«القاهرة للكتاب» يراهن على قُراء «جيل زد» بمنصات جديدة

دعاية مكثفة تعتمد على الجذب البصري

جانب من ندوات جيل يكتب العالم بطريقته (الشرق الأوسط)
جانب من ندوات جيل يكتب العالم بطريقته (الشرق الأوسط)
TT

«القاهرة للكتاب» يراهن على قُراء «جيل زد» بمنصات جديدة

جانب من ندوات جيل يكتب العالم بطريقته (الشرق الأوسط)
جانب من ندوات جيل يكتب العالم بطريقته (الشرق الأوسط)

في المسافة التي يقطعها زائر معرض «القاهرة الدولي للكتاب» من بوابات الدخول مروراً بالساحات المفتوحة المخصصة للخدمات والعروض الفنية، قد تستوقفه مُجسمات كبيرة لشخصيات «رجل المستحيل»، وأخرى لبطل سلسلة «ما وراء الطبيعة»، الدكتور رفعت إسماعيل، مرفقة بعبارته الشهيرة: «لو عقلك لاعبك خده على قد عقله».

هذه المجسمات، المستلهمة من عالم الكاتب الراحل أحمد خالد توفيق، لا تبدو مجرد عناصر بصرية أو تذكارية، بل تتحول إلى نقطة التقاء بين أجيال مختلفة من القراء؛ جيل تربّى على سلاسل «ما وراء الطبيعة» و«رجل المستحيل»، وجيل أحدث يكتشف هذه الشخصيات اليوم عبر الكتب والمسلسلات ومنصات التواصل، في مشهد يعكس أحد أبرز محاور المعرض هذا العام، وهو تواصل الأجيال عبر القراءة.

وفي هذا السياق، أطلق معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الـ57، محوراً جديداً بعنوان «جيل يكتب العالم بطريقته»، يستضيفه الصالون الثقافي يومياً، ويجمع هذا المحور أصواتاً جديدة من العالم العربي في نقاشات حول جيل القراء الجدد واحتياجاتهم ورؤيتهم لعالم القراءة.

جانب من ندوات جيل يكتب العالم بطريقته في المعرض (الشرق الأوسط)

توضح الكاتبة والروائية المصرية نورا ناجي، المسؤولة عن تنظيم هذا المحور، أنه «يأتي ضمن رؤية جديدة للمعرض يتبناها الدكتور أحمد مجاهد، المدير التنفيذي لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، للاحتفاء بالكتابة الجديدة والوجوه الجديدة»، وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «هذا الاحتفاء يتم من خلال 12 ندوة نتناول فيها موضوعات مثل كتابة جيل (زد)، والترجمة، ودخول الذكاء الاصطناعي إلى مجال الكتابة، والكتابة الذاتية وغير الروائية وأشكالها الجديدة، إلى جانب شعر الفصحى والعامية»، وتبيّن أن «ما يميّز هذه التجربة هو تنوع الضيوف بين كتّاب ودور نشر من دول مختلفة، مع محاولة حقيقية للاقتراب من الجيل الجديد في القراءة، وهي تجربة تُقام لأول مرة بهذا الشكل داخل المعرض».

من جهتها، تشير فيرينا سامح، (صانعة محتوى) عبر قناتها على «إنستغرام»، «Read with V»، إلى أن اهتمام الهيئة العامة للكتاب بصنّاع المحتوى خلال العام الحالي، يعكس توجهاً واضحاً للوصول إلى قراء من جيل «زد»، قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «هناك اهتمام ملحوظ بـ(السوشيال ميديا) وبما يقدمه صنّاع المحتوى، ومحاولة لدمجنا في فعاليات المعرض من خلال دعوتنا لحضور الافتتاح، وتيسير عملية التصوير داخل أروقته، فمخاطبة جيل (زد) تحتاج إلى أدوات مختلفة ولغة قريبة منه، وهو ما يحاول المعرض أخذه في الحسبان هذا العام».

ولعل هذا التماهي مع ثقافة الصورة والرؤى البصرية الجذابة، وجد صداه أيضاً في وسائل الترويج داخل أجنحة النشر، التي لجأت هذا العام إلى أدوات مبتكرة لجذب الزوار، من بينها «صندوق الدنيا» الخشبي الذي يستوقف المارة أمام جناح «تنمية» للنشر بنقوشه الشعبية وأجوائه التراثية، حيث يجذب الزائر بموسيقى وحكي شعبي صادرين من الصندوق، قبل أن يضع رأسه في الفتحة المخصصة لمشاهدة حكايات تُعرض عبر لوح إلكتروني داخله يستعرض عناوين الإصدارات التي تقدمها الدار هذا العام.

