القوات السورية والكردية تحتشد على الخطوط الأمامية مع قرب انتهاء الهدنة

دمشق لا تريد «تمديداً مجانياً» لوقف النار... و«قسد» تحث المجتمع الدولي على بذل جهود لمنع التصعيد

قوة تابعة للسلطات السورية في عين عيسى بمحافظة الرقة يوم 24 يناير 2026 (أ.ب)
قوة تابعة للسلطات السورية في عين عيسى بمحافظة الرقة يوم 24 يناير 2026 (أ.ب)
TT

القوات السورية والكردية تحتشد على الخطوط الأمامية مع قرب انتهاء الهدنة

قوة تابعة للسلطات السورية في عين عيسى بمحافظة الرقة يوم 24 يناير 2026 (أ.ب)
قوة تابعة للسلطات السورية في عين عيسى بمحافظة الرقة يوم 24 يناير 2026 (أ.ب)

احتشدت القوات السورية والكردية على جانبي خطوط المواجهة في شمال سوريا، السبت، مع اقتراب موعد نهائي يحل في المساء، وسيحدد ما إذا كان القتال سيستأنف.

ونفى التلفزيون السوري ما تردد حول الموافقة على تمديد الهدنة بين القوات الحكومية و«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، وذلك بعدما أفادت مصادر لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» بأن الحكومة السورية والقوات الكردية وافقتا على تمديد وقف النار لمدة شهر، في وقت تنقل فيه الولايات المتحدة سجناء من تنظيم «داعش» من سوريا إلى العراق.

وقالت «قوات سوريا الديمقراطية» إنها رصدت حشوداً عسكرية وتحركات لوجستية لقوات الحكومة السورية في مناطق الجزيرة وعين العرب (كوباني) ما يؤكد نيتها للتصعيد. وأكدت، في بيان، التزام قواتها باتفاق وقف إطلاق النار، واتهمت القوات السورية «بإفشال التهدئة والدفع باتجاه الحرب بدلاً من الحلول السياسية». وحثت المجتمع الدولي والجهات المعنية على بذل جهود عاجلة لضمان الالتزام باتفاق وقف إطلاق النار ومنع خطوات التصعيد.

وقال مسؤولون سوريون ومصادر في «قوات سوريا الديمقراطية» لوكالة «رويترز» للأنباء، في وقت سابق اليوم، إنه من المرجح أن تمدد مهلة السبت لعدة أيام، وربما تصل إلى أسبوع.

وفي هذا الإطار، قال مصدر في دمشق لـ «الشرق الأوسط» إن «الحكومة السورية مضطرة لتمديد وقف النار، لكنها لا تريد التمديد المجاني». وأوضح الباحث في مركز دراسات «جسور»، وائل علوان، المقرب من الحكومة، أن التمديد يبدو لا بد منه لتسهيل إتمام عملية نقل المعتقلين من عناصر تنظيم «داعش» من شرق سوريا إلى العراق، لافتاً إلى أن اجتماعاً عقد الأسبوع الماضي داخل الإدارة الأميركية انتهى بخلاصة مفادها أن الحكومة السورية ربما لا تكون قادرة حالياً على تولي ملف جميع معتقلي «داعش» الحساس، وبات بالتالي لزاماً نقل نحو سبعة آلاف من المعتقلين إلى مراكز احتجاز جديدة في العراق. ونظراً لارتفاع عدد هؤلاء المفترض نقلهم إلى العراق، يتوقع أن تكون مهلة تمديد وقف النار بنحو 10 أيام وربما تمتد لشهر.

قوة عسكرية سورية على بعد 9 كلم من مدينة الحسكة بشمال شرقي سوريا يوم الجمعة (إ.ب.أ)

وأكد علوان أن الحكومة السورية لا تريد تمديداً مجانياً بعد التحشيد العسكري الكبير لـ «قسد» خلال الأيام الأخيرة واستقدام مقاتلين أجانب، ولذلك تريد دمشق إدخال منظمات حقوقية إلى مناطق سيطرة المسلحين الأكراد ووقف حالة التحشيد العسكري وتسليم السلاح الثقيل. وإذا لم توافق «قسد» على هذه الشروط، فمن المحتمل جداً أن ينهار اتفاق وقف النار وتعود المعارك بين الجانبين، رغم أن الأميركيين يعملون على منع انهيار الاتفاق.

