السفير الفرنسي في الجزائر «شخص غير مرحب به»

مع بدء سيغولين روايال مساعي لإعادة الروابط المفككة منذ صيف 2024

ملصق الوثائقي الفرنسي الذي فجّر الأزمة الجديدة (الشرق الأوسط)
ملصق الوثائقي الفرنسي الذي فجّر الأزمة الجديدة (الشرق الأوسط)
TT

السفير الفرنسي في الجزائر «شخص غير مرحب به»

ملصق الوثائقي الفرنسي الذي فجّر الأزمة الجديدة (الشرق الأوسط)
ملصق الوثائقي الفرنسي الذي فجّر الأزمة الجديدة (الشرق الأوسط)

في وقت أعلنت الجزائر، أن السفير الفرنسي لديها ستيفان روماتيه، «شخص غير مرغوب فيه» على خلفية «قضية وثائقي تلفزيوني مسيء»، بدأت الاثنين، الوزيرة الاشتراكية الفرنسية السابقة سيغولين روايال زيارة إلى الجزائر بصفتها رئيسة جمعية تعمل، منذ تأسيسها في ستينات القرن الماضي، على تلطيف الأجواء بين البلدين عند تعرض علاقاتهما لأزمات.

وبلغت الأزمة الدبلوماسية بين الجزائر وباريس منعطفاً جديداً حاداً مساء الأحد، إثر إعلان «القناة الدولية الجزائرية»، الحكومية، أن السفير الفرنسي، روماتيه، بات شخصاً «غير مرحب به» فوق التراب الجزائري، وذلك رداً على مشاركته في برنامج استقصائي بثته القناة الفرنسية العمومية الثانية مساء الخميس الماضي، عدَّته السلطات الجزائرية «اعتداءً سافراً على مؤسسات الدولة ورموزها، وتجاوزاً صارخاً للأعراف الدبلوماسية المعمول بها».

السفير الفرنسي في الجزائر ستيفان روماتيه (موقع السفارة)

«معاملة بالمثل»

وفي خطوة تعكس تمسك الجزائر بمبدأ المعاملة بالمثل، كشفت القناة عن قرار السلطات بمنع عائلة الصحافي الفرنسي كريستوف غليز، المحكوم عليه بالسجن سبع سنوات في الجزائر بتهمة «الإرهاب»، من زيارته، رداً على حرمان عائلة دبلوماسي جزائري مسجون في فرنسا من زيارته.

وتكرس هذه القرارات، وفق مراقبين، حالة الانسداد الشامل في القنوات الرسمية، التي تضررت بشدة منذ صيف 2024 عقب إعلان «الإليزيه»، دعمه مقترح الحكم الذاتي المغربي في الصحراء الغربية؛ وهو ما أدى حينها إلى سحب الجزائر سفيرها لدى باريس بشكل فوري.

ويأتي هذا الاستنفار الدبلوماسي ليعمّق الهوة التي بدأت تتسع فعلياً منذ أبريل (نيسان) 2025، حين استدعت باريس سفيرها روماتيه للتشاور عقب أزمة طرد متبادل لموظفين قنصليين (12 دبلوماسياً من كل جهة)، إثر اتهام وسجن دبلوماسي جزائري بباريس، بتهمة «خطف واحتجاز» اليوتيوبر المعارض أمير بوخرص، الذي يملك اللجوء السياسي بفرنسا.

اليوتيوبر الجزائري المعارض أمير بوخرص (حسابه على مواقع التواصل)

وعرض برنامج «فرنس 2» تحقيقاً استقصائياً مثيراً للجدل تناول ما يصفه بـ«حرب سرية» بين فرنسا والجزائر، تقوم على صراع سرديات وتبادل اتهامات، وحملات تأثير إعلامي وسياسي متبادلة، في سياق توتر دبلوماسي غير مسبوق منذ استقلال الجزائر. واستند التحقيق إلى شهادات ووثائق تتحدث عن ضغوط ومحاولات تأثير وتجسس مزعومة، في مسعى لتفكيك آليات إدارة الأزمة بين البلدين.

