لبنان: «حزب الله» يخالف مسار بري بحملة على رئيس الجمهورية

وزير المالية أكد أن «أولويتنا استعادة دور الدولة»

لبنانية متأثرة من الدمار الذي خلفته الغارات الإسرائيلية على بلدة قناريت الجنوبية الأربعاء (إ.ب.أ)
لبنانية متأثرة من الدمار الذي خلفته الغارات الإسرائيلية على بلدة قناريت الجنوبية الأربعاء (إ.ب.أ)
TT

لبنان: «حزب الله» يخالف مسار بري بحملة على رئيس الجمهورية

لبنانية متأثرة من الدمار الذي خلفته الغارات الإسرائيلية على بلدة قناريت الجنوبية الأربعاء (إ.ب.أ)
لبنانية متأثرة من الدمار الذي خلفته الغارات الإسرائيلية على بلدة قناريت الجنوبية الأربعاء (إ.ب.أ)

تخطى «حزب الله» دعوة رئيس البرلمان اللبناني، نبيه بري، لمواجهة «العدوانية الإسرائيلية» بـ«الوحدة الوطنية»، ليفتتح صداماً مع السلطة اللبنانية، وتحديداً الرئيس اللبناني جوزيف عون، على خلفية التصعيد الإسرائيلي العنيف في جنوب لبنان، مما يعزز هواجس أهل الجنوب من «عزلة»، بعد التصادم مع عون الذي يمثل من موقعه رمزية الدولة.

وشن «حزب الله» عبر جمهوره حملة شعواء على الرئيس اللبناني، إثر الضربات الإسرائيلية. وقالت مصادر مواكبة لملفات الحزب، إن حملة من هذا النوع «لا يمكن أن تكون فردية، بالنظر إلى أن الحزب لم يصدر أي مواقف أو بيانات تندد بها»، مشيرة في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «صراع الأجنحة داخل الحزب، لا يبرر هذه الهجمة على عون الذي يُنظر إليه على أنه يقوم بدوره بالكامل ضمن الخيارات المتاحة لوقف الاعتداءات، وحماية البلاد من تداعيات أي تصعيد».

تصعيد على خلفية السلاح

وبدأ التصعيد ضد عون، على خلفية تصريحاته الأخيرة التي أكد فيها حرصه على «عدم الزجّ بلبنان في مغامرات انتحارية، دفعنا ثمنها سابقاً كثيراً»، وأعاد التأكيد على موقفه الحازم لناحية حصرية السلاح بيد الدولة التزاماً بخطاب القسم والبيان الوزاري. كما دعا «للتوقف نهائياً عن أي استدراج أو أي انزلاق في صراعات الآخرين على أرضنا».

وقالت مصادر وزارية مواكبة لمواقف رئيس الجمهورية إن عون لم يفوّت فرصة للدفاع عن لبنان ووقف الاعتداءات، وتبنى في مواقفه، أولويات وقف الاعتداءات الإسرائيلية وإعادة الإعمار وعودة السكان وإعادة الأسرى، واستخدم كل القنوات المتاحة، وكل السبل المتوافرة للضغط وتحقيق هذه الأهداف، مشيرة في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إلى أن موقف الرئيس من حصرية السلاح «هو نفسه لم يتغير من خطاب القسم»، موضحة أن عون «حاول تقديم بدائل وحلول للأزمة عبر اتصالاته الدولية، في ضوء التحولات التي حدثت أخيراً».

فتى أمام مبنى دمرته غارة إسرائيلية على بلدة قناريت جنوب لبنان الأربعاء (إ.ب.أ)

وفي وقت لا ينكر بعض الدائرين في فلك «حزب الله» بأن السلاح لم يحقق الردع في وجه إسرائيل، ولم يعد الخيار الأنجع لتجنب حرب واسعة، يأخذ الحزب على عون وعلى رئيس الحكومة نواف سلام حديثهما عن أن الخيارات المتاحة الآن، هي خيار الدبلوماسية. وتقول مصادر مطلعة على موقفَي عون وسلام، إنه «مَن يمتلك خياراً آخر غير الدبلوماسية بعد الحرب الأخيرة، فليظهرها».

