كيف عمل تنظيم «داعش» في 24 ولاية تركية؟

لائحة الاتهام في اشتباك يالوفا تشير إلى انتشاره عبر جمعيات ومساجد ومدارس دينية

دخان كثيف يتصاعد من منزل في يالوفا شهد اشتباكاً دامياً بين قوات الأمن التركية وخلية من «داعش» - 29 ديسمبر الماضي (رويترز)
دخان كثيف يتصاعد من منزل في يالوفا شهد اشتباكاً دامياً بين قوات الأمن التركية وخلية من «داعش» - 29 ديسمبر الماضي (رويترز)
TT

كيف عمل تنظيم «داعش» في 24 ولاية تركية؟

دخان كثيف يتصاعد من منزل في يالوفا شهد اشتباكاً دامياً بين قوات الأمن التركية وخلية من «داعش» - 29 ديسمبر الماضي (رويترز)
دخان كثيف يتصاعد من منزل في يالوفا شهد اشتباكاً دامياً بين قوات الأمن التركية وخلية من «داعش» - 29 ديسمبر الماضي (رويترز)

كشفت لائحة الاتهام التي أعدتها النيابة العامة حول اشتباكٍ دامٍ دار بين الشرطة وخلية من «داعش» في مدينة يالوفا بشمال غربي تركيا أواخر العام الماضي، عن بُنية التنظيم داخل البلاد وخريطة انتشاره.

وجاء باللائحة، التي تم الكشف عنها الأحد، أن تنظيم «داعش» يعمل من خلال شبكة ممتدة في 24 ولاية من ولايات تركيا البالغ عددها 81، وأن تلك الشبكة تعمل من خلال 97 جمعية ومسجداً ومدرسة دينية داعمة للتنظيم.

وتضمنت لائحة الاتهام التي تتعلق بالموجة الأولى للموقوفين على خلفية الاشتباك الذي وقع مع قوات الأمن في أثناء عملية استهدفت منزلاً يقيم به عناصر من «داعش» في يالوفا، اتهامات بحق 26 شخصاً تم توقيفهم من أصل 42 أُلقي القبض عليهم. وقررت المحكمة الإفراج عن الـ16 الآخرين مع وضعهم تحت الرقابة القضائية.

عناصر من الشرطة وقوات مكافحة الإرهاب تتفقد منزل عناصر من «داعش» هاجمته الشرطة في يالوفا (رويترز)

وأسفرت الاشتباكات التي دارت في 29 ديسمبر (كانون الأول)، عن مقتل 6 من عناصر «داعش»، و3 من رجال الشرطة، وإصابة 8 آخرين وحارس أمن.

شبكة واسعة

وأدرج مكتب الادعاء العام في يالوفا بلائحة الاتهام، رسالة من إدارة مكافحة الإرهاب مؤرخة في 25 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، تلقي الضوء على أنشطة تنظيم «داعش» في تركيا.

وجاء في الرسالة أن أفراداً ينتمون إلى آيديولوجيات متطرفة افتتحوا مكتبات ودور حضانة ومساجد ومدارس دينية بهدف بناء قاعدة لـ«داعش» تستهدف تجنيد أعضاء، وكسب التأييد في أوساط الشباب بالأساس، وتوفير الأموال لأعضاء التنظيم في مناطق النزاع التي يعمل بها التنظيم خارج البلاد.

قوات خاصة ومدرعات شاركت في العملية الأمنية بيالوفا - 29 ديسمبر 2025 (رويترز)

وأوضحت أن هذه العناصر تستغل الدين، وتقوم بتفسير القضايا المختلفة وفقاً لفلسفتها وآيديولوجيتها الخاصة.

وجاء في رسالة إدارة مكافحة الإرهاب، أن عدد الجمعيات والمكتبات والمساجد والمدارس الدينية العاملة في تركيا، التي توصف بأنها «مؤيدة لـ(داعش)»، يبلغ 97، منها 24 في يالوفا وحدها.

وأكدت اللائحة أن الجهود المبذولة لتفكيك هذه الكيانات ستسهم بقوة في «مكافحة الإرهاب»، لافتة إلى ضرورة فرض عقوبات على الشركات المقربة من التنظيم.