ويسرد الوثائقي مذكرة للأمن الداخلي الفرنسي، تتعلق بحادثة وقعت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، حيث يُزعم أن مستشارة بلدية فرنسية من أصول جزائرية من منطقة باريس، دُعيت إلى القنصلية الجزائرية في كريتاي بضواحي العاصمة الفرنسية، لإجراء لقاء دام ساعتين مع عنصر من الاستخبارات الجزائرية. وقد وبّخها، حسب المذكرة، على تدشينها لوحة شارع تخليداً لذكرى المغني الأمازيغي المغتال سنة 1998 لونيس معطوب، مع الاكتفاء بذكر صفته كـ«قبائلي»، دون الإشارة إلى جنسيته الجزائرية.

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون يلقي خطاباً في وزارة الدفاع 9 أكتوبر الماضي (الرئاسة)

وظهر في الوثائقي أمير بوخرص، حيث هاجم الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، وزعم أنه أعطى «الضوء الأخضر» لتنفيذ عملية خطفه واحتجازه سنة 2024 في ضواحي باريس. وبحسب تحقيقات الأمن الفرنسي، كانت العملية تهدف إلى تصفية المعارض، لكنها فشلت في النهاية، وأسفرت عن توجيه التهمة إلى ثمانية جزائريين، من بينهم دبلوماسيان، أُودِع أحدهما السجن.

كما ظهر السفير روماتيه في العمل التلفزيوني، معلقاً على التوترات بين البلدين، ومؤكداً أن البلدين «يملكان القدرة على تجاوز المشكلات الحالية».

وترى السلطات الجزائرية أن مشاركة السفير في هذا العمل «خطيئة كبرى»، وبمثابة تأييد من الحكومة الفرنسية، وهذا ما حمله مضمون بيان أصدرته وزارة الخارجية، الخميس، تعلن فيه استدعاء القائم بالأعمال بالسفارة الفرنسية.

ووصف البيان الجزائري، الوثائقي الفرنسي بأنه «مليء بالأكاذيب والافتراءات والإساءات بحق الدولة الجزائرية ومؤسساتها». مشدداً على «خطورة تورط قناة خدمة عمومية فرنسية في هذا العمل»، عادّا ذلك «مؤشراً على تواطؤ أو موافقة رسمية».

كما انتقد البيان «مشاركة السفارة والسفير شخصياً في الوثائقي»، ما عدَّته الجزائر «حملة عدائية غير مسبوقة، تمثل تصعيداً في الممارسات المعادية للجزائر»، مشيراً أيضاً إلى «رفض الجزائر القاطع لأي تصرفات تتنافى مع الأعراف الدبلوماسية، مع احتفاظها «بحق اتخاذ الإجراءات المناسبة».

محاولة إنقاذ...

وسط هذا الجو المشحون بالتصعيد، بدأت رئيسة «جمعية فرنسا - الجزائر» سيغولين روايال زيارة إلى الجزائر، الاثنين، حسبما أعلنت عنه قبل يومين بحسابها بالإعلام الاجتماعي.

رئيسة «جمعية فرنسا - الجزائر» سيغولين روايال (حسابها على مواقع التواصل)

وأكدت مصادر صحافية، أن زيارة وزيرة البيئة سابقاً، ومرشحة الانتخابات الرئاسية الفرنسية لعام 2007، إلى الجزائر، جاءت استجابة لدعوتين مشتركتين من «الغرفة الجزائرية للتجارة والصناعة» و«غرفة التجارة والصناعة الجزائرية - الفرنسية»، حيث سيتم استخدام ملفات الاستثمار والتجارة والشراكة الاقتصادية القوية بين البلدين، غطاءً لإعادة وصل الروابط المتفككة منذ عام ونصف العام.

وعندما انتخبت نهاية 2025 على رأس الجمعية، التي أُسست عام 1963 بهدف «تعزيز الحوار والصداقة بين الشعبين الفرنسي والجزائري»، صرَحت روايال، بأن الأزمة بين البلدين «عميقة، ومن اختاروني لهذه المهمة على دراية بحريتي في التعبير، وبصلابة قناعاتي».

وتتبنى السياسية الفرنسية السبعينية، خطاباً جريئاً يدعو صراحة إلى «الاعتراف بجرائم الاستعمار والاعتذار عنها»، شرطاً أساسياً لتطبيع العلاقات. ومن المرتقب أن تشمل محادثاتها قضايا حساسة، مثل معالجة آثار التجارب النووية الفرنسية في الصحراء الجزائرية (1961 - 1967)، واسترجاع مدفع «بابا مرزوق»؛ وهو سلاح برونزي جزائري ضخم يعود إلى عام 1542، نقل إلى مدينة بريست بفرنسا عام 1830 عقب الاحتلال.


