«القاهرة» الأكثر جاذبية في أفريقيا عام 2025... ما الأسباب؟

تقرير فرنسي عدّها من أكبر الأسواق بالمنطقة

 العاصمة المصرية القاهرة تزخر بالمقومات الحضرية والسياحية (الهيئة العامة لتنشيط السياحة)
العاصمة المصرية القاهرة تزخر بالمقومات الحضرية والسياحية (الهيئة العامة لتنشيط السياحة)
TT

«القاهرة» الأكثر جاذبية في أفريقيا عام 2025... ما الأسباب؟

 العاصمة المصرية القاهرة تزخر بالمقومات الحضرية والسياحية (الهيئة العامة لتنشيط السياحة)
العاصمة المصرية القاهرة تزخر بالمقومات الحضرية والسياحية (الهيئة العامة لتنشيط السياحة)

«هنا القاهرة الساحرة الآسِرة الهادرة الساهرة... هنا القاهرة الزاهرة العاطرة الشاعرة النيّرة»، كلمات الشاعر المصري الراحل سيد حجاب، وما تحمله من دلالات، يمكنها أن تصف مكانة وحال العاصمة المصرية، التي تصدرت قائمة المدن الأفريقية الأكثر جاذبية لعام 2025، وفقاً لتقرير مجلة «Jeune Afrique» الفرنسية.

واحتلت القاهرة الصدارة، وفق التقرير، في ظل ما تشهده المدينة من تحولات ملموسة شملت مجالات التنمية الحضرية، وتطوير شبكات النقل والمواصلات، وتعزيز البنية التحتية، بما أسهم في ترسيخ مكانتها بوصفها نموذجاً حضرياً متطوراً على مستوى القارة الأفريقية.

وبهذا الاختيار، تواصل القاهرة رحلتها مع الريادة، وترسيخ مكانتها بوصفها مركزاً ثقافياً وسياحياً، بعد أن فازت من قبل بلقب عاصمة السياحة للدول الأعضاء بمنظمة التعاون الإسلامي خلال موسم (2025 - 2026).

فيما كانت المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة «الإيسيسكو» قد اختارت القاهرة لتكون عاصمة للثقافة في العالم الإسلامي لعام 2022، كما انضمت القاهرة أخيراً إلى شبكة «اليونيسكو» العالمية لمدن التعلم لعام 2025.

قلعة صلاح الدين أبرز معالم القاهرة (الهيئة العامة لتنشيط السياحة)

وقام المركز الإعلامي لمجلس الوزراء المصري، الاثنين، عبر منصاته على مواقع التواصل الاجتماعي، بنشر مجموعة أرقام ومعلومات (إنفوغراف) لإلقاء الضوء على تقرير المجلة الفرنسية، حيث أوضح الإنفوجراف أن ما تشهده العاصمة المصرية من تحولات أسهمت أيضاً في توفير بيئة جاذبة للمستثمرين، عززت من تنافسية القاهرة بوصفها وجهة استثمارية رائدة، قادرة على المنافسة في المحافل الدولية.

وأوضح الإنفوغراف أن التصنيف صادر من مجلة «Jeune Afrique» الفرنسية، للمدن الأفريقية الأكثر جاذبية، استناداً إلى تحليل الاستثمار الأجنبي المباشر، واستطلاعات رأي ميدانية تتعلق بجودة الحياة ومستوى البنية التحتية، أُجريت لسكان 41 مدينة أفريقية.

ووفقاً لتقرير المجلة، تقدمت مدينة القاهرة سبعة مراكز في تصنيف العواصم والمدن الأفريقية الأكثر جاذبية، لتحتل المركز الأول عام 2025، بعد أن كانت في المركز الثامن خلال عام 2024.

واستعرض الإنفوجراف، رؤية التقرير لمدينة القاهرة، التي صنفها بوصفها المدينة الأكثر انفتاحاً على الاستثمارات الأجنبية المباشرة في القارة، حيث نجحت في جذب نحو 11.3 مليار دولار خلال الفترة من 2019 إلى 2023، كما أبرز مكانة القاهرة بوصفها واحدة من أكبر الأسواق في المنطقة التي تصلح قاعدة للتصدير، مع انخفاض تكلفة العمالة، بما يجعلها محط أنظار المستثمرين والشركات الراغبين في التوسع.

