احتجاجات إيران تدخل يومها التاسع... والقبضة الأمنية تتصاعد

البرلمان يدعو إلى «مواجهة فعالة» والقضاء يتوعد «مثيري الشغب»

لقطة من فيديو تظهر محتجين في قضاء ملكشاهي بمحافظة إيلام غرب إيران (أ.ف.ب)
لقطة من فيديو تظهر محتجين في قضاء ملكشاهي بمحافظة إيلام غرب إيران (أ.ف.ب)
TT

احتجاجات إيران تدخل يومها التاسع... والقبضة الأمنية تتصاعد

لقطة من فيديو تظهر محتجين في قضاء ملكشاهي بمحافظة إيلام غرب إيران (أ.ف.ب)
لقطة من فيديو تظهر محتجين في قضاء ملكشاهي بمحافظة إيلام غرب إيران (أ.ف.ب)

دخلت الاحتجاجات العامة في إيران يومها التاسع على إيقاع رسائل متشددة من السلطتين التشريعية، والقضائية، في وقت تحاول فيه الحكومة إبقاء خيط سياسي مفتوح مع الشارع، مع تثبيت قبضة أمنية ورقمية موازية.

وقال رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف في افتتاح جلسة علنية للبرلمان إن «الاحتجاج يجب أن يسمع، ويتخذ أساساً للتغيير»، لكنه شدد على أن «حساب» من يعارضون سياسياً «منفصل»، وتجب «مواجهتهم بذكاء، وبأسلوب فعال». وفي الوقت نفسه، توعد رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي «مثيري الشغب» بعدم أي تساهل، آمراً الادعاء العام بالتحرك «وفق القانون وبحزم» ضد من قال إنهم يثيرون الفوضى، أو يدعمونها.

وأفادت تقارير ميدانية بأن التجمعات الاحتجاجية في قلب طهران التجاري تجددت في منطقة «سراج برق»، التي يرتادها التجار وأصحاب المحال، وأفاد شهود عيان على منصة «إكس» بأن قوات أمن اقتحمت مجمعاً تجارياً، وفضت تجمعاً في زقاق مجاور باستخدام الغاز، فيما يظهر في الفيديوهات سحل شخص، واعتقال آخرين.

وجاءت التجمعات بعدما بدت طهران صباح الاثنين أكثر انضباطاً مما شهدته ليالي الأسبوع الأول، فمعظم المتاجر فتحت أبوابها، وعاد كثير من السكان إلى أعمالهم بعد عطلة مطولة، لكن الانتشار الأمني بقي كثيفاً عند التقاطعات الرئيسة، حسبما أوردت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وشوهد انتشار لوحدات من الشرطة وقوات مكافحة الشغب عند مفارق رئيسة، وفي محيط مراكز تجارية، وطرق مؤدية إلى الأسواق، إضافة إلى تمركز عناصر أمنية أمام بعض المؤسسات التعليمية، في إطار إجراءات استباقية تحسباً لتجدد التجمعات خلال ساعات النهار. وأعلنت الجامعات الأحد تعليق الدراسة الحضورية، وتقديم دروسها عبر الإنترنت فقط.

ونقلت «الوكالة الفرنسية»، عن وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري»، أن «الاتجاه الملاحظ مساء الأحد يشير إلى انخفاض ملحوظ في عدد التجمعات ونطاقها الجغرافي».

«نمط متغير»

على نقيض الرواية الرسمية، استمرت الاحتجاجات في اتخاذ نمط متغير، حيث تتركز التحركات خلال النهار في الأسواق، ومفاصل النشاط الاقتصادي، قبل أن تتحول ليلاً إلى الأحياء السكنية، والضواحي عبر تجمعات محدودة العدد، وسريعة التشكل، والانفضاض.

وتمركزت هذه التحركات في نقاط تسمح بالاندماج السريع في الحركة اليومية، ثم التحول إلى هتافات خاطفة، ولا سيما في الشوارع المحاذية للمراكز التجارية، والأحياء ذات الكثافة السكانية، مع تنقل متسارع عبر الأزقة، والطرق الفرعية، لتفادي محاولات التطويق.

لقطة من فيديو نُشر الأحد على منصات التواصل الاجتماعي وتُظهر قوات الأمن الإيرانية تفرق محتجين بالغاز المسيل للدموع في وسط طهران الأحد (أ.ف.ب)

وتأتي هذه الاحتجاجات امتداداً مباشراً لغضب الأسواق من تفاقم الضغوط المعيشية، وتسارع تراجع العملة، قبل أن تكتسب بسرعة أبعاداً سياسية أوسع. وبهذا المعنى، تحولت أحدث موجة من التحركات من احتجاجات موضعية محدودة إلى حالة اعتراض عامة ذات انتشار جغرافي متسع، وتركيبة اجتماعية أكثر تنوعاً.

وبحسب معطيات متقاطعة من مصادر حقوقية، وتقارير لناشطين ميدانيين، اتسعت خريطة التحركات مقارنة بالأيام الأولى، مع انتقال بؤر الاحتجاج من مراكز المدن إلى أطرافها، وامتدادها إلى مدن متوسطة وصغيرة لم تكن في صلب المشهد خلال المراحل الأولى.

وفي نهاية اليوم الثامن (الأحد)، أفادت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان في إيران (هرانا) بأن 222 نقطة على الأقل في 78 مدينة ضمن 26 من أصل 31 محافظة في البلاد شهدت خلال ثمانية أيام احتجاجات، أو تجمعات شارعـية، أو إضرابات مهنية، كما شهدت 17 جامعة تحركات احتجاجية طلابية.