مقالات ذات صلة

الجزائر: صياغة جديدة لـ«قانون الاستعمار» لفتح خطوط عودة العلاقات مع فرنسا

شمال افريقيا النواب الجزائريون يصوتون على مشروع قانون «تجريم الاستعمار» يوم 24 ديسمبر 2025 (البرلمان)

الجزائر: صياغة جديدة لـ«قانون الاستعمار» لفتح خطوط عودة العلاقات مع فرنسا

تعتزم الجزائر إجراء مراجعة لمشروع قانون «تجريم الاستعمار» المعروض على «مجلس الأمة» في مناورة سياسية تهدف إلى تغليب لغة التهدئة مع فرنسا

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا مسافرون جزائريون في «مطار شارل ديغول» (متداولة)

هل تنهي «إجراءات 11 يناير» أزمة الهجرة والمعارضة في الجزائر؟

تعالت الدعوات الموجهة إلى الحكومة من أجل رفع التضييق عن النشطاء في الداخل، وفتح الفضاء الإعلامي أمام الآراء المخالفة.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الوزيرة الفرنسية السابقة ورئيسة «جمعية فرنسا - الجزائر» الحالية سيغولين روايال (حسابها الخاص بالإعلام الاجتماعي)

رئيسة «جمعية فرنسا – الجزائر» تعرض خطة لإنهاء توترات التاريخ بين البلدين

عرضت رئيسة «جمعية فرنسا - الجزائر»، سيغولين روايال، خطة من 3 نقاط لإنهاء التوترات الحادة التي تمر بها العلاقات بين البلدين منذ صيف 2024.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان والوزير محمد حسن (الخارجية السعودية)

وزيرا خارجية السعودية وماليزيا يبحثان المستجدات

بحث الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي مع نظيره الماليزي محمد حسن، الثلاثاء، المستجدات والموضوعات ذات الاهتمام المشترك.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا إدانة صحافي فرنسي وتوقيف ناشط جزائري أعادا إشعال الخلافات بين الجزائر وفرنسا (الرئاسة الجزائرية)

انتكاسة جديدة تعصف ببوادر انفراج العلاقات بين الجزائر وفرنسا

تشهد العلاقات بين الجزائر وفرنسا انتكاسة جديدة، بعد أسابيع من بوادر انفراجة، وذلك بعد اعتقال ناشط ورجل أعمال جزائري في باريس.


«ميزان مصر المائي» يُظهر فجوة تتجاوز 23 مليار متر مكعب

اجتماع وزاري لبحث الميزان المائي في مصر (وزارة الري المصرية)
اجتماع وزاري لبحث الميزان المائي في مصر (وزارة الري المصرية)
TT

«ميزان مصر المائي» يُظهر فجوة تتجاوز 23 مليار متر مكعب

اجتماع وزاري لبحث الميزان المائي في مصر (وزارة الري المصرية)
اجتماع وزاري لبحث الميزان المائي في مصر (وزارة الري المصرية)

أظهر تحديث لـ«ميزان مصر المائي» وجود فجوة بين الموارد والاحتياجات تتجاوز 23 مليار متر مكعب سنوياً، حسب وزارة الري والموارد المائية، التي أعلنت مراجعة إدارة توزيع الموارد المائية المتاحة لتوفير الاحتياجات اللازمة، في ظل «شح مائي» وتخوفات من تأثيرات «سد النهضة» الإثيوبي على تدفقات نهر النيل.

وبحث وزير الموارد المائية والري المصري هاني سويلم، الاثنين، إجراءات تحديث «الميزان المائي» للعام الجديد بالبلاد مع مسؤولين بقطاعات عدة بوزارته، فضلاً عن وزارات أخرى معنية بمنظومة المياه، منها الإسكان والزراعة واستصلاح الأراضي.

وأكد سويلم، في إفادة رسمية، أن «تحديث الميزان المائي في مصر يتم بشكل سنوي بهدف تعزيز عملية إدارة المياه بكفاءة، وتمكين متخذي القرار من إدارة المياه وإطلاق التصرفات المائية بنهر النيل والترع الرئيسية بشكل دقيق يستوفي الاحتياجات المائية اللازمة للقطاعات المختلفة المستهلكة للمياه».

