من بيروت إلى الشمال والبقاع: أبرز عمليات الإنزال الإسرائيلية في لبنان

جنود لبنانيون يتفقدون الشاطئ في موقع إنزال لـ«قوة كوماندوز» إسرائيلية اختطفت البحار عماد أمهز في بلدة البترون 2 نوفمبر 2024 (أ.ف.ب)
جنود لبنانيون يتفقدون الشاطئ في موقع إنزال لـ«قوة كوماندوز» إسرائيلية اختطفت البحار عماد أمهز في بلدة البترون 2 نوفمبر 2024 (أ.ف.ب)
TT

من بيروت إلى الشمال والبقاع: أبرز عمليات الإنزال الإسرائيلية في لبنان

جنود لبنانيون يتفقدون الشاطئ في موقع إنزال لـ«قوة كوماندوز» إسرائيلية اختطفت البحار عماد أمهز في بلدة البترون 2 نوفمبر 2024 (أ.ف.ب)
جنود لبنانيون يتفقدون الشاطئ في موقع إنزال لـ«قوة كوماندوز» إسرائيلية اختطفت البحار عماد أمهز في بلدة البترون 2 نوفمبر 2024 (أ.ف.ب)

شهد لبنان خلال العقود الماضية، سلسلة من عمليات الإنزال التي نفَّذها الجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية، من بيروت إلى الجنوب والشمال والبقاع، سواء عبر البحر أو الجو، والتي أتت جميعها في إطار عمليات اغتيال أو أسر أو استهداف شخصيات معينة.

عملية فردان (1973)

تُعدّ عملية فردان في بيروت من أشهر عمليات الإنزال الإسرائيلية؛ ففي 10 أبريل (نيسان) 1973، نفذت قوات «كوماندوز» إسرائيلية إنزالاً بحرياً على شاطئ العاصمة اللبنانية، قبل أن تنتقل إلى شارع فردان؛ حيث استهدفت عدداً من قادة منظمة التحرير الفلسطينية.

وأسفرت العملية عن اغتيال 3 من أبرز قادة المنظمة؛ هم: كمال عدوان، وكمال ناصر، وأبو يوسف النجار. ونفذت العملية وحدات خاصة، وشارك فيها لاحقاً رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك، الذي كان حينها ضابطاً في القوات الخاصة.

اختطاف عبيد في الجنوب (1989)

وفي عام 1989، اختطف «الموساد»، القيادي في «حزب الله» الشيخ عبد الكريم عبيد من منزله في بلدة جبشيت في جنوب لبنان، عبر إنزال نفَّذته مروحيتان إسرائيليتان حطَّتا في البلدة، وأنزلتا مجموعة جنود من وحدة النخبة في لواء المظليين الإسرائيلي ولواء غيفعاتي لاعتقاله. واقتحم عناصر «الكوماندوز» الإسرائيلي منزله، واختُطف عبيد مع اثنين من مرافقيه المدنيين، وهما: أحمد عبيد، وهشام فحص.

إنزال لاختطاف الديراني في البقاع (1994)

ولعل أبرز الإنزالات التي نُفِّذت في لبنان، هو الإنزال الجوي الذي نفَّذته مجموعة «كوماندوز» إسرائيلية في 21 مايو (أيار) 1994 في بلدة قصرنبا في البقاع بشرق لبنان، وخطفت وحدة من جنود النخبة المسؤول في «حزب الله» مصطفى الديراني من بلدته، بهدف الحصول على معلومات عن الطيار الإسرائيلي رون أراد، الذي أُسقطت طائرته في لبنان عام 1986

إنزال أنصارية (1997)

في 5 سبتمبر (أيلول) 1997، في مرحلة الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، نفَّذت وحدة «الكوماندوز» البحري الإسرائيلي عملية إنزال ليلي قرب بلدة أنصارية في جنوب لبنان، بهدف تنفيذ مهمة أمنية مرتبطة بزرع أجهزة مراقبة واستهداف قيادي في «حزب الله».

غير أن القوة الإسرائيلية وقعت في كمين نصبه مقاتلو الحزب بعد اكتشاف العملية، ما أدى إلى مقتل 12 جندياً إسرائيلياً بينهم قائد القوة، وهي العملية التي لا يزال «حزب الله» ومناصروه يستحضرونها عند كل محطة وعملية إنزال أو مواجهة.

