احتجاجات تجتاح إيران... وخامنئي يحذر ترمب

ارتفاع الضحايا إلى 62 شخصاً... القضاء يلوح بالإعدام... عراقجي قلل من احتمالية تدخل عسكري... إدانة أوروبية واسعة

محتجون في ميناء أنزلي شمال إيران ليلة الخميس (تلغرام)
محتجون في ميناء أنزلي شمال إيران ليلة الخميس (تلغرام)
TT

احتجاجات تجتاح إيران... وخامنئي يحذر ترمب

محتجون في ميناء أنزلي شمال إيران ليلة الخميس (تلغرام)
محتجون في ميناء أنزلي شمال إيران ليلة الخميس (تلغرام)

واصل محتجون إيرانيون الخروج إلى الشوارع والهتاف حتى صباح الجمعة، رغم إقدام السلطات الإيرانية على قطع الإنترنت والاتصالات الهاتفية الدولية، وعزل البلاد عن العالم الخارجي. وفي المقابل، اتهم المرشد الإيراني علي خامنئي، المحتجين، بأنهم يتصرفون نيابةً عن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، قائلاً إن «مثيري الشغب» يهاجمون الممتلكات العامة، ومحذراً من أن طهران لن تتهاون مع من يتصرفون «كمرتزقة للأجانب».

وتصاعدت الاحتجاجات، التي بدأت في أواخر الشهر الماضي، بسبب ارتفاع التضخم، لتصبح الأكبر منذ ثلاث سنوات. وقالت جماعات حقوقية إنها وثّقت بالفعل مقتل عشرات المتظاهرين خلال ما يقرب من أسبوعين، فيما بث التلفزيون الرسمي الإيراني صوراً لاشتباكات وحرائق في عدة مدن.

ونقل موقع خامنئي قوله لمجموعة من أنصاره: «الشباب العزيز حافظوا على جاهزيتكم ووحدتكم»، مضيفاً أن «الأمة الموحدة تتغلب على أي عدو»، وأكد أن «إيران لن تتسامح مع المرتزقة الذين يعملون لصالح الأجانب».

وقال خامنئي، في ثاني كلمة له منذ بدء الاحتجاجات، إن المحتجين الإيرانيين «يحطمون شوارعهم من أجل إسعاد رئيس دولة أخرى»، مضيفاً أن يدي ترمب «ملطختان بدماء أكثر من ألف إيراني»، في إِشارة ضمنية إلى حرب الـ12 يوماً مع إسرائيل في يونيو (حزيران)، والتي انضمت إليها الولايات المتحدة، بشن ضربات على ثلاث منشآت نووية.

المرشد الإيراني علي خامنئي يلقي خطاباً أمام أنصاره (أ.ف.ب)

وفي الخطاب الذي بثه التلفزيون الرسمي، قال خامنئي إن ترمب «المتعجرف» سوف «يسقط»، على غرار نظام الشاه الذي حكم إيران حتى انتصار الثورة الإسلامية في عام 1979.

وجاء خطاب خامنئي في وقت أظهرت فيه مقاطع فيديو قصيرة تداولها ناشطون، محتجين يهتفون ضد الحكومة الإيرانية حول نيران مشتعلة، فيما تناثرت المخلفات في شوارع العاصمة طهران ومناطق أخرى.

ودعت فصائل المعارضة الإيرانية في ‌الخارج، وهي ‌فصائل منقسمة، إلى مزيد من الاحتجاجات، اليوم الجمعة. وقال رضا ‌بهلوي، ⁠نجل ​الشاه الراحل المقيم ‌في المنفى، للإيرانيين، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي: «أنظار العالم عليكم. انزلوا إلى الشوارع».

وقال ترمب إنه لن يلتقي بهلوي، وإنه «غير متأكد من أن من المناسب» دعمه. وقصفت الولايات المتحدة، الصيف الماضي، إيران، وحذرها ترمب، الأسبوع الماضي، من أنه ربما يهب لمساعدة المحتجين.

منشور ترمب منصته «تروث سوشيال»

وعلى منصته «تروث سوشيال»، أعاد ترمب نشر مقطع فيديو يظهر مظاهرات حاشدة في وسط مدينة مشهد، مركز محافظة خراسان شمال شرقي إيران ومسقط رأس المرشد الإيراني علي خامنئي، وعلّق قائلاً: «أكثر من مليون شخص يتجمعون: ثاني أكبر مدن إيران باتت تحت سيطرة المحتجين، وقوات النظام تغادر».

وكان ترمب قد جدد تحذيراته، قائلاً في مقابلة إذاعية إن إيران «أبلغت بوضوح شديد» بأنها ستدفع «ثمناً باهظاً» إذا لجأت إلى قتل المتظاهرين. كما ألمح، في مقابلة تلفزيونية لاحقة، إلى أن خامنئي «قد يكون بصدد مغادرة البلاد»، مضيفاً: «الوضع يزداد سوءاً للغاية».

وسعت السلطات إلى اتباع نهج مزدوج، عبر وصف الاحتجاجات ذات الطابع الاقتصادي بأنها «مشروعة»، مقابل إدانة ما تسميه «أعمال شغب عنيفة» والتعامل معها بقبضة أمنية.

وكان الرئيس مسعود بزشكيان قد دعا، الأسبوع الماضي، إلى اعتماد «مقاربة رحيمة ومسؤولة»، كما أعلنت الحكومة عن حوافز مالية محدودة لمواجهة تفاقم الفقر مع ارتفاع التضخم.

ورغم تصاعد الضغوط، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، إن احتمال التدخل العسكري الأجنبي في إيران «ضئيل للغاية»، متهماً الولايات المتحدة وإسرائيل بتأجيج حركة الاحتجاج التي عمت البلاد.