عناصر من قوات مكافحة الإرهاب التركية تقتاد عناصر «داعش» للتحقيق عقب اشتباك يالوفا (إعلام تركي)

وكشفت التحقيقات أن تنظيم «داعش» كان ينشط في يالوفا تحت غطاء «جمعية». ورغم الشكاوى بحق هذه المؤسسة، افتتح أعضاؤها فروعاً جديدة، وكانوا يصدرون مجلة تحمل اسم «علم وتقوى»، وكانت أيضاً مكاناً للقائهم.

وتعد الاشتباكات التي دارت بين عناصر«داعش» وقوات الأمن في يالوفا، هي الأولى من نوعها بهذا الحجم، بالنظر إلى العمليات التي تنفذها قوات الأمن التركية ضد التنظيم منذ هجومه على نادي «رينا» الليلي في إسطنبول ليلة رأس السنة 2017، حين قُتل 39 شخصاً وأصيب 79 آخرون، غالبيتهم من الأجانب.

وأعلن «داعش»، الذي أدرجته تركيا على لائحة الإرهاب في 2013، مسؤوليته عن تنفيذ هجمات في الفترة ما بين 2015 و2017، أسفرت عن مقتل أكثر من 300 شخص وإصابة العشرات.

تحذير سابق

كان أوغوز كان ساليجي، نائب حزب «الشعب الجمهوري»، أكبر أحزاب المعارضة التركية، قد قدَّم قبل عامين اقتراحاً إلى البرلمان، دعا فيه إلى التحقيق في هيكلٍ لتنظيم «داعش» بيالوفا، لافتاً إلى أن هذا الهيكل على اتصال بالتنظيم للحصول على الدعم وتلقي التدريب المسلح.

وطالب الاقتراح، الذي رفضه البرلمان، بتشكيل لجنة لمنع إعادة هيكلة «داعش» في تركيا تحت اسم «مكتب الفرقان»، وبالتحقيق في هذا الأمر استناداً إلى لائحة اتهام أعدتها النيابة العامة في ديار بكر، بجنوب شرقي تركيا، بشأن الهيكل الجديد لتنظيم «داعش»، والمسمى «مكتب الفرقان».

عملية أمنية ضد عناصر «داعش» في إسطنبول (الداخلية التركية)

ولفت إلى أن التنظيم قام بأنشطة دعائية في تركيا وجورجيا وأذربيجان وروسيا وأوكرانيا والشيشان ومالي وأوغندا والسودان، لتجنيد أعضاء جدد، وبَذَل جهوداً لتوفير موارد مالية، وتنفيذ أنشطة مسلحة وعسكرية، وقال إن مقاتلين من «داعش» تلقوا تدريبات عسكرية في جورجيا، وقدِموا إلى تركيا.

وجاء في الاقتراح أن هناك معلومات تفيد بأن مدينة يالوفا أصبحت مركزاً لأنشطة التنظيم، وأنه حتى لو لم يكن بالإمكان ربط المجموعة التي تجمعت حول مجلة «الأخلاق والسنة»، التي لها تمثيل في جورجيا، بشكل مباشر بعملية إعادة هيكلة «داعش»، فإنها على اتصال وثيق بالتنظيم للحصول على قاعدة وتلقي تدريبات مسلحة، كما أنها تدعم أنشطته من خلال تمثيلها في جورجيا.

وشنت أجهزة الأمن التركية عقب اشتباك يالوفا حملة موسعة في أنحاء البلاد، قبضت خلالها على أكثر من 500 من عناصر التنظيم، بينهم أجانب، وأحبطت مخططات لتنفيذ هجمات خلال احتفالات عيد الميلاد ورأس السنة.


مقالات ذات صلة

إردوغان بحث مع زيلينسكي سُبل إنهاء حرب روسيا وأوكرانيا وقضايا أمنية

شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بقصر دولمه بهشه في إسطنبول السبت (الرئاسة التركية)

إردوغان بحث مع زيلينسكي سُبل إنهاء حرب روسيا وأوكرانيا وقضايا أمنية

بحث الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي تطورات الحرب الروسية الأوكرانية، وسبل استئناف المحادثات الرامية إلى إنهائها.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
آسيا زعيم المعارضة التركية رئيس حزب «الشعب الجمهوري» أوزغور أوزيل يسعى إلى الانتخابات المبكرة عبر انتخابات برلمانية فرعية (من حساب الحزب في «إكس»)