يقول سيف الدين عصام، مدير «السوشيال ميديا» بجناح مكتبة «تنمية»، لـ«الشرق الأوسط»، إن فكرة «صندوق الدنيا» جاءت استلهاماً من عروض تراثية شاهدها في أحد مهرجانات الأطفال، موضحاً: «كان صندوق الدنيا قديماً وسيلة تسلية شعبية للفقراء، ففكرنا في تحويله إلى وسيلة معاصرة لعرض حكايات الدار من داخله، حيث يحتوي على جهاز لوحي يستعرض عناوين كتبنا، مصحوبة بأداء صوتي وموسيقى، بحيث ينظر المتفرج من داخله ويتعرّف على عناويننا بطريقة غير تقليدية، وبشكل يشجّع الزوار على التصوير بجواره».

وجود كثيف لصناع المحتوى داخل أروقة المعرض (الشرق الأوسط)

وعدّ الناشر المصري، خالد لطفي، مؤسس ومدير المكتبة، هذه التجربة «تأتي ضمن محاولة لمواكبة تحولات السوق وتنوّع الأجيال»، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «نحرص على الاطلاع على احتياجات السوق وتقديم محتوى يخاطب مختلف الفئات العمرية بالجودة نفسها، فلم يعد الناشر يخاطب فئة واحدة فقط؛ بل بات مطلوباً أن يتوجّه إلى أجيال متعددة بالشكل الذي يناسبها، وأن يكون حاضراً بأدوات واعية بالتقنيات العصرية، وطموحات الجمهور الجديد».

وأعلنت الهيئة المصرية العامة للكتاب، أن معرض القاهرة الدولي للكتاب يواصل في دورته الـ57، إقبالاً كثيفاً في أيامه الأولى، في مؤشر يعكس تنامي الإقبال على فعالياته وبرامجه الثقافية.

وتُقام الدورة الـ57 من معرض القاهرة الدولي للكتاب خلال الفترة من 21 يناير (كانون الثاني) حتى 3 فبراير (شباط)، بمركز مصر للمعارض والمؤتمرات الدولية بالتجمع الخامس (شرق القاهرة).


مقالات ذات صلة

قصص مثيرة من عالم «تجارة المخدرات» تلفت الاهتمام بـ«القاهرة للكتاب»

يوميات الشرق اللواء وليد السيسي في معرض القاهرة الدولي للكتاب (الشرق الأوسط)

قصص مثيرة من عالم «تجارة المخدرات» تلفت الاهتمام بـ«القاهرة للكتاب»

في مشهد لافت تكرر أكثر من مرة ضمن فعاليات الدورة الـ57 من معرض القاهرة الدولي للكتاب يصطف القراء في طابور طويل ليحصلوا على نسخة موقعة من المؤلف

رشا أحمد (القاهرة)
يوميات الشرق الأسعار الزهيدة اجتذبت رواد معرض الكتاب (هيئة قصور الثقافة المصرية)

روائع الأدب العالمي تجتذب روَّاد «القاهرة للكتاب»

اجتذبت إصدارات روائع الأدب العالمي ذات الأسعار الزهيدة رواد معروض القاهرة الدولي للكتاب.

رشا أحمد (القاهرة)
يوميات الشرق أنشطة المعرض الفنية تجتذب الجمهور (الشرق الأوسط)

«القاهرة الدولي للكتاب»... تظاهرة ثقافية ترسّخ حضورها كـ«فسحة أسرية»

جاء إعلان وزارة الثقافة المصرية عن وصول عدد زوار معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الـ57 إلى ما يقارب ربع مليون زائر في يومه الأول ليعكس أهميته.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق مدن مصر بتأثيرات الأشعة تحت الحمراء للفنان فادي قدسي (الشرق الأوسط)

«الطيف المخفي»... مدن مصرية تُعاد رؤيتها بعدسة غير مألوفة

تتحوَّل الأسطح العاكسة للمباني إلى أشكال غامضة في مقابل الأشجار المتوهّجة.

نادية عبد الحليم (القاهرة )
يوميات الشرق جانب من أعمال النحت الحيّ في الملتقى (تصوير: تركي العقيلي) play-circle 04:02

«طويق للنحت 2026» يُحوِّل أهم شوارع الرياض إلى ساحة فنية

تأتي هذه النسخة تحت شعار «ملامح ما سيكون»، وهو مُستلهم من موقع الملتقى نفسه، الذي يحمل ذاكرة «التحلية»...

