«الوحدة» الليبية تلجأ لـ«التسعيرة الجبرية» لمواجهة الغلاء

في خطوة أثارت انتقادات واسعة بين رجال الاقتصاد والمواطنين

حملة تفتيش على أحد متاجر بيع المواد الغذائية في طرابلس (إدارة إنفاذ القانون)
حملة تفتيش على أحد متاجر بيع المواد الغذائية في طرابلس (إدارة إنفاذ القانون)
TT

«الوحدة» الليبية تلجأ لـ«التسعيرة الجبرية» لمواجهة الغلاء

حملة تفتيش على أحد متاجر بيع المواد الغذائية في طرابلس (إدارة إنفاذ القانون)
حملة تفتيش على أحد متاجر بيع المواد الغذائية في طرابلس (إدارة إنفاذ القانون)

تزايد الجدل بشأن إجراءات الحكومة لضبط ارتفاع الأسعار في غرب ليبيا، بعد أن تمسكت حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة بقرار اللجوء إلى «التسعيرة الجبرية»، والحملات الأمنية لمواجهة ما وصفته بالجهات الاحتكارية، في خطوة أثارت انتقادات واسعة بين رجال الاقتصاد والمواطنين حول جدوى هذه الإجراءات، وقدرتها على خفض الأسعار بشكل مستدام.

وتعوّل وزارة الاقتصاد على «التسعيرة الجبرية» لبعض السلع، باعتبارها «أداة مؤقتة» لخفض الأسعار دون التسبب في اختفاء السلع، أو خلق نقص مصطنع في السوق، مستشهدة في بيان بمثال توريد أعلاف بقيمة تقارب مليار دولار، وهي ضرورية من أجل الثروة الحيوانية، والذي يُفترض معه ارتفاع المعروض، وانعكاس ذلك على انخفاض الأسعار، بدلاً من وصولها إلى الحد الأعلى في كافة البلديات.

وزير الاقتصاد في غرب ليبيا محمد الحويج ووكيل الوزارة سهيل أبو شيحة في اجتماع حكومي بطرابلس (صفحة الوزارة)

وإلى جانب الأعلاف، سبق أن وضعت الوزارة «تسعيرة جبرية» للزيت، تتراوح بين 8.25 و8.75 دينار، علماً بأن سعر الدولار في السوق الرسمية يصل إلى 5.42 دينار، وفي الموازية إلى 8.77 دينار.

وقالت الوزارة في بيانها، الجمعة، إن الأسعار «قابلة للمراجعة والتصحيح فوراً، متى ما ثبت انخفاض التكلفة وارتفاع العرض الحقيقي».

ويشير الخبير الاقتصادي وحيد الجبو، المسؤول السابق في الاتحاد العام لغرف التجارة والصناعة والزراعة في ليبيا، إلى قانونية هذا التوجه، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن «القانون التجاري رقم 23 لعام 2010، الصادر في عهد النظام السابق، يترك الأسعار للعرض والطلب، ويمكن للسلطة تحديد هامش الربح على أي سلعة، وفق السعر الرسمي للدولار، بين 25 و30 في المائة من التكلفة، مع مراقبة الحكومة لذلك».

ومع ذلك، أطلق مسؤولون سابقون وخبراء اقتصاديون تحذيرات من أن هذه الإجراءات قد تكون محدودة الفاعلية. وعلى سبيل المثال، فقد رأى محمد أبو سنينة، المدير السابق لإدارة الرقابة على النقد بالمصرف المركزي، أن تطبيق «التسعيرة الجبرية» على سوق مفتوحة قد يؤدي إلى نتائج عكسية، وأن الإجراءات الحالية لا تعالج جذور الأزمة الاقتصادية، مؤكداً أن خفض الأسعار لا يتحقق بفرض «التسعيرة الجبرية» أو الحملات الأمنية فقط.

إغلاق شركة ليبية قامت ببيع الدقيق بأسعار مرتفعة في طرابلس (إدارة إنفاذ القانون)

من جهته، يشير أستاذ الاقتصاد بجامعة مصراتة، مختار الجديد، إلى أن المنافسة هي المحدد الرئيس للأسعار ورفع جودة المنتجات، لكنه يوضح أن نظام الاعتمادات المستندية الحالي يجعل السلع الأساسية تورد عبر عدد محدود من التجار، مما يؤدي إلى احتكار السوق، وتمكينهم من التحكم في الأسعار في غياب المنافسة.

وأظهرت أرقام حكومية حديثة ارتفاعاً كبيراً في أسعار بعض السلع الغذائية الأساسية، مثل الدقيق بنسبة تصل إلى 33 في المائة في ديسمبر (كانون الأول) 2025، مما حدا بحكومة الدبيبة، الأسبوع الماضي، إلى إطلاق حملة واسعة لضبط الأسعار، عبر تشكيل لجنة حكومية، وتكثيف الجولات التفتيشية على مخازن الشركات الموردة في مختلف المناطق.

أمنياً، شنت الدوريات التابعة لوزارة الداخلية حملات على أسواق طرابلس، أسفرت عن إغلاق سوق، وضبط شاحنات محمّلة بالسلع الغذائية كانت في طريقها إلى الجنوب دون فواتير رسمية، وأغلقت الحملة شركات وسوقاً مخالفة لبيع الدقيق والزيت بأسعار مرتفعة وغير معتمدة. كما أحالت وزارة الاقتصاد ملفات 122 شركة إلى الجهات الضبطية بتهمة التلاعب بأسعار زيت الطهي.

أرقام حكومية حديثة أوضحت ارتفاعاً كبيراً في أسعار بعض السلع الغذائية الأساسية مثل الدقيق (أ.ف.ب)

وأعرب وكيل وزارة الاقتصاد والتجارة، سهيل أبو شيحة، عن تفاؤله بنتائج الحملة، مشيراً إلى «انخفاض واضح في أسعار السلع الأساسية، مع انخفاض بعض السلع أكثر من 30 في المائة مقارنة بما قبل الحملة»، مؤكداً استمرار الحملات لتشمل جميع المدن والمناطق.

غير أن هناك من يرى أن معالجة ارتفاع الأسعار تتطلب مقاربة شاملة، وهي تشمل من منظور المستشار الاقتصادي وحيد الجبو «وقف ارتفاع سعر الدولار، وتحجيم الإنفاق الحكومي، ومكافحة الفساد، وضبط هامش الربح القانوني للتجار، والالتزام بالاعتمادات المصرفية للشراء».

وعلى نحو أكثر اتساعاً، لا يرى الجبو بديلاً عن «إعادة هيكلة مؤسسات الاقتصاد الليبي، إضافة إلى إغلاق الأجهزة والمؤسسات الفاشلة أو غير المجدية، وإعادة ميزانياتها إلى الخزينة العامة للدولة».

وبين «التسعيرة الجبرية» والتدخل الأمني، وأمل خفض الأسعار وتحذيرات الاقتصاديين... يظل المواطن الليبي في انتظار نتائج ملموسة على أرض الواقع، وسط تحديات مستمرة في الأسواق المفتوحة والهيكلية الاقتصادية للبلاد.


مقالات ذات صلة

توحيد الجيش الليبي يتصدر مباحثات الدبيبة ونائب قائد «أفريكوم»

شمال افريقيا الدبيبة في لقاء مع نائب قائد أفريكوم بطرابلس الأربعاء (مكتب الدبيبة)

توحيد الجيش الليبي يتصدر مباحثات الدبيبة ونائب قائد «أفريكوم»

تصدرت جهود توحيد المؤسسة العسكرية بليبيا أجندة مباحثات رئيس حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة عبد الحميد الدبيبة مع نائب قائد القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا

خالد محمود (القاهرة)
الاقتصاد رئيس المؤسسة الوطنية للنفط الليبية وسط ممثلي شركات النفط الفائزة بالمناقصة الأخيرة للنفط والغاز في طرابلس 11 فبراير 2026 (رويترز)

ليبيا تمنح تراخيص استكشاف للنفط والغاز في أول جولة منذ 2007

منحت ليبيا، الأربعاء، تراخيص تنقيب عن النفط والغاز لشركات أجنبية من بينها «شيفرون» و«إيني» و«قطر للطاقة» و«ريبسول» في أول جولة عطاءات منذ نحو عقدين.

«الشرق الأوسط» (طرابلس)
شمال افريقيا قائد «الجيش الوطني» الليبي المشير خليفة حفتر (إعلام القيادة العامة)

«الوطني الليبي» ينفي سيطرة مجموعات مسلحة على شريط حدودي بالجنوب

نفى مصدر عسكري ليبي مسؤول، تابع لـ«الجيش الوطني الليبي»، بقيادة المشير خليفة حفتر، ما تم تداوله عبر صفحات ليبية بشأن فرض مجموعات مسلحة سيطرتها على الشريط الحدود

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة (الوحدة)

الدبيبة يبحث مع مسؤول بقوة «أفريكوم» الشراكة مع أميركا لدعم الاستقرار

رئيس حكومة الوحدة الوطنية يبحث مع نائب قائد القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) آفاق تعزيز التعاون العسكري والأمني بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس جهاز ديوان المحاسبة الليبي خالد شكشك متحدثاً خلال ملتقى في مدينة جنزور الأربعاء (إدارة الإعلام بالحرس البلدي)

تصنيف ليبيا بين أكثر 5 دول فساداً في العالم يفجر غضب الليبيين

عمَّت أجواء مرارة وغضب واسع بين شرائح كبيرة من الليبيين، بعد تصنيف بلادهم ضمن أكثر خمس دول فساداً في العالم، وفق تقديرات منظمة الشفافية الدولية الصادرة مؤخراً.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

«أطباء السودان»: انتشال 15 جثة بعد غرق عبارة في نهر النيل بشمال السودان

مشهد لأفق العاصمة السودانية الخرطوم على ضفاف نهر النيل الأزرق وجسر توتي الذي يربط المدينة بجزيرة توتي القريبة (أرشيفية - أ.ف.ب)
مشهد لأفق العاصمة السودانية الخرطوم على ضفاف نهر النيل الأزرق وجسر توتي الذي يربط المدينة بجزيرة توتي القريبة (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

«أطباء السودان»: انتشال 15 جثة بعد غرق عبارة في نهر النيل بشمال السودان

مشهد لأفق العاصمة السودانية الخرطوم على ضفاف نهر النيل الأزرق وجسر توتي الذي يربط المدينة بجزيرة توتي القريبة (أرشيفية - أ.ف.ب)
مشهد لأفق العاصمة السودانية الخرطوم على ضفاف نهر النيل الأزرق وجسر توتي الذي يربط المدينة بجزيرة توتي القريبة (أرشيفية - أ.ف.ب)

قالت شبكة أطباء السودان، اليوم (الأربعاء)، إنه تم انتشال 15 جثة بعد غرق عبارة تحمل أكثر من 27 شخصا، بينهم نساء وأطفال، في نهر النيل بشمال السودان.

وأضافت في منشور على «فيسبوك» أن ستة آخرين نجوا، في حين ما زال الدفاع المدني يبحث عن المفقودين بعد غرق العبارة بين منطقتي طيبة الخواض وديم القراي في محلية شندي.


السودان: مقتل 15 شخصاً على الأقل بعد غرق مركب في نهر النيل

عائلات تتجمع بجانب المياه الضحلة لنهر النيل في جزيرة توتي حيث يلتقي النيلان الأزرق والأبيض في الخرطوم (أرشيفية - أ.ف.ب)
عائلات تتجمع بجانب المياه الضحلة لنهر النيل في جزيرة توتي حيث يلتقي النيلان الأزرق والأبيض في الخرطوم (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

السودان: مقتل 15 شخصاً على الأقل بعد غرق مركب في نهر النيل

عائلات تتجمع بجانب المياه الضحلة لنهر النيل في جزيرة توتي حيث يلتقي النيلان الأزرق والأبيض في الخرطوم (أرشيفية - أ.ف.ب)
عائلات تتجمع بجانب المياه الضحلة لنهر النيل في جزيرة توتي حيث يلتقي النيلان الأزرق والأبيض في الخرطوم (أرشيفية - أ.ف.ب)

أفادت مجموعة طبية بغرق مركب (عبّارة ركاب) في نهر النيل بالسودان، ما أسفر عن مقتل 15 شخصاً على الأقل، وفق ما ذكرته وكالة «أسوشييتد برس» للأنباء.

وغرقت العبّارة، التي كانت تقلّ 27 شخصاً على الأقل، بينهم نساء وأطفال، في ولاية نهر النيل بشمال السودان، وفقاً لـ«شبكة أطباء السودان»، وهي منظمة طبية تتابع الحرب الدائرة في البلاد.

وأوضحت الشبكة أنه تم انتشال 15 جثة على الأقل، بينما لا يزال السكان وفرق الإنقاذ يبحثون عن ستة ضحايا آخرين على الأقل. وأشارت إلى نجاة ستة أشخاص من الحادث.


حديث عن «مخالفات سابقة» يلاحق وزيرتين جديدتين بالحكومة المصرية

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال لقاء مع موظفين الأربعاء (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال لقاء مع موظفين الأربعاء (مجلس الوزراء)
TT

حديث عن «مخالفات سابقة» يلاحق وزيرتين جديدتين بالحكومة المصرية

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال لقاء مع موظفين الأربعاء (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال لقاء مع موظفين الأربعاء (مجلس الوزراء)

لاحق حديث عن «مخالفات سابقة» وزيرتين جديدتين في الحكومة المصرية التي حازت على ثقة مجلس النواب المصري الثلاثاء؛ لكن أعضاء في مجلس «النواب» استبعدوا هذه الوقائع، وقالوا إن الوزراء الجدد «اختيروا بعناية».

وضمت قائمة الوزراء الجدد في الحكومة التي يرأسها مصطفى مدبولي، والتي أدت اليمين الدستورية أمام الرئيس عبد الفتاح السيسي الأربعاء، جيهان زكي وزيرة للثقافة، وراندة المنشاوي وزيرة للإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية.

وعقب الإعلان عن اسمي الوزيرتين، الثلاثاء، تداولت بعض وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي أحاديث عن تحقيقات، لم تصدر من جهات رسمية، حول وقائع سابقة لهما قيل إنها «تتعلق بملكية فكرية ومخالفات مالية».

لكن عضو مجلس النواب المصري، ياسر الحفناوي، قال لـ«الشرق الأوسط»: «القيادة السياسية والأجهزة الرقابية والأمنية لها رؤيتها التي هي أشمل وأدق من الجميع في مسألة اختيار الوزراء»؛ مؤكداً أن الأسماء التي كُلفت بالحقائب الوزارية الجديدة اختيرت بعناية.

مجلس النواب المصري خلال إحدى جلساته (وزارة الشؤون النيابية والقانونية والتواصل السياسي)

ووفق إفادة لمجلس الوزراء المصري، الأربعاء، تتمتع وزيرة الثقافة «بسجل مهني وأكاديمي في مجالات الثقافة والتراث والآثار على المستويين المحلي والدولي، وجمعت بين العمل الأكاديمي والدبلوماسي والإداري والبرلماني، إلى جانب دورها في العمل العام وخدمة القضايا الثقافية، وخبرتها الممتدة لأكثر من 35 عاماً».

أما وزيرة الإسكان، فكانت تشغل منصب مساعد رئيس مجلس الوزراء للمشروعات القومية، وترأست وحدة حل مشكلات المستثمرين بمجلس الوزراء بهدف تسهيل إجراءات الاستثمار ومعالجة المعوقات التي تواجه المستثمرين داخل مصر، وشاركت في تقديم السياسات وطلبات الحلول المتعلقة بالاستثمار والتنمية، حسب تقارير إعلامية محلية.

ويقول النائب الحفناوي إن اختيار الوزراء يكون على أساس أن لهم أدوات القيادة السياسية، وأن لهم تاريخاً طويلاً، «بمعنى أن المرشح تتم دراسة ملفه بشكل جيد، وله تاريخ للحكم عليه».

ويضيف: «الاختلاف أمر طبيعي، ولن يكون هناك شخص متفق عليه 100 في المائة؛ فلا بد أن تختلف الآراء، إنما الأغلبية كانت مع تعيينهما».

وزيرة الثقافة المصرية الجديدة جيهان زكي (مجلس الوزراء المصري)

وتنص المادة «147» من الدستور على أن «لرئيس الجمهورية إجراء تعديل وزاري، بعد التشاور مع رئيس الوزراء، وموافقة مجلس النواب، بالأغلبية المطلقة للحاضرين، وبما لا يقل عن ثلث أعضاء المجلس».

وقال الحفناوي: «المواطن يراهن على الحكومة الجديدة في تحسين أوضاعه المعيشية، خصوصاً في ملف الأسعار التي شهدت ارتفاعاً خلال الفترة الماضية... والوزراء الجدد أمامهم مسؤوليات كبيرة، والشارع المصري ينتظر نتائج ملموسة وسريعة».

وزيرة الإسكان المصرية تتابع موقف تنفيذ المبادرة الرئاسية «حياة كريمة» يوم الأربعاء (مجلس الوزراء المصري)

وعقدت الوزيرة راندة المنشاوي، الأربعاء، اجتماعاً لمتابعة الموقف التنفيذي لمشروعات وزارة الإسكان ضمن المبادرة الرئاسية لتطوير الريف المصري «حياة كريمة»؛ وأكدت حسب بيان لـ«مجلس الوزراء» أن مشروعات هذه المبادرة «تمثل أولوية قصوى على أجندة عمل الوزارة خلال المرحلة المقبلة».

فيما قالت جيهان زكي إنها تحرص «على مواصلة البناء على ما حققه الوزراء السابقون، وتعزيز الحضور الثقافي المصري على الساحة الدولية، والاستفادة من الرصيد الحضاري لمصر».