إنزال بعلبك خلال حرب 2006

خلال حرب يوليو (تموز) 2006، نفَّذت إسرائيل عملية إنزال جوي في مدينة بعلبك بشرق لبنان؛ حيث نقلت مروحيات عسكرية قوة من «الكوماندوز» إلى المنطقة، وداهمت مباني ومستشفى في محاولة لاعتقال عناصر مرتبطين بـ«حزب الله»، أو الحصول على معلومات استخباراتية. وانتهت العملية بانسحاب القوة بعد ساعات قليلة، بينما أعلنت إسرائيل أنها اعتقلت عدداً من الأشخاص، بينما اعتبر «حزب الله» أن العملية لم تحقق أهدافها الأساسية.

عمليات إنزال خلال حرب 2006

إلى جانب عملية بعلبك، نفَّذت القوات الإسرائيلية خلال حرب 2006، عمليات إنزال محدودة في مناطق ساحلية جنوب لبنان، ولا سيما قرب مدينة صور؛ حيث استخدمت وحدات «الكوماندوز» البحرية لتنفيذ عمليات خاطفة استهدفت مواقع قالت إسرائيل إنها مرتبطة بإطلاق الصواريخ.

وقد تخللت هذه العمليات اشتباكات متفرقة مع مقاتلين في المنطقة، قبل انسحاب القوات المنفذة عبر البحر.

الأسير عماد أمهز في صورة نشرها المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي على حسابه على «إكس»

إنزال البترون واختطاف عماد أمهز (2024)

في خضم الحرب بين إسرائيل و«حزب الله» عام 2024، نفَّذت إسرائيل عملية إنزال خاصة في مدينة البترون الساحلية شمال لبنان، في واحدة من العمليات النادرة التي استهدفت منطقة بعيدة عن خطوط المواجهة التقليدية في الجنوب.

ففي فجر 2 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، نفَّذت وحدة «الكوماندوز» البحري الإسرائيلي إنزالاً بحرياً على شاطئ البترون، قبل أن تتوجه مجموعة من العناصر المسلحة إلى شاليه قريب من البحر؛ حيث كان يقيم اللبناني عماد أمهز، ليتم اعتقاله ونقله عبر زورق سريع باتجاه إسرائيل.

وقالت إسرائيل إن أمهز مرتبط بالملف البحري لـ«حزب الله»، ويملك معلومات تتعلق بأنشطة الحزب البحرية. وفي 19 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، عاد الجيش الإسرائيلي ونشر فيديو خلال التحقيق مع أمهز.

وقال المتحدث باسم جيش إسرائيل، أفيخاي أدرعي، إن التحقيق معه «كشف أنه كان يشغل منصباً مركزياً في (الملف البحري السري)، وأدلى بمعلومات استخبارية حساسة عن الملف، الذي يعد من أكثر المشاريع حساسية وسرية في (حزب الله)، والذي يتمحور حول تشكيل بنية تحتية منظمة للأنشطة الإرهابية البحرية بستار مدني لغرض ضرب أهداف إسرائيلية ودولية».

الطيار الإسرائيلي رون آراد الذي فُقد عام 1986 في جنوب لبنان (سلاح الجو الإسرائيلي)

عملية إنزال النبي شيت (2026)

وآخر عملية إنزال نفَّذها الجيش الإسرائيلي في بلدة النبي شيت، في البقاع، كانت بهدف البحث عن رفات الطيار رون آراد الذي فقد عام 1986 في جنوب لبنان، ونُفذت مساء الجمعة في 6 مارس (آذار) في خضم الحرب بين إسرائيل و«حزب الله» وبعد إنذارات بإخلاء البلدة.

وأفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» بأنه «بعد رصد عناصر (حزب الله) وأهالي المنطقة، مجموعة (كوماندوز) إسرائيلية أنزلتها 4 مروحيات (أباتشي) في المنطقة الجردية على سفوح سلسلة جبال لبنان الشرقية، بين بلدات الخريبة ومعربون ويحفوفا، وتسللت نحو مدافن آل شكر في الحي الشرقي من بلدة النبي شيت، وقع اشتباك مع عناصرها بالأسلحة الخفيفة والمتوسِّطة، ونتج من المواجهة سقوط 26 قتيلاً، من بينهم 3 عسكريين من الجيش اللبناني، وعنصر من الأمن العام».