وأشار التقرير إلى اعتقال ما لا يقل عن 990 مواطناً خلال هذه الفترة، مع ترجيحات بأن العدد الفعلي أعلى، وإلى تأكيد مقتل 20 شخصاً على الأقل في سياق الاحتجاجات بينهم عنصر واحد من قوات الأمن أو الشرطة.

ووفقاً لبيانات «هرانا» سجلت حتى الآن 51 إصابة، معظمها نتيجة استخدام الرصاص الخرطوشي، والرصاص البلاستيكي، في وقت تتكرر فيه شكاوى من صعوبة رصد الأرقام بدقة بسبب القيود على تدفق المعلومات.

في قم، أكد نائب المحافظ للشؤون السياسية والأمنية مرتضى حيدري مقتل شخصين خلال احتجاجات الأسبوع الماضي، أحدهما يبلغ 34 عاماً، والآخر 17 عاماً، مشيراً إلى أن القاصر لم يشارك في الأحداث، وقتل بسلاح «غير نظامي». وقال إن قوات الأمن استخدمت رصاصاً بلاستيكياً، فيما تحدث عن وفاة أخرى نتيجة انفجار قنبلة يدوية، إضافة إلى توقيف عدد من المحتجين، وسط جدل متواصل بشأن طبيعة القوة المستخدمة.

«اتساع الشعارات الراديكالية»

وكان ليل الأحد اختباراً جديداً للطرفين؛ ففي مدن عدة ظهرت التحركات على شكل موجات متقطعة تبدأ بنداءات من فوق الأسطح، أو عبر تجمعات خاطفة عند دوارات، ومفارق، ثم تتطور أحياناً إلى رشق حجارة، أو إحراق حاويات. وشهدت عشرات المدن -من بينها طهران وشيراز وتبريز ومشهد وكرمانشاه وبندر عباس- مسيرات، أو تجمعات احتجاجية وسط أجواء أمنية مشددة.

في طهران، تجددت الدعوات إلى التجمع في مناطق من العاصمة بعد انتهاء العطلة الرسمية التي أعلنتها السلطات خلال الأيام الماضية، وتركزت التحركات -بحسب ما تم تداوله- حول محيط السوق، ومراكز تجارية، وأحياء سكنية شرقاً وجنوباً. وأظهرت مقاطع من حي هفت حوض هتافات «جاويد شاه (يحيا الشاه)» ، وشعار «هذه هي المعركة الأخيرة بهلوي يعود»، كما ترددت في مواقع أخرى هتافات طالت «ولاية الفقيه»، ومرجعيات الحكم في البلاد.

تفيد مقاطع متداولة من مدن في الشمال والغرب بأن أصوات إطلاق نار، أو إطلاق ذخائر سمعت في بعض المواقع، بينما تظهر مقاطع أخرى استخدام الغاز المسيل للدموع لتفريق مجموعات صغيرة قبل أن تتراجع إلى شوارع أضيق.

كما أفادت وكالة «كردبا» المتخصصة في أخبار المناطق الكردية بإصابة ما لا يقل عن 30 شخصاً خلال احتجاجات يوم السبت في مدينة ملكشاهي.

في مدينة ساري شمال البلاد وردت مقاطع تتضمن سماع إطلاق نار، وترديد شعارات «الموت للديكتاتور»، و«بهلوي يعود»، وهي شعارات تكررت بصيغ مختلفة في أكثر من مدينة خلال الليالي الأخيرة. وفي أصفهان أظهرت مقاطع محتجين يشعلون ناراً في الشارع، ويرددون شعار «لا غزة، ولا لبنان روحي فداء إيران».

وعكست الاحتجاجات الليلية في مدينة مشكان بمحافظة فارس اتساع رقعة الشعارات الراديكالية، حيث تجاوزت المطالب الاقتصادية لتستهدف رأس النظام ورموزه.

ويعكس مضمون الهتافات اتساعاً في سقف الخطاب، إذ لم يعد محصوراً في الغلاء وتراجع العملة، بل بات يحمل طابعاً سياسياً مباشراً، مع تنوع بين شعارات احتجاج اجتماعي وشعارات إسقاط أو تغيير النظام.

تجدد التحذيرات

في طهران حاولت المؤسسة التشريعية تقديم خطاب مزدوج يزاوج بين الاعتراف بوجود احتجاجات محقة، والتشديد على الفصل بين الاحتجاج وما تسميه السلطة فوضى، وهو ما ظهر بوضوح في خطاب رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف.

قاليباف يتحدث إلى بعض النواب خلال جلسة الاثنين (موقع البرلمان)

ولم تبلغ الاحتجاجات الراهنة في إيران، حتى الآن، مستوى الحراك الاحتجاجي الذي هز البلاد أواخر عام 2022 عقب وفاة مهسا أميني، في أثناء توقيفها من شرطة الأخلاق، والتي تحولت إلى أكبر موجة احتجاجات شعبية امتدت لأشهر، وأسفرت عن سقوط مئات القتلى. كما خلفت احتجاجات في عام 2019 عشرات القتلى في إيران بعد الإعلان عن ارتفاع كبير في أسعار البنزين.

وقال قاليباف في افتتاح جلسة البرلمان الاثنين إن «الاحتجاج يجب أن يُسمع ويُتخذ أساساً للتغيير»، ودعا إلى بذل الجهود لتحقيق الاستقرار الاقتصادي، لكنه أكد أن «حساب» من قال إنهم متصلون «مباشرة، أو بالواسطة بأجهزة استخبارات» منفصل. ودعا إلى «مواجهة فعالة» من دون تقديم تفاصيل عن طبيعة هذه المواجهة، فيما تحدث في ملف اقتصادي موازٍ عن تحويل دعم «قسائم سلع أساسية» مباشرة إلى المواطنين بعد أن كان «محصوراً» بيد أفراد وشركات.

