احتجاجات إيران تدخل يومها التاسع... والقبضة الأمنية تتصاعد

البرلمان يدعو إلى «مواجهة فعالة» والقضاء يتوعد «مثيري الشغب»

لقطة من فيديو تظهر محتجين في قضاء ملكشاهي بمحافظة إيلام غرب إيران (أ.ف.ب)
لقطة من فيديو تظهر محتجين في قضاء ملكشاهي بمحافظة إيلام غرب إيران (أ.ف.ب)
TT

احتجاجات إيران تدخل يومها التاسع... والقبضة الأمنية تتصاعد

لقطة من فيديو تظهر محتجين في قضاء ملكشاهي بمحافظة إيلام غرب إيران (أ.ف.ب)
لقطة من فيديو تظهر محتجين في قضاء ملكشاهي بمحافظة إيلام غرب إيران (أ.ف.ب)

دخلت الاحتجاجات العامة في إيران يومها التاسع على إيقاع رسائل متشددة من السلطتين التشريعية، والقضائية، في وقت تحاول فيه الحكومة إبقاء خيط سياسي مفتوح مع الشارع، مع تثبيت قبضة أمنية ورقمية موازية.

وقال رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف في افتتاح جلسة علنية للبرلمان إن «الاحتجاج يجب أن يسمع، ويتخذ أساساً للتغيير»، لكنه شدد على أن «حساب» من يعارضون سياسياً «منفصل»، وتجب «مواجهتهم بذكاء، وبأسلوب فعال». وفي الوقت نفسه، توعد رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي «مثيري الشغب» بعدم أي تساهل، آمراً الادعاء العام بالتحرك «وفق القانون وبحزم» ضد من قال إنهم يثيرون الفوضى، أو يدعمونها.

وأفادت تقارير ميدانية بأن التجمعات الاحتجاجية في قلب طهران التجاري تجددت في منطقة «سراج برق»، التي يرتادها التجار وأصحاب المحال، وأفاد شهود عيان على منصة «إكس» بأن قوات أمن اقتحمت مجمعاً تجارياً، وفضت تجمعاً في زقاق مجاور باستخدام الغاز، فيما يظهر في الفيديوهات سحل شخص، واعتقال آخرين.

وجاءت التجمعات بعدما بدت طهران صباح الاثنين أكثر انضباطاً مما شهدته ليالي الأسبوع الأول، فمعظم المتاجر فتحت أبوابها، وعاد كثير من السكان إلى أعمالهم بعد عطلة مطولة، لكن الانتشار الأمني بقي كثيفاً عند التقاطعات الرئيسة، حسبما أوردت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وشوهد انتشار لوحدات من الشرطة وقوات مكافحة الشغب عند مفارق رئيسة، وفي محيط مراكز تجارية، وطرق مؤدية إلى الأسواق، إضافة إلى تمركز عناصر أمنية أمام بعض المؤسسات التعليمية، في إطار إجراءات استباقية تحسباً لتجدد التجمعات خلال ساعات النهار. وأعلنت الجامعات الأحد تعليق الدراسة الحضورية، وتقديم دروسها عبر الإنترنت فقط.

ونقلت «الوكالة الفرنسية»، عن وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري»، أن «الاتجاه الملاحظ مساء الأحد يشير إلى انخفاض ملحوظ في عدد التجمعات ونطاقها الجغرافي».

«نمط متغير»

على نقيض الرواية الرسمية، استمرت الاحتجاجات في اتخاذ نمط متغير، حيث تتركز التحركات خلال النهار في الأسواق، ومفاصل النشاط الاقتصادي، قبل أن تتحول ليلاً إلى الأحياء السكنية، والضواحي عبر تجمعات محدودة العدد، وسريعة التشكل، والانفضاض.

وتمركزت هذه التحركات في نقاط تسمح بالاندماج السريع في الحركة اليومية، ثم التحول إلى هتافات خاطفة، ولا سيما في الشوارع المحاذية للمراكز التجارية، والأحياء ذات الكثافة السكانية، مع تنقل متسارع عبر الأزقة، والطرق الفرعية، لتفادي محاولات التطويق.

لقطة من فيديو نُشر الأحد على منصات التواصل الاجتماعي وتُظهر قوات الأمن الإيرانية تفرق محتجين بالغاز المسيل للدموع في وسط طهران الأحد (أ.ف.ب)

وتأتي هذه الاحتجاجات امتداداً مباشراً لغضب الأسواق من تفاقم الضغوط المعيشية، وتسارع تراجع العملة، قبل أن تكتسب بسرعة أبعاداً سياسية أوسع. وبهذا المعنى، تحولت أحدث موجة من التحركات من احتجاجات موضعية محدودة إلى حالة اعتراض عامة ذات انتشار جغرافي متسع، وتركيبة اجتماعية أكثر تنوعاً.

وبحسب معطيات متقاطعة من مصادر حقوقية، وتقارير لناشطين ميدانيين، اتسعت خريطة التحركات مقارنة بالأيام الأولى، مع انتقال بؤر الاحتجاج من مراكز المدن إلى أطرافها، وامتدادها إلى مدن متوسطة وصغيرة لم تكن في صلب المشهد خلال المراحل الأولى.

وفي نهاية اليوم الثامن (الأحد)، أفادت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان في إيران (هرانا) بأن 222 نقطة على الأقل في 78 مدينة ضمن 26 من أصل 31 محافظة في البلاد شهدت خلال ثمانية أيام احتجاجات، أو تجمعات شارعـية، أو إضرابات مهنية، كما شهدت 17 جامعة تحركات احتجاجية طلابية.

وأشار التقرير إلى اعتقال ما لا يقل عن 990 مواطناً خلال هذه الفترة، مع ترجيحات بأن العدد الفعلي أعلى، وإلى تأكيد مقتل 20 شخصاً على الأقل في سياق الاحتجاجات بينهم عنصر واحد من قوات الأمن أو الشرطة.

ووفقاً لبيانات «هرانا» سجلت حتى الآن 51 إصابة، معظمها نتيجة استخدام الرصاص الخرطوشي، والرصاص البلاستيكي، في وقت تتكرر فيه شكاوى من صعوبة رصد الأرقام بدقة بسبب القيود على تدفق المعلومات.