من جهتها، قالت تركيا، وكذلك بعض المسؤولين في سوريا في ​وقت متأخر من يوم الجمعة، إن الموعد النهائي قد يجري تمديده.

ويسري منذ أيام وقف لإطلاق النار في إطار تفاهم أوسع بين الحكومة والأكراد، نصّ على استكمال البحث في مستقبل دمج المؤسسات الكردية في محافظة الحسكة، في إطار المؤسسات الحكومية بعد انسحاب «قوات سوريا الديمقراطية» من مناطق واسعة في شمال البلاد وشرقها على وقع مواجهة بينها وبين القوات الحكومية السورية التي انتشرت في هذه المناطق.

وأفاد مصدر كردي مطلع على المفاوضات بأن مهلة وقف إطلاق النار ستُمدّد «لحين الوصول إلى حلّ سياسي يرضي الطرفين».

بالتزامن مع وقف إطلاق النار، بدأت الولايات المتحدة عملية نقل معتقلين من «داعش» من سوريا إلى العراق، مشيرة إلى أن عددهم «يصل إلى 7 آلاف معتقل».

ووصلت دفعة من 150 عنصراً تضمّ قادة بارزين في التنظيم، بينهم أوروبيون من أحد سجون الحسكة إلى العراق، الأربعاء، وفق ما قال مسؤولان عراقيان، الجمعة. ورجّحت منظمة العفو الدولية أن يكون في عداد السبعة آلاف سوريون وعراقيون وأجانب، ونحو ألف فتى وشاب.

وسيطرت القوات الحكومية على مساحات واسعة من الأراضي في الشمال والشرق خلال الأسبوعين الماضيين من «قوات سوريا الديمقراطية» التي يقودها أكراد.

وكانت القوات السورية تقترب خلال الأيام الماضية من آخر مجموعة من المدن التي يُسيطر عليها الأكراد في الشمال الشرقي، عندما أعلن الرئيس أحمد الشرع بشكل مفاجئ عن وقف إطلاق النار، مانحاً «قوات سوريا الديمقراطية» مهلة حتى مساء السبت لوضع خطة للاندماج مع الجيش السوري.

توتر متصاعد

إلى ذلك، ذكرت مصادر أمنية كردية لـ«رويترز» أنه ‌مع اقتراب الموعد ‌النهائي، عززت «قوات سوريا الديمقراطية» مواقعها الدفاعية في مدن القامشلي والحسكة ‌وعين ⁠العرب (​كوباني) استعداداً ‌لمعارك محتملة.

وقال هاكان فيدان، وزير خارجية تركيا: «قد يجري ضم مسألة تمديد وقف إطلاق النار لفترة أطول قليلاً إلى جدول الأعمال». وأشار فيدان في تعليقات لشبكة «إن تي في» في وقت متأخر من يوم الجمعة إلى أن عمليات النقل هذه ‌ربما تستدعي تمديد المهلة التي تنتهي السبت.

مبنى مدمر في مدينة الرقة التي استعادتها القوات الحكومة السورية من أيدي «قوات سوريا الديمقراطية» (أ.ب)

وتُمثل المواجهة المحتملة في شمال سوريا ذروة التوتر المتصاعد على مدار العام الماضي.

وتعهد الرئيس أحمد الشرع بإخضاع كامل أراضي سوريا لسيطرة الدولة، ومنها المناطق التي تُسيطر عليها «قوات سوريا الديمقراطية» في الشمال الشرقي، لكن السلطات الكردية التي ‌كانت تدير مؤسسات مدنية وعسكرية مستقلة هناك على مدى العقد ‍الماضي قاومت الانضمام إلى الحكومة السورية الجديدة.

وبعد انقضاء الموعد النهائي للاندماج في نهاية العام الماضي دون إحراز تقدم يذكر، شنت ‍القوات السورية هجوماً هذا الشهر.