وقالت صحيفة «إيران» الحكومية إن مصادر تمويل هذا الإجراء هي مزيج من المتبقي من حصة الحكومة من عائدات النفط والسحب من صندوق التنمية الوطنية، في وقت تتزايد فيه الشكوك حول أثر أي دعم على موجة الأسعار.

وقالت الحكومة إنها ستمنح 80 مليون شخص قسائم سلعية إلكترونية بقيمة مليون تومان شهرياً للمساعدة في المعيشة، على أن يبدأ استخدامها من الأسبوع التالي. كما أعلن وزير التعاون والعمل والرفاه الاجتماعي، أحمد ميدري، شحن حسابات 70 مليون شخص برصيد أربعة أشهر في إطار آلية «الكالابرغ» أو «قسائم سلع أساسية».

على الخط نفسه لكن بلهجة أكثر صرامة، قال محسني إجئي إن الولايات المتحدة وإسرائيل «دعمتا المحتجين في إيران رسمياً وعلنياً»، مضيفاً أنه «لن يكون هناك أي تساهل» مع «مثيري الشغب» وفق توصيف السلطات.

وحذر إجئي أن «إعلان الدعم الخارجي يسقط ذريعة من يقول إنه خُدع»، وقال إنه إذا كانت قد مُنحت في مراحل سابقة «تساهلات» فلن يتكرر ذلك، ثم أعلن أنه وجه أوامره إلى الادعاء العام «بعدم إبداء أي تغاضٍ».

ورغم اللهجة المتشددة، أقر إجئي بالحق المشروع في التظاهر للمطالب الاقتصادية، قائلاً إن «الجمهورية الإسلامية تستمع إلى المتظاهرين» وتفرق بينهم وبين «مثيري الشغب»، وهو تفريق تكرر في الخطاب الرسمي منذ البداية الاحتجاجات.

وقال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان الأحد إنه وجّه وزارة الداخلية ‌بأن تتخذ نهجاً «ودياً ومسؤولاً» تجاه المتظاهرين. ونقلت عنه وسائل الإعلام قوله: «لا يمكن ‌إقناع ⁠المجتمع ​أو تهدئته ‌بالأساليب القسرية».

في الأثناء، أكد وزير الاتصالات ستار هاشمي تقييد أو قطع الإنترنت، لكنه قال إنه «ليس سياسة مطلقة، ودائمة». مشيراً إلى أن الإجراءات «تابعة لظروف خاصة»، ولقرارات تتخذ مع مراعاة اعتبارات أمنية ومعيشية و«حماية حياة المواطنين»، مضيفاً أن لدى الناس مطالب واحتجاجات، لكن هناك قلق من تضرر الأعمال.

وأفادت مصادر من نشطاء السوق بأن خدمة الإنترنت قطعت بالكامل في محيط السوق، وضمن دائرة تمتد لعدة كيلومترات حوله، مع ضعف شديد في إشارة شبكات الهاتف الجوال.

وأوضح هاشمي أن القلق من اختلال أو قطع الإنترنت، وتأثيره على النشاط الاقتصادي «مفهوم تماماً»، في وقت تحدثت إفادات ميدانية عن تعطّل خدمات دفع، وتراجع التواصل، وصعوبات في بث المقاطع بسبب تذبذب الشبكة.

انتكاسة جديدة للعملة

اقتصادياً، عادت العملة إلى صدارة النقاش مع ارتفاع سعر الدولار مجدداً مقترباً من عتبة 140 ألف تومان بعد أن كان تراجع إلى نحو 135 ألف تومان، فيما بلغ سعر القطعة الذهبية 156 مليون تومان. وكانت العملة الوطنية خسرت أكثر من ثلث قيمتها أمام الدولار منذ عام.

وذكرت صحف إيرانية أن الدولار واصل ارتفاعه من 138 ألفاً و300 تومان إلى 139 ألفاً و750، بينما أثارت قفزة في مركز التبادل الرسمي مخاوف من صدمة في السوق، وسط حديث رسمي عن التحرك نحو توحيد السعر.

لوحة في دار صرافة بطهران تظهر أسعار العملات الأجنبية مع تراجع قيمة الريال الإيراني (رويترز)

في خضم التصعيد، أصدرت رابطة الكتاب الإيرانيين بياناً دعمت فيه «حق الشعب غير المشروط في الاحتجاج»، ودعت الكتاب والفنانين والمؤسسات المتضامنة حول العالم إلى عدم السماح بأن «تمتلئ السجون والمقابر» بالمحتجين.

قالت الرابطة إن الجمهورية الإسلامية «قامت على القمع والتعذيب وسجن المعارضين والمنتقدين والداعين إلى الحرية»، وإنها لطالما «أخمدت أي صوت احتجاجي فوراً»، وذهبت إلى اتهام السلطات بإطلاق النار، ومهاجمة مستشفيات.

واتهم البيان السلطات بأنها «هاجمت المستشفيات لاختطاف الجرحى» وشرعت في «اعتقالات جماعية»، مؤكداً أن عدد القتلى وحصيلة الاعتقالات في ازدياد يومي، بينما تصف السلطات كثيراً من التحركات بأنها أعمال شغب.