في قم، أكد نائب المحافظ للشؤون السياسية والأمنية مرتضى حيدري مقتل شخصين خلال احتجاجات الأسبوع الماضي، أحدهما يبلغ 34 عاماً، والآخر 17 عاماً، مشيراً إلى أن القاصر لم يشارك في الأحداث، وقتل بسلاح «غير نظامي». وقال إن قوات الأمن استخدمت رصاصاً بلاستيكياً، فيما تحدث عن وفاة أخرى نتيجة انفجار قنبلة يدوية، إضافة إلى توقيف عدد من المحتجين، وسط جدل متواصل بشأن طبيعة القوة المستخدمة.

«اتساع الشعارات الراديكالية»

وكان ليل الأحد اختباراً جديداً للطرفين؛ ففي مدن عدة ظهرت التحركات على شكل موجات متقطعة تبدأ بنداءات من فوق الأسطح، أو عبر تجمعات خاطفة عند دوارات، ومفارق، ثم تتطور أحياناً إلى رشق حجارة، أو إحراق حاويات. وشهدت عشرات المدن -من بينها طهران وشيراز وتبريز ومشهد وكرمانشاه وبندر عباس- مسيرات، أو تجمعات احتجاجية وسط أجواء أمنية مشددة.

في طهران، تجددت الدعوات إلى التجمع في مناطق من العاصمة بعد انتهاء العطلة الرسمية التي أعلنتها السلطات خلال الأيام الماضية، وتركزت التحركات -بحسب ما تم تداوله- حول محيط السوق، ومراكز تجارية، وأحياء سكنية شرقاً وجنوباً. وأظهرت مقاطع من حي هفت حوض هتافات «جاويد شاه (يحيا الشاه)» ، وشعار «هذه هي المعركة الأخيرة بهلوي يعود»، كما ترددت في مواقع أخرى هتافات طالت «ولاية الفقيه»، ومرجعيات الحكم في البلاد.

تفيد مقاطع متداولة من مدن في الشمال والغرب بأن أصوات إطلاق نار، أو إطلاق ذخائر سمعت في بعض المواقع، بينما تظهر مقاطع أخرى استخدام الغاز المسيل للدموع لتفريق مجموعات صغيرة قبل أن تتراجع إلى شوارع أضيق.

كما أفادت وكالة «كردبا» المتخصصة في أخبار المناطق الكردية بإصابة ما لا يقل عن 30 شخصاً خلال احتجاجات يوم السبت في مدينة ملكشاهي.

في مدينة ساري شمال البلاد وردت مقاطع تتضمن سماع إطلاق نار، وترديد شعارات «الموت للديكتاتور»، و«بهلوي يعود»، وهي شعارات تكررت بصيغ مختلفة في أكثر من مدينة خلال الليالي الأخيرة. وفي أصفهان أظهرت مقاطع محتجين يشعلون ناراً في الشارع، ويرددون شعار «لا غزة، ولا لبنان روحي فداء إيران».

وعكست الاحتجاجات الليلية في مدينة مشكان بمحافظة فارس اتساع رقعة الشعارات الراديكالية، حيث تجاوزت المطالب الاقتصادية لتستهدف رأس النظام ورموزه.

ويعكس مضمون الهتافات اتساعاً في سقف الخطاب، إذ لم يعد محصوراً في الغلاء وتراجع العملة، بل بات يحمل طابعاً سياسياً مباشراً، مع تنوع بين شعارات احتجاج اجتماعي وشعارات إسقاط أو تغيير النظام.

تجدد التحذيرات

في طهران حاولت المؤسسة التشريعية تقديم خطاب مزدوج يزاوج بين الاعتراف بوجود احتجاجات محقة، والتشديد على الفصل بين الاحتجاج وما تسميه السلطة فوضى، وهو ما ظهر بوضوح في خطاب رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف.

قاليباف يتحدث إلى بعض النواب خلال جلسة الاثنين (موقع البرلمان)

ولم تبلغ الاحتجاجات الراهنة في إيران، حتى الآن، مستوى الحراك الاحتجاجي الذي هز البلاد أواخر عام 2022 عقب وفاة مهسا أميني، في أثناء توقيفها من شرطة الأخلاق، والتي تحولت إلى أكبر موجة احتجاجات شعبية امتدت لأشهر، وأسفرت عن سقوط مئات القتلى. كما خلفت احتجاجات في عام 2019 عشرات القتلى في إيران بعد الإعلان عن ارتفاع كبير في أسعار البنزين.

وقال قاليباف في افتتاح جلسة البرلمان الاثنين إن «الاحتجاج يجب أن يُسمع ويُتخذ أساساً للتغيير»، ودعا إلى بذل الجهود لتحقيق الاستقرار الاقتصادي، لكنه أكد أن «حساب» من قال إنهم متصلون «مباشرة، أو بالواسطة بأجهزة استخبارات» منفصل. ودعا إلى «مواجهة فعالة» من دون تقديم تفاصيل عن طبيعة هذه المواجهة، فيما تحدث في ملف اقتصادي موازٍ عن تحويل دعم «قسائم سلع أساسية» مباشرة إلى المواطنين بعد أن كان «محصوراً» بيد أفراد وشركات.

وقالت صحيفة «إيران» الحكومية إن مصادر تمويل هذا الإجراء هي مزيج من المتبقي من حصة الحكومة من عائدات النفط والسحب من صندوق التنمية الوطنية، في وقت تتزايد فيه الشكوك حول أثر أي دعم على موجة الأسعار.

وقالت الحكومة إنها ستمنح 80 مليون شخص قسائم سلعية إلكترونية بقيمة مليون تومان شهرياً للمساعدة في المعيشة، على أن يبدأ استخدامها من الأسبوع التالي. كما أعلن وزير التعاون والعمل والرفاه الاجتماعي، أحمد ميدري، شحن حسابات 70 مليون شخص برصيد أربعة أشهر في إطار آلية «الكالابرغ» أو «قسائم سلع أساسية».

على الخط نفسه لكن بلهجة أكثر صرامة، قال محسني إجئي إن الولايات المتحدة وإسرائيل «دعمتا المحتجين في إيران رسمياً وعلنياً»، مضيفاً أنه «لن يكون هناك أي تساهل» مع «مثيري الشغب» وفق توصيف السلطات.

وحذر إجئي أن «إعلان الدعم الخارجي يسقط ذريعة من يقول إنه خُدع»، وقال إنه إذا كانت قد مُنحت في مراحل سابقة «تساهلات» فلن يتكرر ذلك، ثم أعلن أنه وجه أوامره إلى الادعاء العام «بعدم إبداء أي تغاضٍ».

