سوق الديون الفنزويلية... انتعاش السندات يصطدم بشبكة معقدة من الدائنين

تحالف اليسار الشعبي في مسيرة احتجاجية ضد اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو (إ.ب.أ)
تحالف اليسار الشعبي في مسيرة احتجاجية ضد اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو (إ.ب.أ)
TT

سوق الديون الفنزويلية... انتعاش السندات يصطدم بشبكة معقدة من الدائنين

تحالف اليسار الشعبي في مسيرة احتجاجية ضد اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو (إ.ب.أ)
تحالف اليسار الشعبي في مسيرة احتجاجية ضد اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو (إ.ب.أ)

بعد ما يقرب من عقد من الزمان في حالة «الجمود» والتخلف عن السداد، أعادت الإطاحة بنظام نيكولاس مادورو من قبل الولايات المتحدة الأمل للدائنين، وحوّلت إعادة هيكلة الديون من حلم بعيد إلى إمكانية حقيقية. هذا التغير الدراماتيكي في المشهد السياسي الفنزويلي أشعل شرارة انتعاش قوي في أسعار السندات، لكنه في الوقت نفسه كشف عن تحديات هائلة وغير مسبوقة تنتظر من يحاول فك شفرة ديون تتجاوز 150 مليار دولار.

تفاؤل حذر وتحديات زمنية

رغم القفزة التي سجلتها السندات الفنزويلية - والتي تضاعفت قيمتها العام الماضي بفضل رهانات المستثمرين على تغيير النظام - فإن الخبراء يجمعون على أن الطريق لا يزال طويلاً. ويقول غراهام ستوك، من شركة «آر بي سي بلو باي» لإدارة الأصول: «لا أرى أي إجراء ملموس قبل عامين على الأقل؛ فتعقيد الموقف، والغموض السياسي، وغياب الأرقام الاقتصادية الموثوق بها، يجعل من الصعب تخيل حل سهل أو سريع».

خريطة الديون

تتوزع ديون فنزويلا بين مجموعة متشابكة من الدائنين، تشمل:

  • حملة السندات التجارية: تقدر «جيه بي مورغان» حصتهم بنحو 102 مليار دولار.
  • المطالبات التحكيمية: شركات دولية تطالب بتعويضات عن تأميم أصولها.
  • الديون الثنائية: وعلى رأسها الصين التي تدين لها فنزويلا بنحو 13 إلى 15 مليار دولار، غالبيتها مدعومة باتفاقيات نفطية معقدة أبرمتها شركة النفط الوطنية (PDVSA).

وتكمن المعضلة الكبرى في غياب البيانات الرسمية، حيث لم تصدر فنزويلا أرقاماً دقيقة لديونها منذ عقد تقريباً، وسط تقديرات تشير إلى أن إجمالي الالتزامات يتراوح بين 150 و170 مليار دولار.

النفط ونماذج مصغرة لبراميل النفط وأوراق نقدية من فئة الدولار الأميركي (رويترز)

عقبة العقوبات والاعتراف السياسي

لا تزال العقوبات الأميركية تمثل العائق الأبرز أمام أي تقدم؛ فحتى مع الإطاحة بمادورو، تظل العقوبات مفروضة على شخصيات رئيسية في الحكومة الانتقالية مثل ديلسي رودريغيز. ويرى روبرت كونيغسبرغر، كبير مسؤولي الاستثمار في «غراميرسي»، أن الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع الدائنين قد ينتهك قيود وزارة الخزانة الأميركية، مؤكداً ضرورة حدوث «تغيير كامل وتدريجي في نظام العقوبات» قبل البدء في أي جدولة للديون.

تجاوز صندوق النقد الدولي

في العادة، تستند عمليات إعادة هيكلة الديون السيادية إلى برامج إقراض من صندوق النقد الدولي، لكن الصندوق لم يجرِ تقييماً اقتصادياً شاملاً لفنزويلا منذ عام 2004. وبناءً على ذلك، يراهن بعض المستثمرين على أن واشنطن قد تلعب دور «الضامن» المباشر بدلاً من الصندوق.