مقالات ذات صلة

عراقجي: خطة «الأيام السبعة» لا تزال على الطاولة

شؤون إقليمية وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لدى وصوله إلى الجلسة الافتتاحية للاجتماع الـ52 لمجلس وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي في بغداد السبت (أ.ب) p-circle

عراقجي: خطة «الأيام السبعة» لا تزال على الطاولة

حث وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الولايات المتحدة، الأحد، على قبول مقترح طهران الذي يفضي إلى فتح مضيق هرمز خلال سبعة أيام.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية ناقلات نفط تبحر بالقرب من مضيق «هرمز» (رويترز) p-circle

موجة هجمات متصاعدة تستهدف السفن في «هرمز»

تتصاعد المخاطر التي تواجه حركة الملاحة البحرية في الخليج، مع تسجيل ارتفاع غير مسبوق في الهجمات على السفن وناقلات النفط منذ اندلاع الحرب في فبراير (شباط) الماضي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - طهران - لندن)
شؤون إقليمية تحاول الشركات الآسيوية تنويع مصادر نفطها جراء حرب إيران (رويترز)

إيران تلتف على الحصار الأميركي بصادرات وقود محدودة

تمكنت إيران من تصدير شحنات محدودة من غاز البترول المسال ووقود الطائرات منذ يوليو، رغم الحصار البحري الأميركي المفروض على صادراتها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على هامش قمة الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي في العاصمة الأرمينية يريفان (أ.ف.ب)

إيران تنفي مجدداً السعي لامتلاك سلاح نووي وتبدي استعدادها للحوار

نفى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال محادثات مع رئيس وزراء جورجيا، سعي طهران لامتلاك أسلحة نووية، وأعرب عن استعداده للحوار، مديناً العقوبات الأميركية.

«الشرق الأوسط» (تبليسي)
شؤون إقليمية صورة وُزعت دون تحديد تاريخها لـ«أم القنابل» في قاعدة «إيغلين» الجوية بولاية فلوريدا الأميركية (رويترز)

واشنطن تصعّد تهديداتها ضد المنشآت النووية الإيرانية

تتواصل الأزمة بين واشنطن وطهران، في ظل غياب مؤشرات واضحة على قرب التوصل إلى تسوية، مع تصاعد التهديدات العسكرية وتبادل الاتهامات بشأن أمن الملاحة في هرمز.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - طهران - لندن)

عراقجي: خطة «الأيام السبعة» لا تزال على الطاولة

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لدى وصوله إلى الجلسة الافتتاحية للاجتماع الـ52 لمجلس وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي في بغداد السبت (أ.ب)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لدى وصوله إلى الجلسة الافتتاحية للاجتماع الـ52 لمجلس وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي في بغداد السبت (أ.ب)
TT

عراقجي: خطة «الأيام السبعة» لا تزال على الطاولة

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لدى وصوله إلى الجلسة الافتتاحية للاجتماع الـ52 لمجلس وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي في بغداد السبت (أ.ب)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لدى وصوله إلى الجلسة الافتتاحية للاجتماع الـ52 لمجلس وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي في بغداد السبت (أ.ب)

حث وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الولايات المتحدة، الأحد، على قبول مقترح طهران الذي يفضي إلى فتح مضيق هرمز خلال سبعة أيام، قائلاً إن المقترح «لا يزال على الطاولة».

وتصاعدت التحذيرات العسكرية الإيرانية رداً على تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتوجيه ضربات جديدة، على رأسها منشأة نووية محصنة تحت الجبال قرب منشأة نطنز النووية، وسط البلاد.

وقال عراقجي للصحافيين في بغداد، على هامش اجتماع وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي: «شروطنا واضحة تماماً، وقُدمت إلى الطرف الأميركي في إطار خطة الأيام السبعة. قدموا ملاحظاتهم ونحن ندرسها. إذا كانت هناك أي نزاهة لدى الجانب الأميركي، وهي غير موجودة، فالطريق واضح».

ونقلت «رويترز» عنه قوله: «إذا نفذوا تلك الشروط، فسيُفتح مضيق هرمز في اليوم السادس، وتستأنف المفاوضات في اليوم السابع».

عنصر من «الحرس الثوري» يدرّب متطوعين على استخدام بندقية كلاشنيكوف خلال دورة عسكرية في مخيم أقيم بساحة الإمام حسين في طهران 4 أكتوبر الجاري (أ.ب)

وقال إن الشروط الإيرانية «ليست غريبة»، وإن الولايات المتحدة سبق أن التزمت بها جميعاً في مذكرة التفاهم السابقة ومفاوضات أخرى، مضيفاً: «إذا كانت لدى أميركا إرادة لفتح مضيق هرمز، فيمكنها تنفيذ هذه الشروط خلال أيام».

وقدمت إيران مقترحها في منتصف سبتمبر (أيلول)، بعد انهيار وقف مؤقت لإطلاق النار. وتشمل شروطها، إلى جانب مطالب أخرى، رفع الحصار الأميركي عن موانئها، وإلغاء العقوبات على صادراتها النفطية، ووقف الأعمال القتالية على جميع الجبهات في المنطقة.

ورفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب الخطة في وقت سابق، قبل أن تصل إلى طهران مقترحات أميركية قال عراقجي إن بلاده لا تزال «في طور الرد» عليها.

وأقر المسؤولون الإيرانيون بتلقي الرد الأميركي، لكن أمين المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي قال الأسبوع الماضي إن المفاوضات متعثرة لأن واشنطن لم تستجب للشروط السبعة كاملة.

اتصال مع الوسيط الباكستاني

وأفاد موقع «أكسيوس» بأن قطر، بوصفها وسيطاً، لا تزال تنتظر الرد الإيراني، فيما يرى الوسطاء أن على طهران ألا تؤجل ردها إلى ما بعد الانتخابات النصفية الأميركية.

وبحسب «رويترز»، تتمثل إحدى أبرز نقاط الخلاف في إصرار واشنطن على طرح الملف النووي منذ بداية المفاوضات.

وكان نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس قد قال في وقت سابق هذا الشهر إن على إيران خفض قدراتها على تخصيب اليورانيوم بشكل «ملموس» لتلبية المطالب الأميركية وإنهاء الحرب المستمرة منذ نحو ثمانية أشهر.

