؟»

• الذكاء الاصطناعي سيمنحنا الوقت. لكن كلما اقترب الذكاء الاصطناعي من اكتشاف الخطر قبل ظهور الأعراض، ازدادت المسؤولية. فالتنبؤ ليس تشخيصاً، وارتفاع الاحتمال ليس يقيناً؛ لذلك ينبغي ألا تتحول إشارة الخوارزمية إلى حكم على مستقبل المريض، بل إلى معلومة يفسرها الطبيب في سياق حالته ويقرر ما إذا كانت تستدعي تدخلاً أو فحوصاً إضافية. وهذا يصبح أكثر أهمية عندما تستخدم هذه الأدوات مع أشخاص أصحاء أو قليلي الأعراض.

ولهذا ربما لا يكون أعظم إنجاز للذكاء الاصطناعي في طب القلب أن يخبرنا بدقة أكبر مَن سيمرض، بل أن يمنح الطب شيئاً أكثر قيمة: الوقت... وقتاً لاكتشاف الخطر قبل أن يتحول إلى مرض واضح، ووقتاً للتدخل عندما لا يزال بالإمكان تغيير المسار، وربما ـ في أفضل الحالات ـ وقتاً يجعل المرض الذي تنبأت به الخوارزمية حدثاً لم يقع أصلاً.

وهنا تكمن المفارقة الأجمل: قد يكون أفضل تنبؤ يقدمه الذكاء الاصطناعي للطب هو ذلك التنبؤ الذي يساعدنا على منع نفسه من أن يصبح حقيقة.

يحلل تفاصيل إشارات القلب التي قد يصعب تمييزها ويربطها بمعلومات عن اضطرابات بنيوية أو وظيفية فيه


هياكل روبوتية خارجية متينة وفعّالة

هياكل روبوتية خارجية متينة وفعّالة
TT

هياكل روبوتية خارجية متينة وفعّالة

هياكل روبوتية خارجية متينة وفعّالة

لطالما تخيّل الناس جنود المستقبل في الحرب وقد تحوّلوا وبفضل الآلات القابلة للارتداء من مقاتلين يحملون الأسلحة، إلى جنود مُغلّفًين بدروع الروبوتية القوية والقدرة النارية.وتعود أحلام ارتداء الهياكل المحمية القوية في الحروب إلى رواية «جنود الفضاء Starship Troopers» (الصادرة عام 1959) لروبرت هاينلاين، حيث تمنح بدلة بطلها جوني ريكو القتالية الآلية، السرعة والقوة وإمكانات الهجوم المدمر في ساحة المعركة، مع الحفاظ على سهولة استخدامها كملابس عادية. وأصبحت هذه الصورة التي عززها لاحقاً الرجل الحديدي، نموذجاً قوياً للمخططين العسكريين: هيكل خارجي متكامل قادر على تحويل جندي المشاة العادي إلى آلة أقوى وأسرع وأكثر فتكاً.

في غضون عامين من صدور رواية هاينلاين، كان البنتاغون يبحث بالفعل عن «جنديه الآلي»، وهو بدلة تُمكّن الجنود من الركض أسرع والتوقف بشكل أسرع ورفع أحمال أثقل. وكانت المؤسسة الدفاعية الأميركية تسعى جاهدةً لتحويل الدروع الآلية إلى واقع ملموس.

منجزات عبر العقود

بعد عقود من البحث، يبدو أن الحلم يتحقق أخيراً، ولكن بصورة أبسط بكثير مما توقعه «البنتاغون». تعود الفكرة إلى ما قبل هاينلاين وشخصية الرجل الحديدي، فقد ظهرت براءات اختراع لأجهزة مساعدة تعمل بالزنبرك والبخار في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وبحلول خمسينيات وستينيات القرن الماضي، كان باحثو الجيش الأميركي يدرسون تقنيات التعزيز البيولوجي - الميكانيكي. وحددت الدراسات المبكرة المشكلات التي ستعيق المشروعات اللاحقة: الطاقة المحمولة، وأنظمة التحكم، وصعوبة جعل الآلة تتحرك بشكل طبيعي مع جسم الإنسان.

> أولى التصاميم. شكّلت هذه الفجوة بين الخيال والهندسة أساس البرامج الأميركية اللاحقة. فقد صُممت بدلة هارديمان Hardiman suit من جنرال إلكتريك في ستينيات القرن الماضي لمساعدة الجندي على حمل 1000رطل (الرطل 453 غراماً تقريباً)، لكنها كانت بطيئة وغير مستقرة وعرضة لحركات عنيفة لا يمكن السيطرة عليها، بينما ظلّت بدلة بيتمان Pitman suit التي طُرحت في ثمانينيات القرن الماضي مجرد فكرة. وظلّ الجيش يعود مراراً وتكراراً إلى رؤى الدروع الروبوتية، لكن قوانين الفيزياء وتعقيداتها حالت دون تحقيقها.