ويوضح إد الحسين من «كولومبيا ثريدنيدل» أن الإدارة الأميركية لديها مصلحة استراتيجية في تحريك ملف الديون لفتح الباب أمام شركات النفط الأميركية للاستثمار، كما أشار «جي بي مورغان» إلى احتمال اعتماد «مسار سريع وغير أرثوذكسي» لإعادة الهيكلة يعتمد على النفط بدلاً من الشروط التقليدية لصندوق النقد، خصوصاً إذا ما قدمت واشنطن خطوط ائتمان أو ضمانات مالية.

مخاطر «ترمب» والغموض السياسي

تثور تساؤلات حول ما إذا كانت إدارة ترمب ستحاول تفضيل شركات الخدمات المالية المقيمة في الولايات المتحدة على حساب صناديق التحوط في لندن أو غيرها. كما يظل الغموض يكتنف قدرة فنزويلا الإنتاجية؛ فبعد أن كانت تنتج 3.7 مليون برميل يومياً في السبعينات، تهاوى الإنتاج إلى أقل من مليون برميل بسبب سنوات من سوء الإدارة.

ويختتم سيلستينو أموري، المشارك في تأسيس صندوق «كانايما» المتخصص في الديون الفنزويلية، المشهد بقوله: «المخاطرة الكبرى هي مخاطرة سياسية بحتة... هذا النوع من الاستثمار ليس لأصحاب القلوب الضعيفة».


مقالات ذات صلة

«صندوق الثروة النرويجي» يحقق 247 مليار دولار أرباحاً في 2025

الاقتصاد منظر عام للبنك المركزي النرويجي حيث يقع صندوق الثروة السيادي في أوسلو (رويترز)

«صندوق الثروة النرويجي» يحقق 247 مليار دولار أرباحاً في 2025

أعلن صندوق الثروة السيادي النرويجي، الأكبر في العالم، يوم الخميس، عن أرباح بلغت 2.36 تريليون كرونة (247 مليار دولار) في عام 2025.

«الشرق الأوسط» (أوسلو )
الاقتصاد أعلام الاتحاد الأوروبي أمام مقر المفوضية في بروكسل (رويترز)

تباطؤ نمو قروض الشركات في منطقة اليورو خلال ديسمبر

أظهرت بيانات البنك المركزي الأوروبي الصادرة يوم الخميس تباطؤ نمو قروض الشركات في منطقة اليورو خلال الشهر الماضي، في حين واصلت قروض الأسر ارتفاعها التدريجي.

«الشرق الأوسط» (فرانكفورت، لندن )
الاقتصاد أوراق نقدية من اليورو (رويترز)

عوائد سندات اليورو تنخفض مع تحذير «المركزي الأوروبي» من قوة اليورو

انخفضت عوائد سندات منطقة اليورو قصيرة الأجل، يوم الأربعاء، بعد تحذيرات «المركزي الأوروبي» بشأن أي ارتفاع إضافي في قيمة اليورو.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد لافتة لمحطة وقود تابعة لشركة «أرامكو» على مشارف الرياض (أ.ف.ب)

إقبال قياسي... 10.5 مليار دولار طلبات أولية لسندات «أرامكو»

شهد سجل أوامر الاكتتاب في سندات «أرامكو السعودية» الدولية المقوّمة بالدولار، إقبالاً لافتاً في ساعاته الأولى، حيث تجاوز إجمالي الطلبات 10.5 مليار دولار.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مستثمرون سعوديون يقفون أمام شعار «أرامكو» خلال المنتدى العالمي العاشر للتنافسية (أ.ف.ب)

مستفيدةً من ظروف السوق... «أرامكو» تطرح سندات دولية بالدولار

أعلنت «أرامكو السعودية»، يوم الاثنين، بدء إصدار سندات دولية مقوَّمة بالدولار الأميركي، بموجب برنامجها للسندات الدولية متوسطة الأجل.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