وأشار التقرير إلى عوامل إضافية تمنح القاهرة ميزة تنافسية بارزة، منها قيام الحكومة ببناء كثير من المدن الجديدة لاستيعاب النمو السكاني، منها العاصمة الجديدة التي بلغ حجم الاستثمارات بها نحو 60 مليار دولار.

ووفق أستاذ الإدارة المحلية في مصر، حمدي عرفة: «تشهد القاهرة خلال السنوات الأخيرة تحولات حضرية كبرى، أسهمت بوضوح في تعزيز مكانتها الإقليمية بوصفها عاصمة سياسية واقتصادية وثقافية محورية في أفريقيا»، موضحا أن هذه التحولات ترتكز على ثلاث دعائم رئيسية، هي التطوير العمراني، وتحديث البنية التحتية، والتحول نحو المدينة الذكية.

وأضاف عرفة لـ«الشرق الأوسط» أن «من أبرز التحولات الحضرية التي شهدتها القاهرة تنفيذ مشروعات قومية ضخمة، في مقدمتها تطوير شبكة الطرق والكباري، والتوسع في المدن الجديدة المحيطة بالقاهرة، مثل العاصمة الإدارية الجديدة والقاهرة الجديدة ومدينة بدر، ونحو 52 مدينة جديدة مربوطة بالقاهرة من ناحية النقل، مما أسهم في إعادة توزيع السكان والأنشطة الاقتصادية، وتقليل الضغط على الكتلة العمرانية القديمة».

ميدان التحرير أشهر ميادين القاهرة (الهيئة العامة لتنشيط السياحة)

وفيما يتعلق بدور تطوير البنية التحتية في تحسين جودة الحياة، أكد عرفة أن الاستثمارات العامة في البنية التحتية على مستوى الدولة تجاوزت 1.7 تريليون جنيه خلال 8 سنوات، استحوذت القاهرة الكبرى على نسبة كبيرة منها، وشمل ذلك التوسع في مترو الأنفاق، إلى جانب تنفيذ مشروعات النقل الكهربائي الحديثة مثل المونوريل والقطار الكهربائي الخفيف (LRT)، وهي المشروعات التي انعكست مباشرة على تحسين جودة الهواء، وتقليل استهلاك الوقود، ورفع كفاءة التنقل الحضري.

من جانب آخر، عدّ الباحث في التراث المصري، محمد دسوقي، تصدر القاهرة قائمة المدن الأفريقية الأكثر جاذبية لعام 2025، بمثابة اعتراف دولي بمزيج فريد يجمع بين العمق التاريخي والتحول الحضري المعاصر، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا الاستحقاق يمنح العاصمة المصرية قوة دفع استثنائية لإعادة تموضعها بوصفها مركزاً عالمياً يتجاوز الحدود القارية».

وأشار إلى أن جاذبية القاهرة تنبع من مخزون ثقافي هائل لا يتوقف عند حدود الآثار الفرعونية المعروفة، بل يمتد ليشمل تراثاً حياً من الحرف التقليدية والبيئية.

ويرى الباحث أن «تصدر القاهرة للقائمة هو بمثابة وسام استحقاق يفرض روحاً من التحدي للحفاظ على هذا المركز، عبر التركيز على الهوية الثقافية، وتشييد المتاحف الكبرى، فهي أدوات حقيقية تمكن القاهرة من التحول من أكثر المدن جاذبية في أفريقيا إلى واحدة من أهم الوجهات التنافسية على الخريطة الدولية».


مقالات ذات صلة

«بلو أوريجين» تعلق أنشطة السياحة الفضائية للتركيز على القمر

الولايات المتحدة​ صاروخ «نيو غلين» الفضائي في منصة الإطلاق (حساب شركة «بلو أوريجين» في منصة «إكس»)

«بلو أوريجين» تعلق أنشطة السياحة الفضائية للتركيز على القمر

أعلنت شركة «بلو أوريجين» المملوكة للملياردير جيف بيزوس الجمعة تعليق أنشطتها السياحية الفضائية للتركيز على القمر، حيث تريد منافسة شركة «سبيس إكس».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ تشديد الرقابة على استخدام الزوار الأجانب وسائل التواصل الاجتماعي يسبب عزوف الناس عن زيارة الولايات المتحدة (رويترز)

الرقابة الأميركية للمنصات الاجتماعية للزوار تهدد السياحة

تهدد خطة أميركية لتشديد الرقابة على استخدام الزوار الأجانب وسائل التواصل الاجتماعي بخفض الدخل السياحي بما يصل إلى 15.7 مليار دولار هذا العام.