نيران تلتهم محال تجارية في شمال طهران مساء الخميس(تلغرام)

وقال عراقجي خلال زيارة إلى لبنان «هذا ما قاله الأميركيون والإسرائيليون، إنهم يتدخلون بشكل مباشر في الاحتجاجات في إيران». وأضاف: «إنهم يحاولون تحويل الاحتجاجات السلمية إلى احتجاجات انقسامية وعنيفة»، مشيراً إلى أنه «فيما يتعلق بإمكانية حصول تدخل عسكري ضد إيران، نعتقد أن احتمال ذلك منخفض لأن محاولاتهما السابقة كانت فشلاً ذريعاً».

وأضاف أن وزير خارجية سلطنة عمان، التي عادة ما تتوسط في المفاوضات بين إيران والغرب، سيزور إيران، غداً السبت.

«حرب هجينة»

وعقب خطاب خامنئي، سارع مجلس الأمن القومي الإيراني إلى إصدار بيان، قائلاً إن ما تشهده البلاد يأتي في سياق «حرب هجينة» متواصلة، معتبرةً أن «إسرائيل تواصل، منذ الحرب الـ12 يوماً وحتى اليوم، استهداف الإيرانيين عبر تغيير الأساليب التكتيكية من دون التخلي عن نهجها العدواني تجاه إيران».

وأضاف البيان أن الأحداث الأخيرة، وإن بدأت باحتجاجات على عدم استقرار السوق، «جرى دفعها بتوجيه وتصميم من العدو الصهيوني إلى ساحة انعدام الأمن»، معتبراً أن تصريحات ترمب في الأيام الماضية «تُظهر وجود تصميم مشترك» لزعزعة أمن حياة الإيرانيين. وقال البيان إن الإيرانيين «أجبروا العدو، بتضامنهم الوطني في الحرب، على الإقرار بهزيمة استراتيجية»، مشدداً على أن وحدتهم الحالية «ستفشل الحيل التخريبية مجدداً».

وشدد البيان على أن «أي إنسان غيور لا يقبل بإهانة الرموز الوطنية، وفي مقدمها العلم»، كما رفض «الإساءة» إلى تمثال الجنرال قاسم سليماني، أو «الاعتداء على رموز الهوية الوطنية». واعتبر أن «انعدام الأمن لأي أمة أمر غير مقبول، أياً كان مصدره».

ولفت بيان المجلس إلى أن الاحتجاج على الأوضاع الاقتصادية «لا يمكن أن يبرر أفعالاً تزيد الخسائر الاقتصادية أو تضيف إلى الأزمات حالة من انعدام الأمن»، موضحةً أن انتشار القوات الأمنية وقوات إنفاذ القانون يهدف إلى «منع الفوضى وحماية المجتمع». وختم البيان بالتأكيد على أنه «لن يكون هناك أي تساهل مع المخربين»، وأن القوات الأمنية والسلطة القضائية ستتعامل «بحزم» مع أي محاولات لزعزعة الاستقرار.

من جانبه، قال المدعي العام في طهران، علي صالحي، إن من يقدم على التخريب أو إحراق الممتلكات العامة أو الاشتباك مع قوات الأمن سيواجه عقوبة الإعدام.

قفزة في الاحتجاجات

مع حلول الساعة الثامنة، مساء الخميس، اتسعت رقعة الاحتجاجات، لتغطي طيفاً واسعاً من أحياء طهران وضواحيها، قبل أن تمتد بالتوازي إلى مدن كبرى في مختلف أنحاء البلاد.

واندلعت الهتافات في أحياء عدة من طهران، وفق شهود عيان، وردد المحتجون شعارات من بينها «الموت للديكتاتور»، فيما هتفوا بشعارات تشيد بنظام الشاه السابق الذي أطيح به في 1979: «هذه المعركة الأخيرة... بهلوي سيعود». وشوهد آلاف الأشخاص في الشوارع قبل انقطاع جميع وسائل الاتصال.

وسجلت تجمعات وهتافات في محاور شمالية وشمالية - شرقية من العاصمة، مثل سيدخندان وشارع شريعتي أسفل ميدان قلهك وميدان قدس وشارع دولت، إضافة إلى ونك ونارمك ولا سيما منطقة «هفت حوض».

أوتوستراد «مرزداران» وسط طهران مساء الخميس (تلغرام)

وفي الغرب والشمال - الغربي، ظهرت تحركات في سعادت‌ آباد وشارع أشرفي أصفهاني وتقاطعاته مع نيایش وطالقاني باتجاه بونك، إلى جانب صادقيه (آرياشهر) وغيشا وشارع أمير آباد، حيث يقع السكن الجامعي لطلاب جامعة طهران، وشهرک غرب وتهرانسر.

كما شهد الوسط تحركات في يوسف‌آباد وأوتوستراد كشاورز وميدان ولي عصر، وكريم‌ خان وأمير آباد الشمالي. وامتدت الاحتجاجات إلى نطاق طهران الكبرى، مع تسجيل تجمعات في كرج وفرديس وكوهردشت وبأقرشهر ورودهن.

وخارج العاصمة، أظهرت المقاطع المتداولة انتشاراً متزامناً للاحتجاجات في الشمال وساحل بحر قزوين، من رشت وتالش وآستانة وأشرفية إلى بابل وقائمشهر وتنکابن، وفي الشمال - الغربي في تبريز وأردبيل. كما برزت مدن الشمال - الشرقي، لا سيما مشهد بعدة نقاط رئيسية، إلى جانب أراك وأصفهان وكاشان وخمين في الوسط، وكرمان وشيراز ويزد جنوباً، والأحواز في الجنوب - الغربي، إضافة إلى سمنان وزاهدان شرقاً وجنوب - شرق.