فاطمة القحطاني (الرياض)

جدل منع السيدات من الإقامة بفنادق مصرية يتصاعد مجدداً

وزارة الداخلية المصرية (فيسبوك)
وزارة الداخلية المصرية (فيسبوك)
TT

جدل منع السيدات من الإقامة بفنادق مصرية يتصاعد مجدداً

وزارة الداخلية المصرية (فيسبوك)
وزارة الداخلية المصرية (فيسبوك)

تجدد الجدل في مصر حول منع السيدات تحت الأربعين عاماً من الإقامة بمفردهن في بعض الفنادق، عقب واقعة تعرضت لها إحدى الصحافيات التي طلبت حجز غرفة في فندق بمدينة بورسعيد وفوجئت برفض الحجز لها، فحررت محضراً بالواقعة.

وتوالت التعليقات على «السوشيال ميديا» التي نشرت قصة الصحافية آلاء سعد التي حاولت حجز غرفة بفندق في بورسعيد (شمال مصر) وتم رفض طلبها لكونها فتاة وبمفردها، ما اعتبرته العديد من التعليقات «تمييزاً ضدها وضد المرأة عموماً». وحررت الصحافية محضراً بالواقعة، وفق ما ذكرته لوسائل إعلام محلية.

وقالت رئيسة مؤسسة المحاميات المصريات لحقوق المرأة، هبة عادل، إن «ما يثار من وقائع متكررة بشأن منع النساء من الإقامة في بعض الفنادق المصرية، يمثل ممارسة تمييزية مرفوضة قانونياً ودستورياً، ويعكس خللاً في الالتزام بمعايير المساواة وعدم التمييز التي أقرها الدستور المصري والمواثيق الدولية».

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا النوع من الاشتراطات لا يقوم على سند تشريعي صحيح، ويصطدم مباشرةً بمبادئ دستورية مستقرة، في مقدمتها حرية التنقل والإقامة وعدم التمييز، باعتبار المرأة مواطنة كاملة الأهلية، لا يجوز التعامل معها باعتبارها قاصراً أو ناقصة الأهلية أو خاضعة لوصاية اجتماعية تحت أي مسمى. كما يتعارض ذلك مع التزامات مصر الدولية، وعلى رأسها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (CEDAW)، وما تفرضه من واجبات واضحة بمناهضة أي ممارسة تمييزية تمس النساء والفتيات في المجال العام أو الخاص».

وتنص المادة 53 من الدستور المصري على أن «المواطنين لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والحريات والواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الدين، أو العقيدة، أو الجنس، أو الأصل، أو العِرق، أو اللون، أو اللغة، أو الإعاقة، أو المستوى الاجتماعي، أو الانتماء السياسي أو الجغرافي، أو لأي سبب آخر. وإن التمييز والحض على الكراهية جريمة، يعاقب عليها القانون».

وكانت الحقوقية نهاد أبو القمصان، رئيسة المركز المصري لحقوق المرأة، ذكرت في تصريحات متلفزة، أن منع المرأة تحت سن الأربعين من الإقامة بمفردها في بعض الفنادق يرجع لوقوع انتهاكات في حق المرأة لم يتم اتخاذ إجراءات بشأنها على أرض الواقع، داعية من تتعرض لهذا الموقف إلى تقديم شكوى رسمية لوزارة السياحة.

في السياق، أكد عضو بغرفة السياحة في تصريحات متلفزة، أن قانون تنظيم السياحة بمصر لا يعرف التمييز، وأن منع فتيات أو سيدات من الإقامة في بعض الفنادق يعود أحياناً لقرارات من المحليات.

وعدّت رئيسة مؤسسة المحاميات المصريات لحقوق المرأة أن «استمرار هذه السياسات يلحق ضرراً بالغاً بالمجتمع المصري كله، وربما تنعكس آثاره الوخيمة على السياحة والاستثمار، خصوصاً أن قطاع السياحة يعتمد في جوهره على حرية الحركة وسهولة الإقامة وتكافؤ الفرص دون تمييز».

وكانت وقائع أخرى مشابهة حدثت في وقت سابق دفعت نائبة بالبرلمان (مجلس الشيوخ) لتقديم طلب إحاطة عام 2021، أوردت فيه شكاوى فردية وصلت إليها من سيدات تعرضن للمنع من الإقامة بمفردهن في فنادق في ظروف مختلفة.