* أفكار القرن الحادي والعشرين. أعادت وكالة مشروعات الأبحاث الدفاعية المتقدمة (DARPA) إحياء هذا المسعى في عام 2001 بمنحٍ كبيرة لتعزيز الأداء البشري. أفضت تقنية الهيكل الخارجي للجزء السفلي من الجسم التي طورتها جامعة بيركلي في النهاية إلى نظام HULC من شركة «لوكهيد مارتن»، في حين طورت شركة «ساركوس» (التي استحوذت عليها لاحقاً شركة «رايثيون») نظام Guardian XO للاستخدام الصناعي. ورغم أن هذه النماذج الأولية قدمت أفكاراً مبهرة فيما يتعلق بقدرة تحمل الأوزان، غير أنها لم تنجح في التحول إلى معدات عملية صالحة للاستخدام في ساحات المعارك.

وتُعد مبادرة «تالوس» TALOS التي أطلقتها قيادة العمليات الخاصة الأميركية عام 2013 وسُوِّقت باعتبارها «بدلة الرجل الحديدي» Iron Man suit للقوات الخاصة- أشهر المحاولات الحديثة في هذا المجال. وبعد مرور خمس سنوات، ومشاركة أكثر من 100 شركة وجامعة، وتبني رؤية طموحة لدرع قادر على مقاومة نيران الأسلحة، انتهى البرنامج دون التوصل إلى بدلة قتالية جاهزة للاستخدام الميداني. ولم تكن المشكلة تكمن في الطموح، بل في التكامل؛ إذ تطلب الأمر عمل عدد كبير من الأنظمة المترابطة معاً بسلاسة تامة، وهو ما لم يتحقق.

وعليه، يظل مفهوم «الجندي المعزز آلياً بالكامل» (servo-soldier) بعيد المنال. ومع ذلك لا تزال الهياكل الخارجية تظهر في السياقات العسكرية، ولكن كأدوات متخصصة ومحدودة النطاق للتعامل مع أعباء بدنية محددة، بدلاً من كونها آلات قتالية متعددة الأغراض.

هياكل جديدة للحدّ من الإصابات

وعلى مدار العقد الماضي أعاد الجيش الأميركي توجيه أبحاث الهياكل الخارجية لتركز على تقليل الأحمال التي يحملها الجنود والحد من الإصابات. وقد أشارت استراتيجية الروبوتات لعام 2017 وأولويات التحديث اللاحقة إلى أنظمة حمل الأوزان باعتبارها جزءاً من القدرات القتالية الفتاكة المستقبلية، مما دفع نحو إجراء تحليلات هندسية للتصاميم الحالية والناشئة بهدف تطبيقها عملياً في المجال العسكري

* بدلات للمسعفين في المعارك. وتعكس التجارب الأخيرة هذا التحول؛ فقد اختبر الجيش بدلة SABER الخارجية للحد من إصابات الظهر، ودرس كيف يمكن للهياكل الخارجية مساعدة المسعفين القتاليين، كما قيّم أنظمة تجارية مخصصة لمناولة ذخيرة المدفعية. وفي الوقت نفسه، اختبرت القوات الجوية هياكل خارجية لعمليات تحميل الشحنات، بينما طور الباحثون الطبيون في الجيش دعامة خفيفة الوزن للساق السفلى لمساعدة الجنود المصابين على الوقوف والمشي وإخلاء أنفسهم ذاتياً. وتتضمن الميزانيات المستقبلية تمويلاً بحثياً متواضعاً لأنظمة قد تساهم في تقليل الإصابات بين أفراد فرق نقل الجرحى (حاملي النقالات). وقد اشترى سلاح الجو الملكي الأسترالي 470 بدلة خارجية من طراز HeroWear Apex 2، المشتقة من نظام SABER، لعمال النقل الجوي الذين ينقلون البضائع ويبنون المنصات.

* تطويرات أوكرانيا والصين. وهناك جيوش أخرى تجري تجارب مماثلة أيضاً، فقد استخدمت القوات الأوكرانية هياكل خارجية سلبية تجارية ومحلية لمساعدة أطقم المدفعية على نقل القذائف وحمل الأحمال الثقيلة مع تقليل الضغط على العمود الفقري. وعرضت الصين جنود جيش التحرير الشعبي الصيني وهم يستخدمون هياكل غير مزودة بمحركات في المناطق الجبلية، لا سيما في مهام الدوريات والإمداد الشاقة في مناطق مثل التبت وشينجيانغ. وتستكشف فرنسا ودول أخرى استخدامات مماثلة تركز على الخدمات اللوجستية.