واتسمت التحركات بطابع ليلي كثيف عند الشوارع والتقاطعات الكبرى، مع تسجيل أعمال تصعيدية محدودة في بعض المواقع، بينها إحراق دراجة نارية لقوات الأمن في جنوب طهران، وإحراق مركبة عسكرية في أردبيل، وتقارير عن استهداف مركز شرطة في مشهد. وردد المحتجون شعارات مناهضة للسلطة، في مشهد عكس اتساع النطاق الجغرافي وتحول الاحتجاجات من بؤر متفرقة إلى موجات متزامنة في مدن ومحافظات عدة.

وقالت منظمة «هنجاو» الكردية لحقوق الإنسان إن مسيرة احتجاجية خرجت بعد صلاة الجمعة في زاهدان، وأغلب سكانها من أقلية ‌البلوش، قوبلت بإطلاق نار أسفر عن إصابة عدة أشخاص.

مظاهرات مضادة

وبثّ التلفزيون الرسمي، الجمعة، مشاهد لآلاف الأشخاص يشاركون في مظاهرات مضادّة ويرفعون شعارات مؤيّدة للسلطات في عدد من المدن الإيرانية. وشملت الاحتجاجات هتافات مؤيدة لنجل الشاه السابق، وهي شعارات كانت تعد في الماضي جرائم كبرى، لكنها اليوم تعكس عمق الغضب الشعبي الذي فجرته الأزمة المعيشية.

صور بثها التلفزيون الرسمي من مظاهرة مضادة للاحتجاجات في مدينة خرم آباد (أ.ف.ب)

وقال رئيس بلدية طهران، علي رضا زاكاني، إن «المخربين» أقدموا خلال أحداث الليلة الماضية في العاصمة على إحراق 42 حافلة ومركبة عامة وسيارة إسعاف، إضافة إلى 10 مؤسسات حكومية و24 منزلاً سكنياً. وأضاف أن هؤلاء «استخدموا الشباب والمراهقين دروعاً بشرية»، فيما وصفه بـ«الأعمال الإرهابية» التي شهدتها طهران.

وكسر الإعلام الرسمي الإيراني صمته، الجمعة، متهماً «عملاء إرهابيين» تابعين للولايات المتحدة وإسرائيل بإشعال الحرائق وإثارة العنف، ومشيراً إلى وقوع «ضحايا» من دون تقديم تفاصيل إضافية.

وأظهرت صور نشرتها التلفزيون الرسمي خلال الليل ما قالت إنها حافلات وسيارات ودراجات نارية تحترق، إضافة إلى حرائق في محطات مترو وبنوك. واتهمت «منظمة مجاهدي خلق»، وهي فصيل معارض انشق بعد ثورة عام 1979، بالوقوف وراء الاضطرابات.

وقال ⁠مراسل التلفزيون الرسمي، وهو يقف أمام الحرائق في شارع شريعتي بمدينة رشت المطلة على بحر قزوين: «يبدو هذا ‌كأنه منطقة حرب، دُمرت جميع المتاجر».

حشود من المتظاهرين ونيران تشتعل في منطقة سرسبز شمال شرقي طهران (تلغرام)

وقالت وكالة «رويترز» إن درجة التأييد داخل إيران لنظام الشاه أو لمنظمة «مجاهدي خلق»، تبقي محل خلاف. وهي من أهم المجموعات بين الإيرانيين في المهجر.

وقال بهلوي إن «الإيرانيين طالبوا بحريتهم، فجاء الرد بقطع الإنترنت وخطوط الهاتف، وربما بمحاولات للتشويش على الأقمار الاصطناعية»، داعياً القادة الأوروبيين إلى الانضمام إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب في التعهد بـ«محاسبة النظام».

وسبق أن أخمدت إيران موجات اضطرابات أكبر بكثير، لكنها تواجه الآن وضعاً اقتصادياً أشد سوءاً وضغوطاً دولية متزايدة، مع إعادة فرض العقوبات الدولية المرتبطة ببرنامجها النووي منذ سبتمبر (أيلول).

إيران معزولة عن العالم

يمثل حراك، ليلة الخميس، تصعيداً جديداً في موجة احتجاجات اندلعت على خلفية التدهور الاقتصادي، وتحولت إلى أخطر تحدٍّ يواجه النظام منذ سنوات. وقد تصاعدت وتيرة الاحتجاجات بشكل مطرد منذ انطلاقها في 28 ديسمبر (كانون الأول).

كما مثلت هذه التحركات أول اختبار فعلي لمدى تجاوب الشارع الإيراني مع دعوات رضا بهلوي، نجل الشاه الراحل الذي غادر إيران قبيل ثورة 1979، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس».

وناشد بهلوي، الرئيس الأميركي، الجمعة، التدخل بشكل عاجل مع اتساع رقعة الاحتجاجات في بلاده. وكتب على منصات التواصل الاجتماعي: «سيدي الرئيس، هذا نداء عاجل وفوري يستوجب انتباهكم ودعمكم وتحرككم... أرجو منكم الاستعداد للتدخل لمساعدة الشعب الإيراني».

حريق يلتهم لافتة معلقة فوق جسر للمشاة في حي زيتون وسط الأحواز جنوب غربي إيران (تلغرام)

مقتل العشرات

وقالت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان (هرانا)، ومقرها الولايات المتحدة، إن الحملة الأمنية لإخماد الاحتجاجات أسفرت عما لا يقل عن 62 شخصاً منذ بدء المظاهرات في 28 ديسمبر، بينهم 14 من عناصر الأمن و48 متظاهراً، فيما تم توقيف أكثر من 2270 آخرين.

من جهتها، قالت منظمة «حقوق الإنسان في إيران»، ومقرها أوسلو، إن «51 متظاهراً على الأقل بينهم تسعة أطفال تحت سن 18 عاماً قتلوا وأصيب المئات غيرهم بجروح في الأيام الـ13 الأولى لموجة الاحتجاجات الجديدة في أنحاء إيران».