المعارضة التركية تضغط على إردوغان للتوجه إلى انتخابات مبكرة

صعّدت المعارضة التركية ضغوطها من أجل التوجه إلى انتخابات مبكرة، في ظل تمسك حزب «العدالة والتنمية» الحاكم بإجراء الانتخابات في موعدها المقرر عام 2028.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره التركي رجب طيب إردوغان خلال مؤتمر صحافي مشترك (الكرملين)

بوتين وإردوغان يدعوان إلى وقف فوري لإطلاق النار في الشرق الأوسط

دعا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره التركي رجب طيب إردوغان إلى وقف فوري لإطلاق النار في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا نافلة نفط تعبر مضيق البوسفور في إسطنبول (رويترز)

تركيا تتمسك بنهجها الأمني في البحر الأسود في إطار «اتفاقية مونترو»

نفت تركيا علاقة حلف شمال الأطلسي (ناتو) بـ«قوة أوكرانيا متعددة الجنسيات» التي يجري العمل على إنشائها من جانب «تحالف الراغبين»

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية مظاهرة لأكراد في ألمانيا للمطالبة بإطلاق سراح زعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان (د.ب.أ)

تركيا: جدل حاد حول تغيير وضع أوجلان في سجن إيمرالي

فجر الكشف عن إنشاء السلطات التركية مجمعاً سكنياً وإدارياً في جزيرة «إيمرالي» لينتقل إليه زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان جدلاً واسعاً

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

روسيا تباشر إجلاء 198 عاملاً من محطة بوشهر النووية في إيران

صورة عامة للمفاعل النووي الرئيسي في بوشهر جنوب طهران 21 أغسطس 2010 (رويترز)
صورة عامة للمفاعل النووي الرئيسي في بوشهر جنوب طهران 21 أغسطس 2010 (رويترز)
TT

روسيا تباشر إجلاء 198 عاملاً من محطة بوشهر النووية في إيران

صورة عامة للمفاعل النووي الرئيسي في بوشهر جنوب طهران 21 أغسطس 2010 (رويترز)
صورة عامة للمفاعل النووي الرئيسي في بوشهر جنوب طهران 21 أغسطس 2010 (رويترز)

بدأت روسيا، السبت، إجلاء 198 عاملاً من محطة بوشهر النووية في إيران، التي أُصيب محيطها بضربة أميركية-إسرائيلية جديدة في وقت سابق، أدانتها موسكو بشدة.

ونقلت وكالة «تاس» عن المدير العام لوكالة «روساتوم» النووية، أليكسي ليخاتشيف، قوله إنّ «موجة الإجلاء الرئيسية لموظفي (روساتوم) من إيران بدأت اليوم كما هو مخطط لها».

وأضاف أنّ حافلات تقل «198 شخصاً» غادرت نحو الحدود الأرمينية «بعد نحو 20 دقيقة» من الضربة الجديدة التي استهدفت محيط محطة الطاقة النووية.

وقال إن هذه «أكبر عملية إجلاء» لموظفين روس من المحطة منذ بدء الحرب في الشرق الأوسط.

وأسفرت ضربة أميركية-إسرائيلية جديدة على محيط محطة بوشهر النووية في جنوب غربي إيران عن مقتل أحد عناصر الحماية السبت، حسبما أفادت وسائل إعلام رسمية في إيران.

صورة ملتقطة من قمر «بلانيت لابس بي بي سي» تظهر محطة بوشهر في جنوب إيران (أرشيفية - أ.ب)

وشاركت روسيا في بناء المحطة، ويساعد فنيون روس في تشغيلها.

وقالت المتحدثة باسم الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، في بيان: «ندين بشدة هذا العمل الشرير الذي أسفر عن مقتل شخص»، لافتة إلى أن «الضربات على المنشآت النووية الإيرانية، بما فيها محطة (بوشهر) للطاقة النووية، يجب أن تتوقف فوراً».

وهذه المرة الرابعة التي تُستهدف فيها هذه المنطقة الواقعة على سواحل الخليج منذ بدء الحرب في الشرق الأوسط في 28 فبراير (شباط)، حسبما أفادت وكالة «إرنا» الإيرانية للأنباء.

وقال ليخاتشيف لصحافيين روس: «للأسف، يتزايد احتمال وقوع أضرار أو حادث نووي يومياً، كما أظهرت أحداث هذا الصباح».

وسبق أن أُجلي عشرات الموظفين الروس من المحطة في الأيام الأولى للحرب.