في حين ترى أستاذة علم الاجتماع، هدى زكريا، أن «منع الفتيات من الإقامة في الفنادق هو تمييز اجتماعي وإنساني ضد المرأة»، وأرجعت سبب ذلك إلى أن «الفنادق ربما تكون معرضة للدخول في مشكلات إذا ذهبت فتاة لتأجير غرفة فيها؛ لأننا معتادون اجتماعياً أن الأسر المصرية، وفي الشرق عادة، تقيم فيها الفتاة مع العائلة».

وتابعت أن «هناك مجموعة أسئلة يجب طرحها على الفنادق التي تقوم بهذا الأمر وتمنع الفتيات من الإقامة فيها: هل عرفت ظروف هذه الفتاة؟ وهل هي قادمة في عمل أو لأسباب مرضية؟ وربما تتخذ هذه الفنادق تلك الإجراءات والقرارات بناء على تعليمات من أجهزة معينة»، وأشارت إلى أن هذا «المنع عادة ما يأتي من باب الابتعاد عن المشاكل، وربما يكون السبب مشاكل عانتها تلك الفنادق من قبل، لكن في النهاية يظل الأمر تمييزاً مرفوضاً».


شقيقة سعاد حسني تدعو لتناول سيرتها درامياً من خلال أسرتها

سعاد حسني قدمت العديد من الأعمال السينمائية خلال مشوارها (فيسبوك)
سعاد حسني قدمت العديد من الأعمال السينمائية خلال مشوارها (فيسبوك)
TT

شقيقة سعاد حسني تدعو لتناول سيرتها درامياً من خلال أسرتها

سعاد حسني قدمت العديد من الأعمال السينمائية خلال مشوارها (فيسبوك)
سعاد حسني قدمت العديد من الأعمال السينمائية خلال مشوارها (فيسبوك)

رغم مرور ما يقرب من 25 عاماً على رحيلها، ما زالت الفنانة المصرية سعاد حسني الملقبة بـ«السندريلا»، تشغل حيزاً كبيراً من اهتمامات جمهورها الذي ارتبط بأعمالها التي تنوعت بين التمثيل والغناء والرقص والاستعراضات، في السينما والدراما، بجانب تصدر اسمها «الترند» بمواقع التواصل الاجتماعي في مناسبات مختلفة.

وبالتزامن مع ذكرى ميلادها الـ83 (26-1-1943)، أكدت أسرة «السندريلا» موافقتها على تقديم سيرتها درامياً، لكن الأسرة دعت لتناول سيرة سعاد حسني من خلالهم، بهدف الحصول على معلومات كاملة وموثقة عنها. وأوضحت جنجاه عبد المنعم، أخت سعاد حسني، خلال حديثها لـ«الشرق الأوسط»، أن «الأسرة ليس لديها أي مانع من تقديم سيرتها الذاتية وتسجيل الحقيقة كاملة دون زيادة أو نقصان من خلال معلومات واقعية وليست ملفقة، كما يحدث في الكثير من السير الذاتية للفنانين والعلماء وغيرهم»، حسب تعبيرها.

وعن مصير الأعمال الفنية التي أُعلن عنها أخيراً والتي تتناول سيرة سعاد حسني، من بينها عمل للكاتب أيمن بهجت قمر، أوضحت جنجاه أنه «لا يوجد أي عمل تم تنفيذه عن حياة سعاد حسني ومشوارها الفني من خلال أسرتها حتى الآن، ولا يوجد عمل فني كشف حقيقة مشوارها وحياتها الشخصية وعلاقتها بأسرتها فنياً بشكل عام».

وأشارت شقيقة سعاد حسني إلى أن مذكرات «السندريلا» وثقت خلالها الكثير من الأحداث والتفاصيل التي تخص حياتها الشخصية والمهنية قبيل رحيلها، «إلا أن هذه المذكرات تمت سرقتها، بهدف طمس الحقائق وتضليل الناس»، على حد تعبيرها.

سعاد حسني تم تناول قصتها في عمل درامي عام 2006 (يوتيوب)

وعن الفنانة التي بإمكانها تجسيد سيرة سعاد حسني فنياً، قالت جنجاه إن «القبول لدى الجمهور هو عامل أساسي في الاختيار الذي سيتم بجدية عندما يتم البدء بعمل بالفعل على أرض الواقع».