وأفادت وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» بمقتل عدد من ضباط الشرطة خلال الليل. وبدورها، ذكرت منظمة «هنجاو» الكردية لحقوق الإنسان أن 10 من قوات «الحرس الثوري» على الأقل قتلوا في مواجهات مسلحة بمحافظة كرمانشاه غرب البلاد.

وعبر فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، عن «انزعاجه الشديد» إزاء التقارير الواردة عن وقوع أعمال عنف وانقطاع الاتصالات.

وكان بهلوي قد دعا إلى التظاهر، مساء الخميس، كما جدد الدعوة إلى احتجاجات جديدة، مساء الجمعة، عند الساعة الثامنة.

واندلعت الاحتجاجات لأسباب اقتصادية، بعدما فقدت العملة الإيرانية (الريال) نصف قيمتها أمام الدولار، العام الماضي، وتجاوز التضخم 40 في المائة في ديسمبر (كانون الأول)، لكنها اتسعت لاحقاً لتشمل ترديد شعارات مباشرة ضد السلطات.

كشك للشرطة يحترق بنيران في بازار سعادت آباد شمال غربي طهران ليلة الخميس (تلغرام)

وحجبت إيران الإنترنت خلال الليل. وأشارت تقارير إلى قطع الاتصالات الهاتفية من الخارج إلى إيران. وأظهر الموقع الإلكتروني لمطارات دبي إلغاء 17 رحلات جوية على الأقل كانت مقررة، الجمعة، بين دبي وعدة مدن إيرانية.

ويبدو أن قطع الإنترنت أدى أيضاً إلى تعطيل وكالات الأنباء الرسمية وشبه الرسمية، بينما مثل بيان التلفزيون الرسمي، صباح الجمعة، أول اعتراف رسمي بوقوع الاحتجاجات. وادعى التلفزيون أن أعمال عنف شملت إحراق سيارات خاصة ودراجات نارية ومرافق عامة، من دون تقديم أدلة مستقلة.

وقالت منظمة «نت بلوكس» التي ترصد الاتصال بالشبكات الرقمية في العالم، إن السلطات الإيرانية فرضت قطعاً شاملاً منذ مساء الخميس. وأضافت، مساء الجمعة، أن إيران «لقد مرت الآن 24 ساعة منذ أن نفذت إيران إغلاق الإنترنت على مستوى البلاد، مع انخفاض الاتصال إلى 1 في المائة من المستويات العادية».

انتقادات أوروبية

وقالت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، إن الشعب الإيراني «يناضل من أجل مستقبله»، معتبرةً أن تجاهل النظام لمطالبه المشروعة «يكشف عن حقيقته».

وأضافت في منشور على منصة «إكس» أن الصور الواردة من طهران تظهر «رداً غير متناسب ومفرط القسوة» من جانب قوات الأمن، مؤكدةً أن «أي عنف يمارس ضد المتظاهرين السلميين غير مقبول».

وتابعت أن «قطع الإنترنت بالتزامن مع القمع العنيف للاحتجاجات يفضح نظاماً يخشى شعبه».

وفي موازاة اتساع ردود الفعل الدولية، دخل السجال بين طهران ومؤسسات الاتحاد الأوروبي مرحلة أكثر حدّة، عقب إعلان عدد كبير من أعضاء البرلمان الأوروبي دعمهم العلني للمحتجين. وقالت رئيسة البرلمان الأوروبي، روبرتا ميتسولا، إن «العالم يشهد مرة أخرى وقوف الشعب الإيراني الشجاع»، مؤكدةً أن «أوروبا تقف إلى جانبه».

في المقابل، ردت بعثة إيران لدى الاتحاد الأوروبي باتهامات مباشرة للبرلمان الأوروبي بازدواجية المعايير، والتدخل في الشؤون الداخلية.

وقال رئيس الوزراء البلجيكي بارت دي ويفر، إن الإيرانيين «الشجعان ينهضون دفاعاً عن الحرية بعد سنوات من القمع والمعاناة الاقتصادية»، مؤكداً أنهم «يستحقون دعمنا الكامل»، ومشدداً على أن «محاولة إسكاتهم عبر العنف أمر غير مقبول».

ونددت ألمانيا باستخدام العنف ضد المتظاهرين، وقالت إن الحق في التظاهر والتجمع يجب أن يكون مكفولاً، وأن تتمكن وسائل الإعلام في إيران من تغطية الأحداث بحرية.

وأعلنت السويد والنمسا استدعاء السفير الإيراني. وقالت بياته ماينل رايزينغر، وزيرة الخارجية النمساوية، إنها «تدين بأشد العبارات العنف ضد المتظاهرين»، مؤكدة أن فيينا «ستستخلص عواقب واضحة»، وأن «المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان لن يجدوا ملاذاً في النمسا». وفي ستوكهولم، أكد أولف كريسترسون دعم بلاده «لنضال الإيرانيين الشجاع من أجل الحرية» وإدانة أي قمع للاحتجاجات السلمية، فيما قالت وزيرة الخارجية، ماريا ستينيرغارد إنها أبلغت السفير الإيراني وجوب احترام حرية التعبير والتجمع والتظاهر.