وتقول طهران إن المرحلة الأولى من المفاوضات يجب أن تركز على فتح المضيق، الذي كان يمر عبره قبل الحرب نحو خُمس تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم، واستعادة الأمن فيه.

في غضون ذلك، أجرى عراقجي اتصالاً هاتفياً مع نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية الباكستاني محمد إسحاق دار تناول قضايا ثنائية والتطورات الإقليمية المتعلقة بالمسار الدبلوماسي الهادف إلى خفض التوتر، وفقاً لبيان حكومي إيراني.

وطالب رئيس مجموعة الصداقة البرلمانية الإيرانية الباكستانية، النائب مالكي، حكومة إسلام آباد، بوصفها أحد الوسطاء في مفاوضات إنهاء الحرب، باتخاذ «قرارات مستقلة»، قائلاً إن طهران تدرك حجم الضغوط الأميركية على العلاقات بين البلدين. ودعا إلى حل أي «مسائل فنية» على الحدود المشتركة بمشاركة البلدين ومن دون تدخل أطراف خارجية، مضيفاً أن على باكستان ألا تسمح لواشنطن بأداء «دور مخرب» في علاقاتها مع جارتها.

«آباء الصواريخ» مقابل «أمهات القنابل»

وتفاقم التوتر بين واشنطن وطهران، بعدما فتح الرئيس الأميركي الباب أمام تجدد الضربات على البنية التحتية للبرنامجين النووي والصاروخي الإيراني.

وقال ترمب، في مقابلة مع قناة «نيوز ماكس» الخميس، إن الولايات المتحدة قد تضطر إلى ضرب موقع «بيكاكس ماونتن» (جبل الفأس)، وهو منشأة محصنة مدفونة على عمق كبير قرب أحد المواقع النووية الرئيسية في إيران.

ولفت ترمب إلى أن المنشآت الإيرانية «مدفونة تحت جبال تزن ملايين الأطنان»، مضيفاً: «سنحاول استهداف هذا الموقع. سنهدمه بسرعة».

واستبعد ترمب إنزال قوات برية، قائلاً: «لن أستخدم السلاح النووي. لسنا مضطرين إلى ذلك». ولم يحدد ما إذا كان قد أجاز استخدام قنبلة «جي بي يو - 43-بي»، المعروفة باسم «أم القنابل»، ضد منشآت الطاقة والمواقع النووية الإيرانية، مشيراً إلى أنها ليست قنبلة نووية.

دراجة نارية تمر أمام صواريخ إيرانية ولافتات تحمل صور المرشد الإيراني مجتبى خامنئي وقادة عسكريين قضوا في الحرب خلال معرض عسكري في ساحة بهارستان بطهران الشهر الماضي (أ.ب)

وفي سياق الردود الإيرانية، قال نائب رئيس البرلمان حميد رضا حاجي بابائي: «إذا جاءت أميركا بأمهات القنابل، فسنرسل إليها آباء الصواريخ»، مضيفاً أن طهران درست «كل أنواع القنابل الأميركية» ولديها خطط لمواجهتها.

وكتب المتحدث باسم «الحرس الثوري»، حسين محبي: «وحدها حضارة متوحشة يمكن أن تستخدم كلمة الأم المقدسة لأثقل قنابلها».

وقبل مغادرة منصبه، كتب القائم بأعمال وزير الدفاع، مجيد ابن الرضا، السبت، أن «عناوين القنابل وأحجامها لا أهمية لها»، وأن القنابل الأميركية «تنفجر في مكان آخر: في سمعتكم العالمية، وفي الاقتصاد الأميركي، وحتى في حساباتكم الانتخابية»، مضيفاً أن القدرة الصاروخية الإيرانية هي التي «غيرت المعادلات».

رد «غير متوقع»

وقال عراقجي في بغداد: «لن نرضخ للتهديدات بأي شكل من الأشكال. لدينا الاستعداد للدفاع عن أنفسنا، وهذا الاستعداد ازداد مقارنة بالحروب السابقة»، مضيفاً أن إيران مستعدة للمضي في المسار الدبلوماسي «شرط أن يكون مسار عزة وكرامة، ويضمن حقوق الشعب الإيراني».

وكتب محسن رضائي على منصة «إكس» أن «الهذيان والتهديدات المتكررة» للمسؤولين الأميركيين والإسرائيليين «لا يغيّران واقع الميدان»، مضيفاً أن إيران أعدت خطة «أشد تدميراً» من حربي الاثني عشر والأربعين يوماً، ولن تسير «وفق القواعد التي يعرفونها».

قائد جهاز «الباسيج» الذراع التعبوية لـ«الحرس الثوري» حسين طائب خلال مؤتمر صحافي بطهران الأحد (التلفزيون الرسمي)

من جانبه، قال قائد جهاز «الباسيج» الذراع التعبوية لـ«الحرس الثوري» حسين طائب إن الأميركيين لن يدخلوا الحرب لأن رد إيران «أصبح غير قابل للتوقع»، مضيفاً أن التقديرات الاستخباراتية الأميركية نفسها تحذر من نطاق هذا الرد.

وأضاف طائب أن واشنطن وتل أبيب ظنتا أنهما تستطيعان إخضاع الإيرانيين «في حرب من ثلاثة أيام أو ستة أسابيع»، مشدداً على أن قدرة الطرفين على الصمود مرتبطة بموعدين: انتخابات الكنيست في 27 أكتوبر، والانتخابات الأميركية في 3 نوفمبر (تشرين الثاني).