مسؤولون بوزارة الري المصرية خلال إحدى مراجعات تدفقات مياه النيل (الري المصرية)

وأظهر استعراض تحديث «الميزان المائي» خلال الاجتماع وجود فجوة بين الموارد والاستهلاك تزيد على 23 مليار متر مكعب سنوياً، وفق بيان وزارة الري؛ حيث بلغ الطلب على المياه 88.550 مليار متر مكعب سنوياً، تتوزع على قطاعات متنوعة هي: الزراعة بواقع 68.10 مليار متر مكعب، ومياه الشرب 12.45 مليار، وقطاع الصناعة 5.50 مليار، واحتياجات أخرى قدرها 2.50 مليار متر مكعب سنوياً.

وفي المقابل، تُقدَّر مصادر المياه السنوية في مصر، وفق وزارة الري بـ65.350 مليار متر مكعب في السنة، تتشكل من حصة مصر من مياه النيل كمصدر رئيسي وتقدر بـ55.50 مليار متر مكعب، وموارد تحلية مياه البحر وتقدر بـ0.650 مليار، ومياه الأمطار 1.30 مليار، ومياه جوفية عميقة غير متجددة تقدَّر بـ7.90 مليار متر مكعب سنوياً.

وتقوم مصر بإعادة استخدام 23.20 مليار متر مكعب سنوياً من المياه لسد الفجوة بين الطلب على المياه ومصادر المياه المتجددة، وفق الوزارة.

تأثير «سد النهضة»

وتتخوف القاهرة من تأثر مواردها المائية بسد النهضة الذي بدأت إثيوبيا بناءه عام 2011، وافتتحته رسمياً في سبتمبر (أيلول) الماضي، وسط مطالبات من دولتي المصب، مصر والسودان، باتفاق قانوني مُلزم ينظم عمليات تشغيل السد بما لا يضر بمصالحهما المائية.

سد النهضة الإثيوبي (أ.ف.ب)

ويرى أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، عباس شراقي، أن مصر نجحت إلى حد كبير في تضييق الفجوة بين الموارد المائية والاحتياجات عبر مشروعات عدة لرفع كفاءة منظومة إدارة المياه.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «تخزين المياه في بحيرة سد النهضة أدى إلى حجب كميات كبيرة من المياه عن مصر تصل إلى المليارات، مما أثر على منظومة المياه بمصر في قطاعات عدة، حيث تراجع نصيب الفرد من مياه الشرب إلى 500 متر مكعب سنوياً، وهو نصف خط الفقر المائي العالمي الذي يقدر نصيب الفرد بـ1000 متر مكعب سنوياً».

وفي رأي شراقي، فاقم سد النهضة مشكلة العجز في الموارد المائية بمصر، فضلاً عن ازدياد احتياجاتها سنوياً بسبب الزيادة السكانية.

مواجهة الشح المائي

وأكد وزير الري المصري في إفادته، أن تحديث الميزان المائي «تم اعتماداً على قدر كبير من البيانات التي تم حصرها من خلال جهات الوزارة المختلفة، وبالتنسيق مع وزارتي الزراعة والإسكان».

وأضاف أن الوزارة «تعمل على تعزيز عملية إدارة وتوزيع المياه وتدقيق العناصر المستخدمة في حساب الاحتياجات المائية، مثل معالجة صور الأقمار الاصطناعية لحساب زمامات المحاصيل الزراعية، والاعتماد على الإدارة الذكية في نمذجة شبكات المياه».

وتواصل مصر منذ سنوات جهود تحديث منظومتها المائية لتعويض الفارق بين الموارد والاحتياجات عبر مشروعات مائية متنوعة، وقدر الوزير سويلم تكلفة هذه المشروعات بمليارات الجنيهات، وأكد خلال تصريحات في أغسطس (آب) الماضي أن بلاده استثمرت نحو 500 مليار جنيه في قطاع المياه لمواجهة الشح المائي عبر تطوير منظومة توزيع المياه، وإعادة تدوير مياه الصرف الزراعي.