كازاخستان تستأنف إنتاج النفط في حقل تنغيز

تعرض قطاع النفط في كازاخستان الذي ‍يمثل 2 % من الإمدادات العالمية اليومية لسلسلة من المشكلات في الأشهر القليلة الماضية (رويترز)
تعرض قطاع النفط في كازاخستان الذي ‍يمثل 2 % من الإمدادات العالمية اليومية لسلسلة من المشكلات في الأشهر القليلة الماضية (رويترز)
TT

كازاخستان تستأنف إنتاج النفط في حقل تنغيز

تعرض قطاع النفط في كازاخستان الذي ‍يمثل 2 % من الإمدادات العالمية اليومية لسلسلة من المشكلات في الأشهر القليلة الماضية (رويترز)
تعرض قطاع النفط في كازاخستان الذي ‍يمثل 2 % من الإمدادات العالمية اليومية لسلسلة من المشكلات في الأشهر القليلة الماضية (رويترز)

أعلنت وزارة الطاقة في كازاخستان، ​السبت، استئناف إنتاج النفط في حقل تنغيز الضخم مع إعادة تشغيل 5 آبار حتى الآن.

وقالت الوزارة: «سيزيد حجم الإنتاج على مراحل مع استقرار ظروف تشغيل النظام، والتأكد من ‌السلامة الكاملة ‌للعمليات».

وذكرت كازاخستان يوم ‌الأربعاء ⁠الماضي ​أنها ‌ستعيد تشغيل حقل تنغيز النفطي تدريجياً، بهدف الوصول إلى طاقة الإنتاج الكاملة في غضون أسبوع بعد أن أثرت ثلاثة حرائق لم يعرف سببها في وقت ⁠سابق من هذا الشهر على إنتاج 7.‌2 مليون برميل من النفط.

وتعرض قطاع النفط في كازاخستان، الذي يمثل نحو 2 في المائة من الإمدادات العالمية اليومية، لسلسلة من المشكلات في الأشهر القليلة الماضية. فبالإضافة إلى توقف ​الإنتاج في تنغيز، تعرض اتحاد خط أنابيب بحر قزوين، الذي ⁠ينقل الجزء الأكبر من صادرات كازاخستان النفطية خارج البلاد عبر روسيا، إلى هجمات بزوارق مسيرة العام الماضي.

وتتولى تشغيل حقل تنغيز شركة «تنغيزشيفرويل»، وهي مشروع مشترك بين "شيفرون" بحصة 50 في المائة، و"إكسون موبيل" بحصة 25 في المائة، و«قاز موناي غاز» بنسبة 20 في المائة، ‌و«لوك أويل» بـ5 في المائة.

كان وزير الطاقة في كازاخستان ‌قد قال الأربعاء الماضي ‌إن ‌إنتاج ⁠بلاده سيكون ​على ‌الأرجح ضمن حصص تحالف «أوبك بلس»، بسبب انخفاض ⁠إنتاج النفط لديها.

ومن ‌المتوقع أن يبقي تحالف «أوبك بلس» على تعليق زيادة إنتاج ​النفط في مارس (آذار)، خلال ⁠اجتماع يعقد يوم الأحد المقبل، وسط ارتفاع الأسعار بسبب تراجع إنتاج كازاخستان.

وأوضح وزير الطاقة الكازاخستاني، ييرلان أكينغينوف، أن المشكلات في حقل تنغيز والهجوم على خط أنابيب بحر قزوين (CPC)، الذي يمثل 80 في المائة من صادرات كازاخستان النفطية، سيدفعان كازاخستان للعودة إلى حدود الإنتاج المتفق عليها مع «أوبك بلس».

وقال: «نظراً لانخفاض الإنتاج، والحادث في خط أنابيب بحر قزوين، وحقل تنغيز، أعتقد أننا نلتزم بالكميات المحددة فقط».