> تطبيقات ناجحة. وتشترك التطبيقات الناجحة في نمط معين: فهي تركز على منطقة واحدة من الجسم، مثل الظهر أو الركبتين؛ وهي سلبية أو مزودة بمحركات خفيفة؛ وتحل مشكلات لوجستية روتينية. وهي خفيفة بما يكفي ليرتديها الجنود بالفعل. وبدلاً من تحويل جندي واحد إلى عشرة، تعالج هذه التقنية مشكلة عسكرية أكثر إلحاحاً، ألا وهي الوقاية من إصابات الجهاز العضلي الهيكلي، التي تشكل الغالبية العظمى من إصابات الجيش الأميركي، وغالباً ما تنتج عن الإفراط في الاستخدام.

* حماية جسدية. الدرس الأوسع نطاقاً يتعلق بالضجة الإعلامية حول تكنولوجيا الدفاع. فقد فشل مشروع «تالوس» لأنه اعتمد على نظام موحد معقد، حيث كان على كل نظام فرعي فيه أن يعمل بكفاءة في آن واحد. أما الهياكل الخارجية التي تشهد تقدماً اليوم فهي أقل بريقاً بكثير: فهي تساعد جندي المدفعية، أو عامل مناولة البضائع، أو المسعف على حماية ظهره وركبتيه أثناء العمل المتكرر.

لا تزال الدروع الآلية مجرد خيال جذاب، بدءاً من مشاة هاينلاين الآلية وصولاً إلى الرجل الحديدي. لكن الهيكل الخارجي الذي قد يكون الأكثر أهمية في ساحة المعركة هو الهيكل الصغير والبسيط والذي لا يحتاج إلى بطاريات وقابل للنقل. ورغم أن ذلك لن يُحدث ثورة في الحرب، فإنه قد يساعد الجنود العاديين على مواصلة العمل خلال فترات الانتشار الطويلة، وأعمال الإمداد الثقيلة، وإجلاء المصابين.

* مجلة «فاست كومباني»


شكل «الجينوم» يكتب مستقبل الخلايا

شكل «الجينوم» يكتب مستقبل الخلايا
TT

شكل «الجينوم» يكتب مستقبل الخلايا

شكل «الجينوم» يكتب مستقبل الخلايا

كشف علماء بريطانيون عن أدلة جديدة تشير إلى أن الجينوم البشري يبدأ بتنظيم نفسه استعداداً للقرارات التطورية المستقبلية قبل وقت طويل من تنشيط الجينات الرئيسية. وتوضح النتائج أن البنية ثلاثية الأبعاد للحمض النووي (دي إن إيه) تلعب دوراً محورياً في تحديد كيفية اكتساب الخلايا لهويتها خلال المراحل الأولى من تطور الجنين البشري.

وقاد الدراسة التي نُشرت في مجلة «Cell Reports» في 23 يونيو (حزيران) 2026 باحثون من مختبر العلوم الطبية التابع لمجلس البحوث الطبية البريطاني (MRC) وكلية «إمبريال لندن»، بالتعاون مع «معهد بابراهام» المنظمة الشريكة لجامعة كمبردج في المملكة المتحدة. وتسلط النتائج الضوء على الكيفية التي تساعد بها البنية المكانية للجينوم في توجيه التطور الجنيني كما قد توفر أدلة مهمة لفهم أسباب بعض الاضطرابات النمائية.

الجينوم أكثر من مجرد مخطط وراثي

على الرغم من أن جميع خلايا الجسم البشري تحتوي على الحمض النووي (دي إن إيه) (DNA) نفسه، فإن اختلاف أنواع الخلايا يعود إلى تشغيل مجموعات معينة من الجينات في أوقات محددة. وتتحكم في هذه العملية مناطق من الحمض النووي تُعرف باسم المعززات الجينية (Enhancers) التي تعمل مفاتيح جزيئية لتنظيم نشاط الجينات.

وغالباً ما تكون هذه المعززات بعيدة عن الجينات التي تتحكم بها على امتداد شريط الحمض النووي. وللتأثير في تلك الجينات ينطوي الحمض النووي داخل نواة الخلية بطريقة تسمح بحدوث تلامس مباشر بين المعززات والجينات المستهدفة عبر حلقات ثلاثية الأبعاد. ويُعد فهم كيفية تشكل هذه الاتصالات وتوقيتها من الأسئلة الأساسية في علم الأحياء التطوري.