الباخرة «سيناء» تُمهد لمضاعفة أعداد السودانيين العائدين من مصر

سودانيون في القاهرة قبل مغادرتهم إلى أسوان ضمن مبادرة العودة الطوعية للسودان (مجلس الوزراء المصري)
سودانيون في القاهرة قبل مغادرتهم إلى أسوان ضمن مبادرة العودة الطوعية للسودان (مجلس الوزراء المصري)
TT

الباخرة «سيناء» تُمهد لمضاعفة أعداد السودانيين العائدين من مصر

سودانيون في القاهرة قبل مغادرتهم إلى أسوان ضمن مبادرة العودة الطوعية للسودان (مجلس الوزراء المصري)
سودانيون في القاهرة قبل مغادرتهم إلى أسوان ضمن مبادرة العودة الطوعية للسودان (مجلس الوزراء المصري)

تابعت السودانية لمياء محمد (32 عاماً) باطمئنان وعود استئناف مشروع «العودة الطوعية المجانية» في غضون شهرين عبر الباخرة «سيناء»، بعدما سيطر عليها القلق لأسابيع من توقف الرحلات دون أن تشملها هي وأسرتها المكونة من 5 أفراد،

وبات شغلها الشاغل اليوم كيف تدبر مصاريف العودة عبر الرحلات المدفوعة، والتي تتجاوز 10 آلاف جنيه مصري (نحو 212 دولاراً).

جاءت لمياء إلى مصر قبل نحو عامين، وأقامت في مدينة «بدر» على مشارف القاهرة، وعملت في محل قريب من مسكنها، لكنها تجد صعوبة في العيش مع ارتفاع الأسعار، فقررت الأسرة العودة مع استقرار الأوضاع الأمنية في منطقتهم بالخرطوم.

وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «قرأت على غروبات السودانيين أن أولوية العودة ستكون لمن سجلوا في المرحلة الثانية ولم تستوعبهم الرحلات. ونحن سجلنا، لهذا ننتظر أن تعود الرحلات عبر الباخرة التي قالوا إنها ستنقل أعداداً كبيرة».

العودة المجانية مكنت كثيرين من محدودي الدخل من العودة لوطنهم (مشروع العودة الطوعية للسودان)

وأكد مسؤولون سودانيون خلال الأسبوعين الماضيين أن الرحلات ستُستأنف قريباً لإعادة آلاف السودانيين الراغبين في ذلك، وأن مشروع «العودة الطوعية» سيشهد نقلة نوعية مع استئناف الملاحة النهرية بين مصر والسودان.

وكانت حركة الملاحة متوقفة بين البلدين منذ عام 2019 بسبب التوترات الأمنية والسياسية بالسودان.

وقال مدير عام «هيئة وادي النيل البحرية»، العقيد محمد آدم محمد أبكر، لـ«الشرق الأوسط» إن دخول الباخرة «سيناء» في عملية العودة الطوعية سيوفر كثيراً من الوقت والجهد على العائدين، لافتاً إلى أن حمولة السفينة 620 راكباً في الرحلة الواحدة بما يعادل حمولة 15 حافلة، كما أن الرحلة النهرية تستغرق نحو 14 ساعة فقط، مقارنة بأكثر من 24 ساعة تستغرقها رحلات الحافلات من أسوان إلى المدن السودانية.

وتمكنت رحلات العودة الطوعية، منذ إطلاقها في يوليو (تموز) الماضي وحتى نهاية العام 2025، من إعادة عشرات الآلاف من السودانيين خلال 45 رحلة. وكانت الرحلات تعتمد على تيسير العائدين في قطارين أسبوعياً من «محطة مصر» برمسيس (وسط القاهرة) إلى أسوان، ثم نقلهم في حافلات إلى داخل السودان.

وأضاف أبكر: «العمل على رصيف وادي ميناء حلفا الرئيسي سيستغرق 4 شهور؛ لذا يجري العمل حالياً على إنشاء رصيف بديل مؤقت، سيستغرق إنشاؤه عدة أسابيع، وبعدها سيُفتتح رسمياً بحضور مسؤولي البلدين، ثم تُستأنف رحلات العودة الطوعية خلال شهرين أو أقل»، لافتاً إلى أن تطوير ميناء حلفا يجري بمنحة مصرية بدأ العمل بها منذ عام 2023.

وأكد المسؤول السوداني أن الباخرة «سيناء»، التي تحمل الجنسيتين المصرية والسودانية، يتوفر عليها جميع الخدمات اللازمة، وأنه بمجرد وصول العائدين إلى حلفا سيجدون مراكز الجوازات وكل الخدمات الحيوية التي يحتاجونها.