وأوضح أن إغلاق حقلي تنغيز وكوروليف أدى إلى خسارة في الإنتاج تقدر بنحو 900 ألف طن من النفط (7.2 مليون برميل)، لكنه أكد أن هذه الخسائر ستعوَّض، وأن إجمالي الإنتاج الكازاخستاني لن يتأثر على أساس سنوي.


الذهب والفضة... من القمم التاريخية إلى الانهيار

صائغ يعرض سبائك الذهب والفضة في متجره بوسط مدينة الكويت (أ.ف.ب)
صائغ يعرض سبائك الذهب والفضة في متجره بوسط مدينة الكويت (أ.ف.ب)
TT

الذهب والفضة... من القمم التاريخية إلى الانهيار

صائغ يعرض سبائك الذهب والفضة في متجره بوسط مدينة الكويت (أ.ف.ب)
صائغ يعرض سبائك الذهب والفضة في متجره بوسط مدينة الكويت (أ.ف.ب)

مطلع العام الحالي، شهدت الأسواق العالمية فصلاً جديداً من فصول التذبذب العنيف، حيث قفز الذهب والفضة إلى مستويات قياسية غير مسبوقة في تاريخ البشرية، قبل أن يصطدما بجدار «الواقع السياسي» الجديد في واشنطن. وبينما تجاوز الذهب حاجز الـ 5500 دولار للأوقية، حققت الفضة قفزات مذهلة فاقت أداء الذهب، ليعيش المستثمرون أسبوعاً من الجنون السعري انتهى بـ«جمعة دامية» أعادت ترتيب أوراق الملاذات الآمنة.

لماذا هرب العالم نحو الذهب؟

لم يكن الارتفاع القياسي للذهب والفضة بمحض الصدفة، بل كان نتيجة تضافر ثلاثة عوامل استراتيجية:

1- ضبابية «ترمب» والحروب التجارية:

أدت تهديدات الرئيس دونالد ترمب بفرض تعريفات جمركية جديدة على دول أوروبية وكندا والصين إلى زعزعة الثقة في النظام التجاري العالمي. وقد ساهمت التوترات حول غرينلاند والتهديدات التجارية ضد ثماني دول أوروبية في دفع المستثمرين للفرار من الدولار نحو الذهب بوصف أنه درع واقٍ من تقلبات السياسة الخارجية الأميركية.

مجوهرات ذهبية معروضة على منصة في معرض فالينزا الدولي للمجوهرات في فالينزا - شمال إيطاليا (رويترز)

2- المخاطر الجيوسياسية المشتعلة:

استمرار الحروب في أوكرانيا وغزة، بالإضافة إلى أحداث درامية، مثل احتجاز الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، خلق مناخاً من عدم اليقين السياسي المطلق. وفي هذا «العالم الفوضوي»، فعل الذهب ما يفعله دائماً؛ حيث قفز على أنه ملاذ آمن وحيد عندما يشعر العالم بالخطر.

3- حمى شراء البنوك المركزية والمستثمرين الجدد:

اتجهت البنوك المركزية الكبرى، وعلى رأسها الصين، نحو زيادة احتياطياتها من الذهب لتقليل الاعتماد على الدولار (De-dollarization)، خوفاً من تجميد الأصول، كما حدث مع روسيا. ولم يقتصر الأمر على المؤسسات، بل دخل لاعبون جدد مثل شركة «تيثير» للعملات الرقمية، التي اشترت كميات هائلة من الذهب جعلت احتياطاتها تفوق احتياطات دول بأكملها.

لماذا سرقت «الفضة» الأضواء؟

بينما ارتفع الذهب بنسبة 30 في المائة، حققت الفضة طفرة مذهلة بنسبة 60 في المائة في شهر واحد، لتصل إلى 120 دولاراً للأوقية. ويرجع ذلك إلى «الشخصية المزدوجة» للفضة؛ فهي ملاذ آمن، ولكنها أيضاً مادة صناعية حيوية للذكاء الاصطناعي، والألواح الشمسية (التي تستهلك 30 في المائة من الطلب العالمي)، والسيارات الكهربائية. وبسبب العجز في الإمدادات لخمس سنوات متتالية، أصبحت الفضة هدفاً للمضاربات العنيفة من قبل صغار المستثمرين عبر تطبيقات التداول مثل «CommSec».