«الشرق الأوسط» (باريس)
آسيا حشد من السياح بمعبد في كيوتو غرب اليابان 30 مارس 2023 (رويترز)

الصين تحذّر مواطنيها من السفر إلى اليابان في عطلة رأس السنة القمرية

حذّرت الصين مواطنيها، الاثنين، من السفر إلى اليابان لقضاء عطلة رأس السنة القمرية في فبراير (شباط)، مشيرة إلى تدهور الوضع الأمني، في ظل توترات حادة بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (بكين)
يوميات الشرق مخاوف من تأثيرات على حركة السياحة المنتعشة بمصر بسبب قرار «جمارك الجوال» (تصوير: عبد الفتاح فرج)

مصر: مخاوف من تأثير «جمارك الجوال» على حركة السياحة

أثار قرار فرض «جمارك الجوال» على المصريين المغتربين في الخارج والأجانب، الذي يشترط سداد رسوم وجمارك على الهواتف، مخاوفَ في القطاع السياحي.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق مدينة العلمين الجديدة تستهدف استقبال مزيد من السائحين (حساب المدينة على فيسبوك)

مصر تروج لشواطئ العلمين الجديدة في إسبانيا

بعد تحقيقها زيادة لافتة في استقبال أعداد السائحين خلال العام الماضي تسعى مصر إلى تعظيم الاستفادة من ساحلها الشمالي الغربي خصوصاً مدينة العلمين الجديدة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

لندن تستضيف «مستقبل السعودية – معرض التوظيف 2026»

«مستقبل السعودية – معرض التوظيف 2026» في لندن
«مستقبل السعودية – معرض التوظيف 2026» في لندن
TT

لندن تستضيف «مستقبل السعودية – معرض التوظيف 2026»

«مستقبل السعودية – معرض التوظيف 2026» في لندن
«مستقبل السعودية – معرض التوظيف 2026» في لندن

تستضيف جامعة كينغز لندن، الأربعاء في 4 فبراير (شباط) 2026، معرض «Saudi Futures – Career Fair 2026» («مستقبل السعودية – معرض التوظيف 2026»)، بتنظيم مشترك من الجمعيات الطلابية السعودية في جامعة كوين ماري بلندن، وكلية كينغز لندن، وجامعة كوليدج لندن، إلى جانب النادي السعودي في لندن.

ويحظى الحدث، الذي ينظّم للمرة الأولى في العاصمة البريطانية وداخل القاعة الكبرى بحرم «ستراند» الجامعي، بدعم رسمي من الملحقية الثقافية السعودية في المملكة المتحدة، ويهدف إلى ربط الطلبة والخريجين السعوديين الدارسين في بريطانيا بالجهات والمؤسسات التي توفر فرصًا وظيفية، وبرامج دراسات عليا، وتدريبًا مهنيًا في مختلف القطاعات.

ويستقطب الحدث مشاركين من تخصصات أكاديمية متنوعة ومن جامعات متعددة في لندن، ما يجعله منصة جامعة لتعزيز الجاهزية المهنية وبناء علاقات بين الطلبة وسوق العمل، وفق بيان المنظمين.

نموذج متقدم

ويبرز معرض «مستقبل السعودية – معرض التوظيف 2026» بوصفه نموذجًا متقدمًا للتنسيق المؤسسي بين الجمعيات الطلابية السعودية في عدد من الجامعات البريطانية الكبرى، حيث تتكامل الجهود الطلابية عبر المؤسسات الأكاديمية المختلفة لتقديم مبادرة مهنية منظمة وواسعة النطاق.

ويشارك في المعرض ممثلون عن جهات توظيف ومؤسسات تعليمية وشركات دولية تقدم برامج للخريجين والتدريب المهني، إلى جانب جهات أكاديمية وحكومية داعمة، ما يوفر للطلبة السعوديين فرصة التواصل المباشر مع سوق العمل وبناء شبكات مهنية مبكرة.