مقالات ذات صلة

ترمب: نأمل باتفاق مع إيران… وسنرى إن كان خامنئي محقاً

شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب يزور مركز إنتاج فورد في ميشيغان 13 يناير الماضي (رويترز)

ترمب: نأمل باتفاق مع إيران… وسنرى إن كان خامنئي محقاً

يتصاعد الصراع الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وإيران حيث يتبادل الجانبان التهديدات والإشارات الدبلوماسية فيما يشبه «حرباً كلامية نفسية»

هبة القدسي ( واشنطن)
شؤون إقليمية عراقجي يتحدث إلى رضا صالحي أميري وزير السياحة الذي شغل مناصب رفيعة في وزارة الاستخبارات على هامش اجتماع الحكومة الأربعاء (الرئاسة الإيرانية)

طهران تراهن على التفاوض... وباريس تحضها على «تنازلات كبرى»

أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الأحد، ثقته بإمكانية التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة بشأن البرنامج النووي

«الشرق الأوسط» (لندن-طهران)
شؤون إقليمية مدمرة أميركية تصل إلى ميناء إيلات في جنوب إسرائيل (رويترز) play-circle

تقرير: أميركا بحاجة إلى تعزيز دفاعاتها الجوية في المنطقة قبل أي هجوم ضد إيران

ذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال»، الأحد، أن أي ضربة أميركية محتملة ضد إيران لن تكون وشيكةً قبل أن تعزِّز الولايات المتحدة منظومات الدفاع الجوي في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زمير (رويترز)

رئيس الأركان الإسرائيلي أجرى محادثات في أميركا وسط التوترات مع إيران

أجرى رئيس أركان الجيش الإسرائيلي مؤخراً محادثات مكثفة مع مسؤولين أميركيين رفيعي المستوى خلال زيارة للولايات المتحدة، حيث نوقشت إمكانية توجيه ضربة لإيران.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع مبعوثه الخاص إلى العراق مارك سافايا (أرشيفية - إكس)

هل أنهيت مهمة مبعوث الرئيس الأميركي إلى العراق؟

نفى مارك سافايا مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى العراق الأنباء التي تتحدث عن عزله من منصبه وتكليف المبعوث الأميركي الى سوريا ولبنان توم براك بديلا عنه.

فاضل النشمي (بغداد)

خامنئي يهدد بكسر قواعد الاشتباك

صورة نشرها موقع المرشد الإيراني من خطابه أمام حشد من أنصاره في طهران (إ.ب.أ)
صورة نشرها موقع المرشد الإيراني من خطابه أمام حشد من أنصاره في طهران (إ.ب.أ)
TT

خامنئي يهدد بكسر قواعد الاشتباك

صورة نشرها موقع المرشد الإيراني من خطابه أمام حشد من أنصاره في طهران (إ.ب.أ)
صورة نشرها موقع المرشد الإيراني من خطابه أمام حشد من أنصاره في طهران (إ.ب.أ)

حذر المرشد الإيراني علي خامنئي، أمس، من أن أي هجوم أميركي على إيران سيؤدي إلى «حرب إقليمية»؛ وذلك في تهديد واضح بكسر قواعد الاشتباك في ظل تصاعد التوتر مع واشنطن.

وقال خامنئي إن الولايات المتحدة «إذا أشعلت الحرب، فستكون هذه المرة حرباً إقليمية»، مضيفاً أن طهران لا تسعى إلى الهجوم، لكنها «ستوجّه ضربة قوية وحاسمة» لأي جهة تعتدي عليها.

لكن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، قلل من تحذيرات خامنئي، معبّراً عن أمله في التوصل إلى اتفاق مع طهران، ومحذراً من أن بلاده تمتلك «أقوى الأساطيل في العالم» في المنطقة. وأضاف: «نأمل أن نتوصل إلى اتفاق، وإذا لم يحدث ذلك فسنرى ما إذا كان محقاً أم لا».

بدوره، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن «الدبلوماسية لا تزال ممكنة»، مشيراً إلى اتصالات عبر دول صديقة. وأفادت مصادر «أكسيوس» بأن تركيا ومصر وقطر تعمل على ترتيب اجتماع محتمل في أنقرة بين المبعوث الأميركي، ستيف ويتكوف، ومسؤولين إيرانيين.

وعقد كبار الجنرالات الأميركيين والإسرائيليين اجتماعات مغلقة الجمعة في واشنطن لبحث السيناريوهات المحتملة، بالتوازي مع تعزيز الجيش الأميركي منظومات الدفاع الجوي في المنطقة.

وفي الرياض، أكد مسؤول سعودي رفيع لـ«الشرق الأوسط» ثبات موقف المملكة الداعم للحلول السلمية للخلافات بين الولايات المتحدة وإيران عبر الحوار، نافياً أي تغيير في سياسة الرياض، وأكد حرص المملكة على تجنيب المنطقة مخاطر التصعيد.


ترمب: نأمل باتفاق مع إيران… وسنرى إن كان خامنئي محقاً

رجل يمر أمام لوحة جدارية تصور طاولة مفاوضات ملطخة بالدماء على الجدران الخارجية للسفارة الأميركية في طهران التي تطلق عليها السلطات «وكر الجواسيس» (أ.ف.ب)
رجل يمر أمام لوحة جدارية تصور طاولة مفاوضات ملطخة بالدماء على الجدران الخارجية للسفارة الأميركية في طهران التي تطلق عليها السلطات «وكر الجواسيس» (أ.ف.ب)
TT

ترمب: نأمل باتفاق مع إيران… وسنرى إن كان خامنئي محقاً

رجل يمر أمام لوحة جدارية تصور طاولة مفاوضات ملطخة بالدماء على الجدران الخارجية للسفارة الأميركية في طهران التي تطلق عليها السلطات «وكر الجواسيس» (أ.ف.ب)
رجل يمر أمام لوحة جدارية تصور طاولة مفاوضات ملطخة بالدماء على الجدران الخارجية للسفارة الأميركية في طهران التي تطلق عليها السلطات «وكر الجواسيس» (أ.ف.ب)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأحد، إنه يأمل في التوصل إلى اتفاق مع إيران، وذلك عقب تحذير المرشد الأعلى علي خامنئي من أن أي هجوم على الجمهورية الإسلامية قد يؤدي إلى اندلاع حرب إقليمية.

وقلّل ترمب من تحذير خامنئي، وقال للصحافيين من منتجعه بمارلارغو في ولاية فلوريدا: «بالطبع سيقول ذلك»، مضيفاً: «نأمل أن نتوصل إلى اتفاق، وإذا لم يحدث ذلك، فسنكتشف حينها ما إذا كان محقاً أم لا».