صائغ يثبّت فصاً داخل تاج فضي في ورشة لصناعة المجوهرات في مومباي بالهند (رويترز)

كيفن وورش... السبب الوحيد وراء الانهيار

بينما كان الذهب يحلق فوق الـ5500 دولار، جاءت الأنباء من واشنطن لتقلب الطاولة. فبمجرد ظهور تقارير تشير إلى ترشيح كيفن وورش لرئاسة الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، تراجعت الأسعار بشكل حاد.

لماذا؟ لأن الأسواق كانت تخشى تعيين شخص «ينصاع» لضغوط ترمب لخفض الفائدة بشكل مفرط، مما يسبب تضخماً هائلاً. لكن وورش يُنظر إليه على أنه خيار «آمن ونظامي» مقارنة بمرشحين آخرين، مما أعاد الثقة جزئياً في استقرار الدولار، والسياسة النقدية، فباع المستثمرون «الخبر» وجنوا أرباحهم، ليهبط الذهب إلى مستويات دون 5 آلاف دولار، والفضة إلى ما دون الـ75 دولاراً في جلسة واحدة.

عُرض ملصقٌ يُصوّر سبائك ذهبية استثمارية على واجهة أحد تجار الذهب في مدريد (أ.ف.ب)

رغم التراجع الأخير، لا تزال المعادن الثمينة أعلى بكثير من مستوياتها في العام الماضي. ويحذر الأكاديميون والمحللون المستثمرين الأفراد من «مطاردة الزخم»؛ فالذهب والفضة أصول لا تدر عائداً، أو توزيعات أرباح، وقيمتها تعتمد فقط على إعادة البيع بسعر أعلى. ويوصي الخبراء بألا تتجاوز نسبة المعادن الثمينة في المحفظة الاستثمارية ما بين 5 إلى 15 في المائة فقط، لضمان التنويع في عالم يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم.


«انقلاب أبيض» في «الفيدرالي»... كيفن وورش يقود «ثورة» ترمب النقدية

وورش يتحدث في مؤتمر في نيويورك عام 2017 (رويترز)
وورش يتحدث في مؤتمر في نيويورك عام 2017 (رويترز)
TT

«انقلاب أبيض» في «الفيدرالي»... كيفن وورش يقود «ثورة» ترمب النقدية

وورش يتحدث في مؤتمر في نيويورك عام 2017 (رويترز)
وورش يتحدث في مؤتمر في نيويورك عام 2017 (رويترز)

في خطوة وُصفت بأنها «إعادة ضبط» شاملة لمنظومة المال الأميركية، أعلن الرئيس دونالد ترمب ترشيح كيفن وورش لتولي رئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي خلفاً لجيروم باول الذي تنتهي ولايته في مايو (أيار) المقبل. هذا الاختيار لا يمثل مجرد تغيير في الأسماء، بل يؤشر على «انقلاب أبيض» في العقيدة الاقتصادية لـ«المركزي الأميركي»؛ حيث يأتي وورش، المعروف بانتقاداته اللاذعة للنهج الحالي، ليكون المهندس الجديد لسياسة نقدية تتماشى مع رؤية «ترمب 2.0» القائمة على النمو المتسارع وتخفيض تكاليف الاقتراض.