وكان 163 موظفاً آخرين قد غادروا الموقع في 25 مارس (آذار) بعدما استهدفته ضربة، واستبعد ليخاتشيف، حينها، إمكان إجلاء جميع موظفي «روساتوم»، مؤكداً أنه سيتعين على «عشرات الأشخاص» البقاء في الموقع.


إسقاط الطائرتين الأميركيتين يبدد سردية «الحسم السريع»

طائرة أميركية ترافقها طائرات هليكوبتر متخصصة في عمليات إنقاذ الطيارين في ميادين القتال خلال البحث عن الطيار الأميركي المفقود (أ.ف.ب)
طائرة أميركية ترافقها طائرات هليكوبتر متخصصة في عمليات إنقاذ الطيارين في ميادين القتال خلال البحث عن الطيار الأميركي المفقود (أ.ف.ب)
TT

إسقاط الطائرتين الأميركيتين يبدد سردية «الحسم السريع»

طائرة أميركية ترافقها طائرات هليكوبتر متخصصة في عمليات إنقاذ الطيارين في ميادين القتال خلال البحث عن الطيار الأميركي المفقود (أ.ف.ب)
طائرة أميركية ترافقها طائرات هليكوبتر متخصصة في عمليات إنقاذ الطيارين في ميادين القتال خلال البحث عن الطيار الأميركي المفقود (أ.ف.ب)

بعد 34 يوماً من الحرب، جاء إسقاط الطائرتين الأميركيتين ليكسر السردية التي روّجت لها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن أن إيران فقدت القدرة على الإيذاء، وأن الحملة الجوية تسير نحو «خط النهاية».

فالحادثة لم تكن مجرد خسارة ميدانية، بل ضربة سياسية ونفسية في توقيت بالغ الحساسية، قبل يومين فقط من انتهاء مهلة 6 أبريل (نيسان) التي لوّح ترمب بعدها بإعادة إيران إلى «العصر الحجري».

الأهم أن التطور تزامن مع تقارير استخبارية أميركية تفيد بأن طهران تعيد فتح المخابئ والصوامع المقصوفة خلال ساعات، ومع استمرار قبضتها على مضيق هرمز بوصفه ورقة الضغط الأكثر فاعلية لديها. هكذا، بدا أن الحرب دخلت مرحلة جديدة: لم يعد السؤال فقط كم هدفاً دُمّر داخل إيران، بل هل استطاعت واشنطن فعلاً حرمان طهران من القدرة على الصمود، أم أنها ألحقت بها أضراراً جسيمة من دون أن تنتزع منها أوراق الردع الأخيرة؟

فجوة الخطاب والميدان

أبرز ما كشفه إسقاط الطائرتين هو الفجوة بين الخطاب الأميركي والواقع الميداني. فواشنطن تحدثت خلال الأيام الماضية عن تراجع الهجمات الإيرانية بنسبة حادة، وعن «هيمنة جوية ساحقة». لكن وكالة «أسوشييتد برس» أشارت إلى أن إسقاط مقاتلة أميركية، وهبوط أخرى اضطرارياً بعد إصابتها، مع استمرار البحث عن أحد أفراد الطاقم، أظهر أن إيران ما زالت تملك قدرة كافية لإرباك العمليات، وفرض تكلفة مباشرة على الولايات المتحدة.

هذا لا يعني أن الدفاعات الإيرانية استعادت توازنها السابق، لكنه يعني أن تدميرها لم يكن كاملاً، وأن ما تبقى منها، أو ما استُحدث من وسائل متنقلة ومنخفضة البصمة، يكفي لكسر صورة الحرب المعقمة التي حاولت واشنطن تسويقها.

إيران والبقاء المرن

الجسر الذي دمرته غارة جوية أميركية في موقع جنوب غربي طهران (أ.ف.ب)

سياسياً، يرى مراقبون أن خطورة الحادثة تكمن في أنها تمنح طهران إنجازاً رمزياً كبيراً؛ فهي لا تغيّر ميزان القوى العام، لكنها تثبت أن إيران لم تتحول إلى ساحة مفتوحة بلا أنياب، وأن أي حديث أميركي عن الحسم السريع كان سابقاً لأوانه.