في أجواء مشحونة بالتوتر الجيوسياسي، يتصاعد الصراع الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وإيران، حيث يتبادل الجانبان التهديدات والإشارات الدبلوماسية، فيما يشبه «حرباً كلامية نفسية» معقدة، قد تفضي إما إلى حرب إقليمية وإما إلى مسار تفاوضي تاريخي.

وجاء تحذير خامنئي، من أن أي ضربة أميركية على الأراضي الإيرانية ستشعل حرباً إقليمية، في توقيت بالغ الدقة، تزامناً مع تحوّل في لهجة ترمب نحو الحديث عن حوار «جاد» مع طهران، وإعرابه عن أمله في أن تفضي المفاوضات إلى اتفاق يمنع إيران من امتلاك أسلحة نووية.

وفي الوقت نفسه، تبرز وساطة تركية محتملة، يقودها الرئيس رجب طيب إردوغان، في محاولة لتجنب التصعيد، حيث تقدم أنقرة نفسها وسيطاً محتملاً مستفيدة من علاقاتها الاقتصادية مع إيران، ومن علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة.

وأفاد موقع «أكيسوس»، الأحد، بأن إدارة ترمب أبلغت إيران، عبر قنوات متعددة، بأنها منفتحة على عقد لقاء للتفاوض على اتفاق، في وقت يتواصل فيه الحشد العسكري الأميركي في المنطقة، ما يرفع منسوب الرهانات على إمكان تفادي ضربة عسكرية وحرب إقليمية أوسع.

وقالت مصادر مطلعة إن تركيا ومصر وقطر تعمل على ترتيب اجتماع محتمل في أنقرة بين مبعوث البيت الأبيض ستيف ويتكوف ومسؤولين إيرانيين كبار خلال الأيام المقبلة، في إطار مساعٍ دبلوماسية تهدف إلى منع التصعيد.

وأكد مسؤولون في البيت الأبيض أن ترمب لم يتخذ قراراً نهائياً بشأن توجيه ضربة إلى إيران، ولا يزال منفتحاً على المسار الدبلوماسي، مشددين على أن حديثه عن التفاوض «ليس مناورة».

وبينما تسعى تركيا وقوى إقليمية أخرى إلى التحذير من مخاطر ضربة أميركية على استقرار المنطقة، تبرز في المشهد محادثات أجراها رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير في واشنطن مع مسؤولين في وزارة الدفاع الأميركية، شملت تقديم معلومات استخباراتية حساسة عن أهداف محتملة داخل إيران، ومناقشة السيناريوهات العملياتية وآليات الدفاع المشتركة. وتأتي هذه المحادثات استكمالاً لاجتماعات عقدها قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) الأدميرال براد كوبر في تل أبيب الأسبوع الماضي، في مؤشر على دفع إسرائيلي قوي نحو توجيه ضربة أميركية حاسمة ضد إيران.

وتتزامن هذه التحركات مع تصريحات السفير الأميركي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، لقناة «12» الإسرائيلية، التي قال فيها إن ترمب «رئيس يفي بوعوده ولا يطلق تهديدات فارغة»، مشيراً إلى أن قرار توجيه ضربة لم يُحسم بعد، ومؤكداً أن الرئيس الأميركي «يأمل دائماً بأفضل نتيجة»، وأنه مؤلف كتاب «فن الصفقات»، وإذا استطاع تحقيق ذلك، أي التوصل إلى صفقة، «فسوف يكون هذا أمراً مثالياً».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يزور مركز إنتاج فورد في ميشيغان 13 يناير الماضي (رويترز)

ووفقاً لتقارير صحافية أميركية، تكثف إدارة ترمب تحركاتها لتعزيز الدفاعات الجوية في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، تحسباً لفشل المحادثات والوساطات، وما قد يترتب على أي ضربة أميركية من ردّ فعل إيراني انتقامي واسع ونزاع إقليمي أكبر. وفي هذا الإطار، يعمل البنتاغون على تعزيز منظومات الدفاع عبر نشر أنظمة صواريخ «باتريوت» و«ثاد» إضافية ضمن نطاق القيادة المركزية الأميركية، إلى جانب وجود 8 مدمرات بحرية أميركية في المنطقة قادرة على اعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة. ويعكس هذا الانتشار العسكري المكثف، وفقاً للخبراء، استراتيجية ردع محسوبة من دون اندفاع مباشر نحو الصراع.

النهج الأميركي المزدوج

في ظل هذا النهج ذي المسارين، الذي يجمع بين مواصلة الضغط العسكري وتعزيز منظومات الدفاع، وفتح باب الدبلوماسية والتفاوض في آنٍ واحد، بدأت الأوساط الأميركية تتحدث عن احتمالات تراجع الرئيس دونالد ترمب عن توجيه ضربة عسكرية لإيران، على الأقل في المدى القريب.

طائرة «بوينغ إي إيه 18 جي غرولير» للحرب الإلكترونية تهبط على سطح حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» من فئة «نيميتز» في المحيط الهندي 23 يناير 2026 (أ.ب)

ونقل تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال» أن أي ضربة أميركية لن تكون وشيكة قبل أن تستكمل الولايات المتحدة تعزيز منظومات الدفاع الجوي بشكل واسع، وهو ما يعيد تسليط الضوء على المهلة التي يسعى ترمب إلى منحها لإيران، وعلى جهود الوساطة الرامية إلى التوصل إلى اتفاق.

وفي هذا السياق، اقترح الرئيس التركي رجب طيب إردوغان استضافة محادثات نووية في تركيا خلال هذا الأسبوع، مع التركيز على مقاربات تدريجية لمعالجة النزاعات. وأكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن إيران «مستعدة للتفاوض على الملف النووي»، محذراً في الوقت نفسه من أن أي هجوم أميركي سيكون «خاطئاً ويجب تجنبه».