حافلات تنقل العائدين من أسوان إلى المدن السودانية ضمن مشروع العودة الطوعية (مشروع العودة الطوعية للسودان - فيسبوك)

ومنذ مطلع 2024 وحتى نهاية 2025، غادر مصر إلى السودان عبر المنافذ البرية أكثر من 428 ألف سوداني، وفق قنصل السودان في أسوان عبد القادر عبد الله.

وقال عبد الله خلال مؤتمر صحافي قبل أسبوعين إن المرحلة الثالثة من رحلات المغادرة ستُستأنف قريباً، وستتضمن من سبق أن سجلوا في المرحلة الثانية ثم تخلفوا عن الرحلات أو من لم يسجل في المبادرة من قبل.

وبشَّرت صفحة «الجالية السودانية في مصر»، الأحد، السودانيين الراغبين في مغادرة مصر بأن «ملف العودة الطوعية يستعد لنقلة غير مسبوقة»، وذلك رداً على رسائل يومية تصلهم استفساراً عن موعد انطلاق الرحلات.

وأوضحت صفحة الجالية التي يتابعها مئات الآلاف أن «التأخير الحالي هو إجراء إداري يتعلق بإجازة الميزانية المالية الجديدة لمنظومة الصناعات الدفاعية، وهي الجهة المتكفلة بتمويل المشروع، وبمجرد اعتماد الميزانية ستنطلق الرحلات، لا سيما أن المخطط الموضوع لهذا العام يهدف لتفويج أعداد تفوق أضعاف ما تم تفويجه في العام الماضي».

وأضافت: «يتم حالياً وضع اللمسات الأخيرة على ميناء وادي حلفا حتى يستطيع استقبال الباخرة (سيناء) لتدخل الخدمة فعلياً خلال شهرين من الآن».

ورصدت «الشرق الأوسط» تساؤلات كثير من السودانيين، سواء عبر صفحة مشروع العودة الطوعية الرسمية على «فيسبوك» أو خلال غروبات التواصل الأخرى، عن وسيلة التسجيل في مشروع العودة الطوعية، وموعد استئنافه.

وأوردت صفحة الجالية السودانية أن مشاركة الباخرة «سيناء» تعني مضاعفة قدرة النقل وسرعة الحركة بشكل كبير لضمان استيعاب الأعداد الكبيرة الراغبة في العودة، «خصوصاً بعد أن أصبحت الخرطوم الآن ومناطق واسعة في السودان في أحسن أحوالها، وتستعيد عافيتها».

وتابعت: «نُطمئن الأسر التي سجلت بياناتها في قوائم العام الماضي ولم يحالفها الحظ بالسفر حسبما أفاد به القنصل العام بأسوان أن أسماءكم سيكون لها الأولوية القصوى والتامة ليكونوا أول المغادرين مع انطلاق الصافرة الأولى».


الجيش السوداني يستعيد بلدة استراتيجية في كردفان

سودانيون أصيبوا جرّاء هجوم بطائرة مسيّرة في منطقة الأُبيّض بشمال كردفان يوم 12 يناير 2026 (رويترز)
سودانيون أصيبوا جرّاء هجوم بطائرة مسيّرة في منطقة الأُبيّض بشمال كردفان يوم 12 يناير 2026 (رويترز)
TT

الجيش السوداني يستعيد بلدة استراتيجية في كردفان

سودانيون أصيبوا جرّاء هجوم بطائرة مسيّرة في منطقة الأُبيّض بشمال كردفان يوم 12 يناير 2026 (رويترز)
سودانيون أصيبوا جرّاء هجوم بطائرة مسيّرة في منطقة الأُبيّض بشمال كردفان يوم 12 يناير 2026 (رويترز)

بثت عناصر من الجيش السوداني، يوم الاثنين، مقاطع فيديو في وسائل التواصل الاجتماعي يعلنون فيها سيطرتهم الكاملة على بلدة هبيلا الاستراتيجية في ولاية جنوب كردفان، بعد أن كانت «قوات الدعم السريع» قد سيطرت عليها مطلع يناير (كانون الثاني) الحالي.

وتعد بلدة هبيلا من المناطق المهمة لفك الحصار عن مدينة الدلنج، ثاني كبرى مدن الولاية. وقال الجيش في بيان إن قواته تمكنت من فتح طريق مدينة الدلنج المحاصرة «بعد تنفيذ عملية عسكرية ناجحة، تكبدت فيها قوات العدو خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد».