مقالات ذات صلة

المنطقة التجريبية لنشر الجيش اللبناني في الجنوب مرهونة بتدخل واشنطن

المشرق العربي جولة من المفاوضات المباشرة بين إسرائيل ولبنان في واشنطن في 3 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

المنطقة التجريبية لنشر الجيش اللبناني في الجنوب مرهونة بتدخل واشنطن

لم تحقق جلسة المفاوضات، الثلاثاء، أي تقدم لسبب أساسي يكمن في تصاعد وتيرة الخلاف بين الرئيس دونالد ترمب ورئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي لافتات تحمل صور المرشد الإيراني مجتبى خامنئي ووالده علي خامنئي مرفقة بعبارة شكراً لإيران رفعت على طريق المطار باتجاه جنوب لبنان (رويترز)

«الحرس الثوري» في لبنان: بين إدارة الحرب وساحات القتال

منذ اندلاع الحرب الأخيرة في لبنان، تبرز معطيات ووقائع تتحدث عن دور مباشر لـ«الحرس الثوري» الإيراني في إدارة المعركة إلى جانب «حزب الله».

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي مركبة تمر بجوار مبانٍ دُمرت في غارات جوية إسرائيلية سابقة في بلدة النبطية... جنوب لبنان 24 يونيو 2026 (أ.ب)

قتيلان بضربة إسرائيلية على سيارة في جنوب لبنان

قتل شخصان اليوم (الأربعاء)، جراء ضربة نفّذتها مسيّرة إسرائيلية على سيارة في جنوب لبنان، وفق ما أوردت «الوكالة الوطنية للإعلام الرسمية».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي جنود من الجيش اللبناني يقومون بتأمين منطقة عند مدخل قرية زوطر الغربية جنوب لبنان 23 يونيو 2026 (إ.ب.أ)

بيروت تُسلّم دمشق دفعة ثانية من السجناء السوريين المحكومين بموجب اتفاق ثنائي

سلّمت السلطات اللبنانية، الأربعاء، دمشق 128 محكوماً سورياً، وفق ما أفاد مصدر أمني «وكالة الصحافة الفرنسية».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلاً الوفد البرلماني البريطاني (الرئاسة اللبنانية)

تأكيد لبناني على التمسك بتثبيت وقف النار والانسحاب الإسرائيلي

في ظل استمرار جلسات المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية بواشنطن جدد المسؤولون اللبنانيون تأكيدهم على أن الأولوية تبقى لتثبيت وقف إطلاق النار 

«الشرق الأوسط» (بيروت)

الجيش الأميركي يعلن قتل قيادي بـ«داعش» في سوريا

القبض على أحد عناصر «خلية داعش» في داريا بريف دمشق (أرشيفية - سانا)
القبض على أحد عناصر «خلية داعش» في داريا بريف دمشق (أرشيفية - سانا)
TT

الجيش الأميركي يعلن قتل قيادي بـ«داعش» في سوريا

القبض على أحد عناصر «خلية داعش» في داريا بريف دمشق (أرشيفية - سانا)
القبض على أحد عناصر «خلية داعش» في داريا بريف دمشق (أرشيفية - سانا)

أعلنت القيادة المركزية الأميركية، الأربعاء، أن الجيش الاميركي نفّذ غارة ​جوية في شمال غربي سوريا، الأسبوع الماضي، أفضت إلى مقتل علي حسين العليوي، وهو قيادي كبير في تنظيم «داعش» الإرهابي.

وأوضحت القيادة، في بيان على منصة «إكس»، ‌أن الغارة، التي ‌نُفذت يوم الجمعة، ​جاءت ‌في ⁠إطار «الجهود ​الأميركية المستمرة ⁠لتعطيل وإقصاء الإرهابيين الذين يسعون إلى مهاجمة الأميركيين في الخارج أو على الأراضي الأميركية»، وأسفرت عن مقتل العليوي.