تتبع المراحل الأولى من التطور البشري

لتتبع المراحل الأولى من تطور الجنين البشري، استخدم الباحثون تقنية متطورة مكّنتهم من مراقبة كيفية تواصل أجزاء مختلفة من الحمض النووي داخل الخلايا الجذعية البشرية. وركزت الدراسة على فترة انتقال هذه الخلايا من مرحلة مبكرة جداً إلى مرحلة أكثر استعداداً للتخصص وتكوين أنسجة وأعضاء الجسم.

وخلال هذه المرحلة لاحظ العلماء أن عدداً من العناصر الجينية المسؤولة عن التحكم في نشاط الجينات المرتبطة بالنمو الجنيني لم يكن نشطاً بشكل كامل لكنه لم يكن خاملاً أيضاً، بل كان في حالة استعداد للعمل. والأكثر إثارة أن هذه العناصر بدأت مبكراً في إنشاء روابط مع الجينات التي ستحتاج إليها الخلية في مراحل لاحقة من التطور.

وتشير هذه النتائج إلى أن الخلايا لا تنتظر لحظة الحاجة إلى الجينات المهمة، بل تبدأ في تجهيزها مسبقاً وكأنها تضع خطة عمل مبكرة تضمن سير عملية النمو والتطور بشكل منظم ودقيق.

نظام «التوصيل المسبق» للجينات

كما كشفت الدراسة أن العديد من الاتصالات بين المناطق المنظمة للجينات، والجينات نفسها تتكوّن في وقت مبكر جداً قبل أن يتم تفعيل هذه الجينات بوقت طويل. والأهم أن هذه الروابط المبكرة غالباً ما تبقى ثابتة حتى لحظة تشغيل الجينات لاحقاً.

وقد وصف الباحثون هذه الظاهرة بأنها نوع من «التوصيل المسبق»، حيث يقوم الجينوم بإنشاء مسارات اتصال جاهزة مسبقاً بحيث تصبح الجينات المطلوبة مستعدة للعمل بسرعة وفي التوقيت المناسب عند الحاجة.

وللتأكد من أهمية هذه الروابط استخدم الفريق تقنية «كريسبر» (CRISPR) لتنشيط إحدى هذه المناطق الجينية بشكل تجريبي. وأظهرت النتائج أن هذه المنطقة قامت بتفعيل الجين الذي ترتبط به ثلاثياً داخل الخلية وليس الجين الأقرب لها على شريط الحمض النووي الذي لا يملك هذا الاتصال.

وتشير هذه النتائج إلى أن شكل الجينوم داخل الخلية يلعب دوراً أساسياً في تحديد أي الجينات يتم تشغيلها وليس فقط موقعها أو قربها على تسلسل الحمض النووي.

انعكاسات على النمو والأمراض

ويرى الدكتور ميخائيل سبيفاكوف من معهد العلوم السريرية، كلية الطب إمبريال كوليدج لندن، الباحث الرئيسي في الدراسة، أن النتائج تكشف الدور الأساسي الذي يؤديه الجينوم ثلاثي الأبعاد في توجيه القرارات التطورية للخلايا.

وأوضح أن الجينوم يكون منظماً مسبقاً بطريقة تسمح للمعززات المناسبة بتنشيط الجينات الصحيحة حتى قبل بدء التعبير الجيني الفعلي وهي عملية أساسية في تحديد هوية الخلايا والحفاظ عليها طوال الحياة.

ويعتقد الباحثون أن أي خلل في هذه البنية المبكرة قد يساهم في ظهور اضطرابات النمو والتشوهات الخلقية. لذلك فإن فهم كيفية تشكل هذه الهياكل قد يفتح آفاقاً جديدة لفهم الأسباب الجزيئية للعديد من الأمراض.

نافذة جديدة لفهم تطور الأجنة البشرية

تؤكد الدراسة أيضاً أهمية نماذج الخلايا الجذعية في دراسة المراحل المبكرة من تطور الإنسان. فقبل أن تتخصص الخلايا لتكوين الأنسجة والأعضاء المختلفة تمر بسلسلة من المراحل التحضيرية المهمة، من بينها إعادة تنظيم الجينوم في هياكل ثلاثية الأبعاد معقدة.

ومن خلال توضيح كيفية توجيه هذه البنية لنشاط الجينات المستقبلي توفر النتائج فهماً أعمق للرحلة البيولوجية التي تبدأ من بويضة مخصبة واحدة وتنتهي بتكوين كائن حي متكامل. ومع استمرار الأبحاث في هذا المجال يأمل العلماء أن يسهم فهم مبادئ تنظيم الجينوم ثلاثي الأبعاد في تعزيز المعرفة بالتطور البشري وفتح آفاق جديدة في الطب التجديدي ونمذجة الأمراض وتطوير علاجات مستقبلية مبتكرة.