وكان عون قد دعا بعد التصعيد ليل الأربعاء، المجتمع الدولي، ولا سيما الجهات الراعية للاتفاق، «إلى تحمّل مسؤولياتها القانونية والسياسية، واتخاذ إجراءات واضحة وفاعلة لوقف هذه الانتهاكات ووضع حدّ لسياسة الإفلات من المحاسبة، بما يضمن حماية المدنيين وصون الأمن والاستقرار في لبنان والمنطقة».

وتتضارب الحملة على عون، مع المسار السياسي الذي يتبعه رئيس البرلمان نبيه بري، الداعي إلى تعزيز الوحدة الوطنية، في ظل هواجس لدى أبناء الجنوب من أن افتعال الحزب للتصادم مع القوى العاملة على خفض التصعيد، يمكن أن يؤدي إلى تعزيز الشرخ في الداخل بين أبناء المنطقة، والدولة اللبنانية.

وقالت مصادر قريبة من «حركة أمل»، التي يترأسها بري، لـ«الشرق الأوسط» إن «الرهان اليوم هو على حكمة الرئيس بري»، وضرورة «التعامل بعقلانية مع التطورات في ظل التصعيد الإسرائيلي والدعم الأميركي غير المحدود لتل أبيب، والتغيرات التي تجري في المنطقة والعالم».

وتعليقاً على التصعيد الإسرائيلي، أكتفى بري بالقول ليل الأربعاء في بيان: «لم يعد يجدي لبنان واللبنانيين بيانات الشجب والإدانة، ما ينقذ لبنان ويحرر أرضه ويحصنه في مواجهة العدوانية الإسرائيلية الوحدة الوطنية ثم الوحدة الوطنية».

جابر من دافوس

وفي هذا السياق، قال وزير المال، ياسين جابر، إن «أولويتنا هي استعادة دور الدولة في جميع الجوانب، وبشكل خاص في إعادة بناء المؤسسات».

ونفى جابر في تصريح لـ«عرب نيوز»، على هامش اجتماع المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، أي خطط لتحويل منطقة الجنوب المتضررة في لبنان إلى منطقة اقتصادية، قائلاً إن هذا الاقتراح «مات في المهد». وأوضح أن المبعوثة الأميركية إلى لبنان، مورغان أورتاغوس، اقترحت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي تحويل المنطقة، التي تتعرض لغارات جوية يومية من إسرائيل، وقد رُفضت على الفور.

جاءت تصريحات جابر لـ«عرب نيوز» على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، رداً على تقارير ظهرت في الإعلام اللبناني في ديسمبر الماضي، أشار إلى أن أجزاء من جنوب لبنان ستتحول إلى منطقة اقتصادية، يديرها خطة قدمها جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي ترمب. وكذلك نفى جابر علامات ظهرت في دافوس خلال اليومين الماضيين عن اجتماع ثنائي بين وزراء لبنانيين والمبعوث الأميركي للشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، وكوشنر، وقال: «إن الاجتماع الذي عقد الثلاثاء كان جمعاً لجميع وزراء المالية والخارجية العرب، حيث جاءوا لفترة قصيرة، شرحوا للجمهور الفكرة حول تشكيل مجلس السلام لغزة». وعن جذب الاستثمار وتعزيز الاقتصاد، قال جابر: «الواقع الآن هو أننا بحاجة إلى الوصول إلى وضع يسمح بتحقيق الاستقرار، مما يسمح للجيش اللبناني، لذلك يجب أن يتوقف العدوان (الإسرائيلي)».

خصوم و«حزب الله»

في المقابل، يتخوف خصوم «حزب الله» من الشيعة، أن يؤدي هذا التصعيد ضد عون إلى «عزلة الجنوب، وخسارة حاضنة الدولة لقضيتهم». وقال الباحث السياسي المعارض للحزب، علي الأمين: «إن الحملة ليست شيعية، هي حملة الحزب، ويمضي بخطابه إلى مواجهة الدولة ومنطق الدولة، ويُخرِج كل أدواته ليطال الدولة برمزيتها، أي رئيس الجمهورية».