ورغم اللهجة المتشددة، أقر إجئي بالحق المشروع في التظاهر للمطالب الاقتصادية، قائلاً إن «الجمهورية الإسلامية تستمع إلى المتظاهرين» وتفرق بينهم وبين «مثيري الشغب»، وهو تفريق تكرر في الخطاب الرسمي منذ البداية الاحتجاجات.

وقال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان الأحد إنه وجّه وزارة الداخلية ‌بأن تتخذ نهجاً «ودياً ومسؤولاً» تجاه المتظاهرين. ونقلت عنه وسائل الإعلام قوله: «لا يمكن ‌إقناع ⁠المجتمع ​أو تهدئته ‌بالأساليب القسرية».

في الأثناء، أكد وزير الاتصالات ستار هاشمي تقييد أو قطع الإنترنت، لكنه قال إنه «ليس سياسة مطلقة، ودائمة». مشيراً إلى أن الإجراءات «تابعة لظروف خاصة»، ولقرارات تتخذ مع مراعاة اعتبارات أمنية ومعيشية و«حماية حياة المواطنين»، مضيفاً أن لدى الناس مطالب واحتجاجات، لكن هناك قلق من تضرر الأعمال.

وأفادت مصادر من نشطاء السوق بأن خدمة الإنترنت قطعت بالكامل في محيط السوق، وضمن دائرة تمتد لعدة كيلومترات حوله، مع ضعف شديد في إشارة شبكات الهاتف الجوال.

وأوضح هاشمي أن القلق من اختلال أو قطع الإنترنت، وتأثيره على النشاط الاقتصادي «مفهوم تماماً»، في وقت تحدثت إفادات ميدانية عن تعطّل خدمات دفع، وتراجع التواصل، وصعوبات في بث المقاطع بسبب تذبذب الشبكة.

انتكاسة جديدة للعملة

اقتصادياً، عادت العملة إلى صدارة النقاش مع ارتفاع سعر الدولار مجدداً مقترباً من عتبة 140 ألف تومان بعد أن كان تراجع إلى نحو 135 ألف تومان، فيما بلغ سعر القطعة الذهبية 156 مليون تومان. وكانت العملة الوطنية خسرت أكثر من ثلث قيمتها أمام الدولار منذ عام.

وذكرت صحف إيرانية أن الدولار واصل ارتفاعه من 138 ألفاً و300 تومان إلى 139 ألفاً و750، بينما أثارت قفزة في مركز التبادل الرسمي مخاوف من صدمة في السوق، وسط حديث رسمي عن التحرك نحو توحيد السعر.

لوحة في دار صرافة بطهران تظهر أسعار العملات الأجنبية مع تراجع قيمة الريال الإيراني (رويترز)

في خضم التصعيد، أصدرت رابطة الكتاب الإيرانيين بياناً دعمت فيه «حق الشعب غير المشروط في الاحتجاج»، ودعت الكتاب والفنانين والمؤسسات المتضامنة حول العالم إلى عدم السماح بأن «تمتلئ السجون والمقابر» بالمحتجين.

قالت الرابطة إن الجمهورية الإسلامية «قامت على القمع والتعذيب وسجن المعارضين والمنتقدين والداعين إلى الحرية»، وإنها لطالما «أخمدت أي صوت احتجاجي فوراً»، وذهبت إلى اتهام السلطات بإطلاق النار، ومهاجمة مستشفيات.

واتهم البيان السلطات بأنها «هاجمت المستشفيات لاختطاف الجرحى» وشرعت في «اعتقالات جماعية»، مؤكداً أن عدد القتلى وحصيلة الاعتقالات في ازدياد يومي، بينما تصف السلطات كثيراً من التحركات بأنها أعمال شغب.


مقالات ذات صلة

واشنطن تتمسك باتفاق «قابل للتحقق» مع طهران

شؤون إقليمية  روبيو يغادر البحرين بعد جولة شرق أوسطية تناولت الاتفاق المؤقت بين واشنطن وإيران (رويترز) p-circle

واشنطن تتمسك باتفاق «قابل للتحقق» مع طهران

أكدت الولايات المتحدة، الخميس، تمسكها بمواصلة المفاوضات مع إيران للتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب، لكنها شددت على أن أي تفاهم يجب أن يكون «حقيقياً وقابلاً للتحقق».

«الشرق الأوسط» (لندن-واشنطن-طهران)
شؤون إقليمية منظر لقبة مبنى الكابيتول الأميركي في كابيتول هيل بواشنطن العاصمة سبتمبر الماضي (رويترز) p-circle 00:18

جمهوريو مجلس الشيوخ يرضخون لضغط ترمب بشأن إيران

 أسقط الجمهوريون قراراً يحد من صلاحيات الرئيس الأميركي دونالد ترمب في الحرب مع إيران

روبرت جيميسون (واشنطن) مايكل غولد (واشنطن)
شؤون إقليمية قائد "فيلق القدس" في الحرس الثوري الإيراني إسماعيل قاآني (أ.ف.ب - أرشيفية) p-circle

قاآني لإسرائيل: الانسحاب من لبنان أو الفرار مهزومة

أفادت وسائل إعلام إيرانية رسمية نقلا عن قائد «فيلق القدس» التابع للحرس الثوري إسماعيل قاآني، قوله إن على إسرائيل الانسحاب طواعية من كامل الأراضي اللبنانية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
رياضة عالمية ملعب «سياتل» الذي سيستضيف مباراة مصر وإيران (أ.ف.ب)

«فيفا» يواجه رفضاً من مصر وإيران بسبب السماح بأعلام المثليين في ملعب «لومن فيلد»

يريد الاتحادان الإيراني والمصري لكرة القدم من الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) منع أي «مراسم أو أنشطة ترويجية» داعمة للمثليين خلال المباراة المثيرة بينهما.

The Athletic (سياتل (الولايات المتحدة))
شؤون إقليمية سفن في مضيق هرمز كما بدت من مسندم بسلطنة عُمان (أرشيفية - رويترز) p-circle

«الحرس الثوري»: عبور مضيق هرمز يقتصر على المسار المحدد إيرانياً

قال «الحرس ​الثوري» الإيراني، اليوم (الخميس)، إن المرور الآمن عبر ‌مضيق ‌هرمز ​لا ‌يكون ⁠إلا ​عبر الممرات التي ⁠تحددها إيران.