الأمن السوري يقتحم منزل أحد المتورطين في خلية «داعش» في قرية السفيرة شرق حلب (أرشيفية-الداخلية السورية)

وأعلن «داعش» بدء مرحلة ⁠جديدة من العمليات في سوريا ‌ضد ‌حكومة الرئيس أحمد الشرع، ​وشن سلسلة ‌من الهجمات منذ فبراير (شباط) ‌الماضي. وكانت حكومة الشرع قد انضمت إلى التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة لمحاربة الإرهاب. وأعلن، يوم السبت الماضي، مسؤوليته عن هجوم ⁠قرب ⁠مدينة منبج في حلب شمال شرقي سوريا.


باريس تطرح مبدأ التوازي والتدرج للانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس مجلس الوزراء اللبناني نواف سلام خلال زيارتهما لمعرض «فيفاتيك» للتكنولوجيات المتقدمة في باريس يوم 18 يونيو (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس مجلس الوزراء اللبناني نواف سلام خلال زيارتهما لمعرض «فيفاتيك» للتكنولوجيات المتقدمة في باريس يوم 18 يونيو (رويترز)
TT

باريس تطرح مبدأ التوازي والتدرج للانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس مجلس الوزراء اللبناني نواف سلام خلال زيارتهما لمعرض «فيفاتيك» للتكنولوجيات المتقدمة في باريس يوم 18 يونيو (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس مجلس الوزراء اللبناني نواف سلام خلال زيارتهما لمعرض «فيفاتيك» للتكنولوجيات المتقدمة في باريس يوم 18 يونيو (رويترز)

للمرة الأولى تغيب فرنسا عن هيئةٍ مهمتُها مراقبة وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل. وقد حصل ذلك مع الإعلان عن إطلاق «خلية فض الاشتباك» الخاصة بلبنان التي تضم الولايات المتحدة الأميركية وإيران ولبنان، والتي أنشئت بمناسبة المفاوضات الأميركية - الإيرانية التي جرت في سويسرا، نهاية الأسبوع الماضي، بوساطة باكستانية وقطرية. ومن المفترض أن تحل هذه «الخلية» محل آلية الرقابة على وقف إطلاق النار أو «الميكانيزم» الخماسية التي ترأَّسها ضابط أميركي. وأعربت مصادر فرنسية رفيعة المستوى، في عدة مناسبات، عن «دهشتها» لانسحاب الأميركي منها ودعت لإعادة تفعيلها، وهو ما كانت بيروت تطالب أيضاً به.

بيد أن هذا الاستبعاد لن يحول دون مواصلة الاهتمام الفرنسي بالملف اللبناني، على أعلى المستويات، والدليل على ذلك إصرار باريس على أن يكون لبنان مادة نقاشات رئيسية في قمة مجموعة السبع في إيفيان، وأن يتضمن البيان الرئيسي الصادر عن القمة بنداً عن لبنان يشدد على «دعم الجهود التي تبذلها السلطات اللبنانية لنزع سلاح (حزب الله)، وتحقيق حصرية السلاح بيد الدولة ومن أجل حماية سيادة لبنان وسلامة أراضيه، من خلال توفير ضمانات أمنية دولية مناسبة». وتجدر الإشارة إلى أنها المرة الأولى التي يتم فيها الحديث عن ضمانات من هذا النوع، بينما التركيز الحالي يتناول إنهاء الحرب بين إسرائيل و«حزب الله» والبحث في كيفية إيجاد بديل عن قوة «اليونيفيل» التي ينتهي انتدابها مع نهاية العام الحالي.

الريس إيمانويل ماكرون ومرافقوه خلال وصولهم إلى قاعة المؤتمرات الصحافية في مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل يوم 19 يونيو (أ.ب)

وفيما تواصل الحكومة الإسرائيلية تأكيد أن قواتها لن تخرج من الأراضي التي تحتلها في لبنان، والتي تساوي 6 في المائة من مساحته، فقد ورد في البيان الصادر عن قصر الإليزيه عقب الاتصالات التي أجراها الرئيس ماكرون مع المسؤولين اللبنانيين الثلاثاء أنه «لإرساء وقفٍ متين لإطلاق النار، يتعين على جميع الأطراف احترامه، يجب أن يتيح إطلاق عملية متزامنة لانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية وإعادة انتشار القوات المسلحة اللبنانية، بما يضمن ممارسة الدولة لاحتكار السلاح». والعنصر الرئيسي في هذه الفقرة تناول الربط بين الانسحاب الإسرائيلي من جهة ونشر الجيش ونزع سلاح (حزب الله) من جهة أخرى».

ويضيف بيان الإليزيه أن فرنسا «مستعدة لمواكبة هذه العملية بشكل عملي وملموس، ولحشد المجتمع الدولي خلال الأسابيع المقبلة، إلى جانب الحكومة اللبنانية، من أجل دعم القوات المسلحة اللبنانية والاستجابة لاحتياجات السكان النازحين». ومن أجل اكتمال الصورة، كان بالإمكان إضافة أن باريس تعمل مع مجموعة من الدول الأوروبية ومع الأمم المتحدة والولايات المتحدة على استكشاف الخيارات المتاحة لتشكيل قوة دولية تحل محل «اليونيفيل»، وهي ترى أنه يتعين «استعجال الخطى» باعتبار أن الاستحقاق لم يعد بعيداً زمنياً.

وترى مصادر رفيعة في باريس أن عنصرين رئيسيين من شأنهما تهديد مصير الاتفاقات التي توصل إليها الطرفان الأميركي والإيراني: الأول مصير مضيق هرمز، والثاني الحرب في لبنان. والسبب يعود لنجاح إيران في الربط في الاتفاق - الإطار بين وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان وبقائها داخل الاتفاق.

وبالنظر لتعقيدات الوضع في الجنوب اللبناني، ترى باريس أن الانسحاب الإسرائيلي يفترض به أن يندرج في إطار مسار بحيث يحصل بشكل متدرج ومتسلسل، ولكن بالتوازي مع عدد من الإجراءات من الجانب الآخر، والمقصود بها المباشرة بنزع سلاح «حزب الله»، والسير نحو احتكار الدولة وقواتها الشرعية للسلاح في لبنان.

وترى باريس أن إسرائيل تقدم الحجج والذرائع لـ«حزب الله» كي يرفض نزع سلاحه. وما تقترحه باريس وما لمح إليه بيان الإليزيه أي حصول خطوات موازية ومتدرجة، يمكن أن يشكل طريقاً للخروج من الانسداد والدوران داخل مدارات مغلقة عملاً بقاعدة البراغماتية السياسية والعملانية.

وترى مصادر أخرى أن ما تروج له الولايات المتحدة من إطلاق مناطق «نموذجية» تنسحب منها إسرائيل ويدخلها الجيش اللبناني ويفرض سيطرته عليها، يمكن أن يشكل ترجمة لمبدأ التدرج والتوازي. وتتوقع باريس أن ينجم عن اجتماعات واشنطن الراهنة بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي برعاية أميركية اتفاق على حصول انسحاب إسرائيلي ما وحلول الجيش اللبناني محله في البلدات والأراضي التي قد ينسحب منها.

مواطنون لبنانيون عائدون إلى بلداتهم بعد إعلان وقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حزب الله» في 24 يونيو (رويترز)

في الجانب الآخر، تعجل باريس اتصالاتها العربية والدولية من أجل برمجة المؤتمر الخاص بدعم الجيش والقوات الأمنية الأخرى الذي كان مقرراً عقده في شهر مارس (آذار) الماضي. لكن باريس وبيروت توافقتا على تأجيله بسبب عودة الحرب.

وتؤكد أوساط مطلعة على الاتصالات الجارية راهناً، أن الغرض يقوم على برمجة المؤتمر في الأسابيع القليلة المقبلة للاستفادة من الاهتمام المستجد بالملف اللبناني، بما في ذلك أميركيا، ومع المراهنة على صمود اتفاق وقف إطلاق النار.

الجديد بالنسبة لهذا المؤتمر أن الرئيس ماكرون أضاف إلى جانب دعم القوى الشرعية ملف النازحين بسبب الحرب؛ إذ جاء في البيان الرئاسي أن فرنسا «مستعدة لمواكبة هذه العملية بشكلٍ ملموس، ولحشد المجتمع الدولي خلال الأسابيع المقبلة، إلى جانب الحكومة اللبنانية، من أجل دعم القوات المسلحة اللبنانية وتلبية احتياجات السكان النازحين». ويضاف إلى ما سبق أن الملف اللبناني سيكون أحد المواضيع التي سيبحثها الرئيس ماكرون خلال زياته المرتقبة إلى دمشق، حيث تؤكد أوساط مطلعة أنها يمكن أن تحصل بداية الأسبوع الثاني من شهر يوليو (تموز) المقبل.