غير أن الشروط الأميركية التي تطرحها واشنطن تفرض تحديات كبيرة، إذ تشترط تسليم إيران المواد النووية الحساسة، وإنهاء تخصيب اليورانيوم محلياً، وفرض قيود صارمة على برنامج الصواريخ الباليستية، إلى جانب وقف دعم الوكلاء في المنطقة.

ومن منظور طهران، تُعد هذه المطالب مساساً بجوهر عقيدتها الدفاعية ونفوذها الإقليمي، في ظل تقارير تشير إلى رفض المرشد الأعلى علي خامنئي لأي تنازلات، مقابل تفضيل بعض كبار المسؤولين في القيادة الإيرانية نهجاً تفاوضياً أكثر مرونة.

وتتباين التقديرات بشأن فرص نجاح أو فشل الوساطة التركية، إذ تشير تقارير إلى إمكانية بلورة حلول تدريجية للنزاع، خصوصاً مع محاولات وساطة إقليمية أخرى لتجنب الضربة الأميركية. في المقابل، تذهب تحليلات أخرى إلى ترجيح فشل هذه الوساطات بسبب رفض إيران تقديم تنازلات جوهرية قبل انتهاء المهلة التي لم يحدد ترمب مدتها. ويقلل مسؤولون أميركيون من فرص التوصل إلى حل دبلوماسي، عادّين أن إيران لم تُظهر حتى الآن استعداداً حقيقياً لقبول الشروط المطروحة.

هل يمكن أن يتراجع ترمب؟

تشير تصريحات الرئيس دونالد ترمب إلى أنه يفضّل التوصل إلى صفقة، وهو ما يجعل احتمال تراجعه عن توجيه ضربة عسكرية مرتفعاً في حال نجحت الجهود الدبلوماسية، خصوصاً في ظل التكلفة الباهظة لأي حرب على أسعار النفط العالمية. وفي حال تراجع ترمب عن الخيار العسكري، قد تترتب على ذلك تداعيات إيجابية وسلبية في آنٍ واحد.

مروحية من طراز «إس إتش 60 سي هوك» تحلق إلى جانب حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» خلال عمليات روتينية للأسطول السابع في المحيطين الهندي والهادئ 8 يناير (الجيش الأميركي)

فعلى الجانب الإيجابي، يتيح هذا الخيار مواصلة سياسة «الضغط الأقصى» من دون الانزلاق إلى صراع مباشر. ويشير تقرير لمجلة «أتلانتيك» إلى أن الوجود البحري الأميركي الحالي يمكن أن يتيح إحكام السيطرة على مضيق هرمز، ومصادرة ناقلات النفط، ودفع إيران نحو مزيد من الضغوط الداخلية، خصوصاً مع إمكانية إعادة إشعال الاحتجاجات. كما أن تعزيز منظومات الدفاع الجوي يسهم في حماية الحلفاء وردع إيران من دون تصعيد عسكري مباشر.

في المقابل، تشمل السلبيات المحتملة تعزيز موقف طهران التفاوضي، إذ قد يرى الإيرانيون أن عامل الوقت يعمل لمصلحتهم. وقد يؤدي الامتناع عن توجيه ضربة أميركية إلى تصعيد إيراني غير مباشر، عبر هجمات تنفذها جماعات حليفة في العراق أو سوريا، أو من خلال تهديد الملاحة في مضيق هرمز، بما يرفع أسعار النفط ويؤثر في الاقتصاد العالمي. كما حذرت صحيفة «وول ستريت جورنال»، فإن هذا المسار قد يؤدي أيضاً إلى إنهاك الموارد الأميركية، في ظل محدودية أنظمة «ثاد» الدفاعية (7 بطاريات فقط)، واستنزاف الذخائر في مواجهات سابقة. كذلك تحذّر إسرائيل من أن أي تراجع أميركي عن توجيه ضربة قد يُفسَّر على أنه ضعف، ما قد يشجّع إيران على التشدد والإصرار على شروطها التفاوضية.


طهران تراهن على التفاوض... وباريس تحضها على «تنازلات كبرى»

عراقجي يتحدث إلى رضا صالحي أميري وزير السياحة الذي شغل مناصب رفيعة في وزارة الاستخبارات على هامش اجتماع الحكومة الأربعاء (الرئاسة الإيرانية)
عراقجي يتحدث إلى رضا صالحي أميري وزير السياحة الذي شغل مناصب رفيعة في وزارة الاستخبارات على هامش اجتماع الحكومة الأربعاء (الرئاسة الإيرانية)
TT

طهران تراهن على التفاوض... وباريس تحضها على «تنازلات كبرى»

عراقجي يتحدث إلى رضا صالحي أميري وزير السياحة الذي شغل مناصب رفيعة في وزارة الاستخبارات على هامش اجتماع الحكومة الأربعاء (الرئاسة الإيرانية)
عراقجي يتحدث إلى رضا صالحي أميري وزير السياحة الذي شغل مناصب رفيعة في وزارة الاستخبارات على هامش اجتماع الحكومة الأربعاء (الرئاسة الإيرانية)

في وقت تتقاطع فيه مؤشرات الانفتاح الدبلوماسي مع تصاعد الضغوط الغربية، أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الأحد، ثقته بإمكانية التوصل إلى اتفاق مع واشنطن بشأن البرنامج النووي، مشيراً إلى أن تبادل الرسائل عبر دول صديقة أسهم في تيسير محادثات وصفها بـ«المثمرة»، في وقت حض فيه وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، طهران، على «القبول بتنازلات كبرى».

وقال عراقجي، في مقابلة مع شبكة «سي إن إن»، إن طهران فقدت ثقتها بالولايات المتحدة بوصفها شريكاً تفاوضياً، لكنها لا تزال ترى أن الوصول إلى اتفاق «عادل ومنصف» يضمن عدم امتلاك إيران أسلحة نووية «يبقى ممكناً حتى خلال فترة زمنية قصيرة».