«الشرق الأوسط» (لندن)

وثائق إسرائيلية: الجيش حاول قتل جلعاد شاليط مع آسريه لمنع اختطافه

الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط (أرشيفية)
الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط (أرشيفية)
TT

وثائق إسرائيلية: الجيش حاول قتل جلعاد شاليط مع آسريه لمنع اختطافه

الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط (أرشيفية)
الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط (أرشيفية)

نشر أرشيف الجيش الإسرائيلي، الخميس، يوميات العمليات التي وثّقت، دقيقة بدقيقة، الساعات الأولى لعملية أسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط، التي تمت قرب معبر كرم أبو سالم، قبل 20 عاماً بالضبط، وتحديداً في 25 يونيو (حزيران) من سنة 2006، بما في ذلك التقارير الأولى عن إطلاق النار والانفجارات في المنطقة، وإصابة دبابة.

وجلعاد شاليط هو الجندي الذي ارتبط اسمه بواحدة من أكبر وأهم وأعقد صفقات تبادل الأسري بين «حماس» وإسرائيل، ورغم أن الجيش الإسرائيلي شن حرباً على القطاع لاستعادته فقد ظل الجندي أسيراً في غزة لمدة خمس سنوات، وبعد مفاوضات شاقة أُفرج عنه في صفقة تبادل عُرفت باسم «وفاء الأحرار» مقابل 1027 فلسطينياً كان من بينهم يحيى السنور، الرجل الذي قاد «حماس» لاحقاً، وفجَّر معركة «طوفان الأقصى» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

صورة أرشيفية ليحيى السنوار زعيم «حماس» الراحل (غيتي)

ويتضح من هذا النشر أن الجيش اكتشف متأخراً جداً فقدان جندي من داخل الدبابة، وعندما عرف الأمر راحوا يفتشون عنه، وقاموا بتفعيل إجراء «حنبعل»، الذي يعني قتله هو وآسريه معاً؛ حتى يمنعوا اختطافه، لكن الخاطفين كانوا قد دخلوا غزة واختفوا.

حادثة على السياج فجراً

وحسب ما أوردت وسائل إعلام إسرائيلية، استناداً إلى الوثائق التي نشرها أرشيف الجيش الإسرائيلي بمناسبة مرور 20 عاماً على أسر شاليط، فإن السجلات تعود إلى غرفة عمليات اللواء الجنوبي في فرقة غزة، وتعرض تسلسل البلاغات الميدانية منذ الساعة 5:13 فجراً، حين ورد التقرير الأول عن «حادثة على السياج» قرب كرم أبو سالم.

ففي صباح 25 يونيو 2006، عبرت خلية فلسطينية من قطاع غزة عبر نفق، وهاجمت قوة مدرعة إسرائيلية كانت في حالة تأهب قرب كرم أبو سالم. وأسفر الهجوم عن مقتل جنديين إسرائيليين، في حين أُسر شاليط من داخل الدبابة ونُقل إلى قطاع غزة.

ويتضح من المذكرة السرية الداخلية التي تقرر كشفها اليوم، أن البلاغ الأول، جاء عند الساعة 5:13، ومضمونه: «يسمع إطلاق نار باتجاه الموقع وتُسمع انفجارات كثيرة في محيط كرم أبو سالم. الحديث عن سقوط قذائف». وبعد ثلاث دقائق، عند الساعة 5:16، ورد أمر بـ«استدعاء مروحيات قتالية»، ثم سُجّل عند الساعة 5:19 بلاغ أولي عن وقوع إصابات.

أفراد من القوات الجوية الإسرائيلية يحملون جندياً مصاباً إلى طائرة هليكوبتر في قطاع غزة يناير 2024 (أ.ف.ب)

وحسب السجلات، فإن الإصابات نجمت عن إطلاق صاروخ مضاد للدروع باتجاه موقع عسكري، بالتزامن مع إطلاق نار من أسلحة خفيفة، كما وردت في السجلات إحداثيات محددة عند السياج الحدودي مع قطاع غزة، مع تقدير بعبور شخصين في ذلك الوقت، وأُرسلت مروحية إلى المنطقة في مرحلة مبكرة، في حين سُجل أن معبر كرم أبو سالم أُغلق، وأن هناك قتلى داخل دبابة وأُشير في السجلات إلى آلية «بانتر» العسكرية، كما ورد أن أحد المنفذين كان داخل قناة (نفق) قرب إحدى النقاط الحدودية.

وعند الساعة 5:28، سُجل أن أحد منفذي العملية الفلسطينيين عبر منطقة أُشير إليها باسم «بورما»، وأن آخر أُصيب. وفي الساعة 5:34، رُصد أحد المنفذين آخر بين السياج وإحدى النقاط الحدودية، وورد في السجلات أن «جميع الدبابات استُدعيت... المروحيات القتالية فوقنا خلال خمس دقائق».

وبعد دقائق أخرى، ورد تحديث من موقع العملية جاء فيه أن في الدبابة «قتيلاً مؤكداً واحداً»، في حين رُصد أحد المنفذين عند درج الموقع العسكري. وعند الساعة 6:37، سُجل أن ثلاثة من المنفذين قُتلوا في مواقع مختلفة، وأن «قتيلين من قواتنا أُخليا من الدبابة»، إضافة إلى إصابة جنديين داخلها وجندي آخر في الموقع، كان يجري العمل على إخلائه.

اكتشاف متأخر... وقرار «حنبعل» في 4 دقائق

وحسب السجلات، لم يظهر البلاغ الأول عن فقدان جندي من الدبابة إلا بعد ساعة و27 دقيقة من بداية العملية؛ إذ سُجل عند الساعة 6:40 أن هناك «جندياً مفقوداً في الدبابة».

وبعد أربع دقائق، ورد للمرة الأولى اسم الكود لإجراء «حنبعل» الذي يقضي باتخاذ إجراءات عسكرية لمنع أسر أي جندي إسرائيلي حياً، حتى لو شكل ذلك خطراً على حياة الجندي المأسور نفسه؛ ثم تكرر ذلك عند الساعة 6:48 في بلاغ جاء فيه: «جندي واحد من الدبابة لا يُعرف أين هو! - حنبعل»، مع الإشارة إلى إخلاء جندي مصاب في الرأس إلى مروحية.

الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط صورة من مقطع فيديو لدى أسره في غزة بين 2006 و2011 (أرشيفية)

وخلال الدقائق التالية، حاولت القوات الإسرائيلية في المنطقة فهم ما جرى وتحديد مكان الجندي المفقود، وعند الساعة 7:12، وردت معلومة أولية عن العثور على سترة واقية وخوذة على السياج، غير أن هذه المعلومة لم تُدرج في سجلات العمليات إلا بعد نحو نصف ساعة. وعند الساعة 7:46، سُجل أنه «لم تُعثر على علامات جرّ للجندي، لكن عُثر على سترة واقية وخوذة على السياج». وبعد ذلك بربع ساعة، عند الساعة 8:00، أصبحت واقعة الأسر رسمية في السجلات؛ إذ ورد: «اسم الجندي المخطوف: جلعاد شاليط».

وفي الساعة 8:45، أشارت السجلات إلى أن المصريين (القوات المصرية) ينتشرون على طول الحدود مع قطاع غزة «بهدف منع نقل المفقود إلى سيناء»، وعند الساعة 9:52، سُجل أنه جرى رصد آثار داخل المنطقة، «للمنفذين وللجندي الذي خُطف»، على حد تعبير السجلات الإسرائيلية.

وفي مرحلة لاحقة، ورد في السجلات أنه جرى رصد مواد متفجرة عند فتحة نفق، يُرجح أنه النفق الذي استُخدم في العملية، وأن آسري شاليط عادوا إلى قطاع غزة عبر إحدى النقاط الحدودية، كما أشارت السجلات إلى العثور على حزام ناسف على جسد أحد المنفذين الذين قُتلوا خلال تنفيذ العملية.

وعند الساعة 13:38 (ظهراً)، سُجل أن السترة الواقية التي عُثر عليها كانت بحوزة ضابط تعقّب الآثار (قصَّاص أثر)، وأنه «وُجدت عليها آثار دم وشظايا»، وفي تقييم للوضع عند الساعة 16:20، ورد أن «الجندي على ما يبدو حي، ولا يُعرف أين هو، وقد لا يكون في منطقتنا»، وأن العملية نُسبت إلى «حماس»، مع تقدير بأنها كانت تُحضّر منذ نحو ثلاثة أسابيع، وأنها «غير مرتبطة بالعملية وبالأحداث التي كانت في القطاع».

«معلومة عن نقله إلى مصر»

وتضمن التقييم نفسه احتمالات أخرى، بينها أن يكون هناك راصد داخل النفق شاهد المروحيات، وأن تتطور الحادثة إلى تصعيد واسع، وأن تكون القوات قد تدخل إلى داخل القطاع، إضافة إلى احتمال أن يكون الأسير قد نُقل إلى منطقة أخرى شمالاً.

وعند الساعة 16:34، ورد أن قائد القوة رصد آثار الجندي في منطقة المضخة 400، قرب الموقع الذي عُدّ أنه قريب من فتحة النفق. وفي الساعة 17:38، سُجلت «شائعة» بأن الجندي الأسير نُقل عبر نفق إلى مصر «من أجل الاحتفاظ به بصورة أفضل والمساومة على إعادته»، مع التشديد على أن موثوقية هذه المعلومة غير واضحة.

وفي الساعة 17:49، أوردت السجلات أن ضابط التعقب (قصَّاص الأثر) في اللواء كان داخل المنزل الذي يُرجح أن فتحة النفق موجودة فيه، وأنه «يرصد الحفر. أكوام رمل وحفريات». وبعد دقيقتين، عند الساعة 17:51، سُجل على لسان قائد اللواء: «عُثر على فتحة النفق. إنه هنا في هذا المنزل».

جنود إسرائيليون يقفون عند مدخل نفق في رفح بقطاع غزة 8 ديسمبر 2025 (أ.ب)

وعقب أسر شاليط، فتحت إسرائيل مساراً عسكرياً وسياسياً واسعاً لإعادته، وبعد ثلاثة أيام، شن الجيش الإسرائيلي عملية أطلق عليه اسم «أمطار الصيف»، التي شكلت أول توغل بري واسع في قطاع غزة منذ الانسحاب الإسرائيلي منه عام 2005، وشملت غارات جوية وعمليات برية محددة واستهداف بنى تحتية لـ«حماس».

وبالتزامن مع ذلك، اعتقلت إسرائيل في الضفة الغربية عشرات من قيادات «حماس»، بينهم ثمانية وزراء في الحكومة الفلسطينية ونحو 20 عضواً في المجلس التشريعي، وبعد أقل من ثلاثة أسابيع، اندلعت الحرب على لبنان، ليرتفع عدد الجنود الإسرائيليين الأسرى إلى ثلاثة، مع احتجاز «حزب الله» جثتي جنديين إثر عملية حدودية.

وظل شاليط في حوزة «حماس» منذ يونيو 2006 وحتى أكتوبر 2011، وبعد وساطات إقليمية ودولية، سلمته إلى مصر مقابل إفراج إسرائيل عن أكثر من ألف أسير فلسطيني، ونُقل الجندي لاحقاً إلى إسرائيل حيث استقبله رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.


كيف مهَّد تدريب سري في أفريقيا لواحدة من أخطر العمليات ضد البرنامج النووي الإيراني؟

شعار جهاز «الموساد» وخلفه علم إسرائيل (رويترز)
شعار جهاز «الموساد» وخلفه علم إسرائيل (رويترز)
TT

كيف مهَّد تدريب سري في أفريقيا لواحدة من أخطر العمليات ضد البرنامج النووي الإيراني؟

شعار جهاز «الموساد» وخلفه علم إسرائيل (رويترز)
شعار جهاز «الموساد» وخلفه علم إسرائيل (رويترز)

بعد أكثر من ثماني سنوات على واحدة من أكثر العمليات الاستخباراتية إثارة في تاريخ إسرائيل الحديث، كشف رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي السابق يوسي كوهين لأول مرة، عن أن القارة الأفريقية احتضنت التدريب الميداني الكامل الذي سبق عملية الاستيلاء على الأرشيف النووي الإيراني مطلع عام 2018.