وقال نائب القائد العام لـ«الحرس الثوري» مصطفى إيزدي إن العدو حشد كل إمكاناته في الحربين، لكن القوات المسلحة ردت «رداً ساحقاً»، مضيفاً أن «الدعاية والحرب النفسية» لن تغيرا «انتصاراتنا».


واشنطن: لن نسمح لإيران باستعادة قدراتها النووية

ترمب يلوّح بيده لدى مغادرته تجمعاً انتخابياً في جامعة شمال كنتاكي - السبت (أ.ب)
ترمب يلوّح بيده لدى مغادرته تجمعاً انتخابياً في جامعة شمال كنتاكي - السبت (أ.ب)
TT

واشنطن: لن نسمح لإيران باستعادة قدراتها النووية

ترمب يلوّح بيده لدى مغادرته تجمعاً انتخابياً في جامعة شمال كنتاكي - السبت (أ.ب)
ترمب يلوّح بيده لدى مغادرته تجمعاً انتخابياً في جامعة شمال كنتاكي - السبت (أ.ب)

شدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ونائبه جي دي فانس، على ضرورة منع إيران من استئناف أنشطتها النووية، بعد تدمير برنامجها خلال الحرب، وسط استمرار الحصار البحري والضغوط الاقتصادية الأميركية على طهران.

وقال ترمب، أمام أنصاره في ولاية كنتاكي السبت، إن الولايات المتحدة «قضت على القدرة النووية» لإيران في «جولتنا الصغيرة» هناك، مضيفاً: «أوسعناهم ضرباً». وروى أن أحدهم سأله: «هل كان الأمر يستحق؟»، فأجاب: «لا يمكنهم امتلاك سلاح نووي. لا يمكنهم، لأنهم سيستخدمونه».

ودافع عن قرار الحرب مستعرضاً مكاسب سوق الأسهم قبل العمليات، وقال إنه أبلغ فريقه، بمن فيهم وزير الخارجية ماركو روبيو وفانس، بضرورة التوجه إلى الشرق الأوسط «لفترة من الوقت» لتدمير الأسلحة، والبقاء «لوقت أطول قليلاً».

وأضاف أنه أنجز المهمة خلال المدة المحددة، لكن استمرار العمليات يستهدف ضمان عدم استعادة إيران قدراتها، قائلاً: «يجب أن نتأكد من أنها لن تعود. هذا ما نفعله»، من دون أن يوضح الإجراءات التي تتخذها واشنطن لتحقيق ذلك.

وتوقع انتهاء الحرب «سريعاً جداً»، مضيفاً: «وعندما تنتهي، ستنخفض أسعار البنزين لديكم. إنها أقل مما كانت عليه من قبل». لكنه عاد للتشديد على هدف الحرب: «هذا هو سبب ذهابنا إلى هناك، لأنهم سيئون. إيران لن تمتلك، ولا تمتلك، ولن تمتلك أبداً سلاحاً نووياً. الأمر بسيط جداً. كان يجب أن يُفعل ذلك قبل سنوات».

وتفاخر باستهداف منشآت إيران النووية وشن الحرب، عادّاً ذلك ضمن إنجازات ولايته، قائلاً: «أضيفوا غرينلاند. أضيفوا فنزويلا. أضيفوا أن إيران لن تمتلك سلاحاً نووياً».

«العدو له رأي»

في ميشيغان، قال فانس، خلال لقاء مفتوح مع ناخبين بثته «سي بي إس نيوز» مساء السبت، إن الولايات المتحدة «انتصرت بشكل حاسم في بعض الجوانب»، لكن «العدو له رأي أيضاً»، رداً على سؤال عن استمرار الحرب أطول مما توقعه ترمب.

ودافع فانس، الذي شارك في المفاوضات مع إيران خلال الصيف، عن قرار الحرب لمنع طهران من امتلاك سلاح نووي، واصفاً إيران بأنها «أكبر دولة راعية للإرهاب في العالم».

وقال: «هل دمرنا البرنامج النووي الإيراني؟ الإجابة نعم»، مضيفاً أن واشنطن تريد «التزاماً نهائياً وحازماً من الإيرانيين بأنهم لن يعيدوا بناء برنامجهم النووي».

وتساءل: «بعد 5 سنوات، هل يستطيع الإيرانيون إعادة بناء تلك الترسانة النووية؟ وهل يستطيعون استعادة قدراتهم على التخصيب؟».

وقال إن الإدارة تسعى أيضاً إلى منع أزمة عالمية في الطاقة، من دون أن يوضح ما إذا كانت واشنطن تشترط تفكيك منشآت محددة أو ترتيبات جديدة للتحقق، أو يحدد موعداً لاتفاق محتمل.

فانس يتحدث خلال تجمع انتخابي لدعم الجمهوريين في ولاية ميشيغان - الخميس (أ.ب)

وحذر فانس من مغادرة الولايات المتحدة وترك الإيرانيين «يتحكمون في الشحن» عبر المضيق، قائلاً إن الأميركيين سيدفعون عندها «مبالغ أكبر بكثير مقابل البنزين».

واتهم طهران بالرد على تدمير برنامجها النووي بمهاجمة السفن التجارية، قائلاً إنها تحاول «خنق إمدادات الطاقة العالمية بالكامل». وأقر بأن أسعار البنزين «مرتفعة للغاية الآن»، قائلاً إنها كانت ستبلغ 3 أضعاف مستوياتها الحالية لولا حماية البحرية الأميركية للملاحة.

وقال إن الأسعار انخفضت عن ذروتها خلال الحرب، لكن تخفيف الأعباء عن المستهلكين يتطلب مزيداً من العمل، مضيفاً: «عندما ينتهي هذا الصراع، سنشهد انخفاضاً في أسعار البنزين».