التحليلات الأميركية الأخيرة توحي بأن المسألة الأهم لم تعد في عدد البطاريات أو المنظومات التي بقيت لدى إيران، بل في قدرتها على اعتماد نمط «البقاء المرن». وقالت صحيفة «نيويورك تايمز» إن تقارير الاستخبارات تحدثت بوضوح عن إزالة الأنقاض سريعاً من فوق المخابئ والصوامع المقصوفة، وإعادتها إلى العمل بعد ساعات.

كما أشارت إلى أن طهران ما زالت تحتفظ بجزء معتبر من الصواريخ والقاذفات المتحركة. هذا يعني أن انخفاض وتيرة الإطلاقات الإيرانية لا يثبت بالضرورة انهيار القدرة، بل قد يعكس قراراً واعياً بترشيد الاستخدام، والحفاظ على ما تبقى لأطول وقت ممكن.

كما أن كثافة الأهداف الوهمية والتمويه تجعل تقدير ما دُمّر فعلاً أكثر صعوبة، وهو ما يفسر تزايد الشكوك داخل واشنطن بشأن مدى اقترابها من القضاء على القدرة الصاروخية الإيرانية.

ترمب وتناقضات النهاية

المعضلة الأكثر وضوحاً الآن هي أن ترمب رفع سقف التهديد إلى مستوى يصعب التراجع عنه من دون ثمن سياسي، وفق محللين غربيين. ففي الأيام الأخيرة، أطلق رسائل متناقضة: مرة يقول إن الدول الأوروبية والآسيوية هي التي يفترض أن تعيد فتح هرمز لأنها الأكثر اعتماداً على نفطه، ومرة يتحدث عن أن الولايات المتحدة تستطيع «بسهولة» السيطرة على المضيق و«تحقيق ثروة» من النفط. وفي الوقت نفسه، استمر فريقه في التأكيد أن إيران تتراجع وأن نهاية الحرب باتت مرئية.

لكن إسقاط الطائرتين أربك هذه المعادلة؛ لأن الرئيس الأميركي بات أمام خيارين أحلاهما مُرّ: إما التصعيد لإثبات أن الضربة الإيرانية لن تغيّر مسار الحرب، وإما ترك باب التسوية مفتوحاً، بما قد يظهره كمن خفف شروطه تحت النار، بحسب «رويترز».

وتوقعت أن تزداد في الساعات المقبلة اللغة الأميركية تشدداً، ليس فقط للضغط على طهران، بل أيضاً لاستيعاب التداعيات على الداخل الأميركي، حيث لا تحظى الحرب أصلاً بإجماع واسع، بينما ترتفع حساسية الرأي العام تجاه القتلى والخسائر وارتفاع أسعار الوقود.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)

«هرمز» مركز الثقل

إذا كان البرنامج النووي هو عنوان الحرب المعلن، فإن مضيق هرمز صار عنوانها العملي. وأشارت «رويترز»، يوم السبت، إلى أن إيران تستخدم المضيق ورقة ابتزاز رئيسية، وسمحت بعبور بعض السفن المرتبطة بدول أو شحنات لا تعدّها معادية، بينما يبقى المرور خاضعاً لشروط إيرانية مباشرة أو غير مباشرة.

وبهذا المعنى، لم تعد طهران تراهن فقط على ما تبقى من صواريخها، بل على قدرتها على إبقاء جزء أساسي من الاقتصاد العالمي في حالة قلق دائم.

فالمضيق الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية يمنح إيران ما عجز برنامجها النووي عن منحه: نفوذاً فورياً ومستمراً على الأسواق وعلى حسابات خصومها الإقليميين والدوليين؛ ولهذا يرى كثير من المراقبين أن نتيجة الحرب لن تحددها الغارات الجوية وحدها، بل ما إذا كانت إيران ستخرج منها وهي لا تزال ممسكة بمفتاح هرمز. فإن حدث ذلك، فستكون قد خسرت عسكرياً على الأرض، لكنها احتفظت بورقة جيوسياسية قادرة على تعويض جزء من تلك الخسائر.

يزيد المشهد تعقيداً أن حلفاء واشنطن لا يبدون استعداداً حقيقياً لمجاراة ترمب في أي مغامرة عسكرية واسعة لفتح المضيق بالقوة. الأوروبيون، خصوصاً فرنسا، بعثوا بإشارات واضحة إلى أن الخيار العسكري في هرمز «غير واقعي»، وأن إعادة الملاحة الحرة تمر بتفاهمات أوسع لا بتوسيع الحرب.