مباحثات فرنسية - أميركية لتجنب التصعيد

وتمكنت القوات الحكومية السورية من السيطرة سريعاً على محافظتين رئيسيتين تسكنهما أغلبية عربية من قبضة «قوات سوريا الديمقراطية»، فضلاً عن حقول نفط رئيسية وسدود كهرومائية وعدد من المنشآت يُحتجز فيها مقاتلو تنظيم «داعش» ومدنيون موالون له.

رجل وطفل في مدينة الرقة التي انسحبت منها «قوات سوريا الديمقراطية» يوم 24 يناير 2026 (أ.ب)

وبذلت الولايات المتحدة جهوداً ​دبلوماسية مكثفة لإرساء وقف دائم لإطلاق النار وتسهيل دمج «قوات سوريا الديمقراطية»، التي كانت سابقاً الحليف الرئيسي لواشنطن في سوريا، في الدولة التي يقودها الشرع، الحليف الجديد ⁠المفضل لواشنطن.

وذكرت مصادر دبلوماسية لـ«رويترز» أن مسؤولين بارزين من الولايات المتحدة وفرنسا، التي شاركت أيضاً في المحادثات، حثوا الشرع على عدم إرسال القوات الحكومية إلى ما تبقى من المناطق الخاضعة لسيطرة الأكراد.

ويخشى المسؤولون الأميركيون والفرنسيون من أن يؤدي تجدد القتال إلى انتهاكات واسعة بحق المدنيين الأكراد. وفي خضم حالة الاضطراب في شمال شرقي البلاد يضطلع الجيش الأميركي بمهمة نقل المئات من مقاتلي تنظيم «داعش» المحتجزين من السجون السورية عبر الحدود إلى العراق.

وفي سياق متصل، قالت وزارة الخارجية العراقية في بيان، إن الوزير فؤاد حسين أبلغ كايا كالاس مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي في اتصال هاتفي، السبت، بأن بغداد ينبغي ألا تتحمل بمفردها «الأعباء الأمنية والمالية» لنقل سجناء تنظيم «داعش».

وأعلنت الرئاسة السورية، الثلاثاء، عن التوصل إلى تفاهم جديد مع «قوات سوريا الديمقراطية»، تضمّن مهلة 4 أيّام «للتشاور». وحسب نص التفاهم الذي نشرته الرئاسة، لن تدخل «القوات السورية مراكز مدينتي الحسكة والقامشلي» حال المضي في الاتفاق، على أن يُناقش لاحقاً «الجدول الزمني والتفاصيل الخاصة بالدمج السلمي لمحافظة الحسكة، بما في ذلك مدينة القامشلي» ذات الغالبية الكردية.

وذكرت أن قوات الجيش لن تدخل كذلك إلى «القرى الكردية»؛ حيث «لن توجد قوات مسلحة... باستثناء قوات أمن محلية من أبناء المنطقة». ويتيح التفاهم لقائد «قوات سوريا الديمقراطية»، مظلوم عبدي، أن يقترح مرشحين لمنصبي مساعد وزير الدفاع ومحافظ الحسكة، إضافة إلى أسماء للتمثيل في مجلس الشعب، حسب الرئاسة.

وقال المصدر الكردي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «قوات سوريا الديمقراطية» قدّمت «مقترحاً عبر الوسيط الأميركي توم برّاك إلى الحكومة السورية»، في إطار المشاورات حول مستقبل المؤسسات الكردية، يتضمّن طرحاً بأن «تتولى الحكومة إدارة المعابر والحدود، بما يضمن أمن المنطقة ويحافظ عليها».

وقال إن «قوات سوريا الديمقراطية» سمّت مرشحها لمنصب مساعد وزير الدفاع، وسوف تسمّي كذلك «قائمة للبرلمانيين».