«مستقبل السعودية – معرض التوظيف 2026» في لندن

ويعكس هذا التعاون المشترك انتقال الجمعيات الطلابية من تنظيم أنشطة محدودة النطاق إلى إطلاق منصات احترافية تستجيب لاحتياجات الطلبة السعوديين في مرحلة مفصلية من مسيرتهم التعليمية، لا سيما في ما يتعلق بالاستعداد المبكر لسوق العمل وبناء المسار المهني.

تنامي المبادرات

كما يركز المعرض على تعزيز الربط العملي بين الجانب الأكاديمي ومتطلبات الحياة المهنية، من خلال إتاحة فرص التواصل المباشر مع جهات توظيف ومؤسسات تقدم برامج تدريب وتطوير مهني، بما يسهم في رفع مستوى الوعي المهني لدى الطلبة والخريجين، وتوسيع آفاق مشاركتهم في فرص التطور الوظيفي داخل وخارج المملكة.

ويأتي هذا التوجه في سياق أوسع يعكس تنامي دور المبادرات الطلابية السعودية في الخارج، وقدرتها على العمل المشترك وتقديم فعاليات نوعية ذات أثر ملموس، تدعم جاهزية الكفاءات الشابة وتواكب التحولات المتسارعة في سوق العمل العالمي.


الكلية الملكية البريطانية للفنون شريكاً أكاديمياً لـ«جامعة الرياض للفنون»

جرت مراسم توقيع الشراكة خلال افتتاح النسخة الثالثة من «بينالي الدرعية للفن المعاصر» بحي جاكس في الدرعية (واس)
جرت مراسم توقيع الشراكة خلال افتتاح النسخة الثالثة من «بينالي الدرعية للفن المعاصر» بحي جاكس في الدرعية (واس)
TT

الكلية الملكية البريطانية للفنون شريكاً أكاديمياً لـ«جامعة الرياض للفنون»

جرت مراسم توقيع الشراكة خلال افتتاح النسخة الثالثة من «بينالي الدرعية للفن المعاصر» بحي جاكس في الدرعية (واس)
جرت مراسم توقيع الشراكة خلال افتتاح النسخة الثالثة من «بينالي الدرعية للفن المعاصر» بحي جاكس في الدرعية (واس)

وقَّعت وزارة الثقافة السعودية، الجمعة، شراكةً مع الكلية الملكية البريطانية للفنون (RCA)، تكون الأخيرة بموجبها شريكاً أكاديمياً لكُلّيتَي «التصميم والعمارة، والفنون البصرية والتصوير الفوتوغرافي» بـ«جامعة الرياض للفنون»، وذلك لتطوير المواهب الثقافية والفنية، وتعزيز التبادل الثقافي.

وجرت مراسم التوقيع خلال افتتاح النسخة الثالثة من «بينالي الدرعية للفن المعاصر»، التي تحمل عنوان «في الحِلّ والترحال»، بحي جاكس في الدرعية؛ إذ مثَّلت الوزارة نهى قطّان، وكيلة الشراكات الوطنية وتنمية القدرات، فيما مثّل الكلية رئيسُها ونائب المستشار البروفسور كريستوف ليندنر.

وستتعاون الكلية مع الجامعة في التصميم المشترك، وتقديم برامج أكاديمية لمرحلتَي البكالوريوس والدراسات العليا، وأخرى تأسيسية، تغطي مجالات العمارة، والتصميم، والتخطيط الحضري.

وتمثّل هذه البرامج جسراً يربط بين الإرث والابتكار، وتسهم في تنمية المواهب الوطنية وتمكينها من أداء دورٍ فاعل في تشكيل البيئات العمرانية ومجالات التصميم، وبناء الكفاءات في الفنون البصرية التقليدية والمعاصرة، ضمن رؤية إبداعية عالمية تنطلق من الهوية الثقافية الفريدة للسعودية.

وتأسست الكلية في لندن عام 1837، وجاءت كأفضل جامعة للفنون والتصميم عالمياً لمدة 11 عاماً متتالية وفق تصنيف «كيو إس» للجامعات حسب التخصص، للأعوام من 2015 حتى 2025، وتُعد من أكثر الجامعات المتخصصة كثافةً في البحث العلمي بالمملكة المتحدة.