وكان فانس قد حذر في يوليو (تموز)، من رد أميركي أشد إذا واصلت إيران مهاجمة السفن التجارية، متهماً طهران بعدم الالتزام ببنود مذكرة التفاهم الموقعة مع واشنطن.

تهديدات متبادلة

في إسرائيل، قال وزير الدفاع يسرائيل كاتس، إن بلاده مستعدة لشن هجوم جديد على إيران «بكل قوتها»، وهدد بضرب منشآت الطاقة الإيرانية «بقوة هائلة»، قائلاً إن ذلك قد يعيد إيران «40 عاماً إلى الوراء؛ إلى عصر الظلام والحجر».

وقال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لشبكة «فوكس نيوز»، إن هدفه «القضاء الكامل على التهديد الإيراني»، داعياً ترمب إلى إكمال المهمة حتى يتمكن الإيرانيون من تقرير مستقبلهم.

وفي طهران، رفض الرئيس مسعود بزشكيان، أمام البرلمان الأحد، «المطالب المفرطة للدول المعتدية». ومن جهته، كتب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي على منصة «إكس»، أن التهديدات الأميركية والإسرائيلية لن تغير الواقع الميداني، متحدثاً عن إعداد خطة لحرب جديدة «أكثر تدميراً من حربَي الاثني عشر والأربعين يوماً» في إشارة إلى الحرب التي بدأت في يونيو (حزيران) العام الماضي، والحرب الأخيرة التي بدأت في فبراير (شباط) وانتهت في 7 أبريل (نيسان).

«علامات اليأس»

قال قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، الأدميرال براد كوبر، إن واشنطن منعت إيران من تصدير نفط خام بقيمة لا تقل عن 25 مليار دولار، وساعدت مؤسسات أميركية أخرى في تجميد أصول مشفرة بنحو 350 مليون دولار.

وأوضح، في إحاطة عن نتائج العمليات، أن الضغوط استهدفت صادرات النفط والتمويل الرقمي ورواتب الأجهزة الأمنية، بهدف تقليص موارد «الحرس الثوري» وقدرته على تمويل عملياته وتعويض الأسلحة والمصانع التي دمرتها الضربات.

وأضاف أن منع التصدير حرم طهران من مليارات الدولارات التي كان يمكن استخدامها لتمويل جماعات مسلحة حليفة وشبكات إجرامية، وهجمات ضد الأميركيين وحلفائهم.

وشدد على استمرار الحصار البحري، قائلاً: «باستثناء المساعدات الإنسانية التي سمحنا بدخولها، ليس لدى إيران أي صادرات أو واردات عن طريق البحر».

وقال إن الحكومة الإيرانية تؤخر دفع الرواتب والمعاشات والمستحقات في قطاعات النفط والطاقة والصناعة والبناء والأمن، بما يشمل منتسبي «الحرس الثوري».

وأضاف أن تقارير تشير إلى أن بعض الجماعات المسلحة الموالية لطهران في المنطقة تحجب رواتب عناصرها لتحويل الأموال إلى «الحرس الثوري»، الذي قال إنه يعجز بدوره عن دفع رواتب منتسبيه.

واعتبر أن الضائقة المالية تدفع «الحرس الثوري» إلى إظهار «علامات متزايدة على اليأس».

تهديد الملاحة

اتهم كوبر «الحرس الثوري» بمواصلة مهاجمة السفن التجارية في مضيق هرمز، ونقل عن المنظمة البحرية الدولية مقتل أكثر من 20 بحاراً مدنياً في هجمات إيرانية منذ فبراير.

وقال إن حركة الملاحة مستمرة رغم الهجمات، بالتعاون بين القوات الأميركية والحلفاء الإقليميين وشركات الشحن لتعزيز الحماية، مضيفاً: «أريد أن أكون واضحاً: مضيق هرمز يخضع لسيطرة الولايات المتحدة وشركائنا الإقليميين، وليس إيران، وهو لا يزال مفتوحاً أمام حركة التجارة».

وأضاف أن نحو 400 سفينة تجارية عبرت المضيق خلال الأيام السبعة الماضية، وأن القوات الأميركية ساعدت شركاءها في الخليج العربي على شحن أكثر من 100 مليون برميل من النفط الخام خلال الفترة نفسها، وأكثر من 1.3 مليار برميل خلال الأشهر الأخيرة.

وكانت «رويترز»، قد ذكرت الأسبوع الماضي، أن إيران صدّرت كميات من الغاز المسال ووقود الطائرات منذ يوليو، رغم الحصار البحري الأميركي.

وأشار كوبر إلى أن أكثر من 50 ألف عسكري أميركي يواصلون حماية الملاحة وإزالة الألغام البحرية والتصدي للهجمات الإيرانية، قائلاً إن الحرب الأخيرة أضعفت القدرات الصاروخية والبحرية الإيرانية.


اعتداء المستوطنين على الدبلوماسيين الأوروبيين في الضفة كان «مُنظماً»

لقطة من مقطع فيديو يعود تاريخ نشره إلى يوم السبت يظهر رجلاً ملقى على الأرض ويُرجح أنه برنارد بودو رئيس بلدية أولنوي-أيميري شمال فرنسا الذي تعرض لهجوم من قبل مستوطنين إسرائيليين في بلدة الطيبة الفلسطينية بالضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)
لقطة من مقطع فيديو يعود تاريخ نشره إلى يوم السبت يظهر رجلاً ملقى على الأرض ويُرجح أنه برنارد بودو رئيس بلدية أولنوي-أيميري شمال فرنسا الذي تعرض لهجوم من قبل مستوطنين إسرائيليين في بلدة الطيبة الفلسطينية بالضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)
TT

اعتداء المستوطنين على الدبلوماسيين الأوروبيين في الضفة كان «مُنظماً»