مقالات ذات صلة

تركيا: حليف إردوغان يشعل الجدل حول وضع أوجلان

شؤون إقليمية أكراد يرفعون صورة أوجلان خلال مسيرة من أجل السلام في ديار بكر جنوب شرقي تركيا مطالبين بإطلاق سراحه (رويترز)

تركيا: حليف إردوغان يشعل الجدل حول وضع أوجلان

اشتعل النقاش في تركيا مجدداً حول «عملية السلام» وحل المشكلة الكردية في ظل مطالبات بوضع جديد لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين عبد الله أوجلان

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية آلاف الأكراد شاركوا في مسيرة بديار بكر جنوب شرقي تركيا ليل السبت إلى الأحد (رويترز)

تباين في المواقف التركية يعرقل حلّ «المشكلة الكردية»

تمر عملية السلام في تركيا بصعوبات لغياب الجدول الزمني بعد حل حزب «العمال الكردستاني» وتحديد وضع زعيمه عبد الله أوجلان.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أكد أهمية وضع دستور مدني شامل جديد (الرئاسة التركية)

تركيا: إردوغان يدفع الدستور الجديد إلى الواجهة وسط نقاشات حول مستقبله

جدد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان تأكيده على وضع دستور جديد للبلاد من شأنه فتح الطريق أمامه للترشح للرئاسة من جديد.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية أكراد يرفعون صورة لأوجلان مطالبين بإطلاق سراحه خلال احتفالات عيد النوروز في إسطنبول 22 مارس الماضي (أ.ف.ب)

تركيا: حليف لإردوغان يقترح إنشاء مكتب لأوجلان لإدارة «عملية السلام»

تصاعدت الدعوات مجدداً إلى تغيير وضع زعيم حزب «العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان ومنحه الحرية لقيادة «عملية السلام»

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي عناصر من «قسد» التي يقودها الأكراد يصطفون لتسوية أوضاعهم مع الحكومة السورية في الرقة خلال يناير الماضي (رويترز)

دمشق: تسارع وتيرة اعتقال المرتبطين بنظام الأسد يطول محسوبين على «قسد»

أفادت مصادر محلية متقاطعة بتنفيذ قوات الأمن السورية اعتقالات في محافظة الرقة خلال الأيام القليلة الماضية، بينهم ثلاثة مواطنين أكراد محسوبين على قوات «قسد».

سعاد جروس (دمشق)

لبنان يخشى تأثيرات سلبية للعقوبات على مفاوضات واشنطن

دخان يتصاعد من بلدة ميفدون في جنوب لبنان عقب غارة إسرائيلية استهدفت المنطقة (أ.ف.ب)
دخان يتصاعد من بلدة ميفدون في جنوب لبنان عقب غارة إسرائيلية استهدفت المنطقة (أ.ف.ب)
TT

لبنان يخشى تأثيرات سلبية للعقوبات على مفاوضات واشنطن

دخان يتصاعد من بلدة ميفدون في جنوب لبنان عقب غارة إسرائيلية استهدفت المنطقة (أ.ف.ب)
دخان يتصاعد من بلدة ميفدون في جنوب لبنان عقب غارة إسرائيلية استهدفت المنطقة (أ.ف.ب)

يخشى لبنان أن تنعكس العقوبات الأميركية الأخيرة سلباً على مسار المفاوضات الأمنية المرتقبة في واشنطن، لا سيما أنها جاءت قبل أيام من الاجتماع اللبناني - الأميركي - الإسرائيلي المخصص لبحث الوضع الأمني في الجنوب ودور الدولة في ضبط السلاح غير الشرعي.

وأكدت مصادر وزارية أن توقيت العقوبات «يثير علامة استفهام»، مشيرة إلى أنها قد تؤثر على أجواء المفاوضات، خصوصاً بعدما شملت للمرة الأولى ضباطاً عاملين في مؤسسات أمنية رسمية، في خطوة عُدّت رسالة مباشرة إلى مؤسسات «الدولة العميقة» بشأن تنفيذ الالتزامات الأمنية المطلوبة دولياً.

في موازاة ذلك، صعّدت إسرائيل من استخدام المسيّرات في الجنوب ضمن سياسة ضغط ميداني عسكري متواصل تقوم على تكريس التفوق المرتبط بالمرتفعات وقدرات المراقبة والإشراف الناري، بهدف إبقاء المناطق الحدودية تحت الضغط الدائم والرقابة المستمرة.


الجيش الإسرائيلي ينذر بإخلاء مبنيين في منطقة صور بجنوب لبنان

طفلة في الربعة تطعم طيور الحمام في إحدى ساحات صور (إ.ب.أ)
طفلة في الربعة تطعم طيور الحمام في إحدى ساحات صور (إ.ب.أ)
TT

الجيش الإسرائيلي ينذر بإخلاء مبنيين في منطقة صور بجنوب لبنان

طفلة في الربعة تطعم طيور الحمام في إحدى ساحات صور (إ.ب.أ)
طفلة في الربعة تطعم طيور الحمام في إحدى ساحات صور (إ.ب.أ)

أصدر الجيش الإسرائيلي، ليل الجمعة، انذارا بإخلاء مبنيين في منطقة صور بجنوب لبنان تمهيدا لقصفهما قائلاً إن «حزب الله» يستخدمهما.

ونشر المتحدث باسم الجيش على منصة «إكس» خريطة تظهر مبنيين محددين باللون الأحمر، مع «إنذار عاجل» الى سكانهما والمقيمين في جوارهما بأن عليهم «إخلاء هذه المباني فورا والابتعاد عنها لمسافة لا تقل عن 500 متر».

وشاهد مراسل لوكالة الصحافة الفرنسية في صور، إحدى أكبر مدن جنوب لبنان والتي تتعرض لضربات إسرائيلية متكررة، عناصر من الدفاع المدني والشرطة البلدية يدعون الناس عبر مكبرات الصوت الى مغادرة المبنيين وجوارهما. وشهدت الشوارع زحمة سير مع مسارعة سكان الى مغادرة منازلهم إثر الانذار الذي صدر قبيل منتصف الليل بالتوقيت المحلي.

في غضون ذلك، سُجّل تحليق كثيف للطيران الحربي الإسرائيلي في أجواء بيروت والمناطق المحيطة البعيدة عن الجنوب.

 

 

 


أميركا ترفع العقوبات عن المقررة الأممية للأراضي المحتلة

المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية فرانشيسكا ألبانيزي (أ.ف.ب)
المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية فرانشيسكا ألبانيزي (أ.ف.ب)
TT

أميركا ترفع العقوبات عن المقررة الأممية للأراضي المحتلة

المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية فرانشيسكا ألبانيزي (أ.ف.ب)
المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية فرانشيسكا ألبانيزي (أ.ف.ب)

رفعت إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، اسم المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية، فرانشيسكا ألبانيزي، وهي محامية إيطالية، من لوائح العقوبات في الولايات المتحدة، بعدما حققت انتصاراً في محكمة فيدرالية ضد معاقبتها بسبب إدانتها العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة.

ولم ينهِ القرار الذي اتخذه القاضي الفيدرالي في مقاطعة كولومبيا، ريتشارد ليون، بصورة تامة قرار العقوبات ضد ألبانيزي؛ إذ يمكن للقضية أن تتواصل أمام المحكمة، علماً بأن القاضي حكم بأن العقوبات تنتهك حق ألبانيزي في حرية التعبير المكفول لها بموجب التعديل الأول للدستور الأميركي.

وأكد إشعار صادر عن وزارة الخزانة رفع العقوبات، بعدما أمضت ألبانيزي أشهراً معزولة فعلاً عن النظام المالي الأميركي، عقب العقوبات المفروضة عليها في وقت سابق من هذا العام.

وتعتني ألبانيزي برصد حالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة وتقدم تقارير عنها. وهي من أشد المنتقدين لإسرائيل ومعاملتها للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة.

وفي يوليو (تموز) الماضي، فرض وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، عقوبات عليها، قائلاً إنها «تواصلت بشكل مباشر مع المحكمة الجنائية الدولية في جهود للتحقيق مع مواطنين من الولايات المتحدة أو إسرائيل، أو اعتقالهم، أو احتجازهم، أو محاكمتهم، من دون موافقة البلدَين».

ولم توقع الولايات المتحدة وإسرائيل على المعاهدة التي أنشأت المحكمة الجنائية الدولية، ولا تعترفان بسلطانها. واتهم روبيو ألبانيزي بأنها حضت المحكمة الدولية على مقاضاة الشركات الأميركية التي تعمل مع إسرائيل.