من «صقر» التضخم إلى «حمامة» الفائدة

يُعد كيفن وورش (55 عاماً) وجهاً مألوفاً في أروقة الاحتياطي الفيدرالي ومراقبي الأسواق، لكن مسيرته شهدت تحولاً لافتاً. فبينما عُرف كـ«صقر» ينادي برفع الفائدة خلال فترة عضويته في مجلس المحافظين (2006-2011)، أصبح في السنوات الأخيرة من أشد الداعمين لخفض تكاليف الاقتراض. هذا التحول يضعه في تناغم تام مع ضغوط ترمب المستمرة لخفض الفائدة لتحفيز الاقتصاد، وهو ما فشل باول في تحقيقه بالشكل الذي يرضي البيت الأبيض.

واجهة مبنى مجلس الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)

الذكاء الاصطناعي كمحرك للنمو

يرتكز موقف وورش المؤيد لخفض الفائدة على رؤية اقتصادية حديثة؛ فهو يجادل بأن الولايات المتحدة تشهد طفرة إنتاجية ناتجة عن ثورة «الذكاء الاصطناعي» وابتكارات وادي السيليكون. ويرى وورش أن هذه الثورة تسمح للاقتصاد الأميركي بالنمو بوتيرة أسرع من الاقتصادات المتقدمة الأخرى دون التسبب في اشتعال التضخم، وهو ما يسمح لصناع السياسة بخفض الفائدة لدعم الأسر والشركات الصغيرة والمتوسطة، بدلاً من التمسك بنماذج اقتصادية «بالية» تعزو التضخم لزيادة إنفاق المستهلكين أو ارتفاع الأجور.

ثورة الميزانية العمومية

أحد أكثر جوانب رؤية وورش راديكالية هو موقفه من الميزانية العمومية للاحتياطي الفيدرالي والبالغة 6.6 تريليون دولار. يصف وورش هذه الميزانية بـ«المتضخمة» التي صُممت لدعم الشركات الكبرى في حقبة أزمات مضت. ويطالب بتقليصها بشكل كبير، معتبراً أن هذه الأموال يجب أن «تُعاد تعبئتها» في صورة أسعار فائدة منخفضة تدعم المواطن البسيط.

كما يدعو إلى «اتفاقية جديدة» بين وزارة الخزانة والاحتياطي الفيدرالي على غرار اتفاقية عام 1951، وذلك لضمان عدم عمل البنك في اتجاهات تعاكس سياسات الخزانة، وهو ما يراه البعض تهديداً لاستقلالية البنك التاريخية. إذ يدعو وورش إلى نسخة عصرية من اتفاقية عام 1951 التاريخية؛ حيث تهدف إلى إيجاد آلية تنسيق رسمية ومباشرة بين وزارة الخزانة والبنك الفيدرالي بشأن حجم الميزانية العمومية وكيفية إدارة الديون السيادية الضخمة للولايات المتحدة.

هجوم على النماذج التقليدية

يتبنى وورش نهجاً نقدياً يضع اللوم في التضخم على الإنفاق الحكومي المفرط وطباعة النقد، وليس على المستهلك الأميركي. وفي تصريحاته، دعا صراحة إلى «تغيير النظام» داخل الاحتياطي الفيدرالي، مهاجماً النماذج الماكرو-اقتصادية التي يستخدمها البنك حالياً. ويقول بوضوح: «البنك المركزي يعتقد أن التضخم سببه ارتفاع الأجور وإنفاق المستهلكين، وأنا أختلف جذرياً؛ التضخم ينشأ عندما تنفق الحكومة الكثير وتطبع الكثير».

رئيس الاحتياطي الفيدرالي الحالي في مؤتمر صحافي (رويترز)

عقبات سياسية وتحقيقات قضائية

رغم أن الجمهوريين يتمتعون بأغلبية في مجلس الشيوخ (53-47)، فإن طريق وورش قد لا يكون مفروشاً بالورود. يواجه الترشيح تعقيدات قانونية مرتبطة بتحقيق وزارة العدل حول شهادة جيروم باول بشأن ترميم مقر الفيدرالي، وهو ما دفع بعض السيناتورات، مثل توم تيليس، للتلويح بمعارضة أي ترشيح للفيدرالي حتى يُحسم التحقيق. كما تلاحق وورش انتقادات من زملائه السابقين الذين يرون في هجومه اللاذع على البنك «تحولاً عن الاستقلالية» لإرضاء طموحاته السياسية.