لبنانيون يبحثون وسط أنقاض مبنى دمرته غارة إسرائيلية ببلدة قناريت جنوب لبنان الأربعاء (إ.ب.أ)

ويضيف الأمين في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «من المعلوم أن عون لا يخطو خطوات إذا لم تحز على موافقة بري، والقرارات التي اتخذت في 5 و7 أغسطس (آب) (قرارات حصرية السلاح) لم يعترض عليها رئيس المجلس النيابي ولا الحكومة، ما يعني أن القرارات ليست فردية، بل خرجت من المؤسسات»، متسائلاً: «ما الخيارات عند الحزب؟ الدولة تقترح طريقة لوقف العدوان، وتأمل أن تنجح، هل يمتلك الحزب طريقة أخرى؟ هل يمتلك تصوراً للحل؟ علماً أن أمينه العام الشيخ نعيم قاسم لم يقدم أي تصور للحل، ولا حتى أمل ولا وهم. لقد أخذ الناس على كارثة، ليس نتيجة خطأ بل رغبة بأن يأخد الناس إليها لأن الحزب يرى في الكارثة حياة».

وقال الأمين: «أرى أن المقدس بالنسبة للحزب هو السلاح وليس الناس»، مضيفاً: «الهروب إلى مواجهة الرئيس لا تعفيه من الإجابة على سؤال عن خياراته». ويتابع: «إذا كان قادراً على الرد على إسرائيل، فليقم بذلك انطلاقاً من كلام أمينه العام السابق (حسن نصر الله) بأن الدفاع والمقاومة لا يحتاجان إلى قرار سياسي». وشدد على أن المزاج العام في الشارع الشيعي «لا يوافق الحملات القائمة التي يشنها الحزب، والناس لا تتوقع من (حزب الله) تغييراً للمعادلة أو يمكن أن يوفر الأمان لهم أو السلام والاستقرار».


مقالات ذات صلة

«كورنيش صيدا»... مأوى النازحين من الجنوب

خاص نازحون من الجنوب يحملون أمتعتهم لدى وصولهم إلى مدينة صيدا (أ.ب)

«كورنيش صيدا»... مأوى النازحين من الجنوب

على الرصيف مباشرة، اختارت عائلة نازحة من كفرتبنيت في النبطية أن تفترش الكورنيش البحري في صيدا.

حنان حمدان (صيدا (جنوب لبنان))
خاص جندي إسرائيلي يوجه دبابة أثناء تعزيزات عسكرية في منطقة محاذية مع جنوب لبنان (أ.ب)

خاص كيف يصل مقاتلو «حزب الله» إلى القرى الحدودية مع إسرائيل؟

وتصعّب الإجراءات التي اتخذها الجيش اللبناني أخيراً على الحواجز المؤدية إلى جنوب لبنان، عملية انتقال المقاتلين إلى الجنوب للمشاركة في القتال

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي جنود لبنانيون يتفقدون الشاطئ في موقع إنزال لـ«قوة كوماندوز» إسرائيلية اختطفت البحار عماد أمهز في بلدة البترون - 2 نوفمبر 2024 (أ.ف.ب)

من بيروت إلى الشمال والبقاع: أبرز عمليات الإنزال الإسرائيلية في لبنان

شهد لبنان خلال العقود الماضية، سلسلة من عمليات الإنزال التي نفذها الجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية من بيروت إلى الجنوب والشمال والبقاع.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلاً رؤساء الحكومة السابقين فؤاد السنيورة وتمام سلام ونجيب ميقاتي (الرئاسة اللبنانية)

رفض «حزب الله» «الاستسلام» يعرقل مبادرة ماكرون لوقف الحرب

لم تحرك مبادرة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الركود السياسي المحيط بالحرب الدائرة في لبنان، في ضوء رفض «حزب الله» «الاستسلام» وإصراره على المضي في معركة تراها…

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي سكان محليون يتفقدون الأضرار الناتجة عن غارات إسرائيلية استهدفت منطقة مار مخايل على مدخل الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)

إسرائيل تحول جهودها القتالية من الحدود مع لبنان إلى قصف الضاحية

عاشت بيروت طوال الساعات الـ24 الماضية، على إيقاع الضربات الإسرائيلية المكثفة لضاحيتها الجنوبية، حيث استهدفت الغارات أكثر من 20 مبنى في عدد من أحياء رئيسية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

الأردن: الصواريخ والمسيّرات الإيرانية استهدفت منشآت حيوية ولم تكن عابرة

عناصر من الأمن في محيط السفارة الأميركية في عمان (إ.ب.أ)
عناصر من الأمن في محيط السفارة الأميركية في عمان (إ.ب.أ)
TT

الأردن: الصواريخ والمسيّرات الإيرانية استهدفت منشآت حيوية ولم تكن عابرة

عناصر من الأمن في محيط السفارة الأميركية في عمان (إ.ب.أ)
عناصر من الأمن في محيط السفارة الأميركية في عمان (إ.ب.أ)

اتهم الأردن، إيران، اليوم (السبت)، باستهداف منشآته الحيوية، مؤكداً أن صواريخها ومسيراتها الـ119 التي أطلقت على الأردن لم تكن عابرة.