كما نددت بها البعثة الإسرائيلية في الأمم المتحدة بجنيف خلال مارس (آذار) الماضي، واصفة إياها بأنها «عاملة فوضى»، بالإضافة إلى كونها «معادية للسامية».

وفي عام 2024، أصدرت المحكمة مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، بتهمة ارتكاب جرائم حرب في غزة.

الأمن القومي

وكتب القاضي ليون، في حكمه، أن تصريحات ألبانيزي لا يبدو أنها تُخضعها قانوناً لعقوبة الحكومة، قائلاً إن «الطريقة الوحيدة» التي تواصلت بها ألبانيزي مع المحكمة الجنائية الدولية هي «تقديم رأيها وتوصيتها غير الملزمة - أي بعبارة أخرى، من خلال الكلام!». وأضاف: «لا يسعى المُدعى عليهم إلى تقييد خطاب ألبانيزي فحسب، بل يريدون تقييده بسبب الفكرة أو الرسالة التي عبرت عنها».

ويشير الأمر القضائي إلى احتمال نجاح القضية الأساسية المرفوعة ضد الحكومة الأميركية.

وتُشكّك هذه القضية في فكرة أن النقد يُشكّل تهديداً للأمن القومي. وجاءت العقوبات المفروضة على ألبانيزي في خضم مسعى أوسع لإدارة ترمب للانتقام من منتقدي السياسة الخارجية الأميركية وإسرائيل، فضلًا عن النشطاء المؤيدين للفلسطينيين. كما فرضت عقوبات على منظمات غير حكومية فلسطينية وعلى قضاة ومدعين عامين في المحكمة الجنائية الدولية.

وبموجب سياسة الأمم المتحدة، مُنعت ألبانيزي من مقاضاة الحكومة باسمها، لذا رفعت عائلتها الدعوى، وبينهم زوجها ماسيميليانو كالي، وهو خبير اقتصادي في البنك الدولي، وابنتها المولودة في الولايات المتحدة. يؤكد وكلاء الدفاع عنهم أن لهم الحق في رفع الدعوى استناداً إلى علاقاتهم الواسعة بالولايات المتحدة، حيث يمتلكون عقارات وعملوا فيها سابقاً.

وقالت ألبانيزي، في بيان، إن «هذا انتصار قانوني مهم، وأنا سعيدة لأنني وعائلتي اتبعنا حدسنا ووثقنا بنظام العدالة الأميركي». وأضافت أن الحكم يؤكد «أن سيادة القانون قادرة على وقف إساءة استخدام السلطة»، ويُظهر «أهمية وجود قضاء مستقل».

وأفاد أحد محامي عائلة ألبانيزي، ميشال باراديس، بأن للقضية تداعيات واسعة النطاق تتجاوز أي فرد أو ظروفه. وأوضح أن إدارات متعددة استخدمت في السنوات الأخيرة أدوات مُخصصة لمكافحة الإرهاب والفساد وغيرهما من التهديدات الحقيقية للأمن القومي بوصفها استثناءات من الحماية الدستورية، وربطت حرية التعبير بالخطر. وقال: «هناك توجه ونزعة نحو اعتبار الأمن القومي بمثابة تفويض مطلق». وأضاف: «يستخدم الأمن القومي بشكل متزايد بوصفه ذريعة لتبرير ملاحقة الحكومة للأفراد بسبب آرائهم».

لكن ألبانيزي أشارت إلى أن شعورها بالارتياح قد لا يدوم طويلًا، لأن الحكومة استأنفت قرار القاضي ليون، وقدمت، الخميس، طلباً لوقف تنفيذ الأمر القضائي الذي أصدره ريثما يُبت في الاستئناف. وهذا يعني أنها يمكن أن تُوضع على قائمة العقوبات لاحقاً. وقالت: «أشعر اليوم بارتياح يتسلل إليّ تدريجياً، حتى وإن كنت لا أتوهم أن المعركة انتهت»، مضيفة: «يمكن أن نتوقع طريقاً طويلًا وشاقاً أمامنا».