وحتى القوى الآسيوية المستفيدة مباشرة من فتح المضيق تبدو حذرة من الانخراط في مواجهة قد تفجر أسعار الطاقة أكثر، وتدفع الإقليم إلى مرحلة أشد فوضى. ويرى محللون أن هذا التردد يترك الولايات المتحدة شبه وحيدة أمام معضلة ثقيلة: فإذا أرادت فتح هرمز بالقوة، فقد تحتاج إلى عملية عسكرية أوسع وأكثر تكلفة، مع أخطار بشرية وسياسية متزايدة بعد إسقاط الطائرتين. وإذا أحجمت، فإنها تترك لإيران أهم ورقة ابتزاز في الحرب.

تصعيد غير مضمون

بقايا صاروخ إيراني سقط على مزرعة أبقار في مستوطنة إسرائيلية في الضفة الغربية (إ.ب.أ)

ورجحت وكالة «أسوشييتد برس» قبل انتهاء مهلة 6 أبريل، أن يواصل ترمب رفع السقف، وأن تكثف إدارته الضغط العسكري والسياسي لإظهار أن إسقاط الطائرتين لن يبدل اتجاه الحرب.

وأوضحت الوكالة أنه على الأرجح أن هذا التصعيد لن يحل المعضلة الأساسية: الولايات المتحدة تستطيع زيادة التدمير، لكنها لم تثبت بعد أنها قادرة على فرض نهاية سياسية واضحة؛ فإيران، رغم إنهاكها، ما زالت تقاتل من تحت الأنقاض، وتحتفظ بقدرة على الضرب، وبمرونة في استعادة بعض قدراتها، وبورقة هرمز التي تمنحها نفوذاً يتجاوز وزنها العسكري الراهن.

لذلك، فإن ما كشفته الأيام الأخيرة هو أن الحرب دخلت مرحلة أكثر تعقيداً: مرحلة لا يكفي فيها التفوق الجوي لإعلان النصر، ولا يكفي فيها الصمود الإيراني لادعاء الانتصار، بل تُقاس النتائج بقدرة كل طرف على فرض شكل النهاية التي قيل إنها تقترب.


إردوغان بحث مع زيلينسكي سُبل إنهاء حرب روسيا وأوكرانيا وقضايا أمنية

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بقصر دولمه بهشه في إسطنبول السبت (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بقصر دولمه بهشه في إسطنبول السبت (الرئاسة التركية)
TT

إردوغان بحث مع زيلينسكي سُبل إنهاء حرب روسيا وأوكرانيا وقضايا أمنية

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بقصر دولمه بهشه في إسطنبول السبت (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بقصر دولمه بهشه في إسطنبول السبت (الرئاسة التركية)

بحث الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي تطورات الحرب الروسية الأوكرانية، وسبل استئناف المحادثات الرامية إلى إنهائها، إلى جانب التطورات الإقليمية والقضايا الأمنية. وقالت مصادر في الرئاسة التركية إن إردوغان بحث، خلال لقائه زيلينسكي في المكتب الرئاسي بقصر دولمه بهشه في إسطنبول، السبت، عدداً من القضايا المهمة، في مقدمتها سبل إنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا وتحقيق السلام.

وحسب رئيس دائرة الاتصال في الرئاسة التركية، برهان الدين دوران، الذي حضر المباحثات بين إردوغان وزيلينسكي، والتي شارك فيها من الجانب التركي وزير الخارجية هاكان فيدان ورئيس المخابرات إبراهيم كالين، ومن الجانب الأوكراني أمين مجلس الأمن القومي والدفاع رستم عمروف، فقد تناولت المباحثات قضايا العلاقات الثنائية، إضافة إلى التطورات الإقليمية، وجهود وقف إطلاق النار، والسعي نحو حل دائم للحرب الروسية الأوكرانية، بما في ذلك مسار مفاوضات إسطنبول.

جانب من مباحثات إردوغان وزيلينسكي ووفدي البلدين في قصر دولمه بهشه في إسطنبول السبت (الرئاسة التركية)

وقام الرئيس الأوكراني بجولة في عدد من دول الشرق الأوسط قبل أسبوع؛ حيث عرض على دول الخليج العربي التكنولوجيا اللازمة للتصدي لهجمات الطائرات المسيّرة الإيرانية.