وقال مدير الإعلام العسكري العميد مصطفى الحياري، في مؤتمر صحافي، إن «إيران استهدفت خلال أسبوع أراضي المملكة الأردنية الهاشمية بـ119 صاروخاً وطائرة مسيرة»، مشيراً إلى أن سلاح الجو في القوات المسلحة الأردنية تمكّن من اعتراض وتدمير 108 صواريخ ومسيرات. وأضاف: «الصواريخ والمسيرات التي استهدفت الأردن كانت موجهة على أهداف أردنية بحتة، ولم تكن صواريخ عبور كما يظن البعض»، بل استهدفت «مواقع ومنشآت حيوية داخل الأراضي الأردنية»، وأوضح أن «الاعتداءات الإيرانية طالت أراضي المملكة رغم أن الأردن أبلغ الأطراف المعنية بأنه لن يكون ساحة حرب لأحد وشدد على أن أراضيه لن تكون منطلقاً للهجوم على إيران».

وأكد الحياري أن بلاده «فعلت منذ انطلاق الحرب اتفاقيات التعاون العسكري والدفاعي مع عدد من الدول لتوفير أكبر غطاء جوي يحمي سماء المملكة» دون أن يحدد أسماء هذه الدول.

كما أكّد «رفع مستوى جاهزية القوات المسلحة، ووضع جميع التشكيلات والوحدات تحت الإنذار الفوري، ودعم الوحدات المنتشرة على الواجهات الحدودية، وتعزيز وحدات حرس الحدود بالأجهزة والمعدات والأسلحة اللازمة للتعامل مع الظروف الاستثنائية».

من جهته، أكد الناطق باسم مديرية الأمن العام العقيد عامر السرطاوي، خلال المؤتمر، أنه «تم تسجيل سقوط 207 شظايا في مختلف محافظات المملكة ما أدى إلى إصابة 14 شخصاً بجروح وتسجيل أضرار مادية طالت منازل ومركبات».


سقوط مسيّرات إيرانية في محافظة درعا

صاروخ إيراني سقط في القامشلي بمحافظة الحسكة شرق سوريا يوم 5 مارس الجاري (أ.ف.ب)
صاروخ إيراني سقط في القامشلي بمحافظة الحسكة شرق سوريا يوم 5 مارس الجاري (أ.ف.ب)
TT

سقوط مسيّرات إيرانية في محافظة درعا

صاروخ إيراني سقط في القامشلي بمحافظة الحسكة شرق سوريا يوم 5 مارس الجاري (أ.ف.ب)
صاروخ إيراني سقط في القامشلي بمحافظة الحسكة شرق سوريا يوم 5 مارس الجاري (أ.ف.ب)

مع دخول الحرب الإسرائيلية - الأميركية ضد إيران أسبوعها الثاني، أُفيد اليوم السبت بسقوط مسيّرات إيرانية جديدة في ريف محافظة درعا جنوب سوريا.

وأعلن الدفاع المدني السوري عن استجابته لبلاغ عن سقوط مسيّرة على منزل في مدينة جاسم بريف درعا الشمالي وأخرى في بلدة الطيبة شرق درعا، ما أسفر عن أضرار مادية في ممتلكات المدنيين دون تسجيل أي إصابات.

وحذّر الدفاع المدني بشدة من الاقتراب من أي جسم غريب أو حطام قد يسقط نتيجة الأحداث الجارية في المنطقة. وشدد على عدم لمسه وترك التعامل معه لفرق الهندسة أو فرق إزالة مخلفات الحرب والإبلاغ فوراً عن أي بقايا أو مخلفات حرب.