وظهرت قصة «السندريلا» في عمل درامي عام 2006 من بطولة منى زكي وغادة رجب ويوسف الشريف ومدحت صالح، عن قصة وسيناريو وحوار ممدوح الليثي، وشارك في السيناريو والحوار عاطف بشاي، وهو من إخراج سمير سيف. وتناول العمل مسيرة سعاد حسني الفنية من المحلية إلى العالمية ومحطاتها الفنية المختلفة حتى رحيلها في ظروف غامضة عام 2001.

وقدمت سعاد حسني بطولات سينمائية عدة على مدار مشوارها الفني الذي بدأته مبكراً، من بينها «صغيرة على الحب»، و«الزوجة الثانية»، و«القاهرة 30»، و«خلّي بالك من زوزو»، و«أين عقلي»، و«موعد على العشاء»، و«حب في الزنزانة»، و«شفيقة ومتولي»، بجانب بطولتها لمسلسل «هو وهي»، مع الراحل أحمد زكي، في حين شهد فيلم «الراعي والنساء» آخر ظهور فني لها مطلع تسعينات القرن الماضي.


«البيت بيتك»... العائلة أولاً والوطن أبقى من الرحيل

فريق العمل يقدم تحية الختام للحضور في مسرح «مونو» (الشرق الأوسط)
فريق العمل يقدم تحية الختام للحضور في مسرح «مونو» (الشرق الأوسط)
TT

«البيت بيتك»... العائلة أولاً والوطن أبقى من الرحيل

فريق العمل يقدم تحية الختام للحضور في مسرح «مونو» (الشرق الأوسط)
فريق العمل يقدم تحية الختام للحضور في مسرح «مونو» (الشرق الأوسط)

في قالب حديث يحلّق في فلك الحنين إلى القرية والأرض تحت وطأة الهجرة، تنسج مسرحية «البيت بيتك» حكايتها. فتطرح على المشاهد أسئلة وأجوبة متزامنة تمسّ كيانه وتقترب من تفاصيل يومه. ويتمحور العنوان العريض للعمل، الذي يخرجه سامر حنّا، حول الغربة وشوق العودة إلى الوطن. فيما يقدّم بطلا العرض ألين لحود (داليا) وطوني أبو جودة (مروان) شخصيتين تجسّدان اللبناني العالق بين قسوة الهجرة والحنين إلى الأرض.

لعبة بصرية جذابة اتّبعها سامر حنا في إخراج العمل (الشرق الأوسط)

عند مدخل المسرح، تتسلّل رائحة منقوشة الزعتر على الصاج، لتشكّل المفتاح الأول الذي يقدّمه صنّاع العمل لاستكشاف موضوع المسرحية. هذه الضيافة اللبنانية ولّدت أجواءً دافئة ومنعشة بين الحضور. ويتكشّف لاحقاً أن هذا الرمز اللبناني، الذي بات له يوم خاص يُحتفى به سنوياً، يشكّل عنصراً أساسياً في مجريات العرض.

تحكي المسرحية قصة داليا (ألين لحود)، التي تهاجر إلى دبي هرباً من علاقة عاطفية فاشلة، ثم تعود إلى لبنان في زيارة قصيرة. لكن حرب أكتوبر (تشرين الأول) تجبرها على البقاء. فتضطر إلى العودة إلى منزلها العائلي في القرية، وتبدأ سلسلة من الأحداث والمواجهات مع شقيقتها جومانا (مايا يمّين) وحبيبها السابق مروان (طوني أبو جودة). ويطلّ في هذا السياق ابن شقيقتها جاد (سامر حنّا)، الذي يفكّر مع والدته في بناء غدٍ أفضل، وربما يكون بيع المنزل العائلي الوسيلة الأنجح لتحقيق ذلك.

غير أن الشاري هو مروان نفسه، العائد من هجرته، وطامح في تحويل البيت إلى مخبز «فرن مناقيش»، ما يزيد من حدّة التوتر بينه وبين الشقيقتين. وبحضور صديقة داليا ومساعدتها ميشا (مايا بشارة)، تكتسب المسرحية نكهة كوميدية لطيفة، تضفيها بشخصيتها خفيفة الظل وأدائها المرح.

ومنذ اللحظة الأولى لظهور ألين لحود على الخشبة، يستحضر المشاهد، وبشكل عفوي، الراحلتين سلوى وثريا القطريب. فأسلوب ألين الكوميدي يذكّر بثريا، المعروفة بتمثيلها القريب من القلب وبخفّة ظلّها. وكان يستعين بها الراحل روميو لحود لإضفاء الفكاهة على أعماله المسرحية. فيما لا يمكن فصل حضور ألين عن ذاكرة سلوى القطريب، صاحبة «القفشات» الشهيرة في مسرحية «بنت الجبل». ويبدو أن ألين تأثّرت بهاتين المدرستين، فاستحضرت نكهتهما في أدائها ضمن «البيت بيتك».