ويُنظر إلى العملية، التي نفذها عملاء الموساد داخل منشأة سرية في طهران، على أنها نقطة تحول في مسار الملف النووي الإيراني، بعدما أسهمت المعلومات التي تم الحصول عليها في تعزيز الموقف الأميركي الداعي إلى الانسحاب من الاتفاق النووي المبرم بين إيران والقوى الكبرى عام 2015. وبعد أشهر من الإعلان عن نتائج العملية، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق، في خطوة أعادت رسم ملامح المواجهة بين واشنطن وطهران، وفقاً لصحيفة «جيروزاليم بوست».

ويرى عدد من المراقبين أن انهيار الاتفاق النووي، وتعثر الجهود اللاحقة للتوصل إلى بديل له، أسهما في دفع المنطقة نحو مرحلة جديدة من التصعيد، انتهت بمواجهات عسكرية مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران خلال عامي 2025 و2026، قبل أن ينجح الطرفان في التوصل إلى اتفاق جديد وُقّع في 17 يونيو (حزيران) الماضي.

سر احتفظ به الموساد لسنوات

ورغم أن كتاب «استهداف طهران» (Target Tehran) الصادر عام 2023 كشف عن جانب واسع من تفاصيل العملية، كما أضاف كوهين روايات جديدة في مذكراته «سيف الحرية» (The Sword of Freedom) الصادرة عام 2025، فإن سؤالاً أساسياً ظل بلا إجابة: أين جرى التدريب على تنفيذ العملية؟

واليوم، يجيب كوهين عن هذا السؤال بالإشارة إلى أفريقيا، من دون أن يكشف اسم الدولة التي استضافت التدريبات، وهي معلومة ظلت طي الكتمان لاعتبارات أمنية ودبلوماسية.

عملية غير مسبوقة

وحسب الرواية الإسرائيلية، تمكن عشرات من عناصر الموساد من التسلل إلى منشأة الأرشيف النووي الإيراني شديدة التحصين والبقاء داخلها مدة ست ساعات وتسعٍ وعشرين دقيقة، قبل أن تغادر القوة الموقع بوقت كافٍ من دون أن تكتشف السلطات الإيرانية ما حدث إلا بعد نحو ساعتين إضافيتين.

وأتاح ذلك للعملاء الاستيلاء على آلاف الوثائق والملفات الأصلية المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، ثم إخراجها من البلاد في واحدة من أكثر العمليات تعقيداً في تاريخ العمل الاستخباراتي الحديث.

ولم يكن نجاح المهمة ممكناً من دون أشهر طويلة من التحضير والتدريب، شملت إنشاء نموذج مطابق تقريباً للمنشأة الإيرانية، بما في ذلك الخزائن الفولاذية الضخمة التي احتاج فتحها إلى معدات حرارية تصل درجات حرارتها إلى نحو 3600 درجة مئوية.

لماذا اختيرت أفريقيا؟

لم يوضح كوهين أسباب الكشف عن هذه المعلومة في هذا التوقيت، إلا أن مراقبين يرجحون أن يكون ذلك مرتبطاً بالتغيرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين، وما تعرضت له المؤسسات الأمنية والعسكرية الإيرانية من ضربات خلال الحرب الأخيرة.

وأشار كوهين إلى أن تنفيذ تدريبات بهذا الحجم داخل إسرائيل كان سيحمل مخاطر كبيرة؛ إذ قد يؤدي إلى تسريب معلومات عن العملية أو إثارة انتباه جهات استخباراتية أجنبية، الأمر الذي كان سيهدد المهمة قبل انطلاقها.

وفي ظل استمرار الغموض حول هذا الجانب من العملية، يبقى الكشف عن القارة التي استضافت التدريبات إضافة جديدة إلى واحدة من أكثر قصص التجسس إثارة في العقد الأخير، في حين لا تزال تفاصيل أخرى من العملية تنتظر الخروج إلى العلن، إن خرجت يوماً.


واشنطن تتمسك باتفاق مع طهران… لكن ليس «بأي ثمن»

 روبيو يغادر البحرين بعد جولة شرق أوسطية تناولت الاتفاق المؤقت بين واشنطن وإيران (رويترز)
روبيو يغادر البحرين بعد جولة شرق أوسطية تناولت الاتفاق المؤقت بين واشنطن وإيران (رويترز)
TT

واشنطن تتمسك باتفاق مع طهران… لكن ليس «بأي ثمن»

 روبيو يغادر البحرين بعد جولة شرق أوسطية تناولت الاتفاق المؤقت بين واشنطن وإيران (رويترز)
روبيو يغادر البحرين بعد جولة شرق أوسطية تناولت الاتفاق المؤقت بين واشنطن وإيران (رويترز)

أكدت الولايات المتحدة، الخميس، تمسكها بمواصلة المفاوضات مع إيران للتوصل إلى اتفاق نهائي ينهي الحرب، لكنها شددت على أن أي تفاهم يجب أن يكون «حقيقياً وقابلاً للتحقق»، في وقت دخلت المحادثات مرحلة أكثر حساسية مع انتقالها من المبادئ العامة إلى بحث آليات التنفيذ، وسط استمرار التباينات بين الجانبين بشأن البرنامج النووي، ومستقبل مضيق هرمز، وترتيبات وقف القتال في لبنان.

وجاءت تصريحات وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بالتزامن مع تحركات دبلوماسية إيرانية ركزت على تنسيق الترتيبات المؤقتة للملاحة في مضيق هرمز مع سلطنة عُمان، بينما أصدر «الحرس الثوري» تحذيراً جديداً بشأن عبور السفن، وأعاد التأكيد على موقف طهران من الوجود الإسرائيلي في جنوب لبنان، قبل أيام من استئناف الجولة الثانية من المحادثات الفنية في سويسرا.

اتفاق قابل للتحقق

وقال روبيو إن الولايات المتحدة لا تزال تسعى إلى التوصل لاتفاق مع إيران، لكنها لن تقبل بتسوية لا توفر ضمانات واضحة وقابلة للتنفيذ.

وأضاف، خلال اجتماع مع وزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي في البحرين، أن واشنطن «ترغب في اتفاق، لكنها لا تريد اتفاقاً بأي ثمن»، موضحاً أن الهدف هو التوصل إلى «اتفاق جيد، واتفاق حقيقي، واتفاق قابل للتحقق، واتفاق يُلتزم به».

وأكد أن الولايات المتحدة «منفتحة على السلام»، لكنها تريد «سلاماً دائماً وحقيقياً لا يقوض بأي شكل أمنها وازدهارها».