ويتبادل الجيش و«قوات الدعم السريع» اتهامات باستهداف مدنيين في مناطق متفرقة من إقليمَي دارفور وكردفان، ما أدى إلى سقوط أعداد كبيرة من القتلى والجرحى وسط السكان. والأسبوع الماضي حذَّر «برنامج الأغذية العالمي» التابع للأمم المتحدة، من نفاد المساعدات الغذائية في السودان في غضون شهرين، بسبب نقص التمويل، وأيضاً بسبب الهجمات على السكان في مناطق واسعة من البلاد.

من جهة ثانية، أفادت مصادر بأن الجيش أجرى عمليات تمشيط واسعة لمناطق في جنوب كردفان، كانت تسيطر عليها «قوات الدعم السريع»، وحليفتها «الحركة الشعبية لتحرير السودان» بقيادة عبد العزيز آدم الحلو. ويأتي هذا التطور العسكري بعد استيلاء «قوات الدعم السريع»، يوم الأحد، على بلدتَي سلك وملكن في ولاية النيل الأزرق جنوب شرقي البلاد على الحدود مع إثيوبيا.

مدن جنوب كردفان

سودانيون يصلون على أرواح ضحايا هجوم بطائرة مسيّرة في ولاية جنوب كردفان يوم 12 يناير 2026 (رويترز)

ومنذ أشهر تفرض «قوات الدعم السريع» مع حلفائها طوقاً محكماً على كل المناطق حول مدن جنوب كردفان، خصوصاً العاصمة كادوقلي ومدينة الدلنج، وتقطع طرق وخطوط الإمداد لقوات الجيش المحاصَرة داخل كادوقلي.

في السياق ذاته، اتهم تحالف «تأسيس» الموالي لـ«قوات الدعم السريع»، الجيش بقتل ما لا يقل عن 23 شخصاً في غارة بطائرة مسيّرة على سوق «جبل عيسى» في شمال دارفور.

وذكر تحالف «تأسيس»، في بيان صحافي، يوم الاثنين، أن مسيّرات تابعة للجيش قصفت السوق الرئيسية في منطقة أبو زعيمة بشمال كردفان، ما أسفر عن مقتل 5 مدنيين وإصابة 30 آخرين، معظمهم من النساء والأطفال.

وأدان التحالف، الذي يتخذ من مدينة نيالا في جنوب دارفور عاصمة للحكومة الموازية في البلاد، صمت المجتمع الدولي على استمرار الجرائم التي قال إن الجيش والقوات المتحالفة معه ترتكبها، وتشمل استهداف المدنيين العزل في إقليمَي دارفور وكردفان.

وتجدد القتال بضراوة في مناطق واسعة من جنوب كردفان خلال الأشهر الماضية.

الأسلحة الكيماوية

وفد تحالف «صمود» مع رئيس المكتب التنفيذي لـ«منظمة حظر الأسلحة الكيماوية» توماس شيب (صفحة التحالف على «فيسبوك»)

بدوره، شدد تحالف «صمود»، المناهض للحرب والذي يتزعمه رئيس الوزراء المدني السابق عبد الله حمدوك، على ضرورة تشكيل لجنة للتحقيق في مزاعم استخدام الجيش للأسلحة الكيماوية في عدة مواقع خلال الحرب الدائرة في البلاد.

والتقى وفد «صمود»، في لاهاي بهولندا، برئيس المكتب التنفيذي لـ«منظمة حظر الأسلحة الكيماوية»، توماس شيب. وبحسب بيان التحالف، فقد أطلعه الوفد الذي يضم بكري الجاك، وخالد عمر يوسف، على وجود تقارير موثقة ومدعومة بأدلة مادية من مناطق مختلفة في السودان، بما في ذلك حالات لبعض الضحايا الذين يخضعون حالياً للعلاج خارج البلاد.

ونقل البيان عن المسؤول الدولي دعم ألمانيا هذا الاتجاه داخل المنظمة على الرغم من التعقيدات الإجرائية التي تتمثل في الحصول على أغلبية داخل المجلس التنفيذي لإرسال فريق ميداني للتحقق وجمع الأدلة.

ودعا رئيس المنظمة الدولية إلى ممارسة المزيد من الضغوط على الجيش السوداني وحلفائه من القوات المساندة لعدم استخدام هذه الأسلحة مستقبلاً، بالإضافة إلى تقديم مستخدميها للمساءلة متى ما توفرت الإرادة السياسية، واكتملت التحقيقات بهذا الخصوص.