القضاء العراقي يُطبق «أحكام الإرهاب» على المسيّرات

عراقيون يعاينون الدخان من مستودع نفط في أطراف أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق عقب ضربة يُشتبه في أنها بطائرة مسيّرة بتاريخ 1 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
عراقيون يعاينون الدخان من مستودع نفط في أطراف أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق عقب ضربة يُشتبه في أنها بطائرة مسيّرة بتاريخ 1 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

القضاء العراقي يُطبق «أحكام الإرهاب» على المسيّرات

عراقيون يعاينون الدخان من مستودع نفط في أطراف أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق عقب ضربة يُشتبه في أنها بطائرة مسيّرة بتاريخ 1 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
عراقيون يعاينون الدخان من مستودع نفط في أطراف أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق عقب ضربة يُشتبه في أنها بطائرة مسيّرة بتاريخ 1 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

وجّه مجلس القضاء الأعلى في العراق المحاكم المختصة بتطبيق أحكام «قانون مكافحة الإرهاب» على مصنعي ومستخدمي وحائزي الطائرات المسيّرة، في حين أكد مسؤول أمني أن «التوجيه مرتبط حصرياً بالفصائل المسلحة بهدف كبح نشاطها».

وقال مجلس القضاء في بيان مقتضب، الأربعاء، إنه «وجّه المحاكم المختصة بتطبيق أحكام قانون مكافحة الإرهاب رقم (13) لسنة 2005 على كل من يُصنع أو يستخدم أو يحوز الطائرات المسيّرة التي تستخدم لأغراض مخالفة للقانون».

والقانون المشار إليه هو التشريع الأساسي المعتمد في العراق لمحاكمة «الجناة في الجرائم والأفعال الإرهابية المهددة للوحدة الوطنية وسلامة المجتمع»، وتصل أحكامه إلى عقوبة الإعدام بحق المنفذين الفعليين والمحرضين والمخططين والممولين.

يأتي التوجيه الجديد في ظل الحديث المتواصل منذ أشهر عن حصر السلاح وتفكيك الفصائل والجماعات المسلحة خارج إطار الدولة ومؤسساتها الأمنية.

عناصر من حركة «النجباء» خلال تجمع في بغداد 8 أكتوبر 2023 (أ.ف.ب)

مواجهة الفصائل

ويرجح مسؤول أمني في وزارة الداخلية أن «التوجيه الجديد مرتبط حصرياً بجماعات الفصائل المسلحة، في مسعى لكبح جماحها وممارسة مزيد من الضغوط عليها».

وترفض فصائل مسلحة، أبرزها «كتائب حزب الله» و«النجباء»، الخطة الحكومية لحصر السلاح، فيما دعت طهران أخيراً إلى «تفهم موقفها» الممانع.

ويؤكد المسؤول، في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن «التوجيه القضائي أدرج العقوبة على لوائح الإرهاب، مع أن اللوائح العراقية لا تحظر استخدام المسيّرات والدرون الحاصلة على أذونات رسمية، ما يعني أن الأمر يرتبط بالهجمات التي شنتها الفصائل المسلحة، ويمكن أن تشنها لاحقاً».

ويشير المسؤول، الذي فضل عدم ذكر اسمه، إلى أن «قضية الطائرات المسيّرة من أخطر التحديات الأمنية التي تواجهها السلطات العراقية، وهي بمثابة كابوس لها بالنظر لسهولة نقلها واستخدامها، إلى جانب عدم امتلاك البلاد مضادات فعالة لمجابهتها، وقد اختبرت السلطات ذلك خلال الهجمات التي نفذتها الفصائل مؤخراً».

ومنذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، نفذت الفصائل المسلحة مئات الهجمات، وكان للطائرات المسيّرة حصة الأسد فيها.