وتأتي تصريحات روبيو بعد أسبوع من توقيع الولايات المتحدة وإيران مذكرة تفاهم أنهت الحرب وفتحت الباب أمام مفاوضات تمتد ستين يوماً للتوصل إلى اتفاق أشمل يعالج القضايا النووية والاقتصادية والأمنية.

وفي هذا السياق، أعلن روبيو أن المحادثات الفنية بين البلدين ستُستأنف يومي 29 أو 30 يونيو (حزيران) في سويسرا. وقال: «الفريق الفني سيعود، على ما أعتقد، في 29 أو 30... وأعتقد أنهم سيعودون إلى سويسرا، إذا لم أكن مخطئاً».

وتمثل هذه الجولة أول اختبار عملي لمذكرة التفاهم، إذ يفترض أن تنتقل المفاوضات من المبادئ العامة إلى وضع آليات تنفيذية للاتفاق، بما يشمل البرنامج النووي، ورفع العقوبات، والرقابة، وإعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية.

وكانت طهران قد أعلنت أن الجولة الفنية الأولى انتهت إلى تشكيل أربع مجموعات عمل، تتولى ملفات رفع العقوبات، والبرنامج النووي، وإعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية، وآليات الرقابة والتنفيذ، على أن تعمل تحت إشراف اللجنة العليا للمفاوضات.

هرمز خط التماس

وبقي مضيق هرمز أكثر الملفات تعقيداً في المرحلة الحالية، مع تمسك واشنطن برفض أي رسوم على الملاحة، مقابل إصرار طهران على أن ترتيبات العبور لن تعود إلى ما كانت عليه قبل الحرب.

وقال روبيو إن «حقيقة الأمر أنه لا يحق لأي دولة على وجه الأرض فرض رسوم على استخدام الممرات المائية الدولية»، مؤكداً أن ذلك «لن يكون أبداً شرطاً مقبولاً في أي اتفاق».

وأضاف أن قبول فرض رسوم على استخدام ممر مائي دولي «سيمتد إلى باقي العالم كالعدوى»، مشدداً على أن «الممرات المائية الدولية لا تتبع لأي بلد، وهذا مبدأ أساسي في العالم اليوم، ومن دونه ستعم الفوضى».

وأوضح أن العُمانيين أبلغوا واشنطن بأنهم لا يدعمون فرض نظام لتحصيل رسوم على عبور مضيق هرمز، مضيفاً أنه لا يعرف «أي دولة في العالم تؤيد فرض رسوم عبور أو بدلات مرور لاستخدام المضيق».

وجاءت تصريحات روبيو بعد يوم واحد من تأكيد الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن إيران أبلغت الولايات المتحدة بأنها لا تعتزم فرض أي رسوم عبور أو تكاليف تأمين أو أعباء مالية أخرى على السفن العابرة لمضيق هرمز.

وقال ترمب إن طهران أكدت لواشنطن أنه «لا توجد أي رسوم عبور، ولا تكاليف تأمين، ولا أي رسوم أخرى من أي نوع تسعى إيران إلى فرضها أو تحصل عليها من السفن التي تعبر مضيق هرمز»، محذراً من أن ثبوت خلاف ذلك سيعني إنهاء المفاوضات «فوراً».

وفي الوقت نفسه، أكد روبيو أن دول المنطقة أبدت مخاوف جدية بشأن عدد من ملفات الاتفاق، لكنه شدد على أن الولايات المتحدة لن تقدم أي تنازل يقوض أمن شركائها أو يغير المبادئ الأساسية المتعلقة بحرية الملاحة.

وفي أحدث رد إيراني على التصريحات الأميركية بشأن آلية استخدام الأصول الإيرانية المفرج عنها، هاجم رئيس البرلمان وكبير المفاوضين مع الولايات المتحدة محمد باقر قاليباف الرواية الأميركية، قائلاً إن واشنطن «تزعم زوراً» أن هذه الأموال ستُستخدم لهذا الغرض.

وكتب قاليباف على منصة «إكس»: «المحصول الوحيد الذي نحصدُه هو ما زرعتموه: عقود من انعدام الثقة»، مضيفاً أن هذا المحصول «عضوي، وفير، محلي». وأضاف أن الولايات المتحدة «لا تصدّر سوى فول الصويا المعدل وراثياً، والوعود المنقوضة، والخطابات المتشددة».

ممر بشروط إيرانية

بالتوازي مع الموقف الأميركي، كثفت طهران اتصالاتها مع سلطنة عُمان التي تضطلع بدور رئيسي في ملف الملاحة عبر مضيق هرمز.

وأجرى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ونظيره العُماني بدر البوسعيدي اتصالاً هاتفياً بحثا خلاله آخر التطورات الإقليمية، والملفات ذات الاهتمام المشترك.

واستعرض الجانبان المستجدات المتعلقة بحركة الملاحة في مضيق هرمز، والترتيبات المؤقتة المقررة لفترة الستين يوماً، وأكدا أهمية استمرار التنسيق والمشاورات الثنائية، ومواصلة الاتصالات الفنية والخبرائية بشأن هذا الملف.

كما أعرب الوزيران عن ارتياحهما لنتائج الزيارة الأخيرة التي قام بها الوفد الإيراني إلى مسقط، والمباحثات التي جرت خلالها، مؤكدين مواصلة التنسيق ومتابعة الملفات المشتركة عبر القنوات الدبلوماسية والتعاون المستمر بين البلدين.

وجاء هذا الاتصال بعد إعلان طهران ومسقط أنهما ستبحثان الإدارة المستقبلية للملاحة في المضيق، والخدمات والترتيبات المرتبطة به، فيما أكد وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي لاحقاً أن الترتيبات المستقبلية الخاصة بهرمز «لا تتضمن فرض أي رسوم للعبور».

وقالت وزارة الخارجية العُمانية، في بيان، إن الاتصال تناول متابعة نتائج زيارة قاليباف إلى سلطنة عُمان، والتفاهم حول آلية التعاون المشترك لتحقيق أهداف مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية، خصوصاً ما يتعلق بحرية الملاحة في مضيق هرمز.

وأضافت أن الوزيرين بحثا الترتيبات المؤقتة ذات الصلة، بما ينسجم مع قواعد القانون الدولي واحترام سيادة الدول، وأعربا عن ارتياحهما لزيارة الوفد الإيراني إلى مسقط وما شهدته من مباحثات «بنّاءة»، مؤكدين أهمية مواصلة التشاور ومتابعة القضايا ذات الاهتمام المشترك عبر القنوات الدبلوماسية، بما يعزز التعاون المستمر بين البلدين.