وعدّ الرئيس التركي، السبت، خلال مكالمة عبر الهاتف مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، مارك روته، أن الحرب في الشرق الأوسط «أدت إلى مأزق جيواستراتيجي». وأفاد بيان للرئاسة التركية بأن «الرئيس إردوغان أعلن أن العملية التي بدأت بتدخل ضد إيران أدّت إلى مأزق جيواستراتيجي، وعلى المجتمع الدولي أن يُضاعف جهوده لوضع حد لهذه الحرب».

وجاءت زيارة زيلينسكي لتركيا، وهي زيارة عمل قصيرة، غداة مباحثات أجراها إردوغان مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في اتصال هاتفي الجمعة، تناولت التطورات الإقليمية والحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران والجهود المبذولة لإنهائها.

واتّهم بوتين أوكرانيا بمحاولة استهداف خط الغاز بين روسيا وتركيا الذي يوصل الإمدادات إلى عدد من الدول الأوروبية. وعقب وصوله إلى إسطنبول، قال زيلينسكي عبر حساباته على منصات التواصل الاجتماعي: «وصلت إلى إسطنبول؛ حيث ستعقد اجتماعات مهمة، تم الإعداد لمحادثات غاية في الأهمية مع رئيس تركيا رجب طيب إردوغان». وأضاف: «نعمل على تعزيز شراكتنا لضمان حماية حقيقية لأرواح الناس، وتعزيز الاستقرار، وضمان الأمن في أوروبا وفي الشرق الأوسط».

فيدان خلال استقبال أمين مجلس الأمن القومي والدفاع الأوكراني رستم عمروف بـ«الخارجية التركية» الثلاثاء الماضي (الخارجية التركية)

وسبقت زيارة زيلينسكي مباحثات لوزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، وأمين مجلس الأمن القومي والدفاع رستم عمروف، عقدت بمقر «الخارجية التركية» في أنقرة، الثلاثاء الماضي، وتناولت العلاقات الثنائية وتطورات الحرب الروسية الأوكرانية وسُبل استئناف المحادثات الرامية لإنهائها، إلى جانب قضايا الأمن الأوروبي، والتطورات الإقليمية.

وبالتزامن مع مباحثات زيلينسكي في إسطنبول، قال مسؤولون أوكرانيون، السبت، إن 4 أشخاص بينهم شخص يبلغ 16 عاماً من العمر، لقوا حتفهم في هجوم روسي بقنبلة انزلاقية على مدينة كراماتورسك بشرق أوكرانيا.

وقالت الشرطة في مدينة سومي إن الهجمات الروسية بالمسيّرات ليلاً على المدينة الواقعة بشمال شرقي أوكرانيا أسفرت عن إصابة 11 شخصاً على الأقل.

وقال عمدة كييف، فيتالي كليتشكو، إن أجزاء المسيّرات المتساقطة أشعلت النيران في مبنى مكتبي في العاصمة. وأعلن سلاح الجو الأوكراني عن صد 260 مسيّرة من أصل 286 أطلقتها القوات الروسية ليلاً، وجرى الإبلاغ عن قصف 11 هدفاً.

وعلى الجانب الروسي، قال حاكم روستوف، يوري سليوسار، إن شخصاً قتل وأصيب 4 أشخاص آخرين في مدينة تاغانروغ الواقعة بالمنطقة جرّاء هجوم بالمسيّرات الأوكرانية. وتضم المدينة، المطلة على بحر أزف، مصنعاً للطائرات ومصنعين للطائرات المسيرة.

زيلينسكي يصافح مستقبليه لدى وصوله إلى إسطنبول السبت (أ.ف.ب)

وتضمن جدول زيارة زيلينسكي لإسطنبول لقاء مع بطريرك القسطنطينية برثلماوس الأول، الزعيم الروحي لمعظم الكنائس المسيحية الأرثوذكسية، قبل أسبوع من عيد الفصح الأرثوذكسي في 12 أبريل (نيسان) الحالي؛ حيث تضغط كييف من أجل إعلان هدنة في عطلة العيد، تشمل وقف الهجمات على البنى التحتية للطاقة.

وتقول روسيا، التي تؤكد سعيها إلى تسوية دائمة بدلاً من وقف قصير الأمد لإطلاق النار، إنها لم ترَ أي مقترحات «بصياغة واضحة» من جانب كييف للتوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار.