في أكبر تسوية طلاق بالتاريخ... بيل غيتس يدفع 8 مليارات دولار لميليندا

بيل غيتس وطليقته ميليندا فرينش (رويترز)
بيل غيتس وطليقته ميليندا فرينش (رويترز)
TT

في أكبر تسوية طلاق بالتاريخ... بيل غيتس يدفع 8 مليارات دولار لميليندا

بيل غيتس وطليقته ميليندا فرينش (رويترز)
بيل غيتس وطليقته ميليندا فرينش (رويترز)

قدّم بيل غيتس، مؤسس شركة ««مايكروسوفت»، مبلغاً قدره 7.88 مليار دولار (نحو 5.9 مليار جنيه إسترليني) بوصفه جزءاً من تسوية طلاقه من زوجته السابقة ميليندا فرينش.

وجاءت هذه الدفعة الضخمة على شكل تبرّع متعدد المليارات إلى مؤسسة «بيفوتال فيلانثروبيز» الخاصة بميليندا فرينش غيتس، وهي مؤسسة تعمل على دعم وتمكين النساء، وفق تقرير نشرته صحيفة «تلغراف» البريطانية.

وكان الزوجان، اللذان أنجبا ثلاث بنات، قد انفصلا في عام 2021 بعد زواج دام 27 عاماً.

وكشفت صحيفة «نيويورك تايمز» تفاصيل هذا التبرع، الذي يُعد الأكبر من نوعه في التاريخ، مشيرة إلى أن المعلومات ظهرت من خلال إقرارات ضريبية.

ويُعد هذا التبرع جزءاً من تسوية الطلاق التي بلغت قيمتها الإجمالية نحو 76 مليار دولار (56.6 مليار جنيه إسترليني).

وعقب الطلاق، استقالت ميليندا فرينش غيتس من منصبها بوصفها نائبة رئيس في مؤسسة «بيل وميليندا غيتس» في مايو (أيار) 2024.

إبستين في خلفية الانفصال

وكانت ميليندا فرينش غيتس قد صرّحت في وقت سابق بأن علاقة زوجها السابق مع جيفري إبستين، الذي وصفته بأنه «شرير ومقزز»، كانت أحد العوامل التي دفعتها إلى اتخاذ قرار الطلاق.

وقالت فرينش غيتس، البالغة من العمر 57 عاماً، إنها «أوضحت بجلاء» مدى انزعاجها من تعامل زوجها آنذاك مع إبستين، المدان بجرائم استغلال جنسي للأطفال، إلا أن تحذيراتها لم تلقَ استجابة.

وأضافت: «لم يكن الأمر متعلقاً بسبب واحد، بل بعدة أسباب. لم يعجبني أنه كان يعقد اجتماعات مع جيفري إبستين»، وذلك رداً على سؤال حول أسباب الانفصال.

وخلال مقابلة مع برنامج «CBS Mornings» في مارس (آذار)، قالت إنها وافقت على لقاء إبستين بدافع الفضول لمعرفة «من يكون هذا الرجل».

وأضافت: «ندمت على ذلك منذ اللحظة التي دخلت فيها من الباب. كان مقززاً. كان الشر متجسداً. راودتني كوابيس بعد ذلك اللقاء».

وتُعد علاقة بيل غيتس بإبستين موثّقة على نطاق واسع، إذ التقى به عدة مرات، من بينها ثلاث زيارات على الأقل إلى منزله في نيويورك بدءاً من عام 2011، أي بعد خمس سنوات من إقرار إبستين بالذنب في قضايا تتعلق باستغلال قاصرات، والدعارة في ولاية فلوريدا.

ورغم ذلك، لم تُوجَّه أي اتهامات بسلوك غير قانوني إلى بيل غيتس.

وعاد الجدل حول هذه العلاقة إلى الواجهة في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، بعد نشر مجموعة من 68 صورة من قبل الديمقراطيين، تضمنت صورتين لغيتس برفقة نساء جرى طمس وجوههن، إضافة إلى صورة لإطار يحتوي على صورة له معلقة على جدار إبستين، وأخرى تجمعه بأندرو ماونتباتن-ويندسور.

كما أظهرت إحدى الصور غيتس مع رجل يُعتقد أنه كان أحد الطيارين الذين عملوا لفترة طويلة مع إبستين.

وكان غيتس قد أقرّ في وقت سابق بأنه تناول العشاء مع إبستين في عدة مناسبات، أملاً في أن يساهم الأخير في جذب متبرعين أثرياء لمؤسسته الخيرية.

«كانت تلك اللقاءات خطأ»

وقال غيتس في مقابلة مع «PBS News» عام 2021 إن تلك اللقاءات توقفت بعد فشل إبستين في تأمين متبرعين جدد، مضيفاً: «تلك الاجتماعات كانت خطأ. كنت أحمق عندما قضيت أي وقت معه».

وفي مقابلة مع وسيلة إعلام أسترالية عام 2023، قلل غيتس من شأن علاقته بإبستين قائلاً: «تناولت العشاء معه، وهذا كل شيء».

وكشفت مجموعة من الرسائل النصية المتبادلة عام 2017، والتي نُشرت من قبل الكونغرس في نوفمبر (تشرين الثاني)، عن تفاصيل إضافية للعلاقة، إذ أظهرت محاولات إبستين الفاشلة إقناع غيتس بالاستثمار في صندوق خيري معفى من الضرائب.

وبحسب إحدى الرسائل، التي أرسلها أحد مستشاري غيتس، فإن المقترح رُفض بسبب اعتراض ميليندا فرينش غيتس، وجاء فيها: «كان يعتقد أنها فكرة رائعة، لكن الزوجة لم تسمح».

وتُعد مؤسسة «بيفوتال فيلانثروبيز» واحدة من كبرى المؤسسات الخاصة في الولايات المتحدة.

وكان بيل غيتس قد تعهّد بالتبرع بـ 99 في المائة من ثروته، المقدّرة بنحو 200 مليار دولار (149 مليار جنيه إسترليني)، مكتفياً بالاحتفاظ بواحد في المائة له ولأبنائه، أي ما يعادل نحو 1.62 مليار دولار (1.2 مليار جنيه إسترليني).


مقالات ذات صلة

يوميات الشرق النمو لا يقتصر على فئة المليارديرات فقط بل يشمل أيضًا شريحة أصحاب الثروات الكبيرة (رويترز)

نمو غير مسبوق... العالم يتجه نحو 4 آلاف ملياردير خلال 5 سنوات

كشفت تقديرات نقلتها صحيفة «الغارديان» أن عدد المليارديرات حول العالم قد يصل إلى نحو 4 آلاف، بحلول عام 2031، مدفوعاً بالنمو السريع في ثروات الأثرياء.

«الشرق الأوسط» (لندن)
تكنولوجيا أطلقت «مايكروسوفت» 3 نماذج «MAI» جديدة تشمل تحويل الصوت إلى نص وتوليد الصوت وإنشاء الصور (مايكروسوفت)

3 نماذج ذكاء اصطناعي جديدة من «مايكروسوفت» للصوت والصورة والنص

«مايكروسوفت» تطلق نماذج «MAI » للصوت والصورة والنص؛ لتعزيز التطبيقات متعددة الوسائط مع تركيز على الأداء والتكلفة والتكامل داخل «فاوندري».

نسيم رمضان (لندن)
الاقتصاد نائب رئيس مجلس إدارة «مايكروسوفت» ورئيسها براد سميث ورئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايشي قبل اجتماع في طوكيو (أ.ب)

«مايكروسوفت» تستثمر 10 مليارات دولار في اليابان لتعزيز الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني

أعلنت «مايكروسوفت» يوم الجمعة عن خطة لاستثمار 1.6 تريليون ين (10 مليارات دولار) في اليابان خلال الفترة من 2026 إلى 2029 لتوسيع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
تكنولوجيا لا تزال الميزة في مرحلة تجريبية مع تساؤلات حول الثقة والاعتماد على الأنظمة الذكية في العمل (شاترستوك)

«مايكروسوفت» تتيح «كوبايلوت كوورك» زميل عمل رقمياً ضمن «فرونتير»

«مايكروسوفت» تطلق «Copilot Cowork» لتنفيذ مهام متعددة الخطوات في تحول نحو ذكاء اصطناعي يشارك فعلياً في إنجاز العمل داخل المؤسسات.

نسيم رمضان (لندن)

كيت أميرة ويلز تزور إيطاليا في أول رحلة خارجية منذ مرضها

كيت ميدلتون زوجة الأمير البريطاني ويليام (أ.ف.ب)
كيت ميدلتون زوجة الأمير البريطاني ويليام (أ.ف.ب)
TT

كيت أميرة ويلز تزور إيطاليا في أول رحلة خارجية منذ مرضها

كيت ميدلتون زوجة الأمير البريطاني ويليام (أ.ف.ب)
كيت ميدلتون زوجة الأمير البريطاني ويليام (أ.ف.ب)

أعلن قصر كنسينغتون اليوم (الأربعاء) أن كيت أميرة ويلز ستتوجه إلى إيطاليا الأسبوع المقبل في أول زيارة رسمية تقوم بها للخارج منذ خضوعها للعلاج من مرض السرطان.

وبحسب وكالة «رويترز» للأنباء، ستقوم كيت، زوجة ولي العهد الأمير ويليام، بزيارة تستغرق يومين إلى ريجو إميليا بشمال إيطاليا في إطار عملها الذي يركز على تنمية الطفولة في المراحل المبكرة، وهي المحور الرئيسي لعملها العام.

وستركز الزيارة على «نموذج ريجو إميليا» الذي يمنح أولوية قصوى للعلاقات والبيئة والمجتمع في تنمية الطفل وتأثرت به مدارس في جميع أنحاء العالم.

وقال متحدث باسم قصر كنسينغتون: «تتطلع الأميرة بشدة لزيارة إيطاليا الأسبوع المقبل ورؤية كيف يوجد نموذج ريجو إميليا بيئات تجمع بين الطبيعة والعلاقات الإنسانية المحبة لدعم نمو الأطفال».

وكشفت كيت في 2024 عن خضوعها للعلاج الكيماوي من نوع لم تحدده من السرطان، وقالت العام الماضي إنها في مرحلة التعافي.

زيادة ظهورها العلني

خفضت كيت منذ إصابتها بالمرض عبء عملها الرسمي بشدة، قائلة إنها «تعيش كل يوم بيومه».

ورغم زيادة ظهورها العلني تدريجياً، فإنها لم ترافق ويليام في أي رحلات خارجية في الفترة الأخيرة.

وأصبح تحسين الرفاه الاجتماعي والعاطفي للأطفال في سنواتهم الأولى شغلها الشاغل. فهي وزوجها ويليام لديهما ثلاثة أطفال هم الأمير جورج (12 عاماً) والأميرة شارلوت (11 عاماً) والأمير لويس (8 أعوام).

وأطلقت كيت «مركز المؤسسة الملكية للطفولة المبكرة» في عام 2021 بهدف جمع الخبراء والبحوث حول هذه القضية. وسينشر المركز مرجعاً جديداً اليوم (الأربعاء) وهو دليل «أسس الحياة».

وكتبت كيت في مقدمته: «في عالم يزداد تشتتاً وتمزقاً ورقمنة على ما يبدو... أصبح من المهم أكثر من أي وقت مضى الاستثمار فيما يساعدنا حقاً على النجاح ألا وهو التواصل الإنساني».


ليال الغصين وجوليان شعيا في «البائسة»: عرض يُلاحق سقوط فانتين

امرأة تمشي نحو سقوطها بصوت مكسور (صور المخرجة)
امرأة تمشي نحو سقوطها بصوت مكسور (صور المخرجة)
TT

ليال الغصين وجوليان شعيا في «البائسة»: عرض يُلاحق سقوط فانتين

امرأة تمشي نحو سقوطها بصوت مكسور (صور المخرجة)
امرأة تمشي نحو سقوطها بصوت مكسور (صور المخرجة)

تستعيد ليال الغصين في مسرحية «البائسة» (مسرح «المونو» في بيروت) شخصية فانتين من رواية فيكتور هوغو «البؤساء»، وتجعل منها مركز الألم كلّه. فانتين، المرأة التي أحبَّت شاباً ثم تُرِكت تواجه مصيرها وحيدةً مع ابنتها كوزيت، هي الصورة المكثَّفة عن القسوة الاجتماعية التي تُحاصر الفقراء والنساء في أدب هوغو. ومع تدهور حياتها من عاملة بسيطة إلى امرأة تُسحَق تحت الحاجة والإهانة، يُتابع العرض رحلة سقوط طويلة تتناوب عليها وجوه الرجال والسلطة والفقر، فيما تبقى الشخصية عالقة داخل جرحها وعاجزة عن الإفلات من المصير الذي يُطبِق عليها تدريجياً.

أدَّت غصين شخصية فانتين، وتولَّى جوليان شعيا التنقُّل بين الشخصيات الذكورية التي تُحاصرها. يبدأ حضوره بالرجل الذي أحبَّته. ذلك الحبّ الذي يفتح للمرأة نافذة على سماء أوسع من يومها ويجعلها ترى العالم أصغر من فرحها. في لحظة الحبّ الأولى، تبدو فانتين مثل مَن خرجت من ضيق الواقع إلى اتّساع الوهم الجميل، تُحلِّق لأنها تُصدِّق، وتحلم لأنها تظنّ أنّ القلب حين يمتلئ يستطيع أن يحمي صاحبه. وإنما هوغو يكشف قسوة الفارق بين الحبّ حين يكون وعداً عند المرأة ولعبة مؤقتة عند الرجل.

كلّ وجه يؤدّيه جوليان شعيا يدفع فانتين خطوة نحو الحافة (صور المخرجة)

من تلك البداية المُضيئة، يأخذ العرض مساره نحو العتمة. يتقلَّب شعيا بين رجال المصنع، وآل تيناردييه الذين تُترك كوزيت عندهم، والرجل الذي يُهين فانتين في الشارع، والمُحقّق جافيير، وسواهم من الوجوه الذكورية التي تجعل سقوطها فعلاً جماعياً، وليس قَدَراً فردياً. وفي كلّ انتقال، كان الممثل يتخلَّى عن قطعة من لباسه أو هيئته، كأنّ الشخصية السابقة تُنزَع عنه وتُعلَّق في ذاكرة الخشبة، قبل أن يدخل جسداً جديداً ونبرة أخرى. هذه اللعبة منحت الأداء حيوية وحمت العرض من رتابة كان يمكن أن تقع لو بقي الرجل واحداً في الشكل والإيقاع والظلّ.

يتبدّل جوليان شعيا بين الوجوه فيما يبقى القهر واحداً (صور المخرجة)

استندت «البائسة» إلى ثقة كبيرة بقدرة النصّ على الإمساك بالمُشاهد. العرض غنائي، بموسيقى شاركت في تأليفها جويس خوري، وجاد عبيد، وأنطوني يوسف، وشارل قرقماز، مع حضور أنطوني يوسف على البيانو، ودراماتورجيا أنطوان خوري، وكوريغرافيا روماريو عقيقي. وإنما مركز الثقل بقي في الكلمة والحكاية، وفي قدرة شخصية فانتين على جَرّ المُتفرّج إلى منطقة التعاطُف. كان المسرح شبه خالٍ من الديكور والأدوات البصرية، وهذه المحدودية حاولت الغصين أن تمنحها معنى إخراجياً، مُحوِّلة الفراغ إلى مساحة نفسية، واللاشيء إلى حالة شعورية. نجح ذلك في مواضع كثيرة، لكنه كشف أيضاً حاجة العرض إلى اشتغال أوسع على العين والصورة المسرحية، وعلى الحركة الجماعية أو التشكيل البصري الذي كان يمكن أن يمنح الحكاية جسداً أكثر امتلاءً.

عند هذا الحدّ، تكمُن الملاحظة الأساسية. فالعمل مؤثّر، وإنما اتّكاله الكبير على قوة النصّ جعل بعض المساحات تبدو فقيرة بصرياً. فالمُشاهد يجد نفسه طويلاً أمام حركة ممثلَيْن اثنَيْن في فضاء مفتوح على فراغه، في حين تحتمل رواية «البؤساء» عالماً كثيفاً من الأزقّة والمصانع والغرف الباردة والشوارع والسجون المعنوية. كان الاشتغال الأعمق على الديكور والكوريغرافيا سيُضيف طبقة أخرى إلى العرض، من دون أن يُزاحم النصّ، وإنما ليمنحه لغة أكثر قدرة على مخاطبة العين كما تُخاطب الوجدان.

على «المونو»... يعود وجع هوغو إلى المسرح (صور المخرجة)

في أدائها، قدَّمت ليال الغصين فانتين برهافة انعكست في خامة صوتها وغنائها، فبدت الأغنيات كأنها تخرج من التصدّعات الداخلية للشخصية، حاملةً انكساراتها وتحوّلاتها العاطفية على امتداد العرض. وإنما الشخصية حضرت بنبرة ناعمة ووجه هادئ وانكسار داخلي أقرب إلى النقاء منه إلى الخشونة. حتى في بعض اللحظات القاسية، ظلَّت فانتين لديها مُضاءة من الداخل، كأنها تحتفظ بملامح ملاك جُرِح من دون أن يتلوَّث. هذا الخيار منحها صفاءً عاطفياً مؤثّراً، خصوصاً في مَشاهد السقوط البطيء. لكنّ فانتين في عمقها تحتمل طبقات أكثر اضطراباً. تحتمل الغضب والخوف والمرارة والقرف من العالم، والتمزُّق بين الأمومة والعار والجسد المقهور. اقتربت ليال الغصين من بعض هذه المناطق، وإنما أمكن الأداء أن يذهب أبعد في التناقضات ويسمح للشخصية بأن تتشظّى بأكثر من نبرة، وألا تستقرّ طويلاً ضمن مساحة الرقّة والهدوء الداخلي.

فانتين... امرأة طحنها العالم ببطء (صور المخرجة)

أما جوليان شعيا فكان أكثر قدرةً على اللعب بالتبدُّلات. قوته لم تأتِ من شخصية واحدة، إنما من انتقاله بينها من غير أن يفقد الخيط الناظم. في كلّ ظهور، كان يضيف زاوية جديدة إلى عالم فانتين. الحبيب الخادع والعامل القاسي والمُستغِلّ والمُهين ورجل السلطة... هذا التعدُّد جعله أقرب إلى جدار اجتماعي كامل ينهض في وجه امرأة معزولة، ومنح العرض بُعداً رمزياً مهمّاً. ففانتين لا تسقط بسبب رجل واحد، إنما بسبب منظومة رجال ومؤسّسات ونظرات.

خرج كثيرون من الصالة بعيون دامعة، وهذا يكفي للقول إنّ الرهان على فانتين أصاب مكانه. «البائسة» عرض مؤثّر ومحمول على جهد ملموس. يحتاج إلى عين مسرحية أكثر امتلاءً في الصورة، وطبقات أداء أكثر حدّة في لحظات الانطفاء، لكنه ينجح في إعادة فانتين إلى صدارة الحكاية، حيث تستحقّ أن تكون. امرأة لم يهزمها ضعفها. هزمها عالمٌ أتقن خنقها.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


«سيجيء يوم آخر»: صوت حيّ من فلسطين إلى العالم

أخرجت قعدان أصوات الفلسطينيين في الداخل إلى الشاشة الكبيرة (صور المخرجة)
أخرجت قعدان أصوات الفلسطينيين في الداخل إلى الشاشة الكبيرة (صور المخرجة)
TT

«سيجيء يوم آخر»: صوت حيّ من فلسطين إلى العالم

أخرجت قعدان أصوات الفلسطينيين في الداخل إلى الشاشة الكبيرة (صور المخرجة)
أخرجت قعدان أصوات الفلسطينيين في الداخل إلى الشاشة الكبيرة (صور المخرجة)

في فيلمها الوثائقي القصير «سيجيء يوم آخر»، ترفع المخرجة الفلسطينية عايدة قعدان الصوت عالياً، مُستكشفة حياة الفلسطينيين في الداخل، عبر تجربة سينمائية تنبش في الذاكرة وتوثّق واقعاً ممتدّاً من النكبة الفلسطينية حتى اليوم.

ومن خلال رسائل صوتية مجهولة المصدر، تأخذ قعدان المُشاهد في رحلة تأمّلية حول الهوية والصمود والانتماء. تصوغ من هذه الرسائل فضاءً بصرياً متخيّلاً، وتدمجها مع صور ومقاطع فيديو وأرشيف بصري، مثل مَن يعيد تركيب أحجار «البازل» لرسم صورة أوضح عن واقع يجهله كثيرون، ويعيش تحت وطأته الفلسطينيون الذين تمسّكوا بأرضهم. فهم لم يغادروا وطنهم الأم لتشبّثهم بترابهم، ولأنهم يخجلون من فكرة الهجرة التي قد تضعهم في خانة ناكري الجميل.

بحر فلسطين فسحة أمل وتأمّل (صور المخرجة)

يتألّف الفيلم، كما تقول قعدان، من جزأين أساسيَّين: «أحدهما مصنوع من الأصوات في الرسائل، وثانٍ ينبع من الأحداث الآنية. هدف هذه الخلطة التعبير عن المشهدية العامة لفلسطينيي الداخل».

تحمل قعدان كاميرتها وتجول بين مناطق مختلفة، من الجليل حيث تستريح تحت أشجار السرو، إلى قرية الزيب، مروراً بحيفا وتل أبيب وجبل الكرمل. تنقل المخرجة بعدسة دافئة تعباً متراكماً خنق أصوات الناس، وهو ما دفعهم إلى التمسّك بأحلام يقظة تمنحهم القدرة على الاستمرار.

وتتوقّف عند مشاعر الوحدة القاتلة التي تحكي عنها غالبية هذه الرسائل الصوتية. تُعبِّر عنها إحداهن بالقول: «أشعر كأني أعيش وحيدة في هذا المكان، فلا أجد مَن أتحدث معه عن هواجسي ولا أحلامي. نحن الموجودين هنا منذ النكبة نعدّ البصمة الحقيقية التي بقيت في فلسطين منذ تلك المرحلة».

ويشارك الفيلم حالياً في مهرجان «هوت دوكس» الكندي للأفلام الوثائقية. تؤكد قعدان لـ«الشرق الأوسط» أنَّ العمل وُلد مع اندلاع حرب غزة عام 2023. وتقول: «كانت الشوارع خالية وصامتة، فأمسكت الكاميرا بشكل لا شعوري، وبدأت أصوّر في أماكن مختلفة. ولـ8 أيام متتالية تلقيت رسائل صوتية من أشخاص مجهولي الهوية. كانوا يتحدَّثون عن مشاعرهم وأفكارهم وأحلامهم. جمعت بين الصوت والصورة والأرشيف، وتركت مخيّلتي تقودني إلى المكان والزمان».

نبض الحياة في المدن تنقله في فيلمها «سيجيء يوم آخر» (صور المخرجة)

توضح أنها لمست في تلك الرسائل مزيجاً من الإرهاق والتشبّث بالحياة وحب الوطن، مشيرة إلى أنها لجأت مراراً إلى الطبيعة هرباً من ضجيج الحرب وأصداء الانفجارات البعيدة. وتتابع: «دخلت مناطق مهدَّمة، وأخرى لا تزال تحتفظ بمعالمها منذ النكبة، ولاحظت الفارق الكبير بين البلدات الفلسطينية والمناطق المختلطة، لجهتَي العمران ومستوى الخدمات. حتى إن بعض القرى المهجَّرة تحوَّلت إلى محميات طبيعية، كما حدث في قرية الزيب».

ويمرُّ الفيلم على مشاهد البحر والشاطئ وأشجار السرو، بينما تتردّد في الخلفية رسالة صوتية تقول إنّ ملامح فلسطين الحقيقية، ورائحة الزعتر والمريمية، طُمست تحت طبقات الإسفلت.

وتشير قعدان إلى أنّ الفيلم شكّل مساحة للتواصل مع مجتمعها، مضيفة: «بعد عرضه في كندا، لمست تفاعلاً واسعاً، خصوصاً من الفلسطينيين المغتربين الذين شعروا بأنّ الفيلم يشبههم ويعبّر عن تطلعاتهم».

وتضيف أنّ علاقتها بمدينة حيفا تبدّلت بعد الحرب: «كنت أمشي في شوارعها وكأنني أودّع المكان. ما بدأ مثل مراقبة بسيطة تحوَّل إلى فعل توثيق، لأنَّ الشوارع بدت كأنها خالية من حضورنا».

كانت تهرب إلى الطبيعة عند اشتداد أصوات الانفجارات في الحرب (صور المخرجة)

وعن مشاعر الانتماء، تقول: «في كثير من اللحظات، شعرت بأنني لم أعد أرى نفسي في هذا المكان. الشوارع، والعمارات، واللغة البصرية المحيطة بي، كانت تذكّرني باستمرار بأنني لا أنتمي. هنا تحديداً، بدأت أفهم العلاقة بين الصوت والصورة في الفيلم. فالأصوات تمثّل عالمنا الداخلي؛ مخاوفنا وأفكارنا وذكرياتنا، بينما تجسّد الصور الواقع الخارجي الذي نعيشه».

أما استخدام الأرشيف في نهاية الفيلم، فتوضح أنه يعود إلى السبعينات والثمانينات والتسعينات وحتى عام 2016، حين كان الحضور الفلسطيني في الفضاء العام أكثر وضوحاً. وتختم: «أتمسّك بالأمل الذي يحمله عنوان الفيلم، بأنه سيأتي يومٌ آخر نستعيد فيه قدرتنا على الكلام والاختلاف، وأن نكون معاً في الشوارع من جديد».