وشملت تلك الهجمات مواقع ومناطق مدنية وعسكرية. وتتحدث مصادر كردية عن تعرض مدن الإقليم وحدها إلى أكثر من 800 هجمة نفذتها ضدها الفصائل المسلحة الموالية لإيران بذريعة وجود القوات الأميركية والجماعات الكردية المعارضة لإيران.

كما شنّت الفصائل عشرات الهجمات بطائرات مسيّرة ضد أصول ومصالح حيوية في بعض الدول الخليجية والأردن، ما دفعها إلى إصدار بيان مشترك في 25 مارس (آذار) الماضي، أدانت فيه الهجمات ودعت الحكومة العراقية إلى اتخاذ إجراءات فورية لوقف هجمات الفصائل والمجموعات المسلحة الموالية لإيران على دول الجوار.

رئيس فصيل «النجباء» أكرم الكعبي وهو يحاول تركيب أجزاء مسيّرة هجومية في 17 يوليو 2024 (إعلام حركة النجباء)

ضوابط استخدام المسيّرات

وتسمح السلطات الرسمية العراقية منذ سنوات باستخدام الطائرات المسيّرة في العراق للأغراض المدنية والتجارية والأمنية الرسمية، بشرط الحصول على موافقة مسبقة وتصريح رسمي من سلطة الطيران المدني العراقي والجهات الأمنية المختصة.

وأعلنت سلطة الطيران المدني، مطلع فبراير الماضي اعتماد ضوابط جديدة تنظم استخدام الطائرات المسيّرة داخل الأجواء العراقية، ضمن إطار يهدف إلى تعزيز السلامة والأمن الجوي.

وتركز الضوابط على تنظيم وتشغيل واستخدام الطائرات المسيّرة بما ينسجم مع متطلبات السلامة والأمن، وتشمل مختلف الجوانب المرتبطة بالدرون، ولا سيما إجراءات الترخيص، وشروط التشغيل، والالتزامات القانونية، إضافة إلى تحديد مجالات الاستخدام المسموح بها.

وتُشير المصادر إلى أن الضوابط الجديدة تشمل مجالات عديدة لاستخدام الدرون أو الطائرات المسيرة وفقاً للقانون، وضمنها المجالات المدنية والتجارية، مثل صناعة المحتوى الإعلامي والإنتاج الفني: تصوير الأفلام، والإعلانات، والتقارير الصحافية للمؤسسات المرخصة، إلى جانب سماحات القطاع السياحي، إضافة إلى استخدامات قطاع حماية خطوط وأنابيب النفط الطاقة والخدمات العامة.

وتسمح اللوائح القانونية كذلك باستخدامات القطاع الزراعي والبيئي، فضلاً عن العمليات الأمنية والدفاعية الرسمية، مثل مراقبة الحدود والأمن الداخلي واستخدام المسيّرات الحرارية من قبل وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية لملاحقة المهربين وتأمين الحدود.

«صناعة شائعة»

وصناعة الطائرات المسيّرة «شائعة في العراق»، وفق أحمد الجنابي المتخصص في هندسة البرامج والاتصالات، لكن ضمن نطاق استخدامات «مدنية وخدمية».

واتفق الجنابي، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، مع أن توجيه القضاء الجديد يرتبط بالاستخدامات غير السلمية للمسيرات والدرون التي ترتبط عادة بالفصائل المسلحة.

وأكد الجنابي أن «المكونات المستخدمة في تصنيع الطائرات المسيّرة متوافرة على نطاق واسع في الأسواق العراقية، وتدخل إلى البلاد عبر مسارات متعددة، من أبرزها طرق التهريب الآتية من إيران، مروراً بالسليمانية ثم إلى بقية المناطق».

وأضاف أن «هناك مكاتب متخصصة في استيراد الطائرات المسيّرة، ويمكن للراغبين الحصول عليها عبر تلك المكاتب، التي تلجأ بدورها إلى أساليب تمويه مختلفة لإدخال المكونات اللازمة لتصنيعها».

وأضاف أن «السلطات الرسمية لا تتساهل مع مسألة المسيّرات، وتعمد إلى مصادرتها وإخضاع المخالفين وغير المرخصين باستخدامها إلى أحكام مخففة بالسجن، لكن الجديد في الأمر أن المخالفات ألحق بقانون الإرهاب».