على صعيد آخر، قُتل شخص في بلدة سرغايا التابعة لمنطقة الزبداني بريف دمشق جراء إصابته بشظايا صاروخ إسرائيلي، سقط في جرود سرغايا على الحدود مع شرق لبنان، وفق ما أفادت به مصادر محلية.

رفع علم «حزب الله» في النبي شيت بالبقاع اللبناني اليوم السبت (أ.ف.ب)

جاء ذلك في ظل استهداف الطيران الحربي الإسرائيلي جبل الخريبات المقابل لجرود سرغايا بعدة غارات جوية. وترافقت الغارات مع عملية الإنزال الإسرائيلي قرب الحدود السورية ـ اللبنانية. وقالت قناة «الإخبارية» السورية، ليل الجمعة ـ السبت، إن طائرات مروحية تابعة للاحـتلال الإسرائيلي حلّقت في سماء الزبداني بريف دمشق قبل أن تغادر باتجاه جبل الشيخ، فيما دوّت في سرغايا وبلودان والزبداني أصوات انفجارات عنيفة.

من جانبه، قال «المركز الدولي للحقوق والحريات» إن قوات إسرائيلية نفّذت عملية إنزال قرب الحدود السورية - اللبنانية، ترافقت مع تحليق مكثف للمروحيات والطائرات الحربية الإسرائيلية في أجواء المنطقة. وعقب عملية الإنزال، اندلعت اشتباكات عنيفة جداً بين مسلحين محليين والقوة الإسرائيلية المتوغلة.


«كورنيش صيدا»... مأوى النازحين من الجنوب

نازحون من الجنوب يحملون أمتعتهم لدى وصولهم إلى مدينة صيدا (أ.ب)
نازحون من الجنوب يحملون أمتعتهم لدى وصولهم إلى مدينة صيدا (أ.ب)
TT

«كورنيش صيدا»... مأوى النازحين من الجنوب

نازحون من الجنوب يحملون أمتعتهم لدى وصولهم إلى مدينة صيدا (أ.ب)
نازحون من الجنوب يحملون أمتعتهم لدى وصولهم إلى مدينة صيدا (أ.ب)

على الرصيف مباشرة، اختارت عائلة نازحة من كفرتبنيت في النبطية أن تفترش الكورنيش البحري في صيدا. عائلة مؤلفة من 10 أشخاص، بينهم خمسة أطفال، قدموا إلى المدينة فور إعلان «حزب الله» إطلاقه الصواريخ من لبنان. يشكو الوالد قائلاً: «لا خيارات بديلة لدينا، وقدرتنا المادية لا تسمح باستئجار منزل مقابل إيجار مرتفع»، هذا في حال توفرت هذه المنازل أصلاً.

«بيت» على الكورنيش

صنعت هذه العائلة سقفاً لها، ببطانية صغيرة موصولة من سور الكورنيش إلى سيارة من نوع «رابيد». وضعوا وسائد وافترشوا الأرض، وباتت لهم مساحة خاصة تؤويهم خلال فترة النزوح، التي لا أحد يعلم كم ستطول، ويقول: «لا ندري إلى متى سنبقى هنا، نحاول قدر الإمكان تجنيب أطفالنا حرارة الشمس اللاذعة نهاراً، والبرودة ليلاً».

عائلات نازحة من الجنوب في الحديقة العامة في مدينة صيدا (أ.ف.ب)

هذه العائلة هي واحدة من عشرات العائلات التي لا تزال منتشرةً على طول الكورنيش وفي داخل السيارات التي ركنت على جانب الطرقات، يحرصون على البقاء داخل المدينة وفي القرى المجاورة لها. أحدهم أتى برفقة عصافيره، وأخرى جلبت القطة معها، وكثر حملوا ما تيسر من الأمتعة والحاجيات وحتى النرجيلة.

بانتظار «الفرج»

تقول عُلا إنها فضلت خيار الكورنيش على البقاء داخل مراكز الإيواء المكتظة، «لا مقومات حياتية أساسية في المراكز، ينتظر الناس دورهم لدخول الحمام، وتسكن أكثر من عائلة في غرفة صغيرة، أفضل البقاء هنا بانتظار الفرج»، وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «أستخدم المراحيض الخاصة بالمقاهي هنا».