أصغر محافظ في تاريخ البنك

وصف ترمب وورش بأنه شخصية من «وسط الممثلين» (Central Casting) لوسامته وحضوره. بدأ وورش مسيرته في البيت الأبيض في عهد بوش، قبل أن يصبح في سن الـ35 أصغر عضو في مجلس محافظي الفيدرالي. لعب دوراً محورياً كهمزة وصل بين «وول ستريت» والبنك المركزي خلال أزمة 2008، مما جعله «الرجل الذي لا غنى عنه» في تلك الحقبة. واليوم، وهو في الخامسة والخمسين، يجد نفسه أمام فرصة العمر لتنفيذ رؤيته التي صقلها على مدار عقود كمراقب ومنتقد من الخارج.

وورش يتحدث إلى وسائل الإعلام عن تقريره حول الشفافية في بنك إنجلترا عام 2014 (أ.ب)

تأهب في الأسواق العالمية

تستعد الأسواق المالية العالمية لافتتاح أسبوعي يوصف بـ«المضطرب»، حيث ترك هذا القرار المستثمرين في حالة من التحليل المكثف:

- العقود الآجلة والدولار: من المتوقع أن ترحب الأسواق بوورش كونه صوتاً ينادي بخفض الفائدة، إلا أن الدولار قد يواجه ضغوطاً نزولية نتيجة توجهاته التيسيرية وتناغمه مع رغبة ترمب في دولار «غير مبالغ في قوته».

- سوق السندات: تسود حالة قلق لدى «صقور السندات» من أن تؤدي «الاتفاقية المقترحة بين وزارة الخزانة والاحتياطي الفيدرالي إلى فقدان البنك المركزي استقلاليته، مما قد يرفع «علاوة المخاطر» ويؤدي لتذبذب في العوائد. ويرى هؤلاء أن «التنسيق» هو مجرد اسم مغلف لـ«التبعية»؛ أي أن الحكومة قد تملي على البنك المركزي إبقاء الفائدة منخفضة فقط لتتمكن من تمويل عجزها المالي الضخم بتكلفة رخيصة. كما يعتبرون أنه إذا فقد الاحتياطي الفيدرالي قدرته على اتخاذ قرارات «مؤلمة» (مثل رفع الفائدة) بسبب التزامه باتفاقية مع الخزانة، فإن التضخم قد يخرج عن السيطرة، مما يؤدي إلى انهيار قيمة السندات طويلة الأجل. ويخشى المستثمرون أن تصبح ميزانية الاحتياطي الفيدرالي أداة لتمويل الأجندات السياسية بدلاً من الحفاظ على استقرار الأسعار.

- الأصول الرقمية: يأتي الترشيح والبتكوين ينزف بنسبة 7 في المائة (82800 دولار). وبينما يرفع خفض الفائدة من شهية المخاطرة، يراقب المستثمرون ما إذا كان عهد وورش سينهي ظاهرة «بيع الخبر» التي طالما أحبطت مستثمري العملات المشفرة في 2025.

- الذهب والتقنية: يترقب الذهب «تغيير النظام» كملاذ آمن، بينما تعد رؤية وورش حول «ثورة الإنتاجية» بمثابة «موسيقى» لآذان شركات وادي السيليكون التي قد تشهد انتعاشاً في تقييماتها.

متداولان في بورصة نيويورك (رويترز)

يمثل ترشيح كيفن وورش نهاية حقبة «الاستمرارية» التي بدأت منذ عصر آلان غرينسبان. فإذا تم تثبيته، فإن العالم أمام بنك مركزي جديد تماماً؛ بنك يتحالف مع الخزانة، ويتبنى التكنولوجيا، ويضرب بالنماذج التقليدية عرض الحائط، ليحقق حلم ترمب في اقتصاد «فائق السرعة» ومنخفض التكلفة.