سقوط «آينده»... كيف فجَّرت إمبراطورية الظل المالية بركان الغضب في إيران؟

إيرانيون يمرون أمام أحد فروع بنك «آينده» عام 2017 (أ.ف.ب)
إيرانيون يمرون أمام أحد فروع بنك «آينده» عام 2017 (أ.ف.ب)
TT

سقوط «آينده»... كيف فجَّرت إمبراطورية الظل المالية بركان الغضب في إيران؟

إيرانيون يمرون أمام أحد فروع بنك «آينده» عام 2017 (أ.ف.ب)
إيرانيون يمرون أمام أحد فروع بنك «آينده» عام 2017 (أ.ف.ب)

لم تكن الشرارة التي أشعلت فتيل الاضطرابات الأخيرة في إيران ناتجة من مطالب سياسية تقليدية أو صدام آيديولوجي فحسب، بل بدأت من داخل النظام المصرفي الذي ظل لسنوات يمثل «الصندوق الأسود» للعمليات المالية لإيران، وفق تقرير موسع لصحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية.

حين أعلن عن انهيار بنك «آينده» (Ayandeh Bank) أواخر العام الماضي، لم يكن الأمر مجرد إفلاس لمؤسسة مالية، بل كان إيذاناً بنهاية حقبة «اقتصاد الظل» الذي اعتمده النظام للالتفاف على الضغوط الدولية. هذا البنك، الذي أداره مقربون من دوائر القرار، غرق في ديون تجاوزت 5 مليارات دولار نتيجة قروض فاسدة واستثمارات وهمية؛ ما أجبر الحكومة على طباعة كميات هائلة من السيولة لتغطية الفجوة، وهو الإجراء الذي أدى بدوره إلى انفجار تضخمي لم يعد المواطن العادي قادراً على تحمله.

علي أنصاري... مهندس الظل

في قلب هذه العاصفة المالية، يبرز اسم علي أنصاري بوصفه واحداً من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في المشهد الاقتصادي الإيراني. أنصاري، الذي يتحدر من واحدة من أثرى عائلات البلاد، لم يكن مجرد رجل أعمال تقليدي، بل كان مهندساً لشبكة مالية معقدة بدأت خيوطها في عام 2013 عندما أسس بنك «آينده» عبر دمج مصرفين حكوميين مع مؤسسة مالية كان يملكها سابقاً.

هذا الصعود السريع لم يكن وليد الصدفة، بل استند إلى علاقات سياسية وثيقة مع التيار المحافظ، وتحديداً مع الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد؛ ما سمح له ببناء إمبراطورية عابرة للحدود، تجلت مظاهر ثرائها في امتلاكه قصراً تقدر قيمته بملايين الدولارات في شمال لندن، بعيداً عن أعين الملايين من الإيرانيين الذين يكافحون تحت وطأة الفقر.

متظاهرة في سيدني تحمل علماً تاريخياً لإيران خلال مسيرة تضامنية مع الاحتجاجات التي تجتاح إيران حالياً (إ.ب.أ)

تمويل «الحرس الثوري» والعقوبات

لم تكن أنشطة أنصاري بعيدة عن أعين الرقابة الدولية؛ فبعد أيام قليلة من الانهيار المدوي لبنك «آينده»، سارعت المملكة المتحدة إلى فرض عقوبات مشددة عليه، واصفةً إياه بـ«المصرفي الفاسد» الذي لعب دوراً محورياً في تمويل الذراع الاقتصادية والعسكرية الأقوى في البلاد، «الحرس الثوري» الإيراني.

وعلى الرغم من هذه الاتهامات، حاول أنصاري التنصل من المسؤولية في بيان أصدره في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، عازياً فشل البنك إلى «قرارات وسياسات خارجة عن سيطرته»، في محاولة لإلقاء اللوم على الظروف الاقتصادية الكلية، متجاهلاً حقيقة أن مصرفه اعتمد لسنوات على جذب المودعين عبر تقديم أعلى أسعار فائدة في تاريخ البلاد، وهي السياسة التي وصفتها الدوائر الاقتصادية بأنها «عملية هروب إلى الأمام» أدت في النهاية إلى تراكم قروض غير منتظمة وجبال من الديون التي استنزفت البنك المركزي.

«إيران مول»... نصب تذكاري للفساد

يتجلى عمق المأساة في قصة «إيران مول»، المشروع العملاق الذي موّله بنك «آينده» والذي صُمم ليكون أكبر مركز تجاري في المنطقة بمساحة تفوق حجم «البنتاغون»، وفق «وول ستريت جورنال». في الوقت الذي كان فيه الاقتصاد الإيراني يترنح تحت وطأة العقوبات، كانت أموال المودعين تُضخ لبناء قاعات مرايا ملكية ودور سينما فاخرة، فيما وصفه الخبراء بأنه «مخطط بونزي» (Ponzi Scheme) تحت رعاية رسمية. لقد كان هذا المشروع تجسيداً صارخاً لسياسة «الإقراض الذاتي»، حيث منح البنك قروضاً هائلة لشركات يملكها مؤسسه علي أنصاري؛ ما جعل 90 في المائة من موارد البنك محبوسة في مشاريع عقارية غير سائلة، بينما يعجز المواطنون عن سحب مدخراتهم البسيطة لتأمين لقمة العيش.

المصرف المركزي وطباعة الديون

لقد كشف انهيار بنك «آينده» عن الوجه المظلم للعلاقة بين النخبة المالية والسياسة النقدية في طهران؛ حيث استمر البنك المركزي الإيراني لسنوات في طباعة كميات مهولة من الريالات لضخ السيولة في عروق بنك أنصاري المتصلب، محاولاً إبقاءه على قيد الحياة بأي ثمن. هذا الدعم الحكومي لم يكن لإنقاذ المودعين بقدر ما كان لحماية المصالح المتشابكة للنخبة المرتبطة بـ«الحرس الثوري»، وفق «وول ستريت جورنال».