ومع طوني أبو جودة، شكّلت ثنائياً منسجماً ومتناغماً. فقدّما حوارات غنائية منفردة ومشتركة أسهمت في نجاح العرض. فالعمل ينتمي إلى نوع الميوزيكال، الذي افتقده المشاهد اللبناني منذ فترة. ومع «البيت بيتك» يستعيد جمهور المسرح حقبة فنية اشتاق إليها، مما رفع من مستوى العرض وزاد من بريقه.

ينساب العمل في قالب خفيف ورومانسي، تتخلّله قضايا أساسية. فيعالج سامر حنّا موضوع الهجرة، ودور الأم في العائلة، إلى جانب الصدمات العاطفية التي غالباً ما تبقى من دون مواجهة أو علاج. ويجمع كل هذه العناصر في إطار العائلة، رافعاً من قيمتها الإنسانية، ومؤكداً ضرورة الحفاظ عليها كعلاقة دافئة تُعيد الحياة إلى أفرادها.

ألين لحود في مشهد من المسرحية (الشرق الأوسط)

ويبقى الحوار الركيزة الأساسية التي يبني عليها سامر حنّا قصّته، حيث يرى فيه الحلّ الأوحد لتجاوز الخلافات والتخفيف من الوجع، مهما كانت التعقيدات.

منذ الدقائق الأولى، يشعر المشاهد بأن ألين لحود تتحرّك في ملعبها الطبيعي، فتؤدي دور الفتاة التي تعاني من صراع داخلي ثقيل باحتراف وبسلاسة.

أما طوني أبو جودة، فأتحف الحضور بأداء عفوي وصادق، مستثمراً خبرته الطويلة في المسرح الفكاهي لتلوين شخصية تتطلّب الجمع بين الجدية والكوميديا في آن واحد. وفي حواراته الغنائية مع ألين لحود، برهن مرة جديدة على موهبته اللافتة. وجاء القالب الموسيقي الغنائي للعمل، من توقيع المؤلف الموسيقي منير حلبي، ليواكب مجريات المسرحية بطابعها الـ«لايت». فأسهم إلى جانب كلمات الأغنيات التي كتبتها جوانا طوبيا، في خلق أجواء من الاسترخاء والتفاعل الإيجابي بين الحضور.

من جهتها، نجحت مايا يمّين في تقديم نموذج المرأة اللبنانية - الأم، برؤية صادقة ومتزنة. ورغم خوضها تجربة المسرح الغنائي للمرة الأولى، بدت متمكّنة من المزج بين النغمة والرسالة. فقدّمت أداءً واعياً يحقّق الهدف الدرامي المطلوب.

أما مايا بشارة، فشكّلت «فاكهة» المسرحية بامتياز، إذ جسّدت شخصية تتطلّب السير على خيط رفيع من دون مبالغة. فأضحكت الحضور وداوت قصة حبّ متأرجحة بين قرارات متناقضة، بحضورها القريب إلى القلب.

لوحات موسيقية راقصة تخللت المسرحية (الشرق الأوسط)

وتشكّل مسرحية «البيت بيتك» نقلة نوعية في مسيرة كاتبها ومخرجها سامر حنّا، الذي قدّم نصاً جذّاباً، بشهادة فريق العمل، من دون إغراقه بالمآسي والمعاناة. واكتفى برسم صورة واقعية للمنزل العائلي وما يحمله من رمزية مرتبطة بالأرض والوطن، وحوّله إلى نقطة انطلاق لسرد مشاعر الحنين والذاكرة. كما خصّ الأم بتحية مباشرة، بوصفها الحلقة التي تجمع أفراد العائلة. كذلك عرّج على الصدمات العاطفية، مؤكداً أنْ لا حلّ لها إلا بالمواجهة.

وحملت نهاية العرض إهداءات مؤثّرة، كان أولها إلى والدة سامر حنّا، في تحية تكريمية واضحة. فيما اغتنمت ألين لحود لحظة وقوفها على الخشبة في افتتاح العمل، في 22 يناير (كانون الثاني) على خشبة «مونو»، لتُهدي العرض إلى روح عمّها الراحل روميو لحود، الذي كان ملهمها الأول.