وعُلا سيدة ثلاثينية وأم لخمسة أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 سنوات و20 سنة، خرجت وعائلتها من منزلها في الشرقية (النبطية) منذ الساعات الأولى لبدء الحرب منتصف ليل الأحد - الاثنين، ولا تزال في مكانها حتى اللحظة. تروي لنا كيف قضت أكثر من 20 ساعة على طريق النزوح: «أرهقنا للغاية أنا وأطفالي، لم يكن الأمر سهلاً علينا، لكن ليس بيدنا حيلة».

نازحون من جنوب لبنان باتجاه بيروت... ويظهر الزحام على مدخل مدينة صيدا الشمالي (أ.ب)

وعن خيار الانتقال إلى أماكن أخرى، تقول: «نبحث عن شقة أو منزل نستأجره في صيدا والجوار، لكننا عاجزون، لا نجد خياراً يناسبنا، فالأسعار المتاحة للاستئجار مرتفعة جداً، وأصحاب العقارات يطلبون دفع أشهر مسبقة، وبعض المناطق تتوجس من تأجيرنا...»، علماً بأن الإيجارات باتت مرتفعة للغاية حتى على مستوى الشقق السكنية غير المفروشة.

مثل عُلا يتمسك كثيرون بالبقاء في صيدا (بوابة الجنوب)، بعضهم يتخوف من النزوح إلى مناطق الشمال حيث تدعو وزارة الشؤون النازحين للتوجه إلى مناطقها لتوفر مراكز الإيواء، مضيفة: «نتجنب التوجه إلى الشمال لأسباب عدة، إذ إضافة إلى التضييق الذي يتعرض لها النازحون، نخاف من فتح جبهة الشمال، إضافة إلى أن مسافة الطريق بعيدة للغاية في حال انتهت الحرب وعُدنا قريباً».

تُحدثنا عُلا عن تجربة النزوح في حرب سبتمبر (أيلول) 2024: «يومها خرجنا من منزلنا إلى منزل أحد أقاربنا في منطقة أنطلياس (بيروت)، وكانت الأمور أكثر سهولة من وقتنا الراهن»، وتختم: «نخاف أن تطول الحرب، وأتمنى أن أعود قريباً إلى منزلي وحياتنا السابقة، أُربي أطفالي ويسترزق زوجي؛ الحرب بشعة للغاية».

مبادرات خجولة

رغم زحمة النازحين في مدينة صيدا، تبدو المبادرات الاجتماعية والمساعدات خجولة أو ربما شبه غائبة. لا يذكر النازحون، خلال حديثنا معهم، أنهم حصلوا على مساعدات حتى اللحظة، خلاف ما كانت عليه الحرب الماضية (سبتمبر 2024).

أطفال نازحون مع عائلتهم يجلسون عند مدخل أحد المباني في مدينة صيدا (أ.ب)

«قدمت سيدة لنا علبة جبن ولبنة ولبن، وقالت لي إنها تتمنى لي سحوراً شهياً»، تقول سيدة أربعينية لـ«الشرق الأوسط»، وتضيف: «يأتي إلينا أفراد يحملون سندويشات ومناقيش ويقولون إنها تقدمة فاعل خير»، لكن حاجة الناس أكبر بكثير مما يظن البعض.

وفي حديث مع «الشرق الأوسط»، يقول رئيس بلدية صيدا مصطفى حجازي: «افتتح حتى اليوم 24 مركز إيواء، امتلأت بالكامل، لدينا أكثر من 12 ألف نازح، غير الذين لا يزالون في الشوارع».

عائلة تحمل ما تيسّر لها من الأمتعة في مدينة صيدا التي لجأت إليها هرباً من القصف في جنوب لبنان (أ.ب)

ويضيف: «الاحتياجات المؤمنة لا تتعدى الـ10 في المائة، نحاول تأمين المساعدات الأساسية، كالبطانيات والوسائد والفرش والمواد الغذائية، ولم ننتقل بعد للمرحلة الثانية، لتأمين المياه ومواد التنظيف»، ويختم: «للأسف الوضع جداً صعب ومأساوي للغاية، العائلات لا تزال في الطرقات نحاول توجيه الناس باتجاه الشمال، لا سيما أن رئيس الحكومة ووزيرة الشؤون الاجتماعية أكدا بالأمس على توفر 42 مركزاً في جبل لبنان وجاهزون للاستقبال».