فرع لبنك «ملي» الذي استحوذ على مصرف «آينده» (أ.ف.ب)

العاصفة الكاملة

جاء هذا الانهيار المالي في لحظة تاريخية شديدة الحساسية، حيث تزامنت الأزمة الاقتصادية مع تراجع حاد في قدرة النظام على الردع العسكري عقب المواجهة المباشرة مع إسرائيل والولايات المتحدة في يونيو (حزيران) الماضي. هذا الإخفاق المزدوج، المالي والعسكري، أدى إلى تآكل «شرعية الإنجاز». ومع تشديد الرقابة الأميركية على تدفقات الدولار من العراق، والتي كانت تمثل «الرئة المنسية» للاقتصاد الإيراني، وجد البنك المركزي نفسه مجرداً من أدوات التدخل لحماية الريال، الذي هوى في عام 2025 ليفقد 84 في المائة من قيمته، محولاً حياة الطبقة المتوسطة إلى كابوس يومي من الغلاء الفاحش.

الموازنة و«رصاصة الرحمة»

بدلاً من أن تعمل الحكومة على امتصاص غضب الشارع، جاءت موازنة ديسمبر (كانون الأول) لتعمق الجراح عبر إجراءات تقشفية قاسية وصفها محللون بأنها «رصاصة الرحمة» على العقد الاجتماعي الهش. شملت الموازنة رفع الدعم عن الخبز والوقود وإلغاء أسعار الصرف التفضيلية، وهي خطوات كانت تهدف لتوفير 10 مليارات دولار لتغطية عجز الدولة المنهارة.

لكن هذه الأرقام تحولت على أرض الواقع صدمة معيشية دفعت حتى «البازار» التقليدي - وهو العمود الفقري للاستقرار التاريخي في طهران - للنزول إلى الشارع، بعد أن وجد التجار أنفسهم عاجزين عن تسعير بضائعهم في ظل عملة تنهار قيمتها بالدقيقة والساعة.

صورة نشرتها وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» من ثاني أيام احتجاجات البازار (أ.ب)

احتضار النظام المالي

إن ما يحدث اليوم في المدن الإيرانية ليس مجرد احتجاج عابر، بل هو تعبير عن وصول «الاستثناء» إلى طريق مسدود. فبعد عقود من هندسة الالتفاف على العقوبات واستخدام البنوك قنواتٍ لإثراء نخبة مرتبطة بـ«الحرس الثوري»، جفت المنابع تماماً.

وبات انهيار بنك «آينده» يمثل نموذجاً لـ5 بنوك كبرى أخرى تواجه المصير ذاته؛ ما يضع الحكم أمام خيارين أحلاهما مر: إما الاستمرار في طباعة الأموال والمخاطرة بانهيار اجتماعي شامل، أو القبول بإصلاحات جذرية قد تقتلع جذور النخبة المالية.


مقالات ذات صلة

الين عند قاع أربعة عقود... وطوكيو تلوّح بالتدخل

الاقتصاد شاشة تظهر حركة الين والأسهم في شركة للصرافة بالعاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)

الين عند قاع أربعة عقود... وطوكيو تلوّح بالتدخل

دخل الين الياباني مرحلة جديدة من الضعف بعدما تجاوز الدولار مستوى 163 يناً، مسجلاً أعلى سعر له أمام العملة اليابانية منذ أواخر عام 1986

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
تحليل إخباري شاحنة نقل تتجه نحو كندا وسط حالة عدم اليقين بشأن سياسة الرسوم الجمركية (رويترز)

تحليل إخباري اتفاقية التجارة لأميركا الشمالية أمام اختبار جديد مع مسارات التفاوض المنفصلة

تختبر مسارات التفاوض المنفصلة التي أطلقتها الولايات المتحدة مع كندا والمكسيك اتفاقية التجارة الحرة الثلاثية التي شكلت اقتصاد أميركا الشمالية على مدى 32 عاماً.

«الشرق الأوسط» (أوتاوا، مكسيكو سيتي )
الاقتصاد شعار شركة «علي إكسبريس» على أحد متاجرها في مدينة غرناطة بإسبانيا (رويترز)

غرامة «علي إكسبريس» التاريخية تفجّر خلافاً صينياً - أوروبياً

صعّدت الصين لهجتها تجاه الاتحاد الأوروبي بعد فرضه غرامة قياسية قدرها 550 مليون يورو على منصة «علي إكسبريس» التابعة لمجموعة «علي بابا».

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد صاحب متجر يفرز الزيتون داخل سوق شعبية في مدينة الدار البيضاء المغربية (رويترز)

تراجع التضخم السنوي في المغرب إلى 0.3 % خلال يونيو

انخفض معدل التضخم السنوي في المغرب، المَقيس بمؤشر أسعار المستهلك، إلى 0.3 في المائة خلال يونيو (حزيران) الماضي، مقارنةً بـ1.2 في المائة خلال مايو (أيار) الماضي.

«الشرق الأوسط» (الرباط)
الاقتصاد أحد المصانع التابعة لشركة «ينساب» (سابك)

«ينساب» السعودية ترفع أرباحها 482 %... وموقعها على البحر الأحمر يدعم مرونة أعمالها

حققت شركة «ينساب» أعلى أرباح فصلية لها منذ الربع الثاني من عام 2022، بعدما قفز صافي أرباحها بنسبة 482 في المائة إلى 69 مليون دولار...

«الشرق الأوسط» (الرياض)