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يصافح رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف فيما يتابع نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس وجاريد كوشنر المشهد قبل انطلاق الاجتماع الرباعي بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان وقطر في منتجع بورغنستوك المطل على بحيرة لوسيرن (أ.ف.ب)

وبالتوازي مع التحركات الدبلوماسية، وجّه «الحرس الثوري» رسالة مباشرة بشأن مستقبل الملاحة في مضيق هرمز، مؤكداً أن المرور خلال المرحلة الحالية سيخضع للترتيبات التي أعلنتها إيران، رغم استمرار المفاوضات مع الولايات المتحدة.

وقال «الحرس الثوري»، في بيان، إن «المسار الوحيد المسموح به للعبور عبر مضيق هرمز هو المسار الذي أعلنته الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، محذراً من أن أي عبور خارج هذا المسار أو من دون إذن من السلطات الإيرانية سيكون «غير مقبول وخطيراً».

ونقلت وكالة «رويترز» عن البيان أن «العبور الآمن عبر مضيق هرمز ممكن فقط عبر المسارات التي تحددها إيران»

وأضاف أن السفن التي لا تلتزم بالتعليمات الإيرانية ستواجه «الإجراءات المناسبة»، من دون أن يوضح طبيعة تلك الإجراءات.

ويأتي البيان في وقت لا يزال فيه مضيق هرمز يمثل إحدى أكثر القضايا تعقيداً في المفاوضات الأميركية - الإيرانية، إذ تنص مذكرة التفاهم الموقعة الأسبوع الماضي على السماح بمرور السفن التجارية عبر المضيق من دون فرض رسوم طوال مهلة الستين يوماً المخصصة للتفاوض على اتفاق نهائي.

وتبقى ترتيبات الملاحة بعد انتهاء مهلة الستين يوماً إحدى أبرز نقاط الخلاف بين واشنطن وطهران. وتعكس هذه المواقف استمرار التباين بين الطرفين بشأن أحد أكثر البنود حساسية في مذكرة التفاهم، حتى مع بدء العمل على التفاصيل التنفيذية في اللجان الفنية. وأظهرت بيانات صادرة عن المنظمة البحرية الدولية التابعة للأمم المتحدة، الخميس، أن 57 سفينة، تحمل نحو 1100 بحار، عبرت مضيق هرمز منذ 23 يونيو (حزيران)، ضمن خطة إجلاء أطلقتها الأمم المتحدة هذا الأسبوع.

وقالت المنظمة إن هذه الأرقام هي الأولى التي تصدرها بشأن المبادرة، التي تهدف إلى مساعدة مئات السفن التي تحمل نحو 11 ألف بحار على مغادرة المضيق. ووفق البيانات، عبرت 13 سفينة في 23 يونيو، و32 سفينة أمس، و12 سفينة صباح الخميس.

لبنان على الطاولة

إلى جانب مضيق هرمز، بقي الملف اللبناني حاضراً في المفاوضات بين واشنطن وطهران، وإن كان خارج أولويات الجولة الفنية الحالية.

وقال روبيو إن دعم إيران لـ«حزب الله» سيُطرح في المراحل اللاحقة من المفاوضات، مؤكداً في الوقت نفسه استمرار المسار المنفصل للمحادثات المباشرة بين الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية، الذي استؤنف هذا الأسبوع في واشنطن.

ويمثل هذا الموقف استمراراً للرؤية الأميركية التي تفصل بين التفاوض مع إيران، والاتصالات المباشرة الجارية بين بيروت وتل أبيب، في حين تصر طهران على أن وقف الحرب في لبنان جزء لا يتجزأ من أي تسوية إقليمية شاملة.

وكان رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف قد أكد، الأربعاء، أن وقف إطلاق النار في لبنان «كان ولا يزال» بالنسبة إلى إيران بأهمية وقف إطلاق النار في إيران، معتبراً أن إنهاء الحرب على الجبهة اللبنانية لا يقل أهمية عن إنهاء الحرب التي دارت بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل.

وقال قاليباف إن إدراج لبنان في مذكرة التفاهم يعكس تمسك طهران بربط جميع الجبهات التي شهدت مواجهات خلال الحرب الأخيرة، وهو ما تراه إيران جزءاً من أي اتفاق دائم.

وفي موازاة المسار السياسي، صعّد قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» إسماعيل قاآني لهجته تجاه إسرائيل، مؤكداً أن وجودها العسكري في جنوب لبنان يجب أن ينتهي.

ونقلت وسائل إعلام إيرانية رسمية عن قاآني قوله إن على إسرائيل أن «تنسحب طوعاً من كامل الأراضي اللبنانية، وإلا فستُجبر على الفرار مهزومة».

وتعتبر طهران أن تنفيذ هذا الالتزام يستوجب انسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان، بينما تؤكد إسرائيل أنها ستواصل انتشارها العسكري طالما رأت أن «حزب الله» يشكل تهديداً لقواتها وسكانها.

اختبار الستين يوماً

وبينما تؤكد واشنطن أنها تريد اتفاقاً «حقيقياً وقابلاً للتحقق» ولن تقبل به «بأي ثمن»، تتمسك طهران بأن تنفيذ أي التزامات سيظل مرتبطاً بنتائج المفاوضات النهائية. ومع اقتراب استئناف الجولة الفنية في سويسرا، تتجه الأنظار إلى قدرة الطرفين على تحويل المبادئ العامة الواردة في مذكرة التفاهم إلى ترتيبات تنفيذية واضحة في ملفات البرنامج النووي، ومضيق هرمز، ولبنان، وهي الملفات التي ستحدد مستقبل الاتفاق المؤقت وإمكان تحوله إلى اتفاق نهائي.

ومع اقتراب عودة الوفود الفنية إلى سويسرا، تتجه الأنظار إلى قدرة الجانبين على تحويل المبادئ العامة التي أرستها مذكرة التفاهم إلى ترتيبات تنفيذية واضحة، في ملفات تتداخل فيها الاعتبارات النووية والأمنية والإقليمية، وتشكل في مجموعها الاختبار الأول لمدى صمود الاتفاق المؤقت وإمكانية تطويره إلى اتفاق نهائي.