وتقدّم الكلية مجموعة واسعة من البرامج في الفنون البصرية، والتصميم، والعمارة، والاتصال، والعلوم الإنسانية عبر كلياتها المختلفة، مع تركيزها على تطوير الكفاءة المهنية، ودفع حدود الممارسة الإبداعية من خلال التعليم والبحث والتعاون العابر للتخصصات.

وتأتي هذه الشراكة ضمن سلسلةٍ من شراكات أكاديمية ومذكرات تفاهم توقّعها «جامعة الرياض للفنون» وكليّاتها مع مؤسساتٍ دولية رائدة، بهدف تصميم البرامج الأكاديمية، وتعزيز التعاون البحثي، وتقديم برامج تعليمية إثرائية في مجالات الثقافة والتنمية.

كان الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، أعلن خلال شهر سبتمبر (أيلول) 2025 عن إطلاق «جامعة الرياض للفنون» في كلمته الافتتاحية بـ«مؤتمر الاستثمار الثقافي»، بوصفها حجر الأساس للتعليم الإبداعي والابتكار الثقافي في المملكة.

وتهدف الجامعة إلى تأهيل طلابها بالمعرفة والمهارات والرؤية اللازمة للإسهام في تشكيل مستقبل الاقتصاد الإبداعي في السعودية، ويُنتظر أن تُعلِن عن المزيد من التفاصيل المتعلقة بها وكلياتها وشراكاتها عبر موقعها الإلكتروني الرسمي الذي سيُطلق خلال الربع الحالي.


«العربي»... قراءة سينمائية جزائرية جديدة لـ«الغريب» في روتردام

يخوض مخرج الفيلم تجربته الأولى في الأفلام الروائية (مهرجان روتردام)
يخوض مخرج الفيلم تجربته الأولى في الأفلام الروائية (مهرجان روتردام)
TT

«العربي»... قراءة سينمائية جزائرية جديدة لـ«الغريب» في روتردام

يخوض مخرج الفيلم تجربته الأولى في الأفلام الروائية (مهرجان روتردام)
يخوض مخرج الفيلم تجربته الأولى في الأفلام الروائية (مهرجان روتردام)

احتضن مهرجان روتردام السينمائي الدولي، في نسخته الـ55، العرض العالمي الأول للفيلم الجزائري «العربي»، وهو العمل العربي الوحيد المشارك في المسابقة الرسمية للمهرجان، الذي تتواصل فعالياته من 29 يناير (كانون الثاني) الحالي حتى 8 فبراير (شباط) المقبل.

ويُعرض الفيلم في 5 عروض مختلفة ضمن برنامج المهرجان حتى الأربعاء المقبل.

وتدور أحداثه في 106 دقائق، وهو إنتاج مشترك بين الجزائر، وفرنسا، وبلجيكا، وسويسرا، والسعودية، بعدما حصل على دعم من مؤسّسة «البحر الأحمر».

ويشكّل العمل التجربة الروائية الأولى للمخرج الجزائري مالك بن إسماعيل بعد مسيرة طويلة في السينما الوثائقية.

يُعيد «العربي»، عبر مقاربة سينمائية، تفكيك إحدى أكثر الشخصيات غموضاً في الأدب العالمي، من خلال إعادة النظر في رواية الغريب للكاتب ألبير كامو، ولكن من زاوية مختلفة، تستند إلى شهادة الأخ المسنّ للضحية، متنقلاً بذكاء بين الذاكرة والخيال والسجل التاريخي.

في رواية كامو الصادرة عام 1942، يظهر «ميرسو» في انتظار تنفيذ حكم الإعدام بحقه بعد إدانته بقتل رجل بلا اسم، يُشار إليه فقط بصفته «العربي»، من دون منحه أي هوية واضحة. ورغم المكانة الأدبية التي احتلتها الرواية بوصفها من أبرز أعمال القرن العشرين، ظلَّ هذا الغياب الاسمي علامة استفهام كبرى حول هوية القتيل ودلالات هذا التجاهل في سياق الاستعمار والذاكرة.

عام 2013، قدَّم الكاتب الجزائري كمال داود إجابة أدبية عن هذا السؤال في روايته «ميرسو... تحقيق مضاد»؛ إذ أعاد فتح القضية من الجهة الأخرى، مانحاً «العربي» اسماً وحكاية وصوتاً. ومن هذا النصّ، ينطلق مالك بن إسماعيل ليحوّل الرواية إلى أول أفلامه الروائية.