ولفت عراقجي إلى أن بلاده لا ترفض مبدأ التفاوض بحد ذاته، لكنها ترفض توسيع جدول الأعمال ليشمل برنامجها الصاروخي أو دورها الإقليمي، مشدداً على أن أي مفاوضات يجب أن تقتصر حصراً على الملف النووي، قائلاً: «دعونا لا نتحدث عن أمور مستحيلة، ولا نضيّع فرصة التوصل إلى اتفاق عادل ومنصف».

وأوضح أن طهران تتوقع، في المقابل، رفع العقوبات الأميركية المفروضة عليها منذ سنوات، واحترام حقها في مواصلة تخصيب اليورانيوم لأغراض سلمية، معتبراً أن تلك العقوبات شكلت عبئاً ثقيلاً على الاقتصاد الإيراني.

وحذر عراقجي من أن تعثر المسار التفاوضي سيضع إيران أمام خيارات أخرى، مؤكداً أن بلاده «جاهزة لجميع السيناريوهات»، رغم أن أي صراع عسكري «سيكون كارثياً على الجميع»، وقد يمتد إلى ما هو أبعد من الحدود الإيرانية ليطال المنطقة بأسرها.

وأشار عراقجي إلى أن القواعد الأميركية المنتشرة في الشرق الأوسط، ستكون أهدافاً محتملة في حال اندلاع مواجهة، لافتاً إلى أن التجارب السابقة، بما فيها حرب الـ12 يوماً مع إسرائيل العام الماضي، أظهرت في آنٍ واحد قدرات إيران وحدود ترسانتها الصاروخية.

وعلى الصعيد الداخلي، نفى وزير الخارجية الإيراني وجود أي خطط لإعدام، أو شنق المتظاهرين المعتقلين على خلفية الاحتجاجات الأخيرة، مؤكداً أن «حقوق جميع الموقوفين ستحترم وتضمن»، متهماً «عناصر إرهابية مرتبطة بالخارج» بالوقوف وراء أعمال العنف التي شهدتها البلاد.

وأدت حملة القمع الإيرانية إلى إخماد الاحتجاجات، التي بدأت في أواخر ديسمبر (كانون الأول)، بسبب المتاعب الاقتصادية، لكنها شكلت التحدي السياسي الأكبر للجمهورية الإسلامية منذ تأسيسها في عام 1979.

وتشير الأرقام الرسمية إلى أن عدد القتلى الذين سقطوا جراء الاضطرابات بلغ 3117، لكن وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان (هرانا)، التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً، قالت اليوم (الأحد)، إنها تحققت حتى الآن من مقتل 6713 شخصاً. ولا تزال 17091 حالة وفاة قيد التحقيق، بحسب المنظمة التي تعتمد على شبكة واسعة من الناشطين في داخل البلاد.

«القبول بتنازلات كبرى»

في المقابل، اعتبر وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، أن على إيران «القبول بتنازلات كبرى» في إطار مسار دبلوماسي يهدف إلى تفادي ضربات أميركية محتملة على أراضيها، وذلك في مقابلة مع صحيفة «ليبراسيون» نشرت الأحد.

وقال بارو إن الولايات المتحدة «وضعت نفسها في موقع يمكّنها من إطلاق عملية عسكرية ضد إيران»، لكنها عرضت في الوقت نفسه، مساراً تفاوضياً «يتعين على النظام اغتنامه عبر القبول بتنازلات كبرى، وإحداث تغيير جذري في النهج».

مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كالاس تتحدَّث إلى وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو في بروكسل الخميس الماضي (إ.ب.أ)

وأضاف بارو أن «على إيران أن تتوقف عن كونها مصدراً للتهديد لجوارها الإقليمي ولمصالحنا الأمنية»، داعياً في الوقت نفسه، إلى أن «يستعيد الشعب الإيراني حريته»، مطالباً السلطات الإيرانية بـ«وضع حد للقمع، وإطلاق سراح السجناء، ووقف الإعدامات، وإعادة خدمة الإنترنت» وفقاً لما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

كما طالب وزير الخارجية الفرنسي، طهران، بالسماح بعودة الفرنسيين سيسيل كولر وجاك باريس إلى بلادهما، مؤكداً أنهما «في أمان داخل السفارة الفرنسية بطهران».

وكانت السلطات الإيرانية قد أوقفت كولر وشريكها باريس في مايو (أيار) 2022، وحُكم عليهما بالسجن 20 و17 عاماً على التوالي، بتهمة التجسس لصالح إسرائيل، قبل الإفراج عنهما مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، مع منعهما من مغادرة البلاد.

وأشار بارو إلى أن حكماً قضائياً في فرنسا يتعلق بمواطنة إيرانية يُحتمل أن تكون موضع تبادل مع الفرنسيين، سيصدر أواخر فبراير (شباط)، لافتاً إلى أن السلطات الإيرانية أبدت رغبة في إجراء عملية تبادل عقب انتهاء الإجراءات القضائية بحق الإيرانية مهدية إسفندياري، التي طلب الادعاء العام الحكم عليها بالسجن عاماً نافذاً بتهمة «تمجيد الإرهاب».

وأكد بارو أن «جهودنا للإفراج عن الرعايا الفرنسيين المحتجزين في إيران، لم تمنعنا يوماً من اتخاذ إجراءات حازمة جداً بحق النظام»، في إشارة إلى قرار الاتحاد الأوروبي، الخميس، إدراج «الحرس الثوري» الإيراني على قائمة «المنظمات الإرهابية»، على خلفية اتهامه بتنفيذ حملة قمع دموية خلال الاحتجاجات الأخيرة. وردّت إيران، الأحد، على هذا القرار بإعلان الجيوش الأوروبية «منظمات إرهابية».