تنطلق أحداث الفيلم من مدينة وهران الجزائرية، حيث يعيش «هارون»، الذي أدَّى دوره الممثل الجزائري الراحل أحمد بن عيسى، وهو رجل مسنّ، أعزب، وموظف حكومي متقاعد، حياة انعزالية مُثقلة بالذكريات.

لكن لقاءً عابراً في حانة مع الصحافي «كامل» يتحوَّل إلى اعتراف طويل، أو إلى شهادة متأخرة عن جريمة وقعت في صيف عام 1942.

يعرض الفيلم للمرة الأولى عالمياً في مهرجان روتردام (الشركة المنتجة)

قُدِّم الفيلم، المصوَّر بالألوان وبالأبيض والأسود، بصورة تعكس تداخلاً بين الماضي والحاضر، والواقع والذاكرة، مع اعتماد إخراج كلاسيكي هادئ يترك مساحة للصمت والكلمات الثقيلة، من دون افتعال أو خطابية.

ويقول مالك بن إسماعيل إنّ رواية كامو قدَّمت حادثة قتل رجل عربي على الشاطئ من دون ذكر اسمه أو منحه وجوداً إنسانياً حقيقياً، مشيراً إلى أنّ هذا الغياب لا يمكن التعامل معه بوصفه تفصيلاً سردياً عابراً، بل يعكس طريقة تفكير استعمارية كاملة.

وأضاف، في تصريحات صحافية، أنّ «رواية كمال داود أعادت فتح هذا الجرح المسكوت عنه، حين منحت الضحية اسماً وصوتاً وحكاية، وأعادت طرح السؤال حول مَن يملك حق السرد ومَن يُمحى من الذاكرة»، مشيراً إلى أنّ فيلمه لا يسعى إلى محاكمة كامو أو إعادة قراءته، بقدر ما يحاول سينمائياً استعادة ما تم محوه من اسم وذاكرة وإنسان.

وأكد أنّ هاجسه الأساسي كان صناعة فيلم عن الصمت، وعن الثقل الذي يُخلّفه القتل حين لا يُعترف بالضحية، لافتاً إلى أنّ انتقاله من السينما الوثائقية إلى الروائية جاء امتداداً طبيعياً لتجربته؛ إذ تعامل مع النص الروائي بالإنصات وطرح الأسئلة والشك في الرواية الواحدة.

حصل الفيلم على دعم من مهرجان «البحر الأحمر» (مهرجان روتردام)

من جهته، قال الناقد السينمائي الجزائري فيصل شيباني إنّ الإنتاج السينمائي الجزائري شهد تراجعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، في ظلّ انخفاض دعم الدولة، ممّا انعكس على حضور الأفلام الجزائرية في المهرجانات الكبرى.

وأضاف أنه كان يتوقَّع مشاركة «العربي» في أحد المهرجانات الكبرى، ولا سيما «كان»، نظراً إلى كونه مقتبساً من رواية حقَّقت انتشاراً واسعاً، خصوصاً في فرنسا.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أنّ «مالك بن إسماعيل أثبت في تجاربه السابقة امتلاكه أدواته الإخراجية، ووجود رؤية واضحة في أعماله»، مشيراً إلى أنّ مشاركة الفنانة الفلسطينية هيام عباس في بطولة الفيلم ترفع منسوب التوقّعات لتجربة مختلفة عن السائد في السينما الجزائرية أخيراً.

من جانبه، قال الناقد السينمائي السعودي أحمد العياد إنّ فيلم «العربي» يستند إلى أرضية أدبية قوية، بكونه مُقتبساً عن رواية وصفها بالثرية فنّياً وفكرياً، لِما تحمله من قراءة مُغايرة لنصّ أدبي كلاسيكي ومنحها صوتاً إنسانياً غائباً.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أنّ «العمل يقف خلفه فريق فنّي متميّز على مستوى الإخراج والتمثيل والرؤية العامة، ممّا أضفى عليه ثقلاً فنياً وحضوراً لافتاً»، مشيراً إلى أنّ دعم مؤسّسة «البحر الأحمر» للفيلم يؤكد قدرتها على اختيار أعمال متميّزة فنياً، خصوصاً أنّ «العربي» هو العمل العربي الوحيد المشارك في المسابقات الرسمية الثلاث للمهرجان.