لقطة من مقطع فيديو يعود تاريخ نشره إلى يوم السبت يظهر رجلاً ملقى على الأرض ويُرجح أنه برنارد بودو رئيس بلدية أولنوي-أيميري شمال فرنسا الذي تعرض لهجوم من قبل مستوطنين إسرائيليين في بلدة الطيبة الفلسطينية بالضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)
لقطة من مقطع فيديو يعود تاريخ نشره إلى يوم السبت يظهر رجلاً ملقى على الأرض ويُرجح أنه برنارد بودو رئيس بلدية أولنوي-أيميري شمال فرنسا الذي تعرض لهجوم من قبل مستوطنين إسرائيليين في بلدة الطيبة الفلسطينية بالضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

أظهرت إفادات وشهادات من دبلوماسيين أوروبيين كانوا بين الوفد الذي هاجمه مستوطنون إسرائيليون، يوم السبت، في الضفة الغربية المحتلة، أنه ثمة قناعة بينهم أن الاعتداء لم يكن تقليدياً أو عابراً، بل «منظماً» ومخططاً، ويستهدف أشخاص بعينهم ممن طالهم الاعتداء، وأخصهم رئيس بلدية أولنوا-إيميري في شمال فرنسا، برنار بودو والبالغ 78 عاماً، وصاحب الموقف البارز المتضامن مع فلسطين.

وأدان الاتحاد الأوروبي «بشدة»، هجوم المستوطنين الإسرائيليين، وجاء في بيان لمتحدث باسم التكتل «يدين الاتحاد الأوروبي بشدة الهجمات الأخيرة التي شنها مستوطنون عنيفون في الضفة الغربية، بما فيها تلك التي استهدفت دبلوماسيين أوروبيين»، داعياً إلى «محاسبة كاملة، واتخاذ تدابير فعالة لمنع استمرار أعمال العنف والمضايقات العنيفة ضدّ الفلسطينيين، لا سيما خلال موسم قطف الزيتون الراهن، وكذلك ضدّ الصحافيين». وقال: «نحثّ إسرائيل على الالتزام الكامل بالقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، ووقف توسيع المستوطنات».

وأكدت وسائل الإعلام العبرية أنه حتى بعد ظهر الأحد، لم تعتقل الشرطة الإسرائيلية أياً من هؤلاء المعتدين ولا من المعتدين على الصحافية الأميركية، هايدي لفين، مصورة «واشنطن بوست»، يوم الجمعة. وادعت الشرطة بأن المعتدى عليهم لا يتعاونون معها، ولا يعطونها فيديوهات توثق الاعتداءات عليهم.

المصورة الصحافية في صحيفة «واشنطن بوست» هايدي ليفين تتلقى العلاج يوم الأحد بعد إصابتها في هجوم شنه مستوطنون إسرائيليون في قرية بالضفة الغربية يوم الجمعة (أ.ب)

وأكد الدبلوماسيون الأوروبيون، في إفادات نقلتها وسائل إعلام دولية وعبرية، أن المعتدين السبعة بدوا أنهم مقاتلون محترفون، وليس مجرد غوغائيين. كانوا يحملون الهراوات ويضربون في الأماكن الموجعة، وكانوا ناضجين في العمر والجسد، وليسوا صبياناً.

وقال أحد الدبلوماسيين، إنه وجميع أعضاء الوفود الذين شاركوا في الوفد، «مقتنعون تماماً بأن هذا الاعتداء منظم. هدفه بث رسالة تهديد للأوروبيين»؛ فقد كان هدفهم الأول رئيس بلدية أولنوا-إيميري في شمال فرنسا، المعروف أنه قائد في الحزب الشيوعي الفرنسي، الذي يقود مع آخرين حملة التضامن الواسعة مع الشعب الفلسطيني والتي تسببت في الضغط على الرئيس ماكرون إطلاق حملته مع السعودية للاعتراف بالدولة الفلسطينية.

وفي تلك البلدية تحديداً، تم رفع علم فلسطين فوق دار البلدية. وبسبب ذلك اصطدم بودو مع الشرطة ووزارة الداخلية في بلده. وهو شخصياً معروف بنشاطه مع الفلسطينيين عبر عشرات السنين. وإسرائيل تعرف بأنه حضر إلى بلدة الطيبة تحديداً، برفقة القنصل العام الفرنسي في القدس وكاهن من رعيته في بلاده، بهدف توقيع اتفاق تعاون وحسن نية بين مدينته التي تتخذ من شجرة الزيتون شعاراً وبلدة الطيبة.

العلم الفلسطيني يرفرف بجوار علم مدينة نانت أمام مبنى البلدية في فرنسا (أرشيفية - رويترز)

أم الهدف الثاني للمهاجمين، فقد كان ممثلي الكنيسة الكاثوليكية، المعروفة بدعمها للمسيحيين الفلسطينيين عموماً وفي بلدة الطيبة بشكل خاص. وجاء الهدف الثالث، ممثلاً في الدبلوماسيين البلجيكيين؛ إذ شددت بلادهم عقوباتها للمستوطنين، وقررت مقاطعة البضائع التي تنتج في المستوطنات، وقد سأل المهاجمون عن هوياتهم، وطالبوهم بإبراز البطاقات، وعندما أيقنوا أنهم بلجيك، حطموا زجاج مركبة القنصلية البلجيكية بالحجارة، وطرحوا أحد الدبلوماسيين أرضاً.

والوحيدون الذين لم يقتربوا منهم هم الدبلوماسيون البولنديون. وقال أحدهم: «كان واضحاً أننا لسنا مستهدفين؛ فقد شاهدوا علم دولتنا وببساطة تجاوزونا».

اعتداء وحشي وحقد

وقال أحد الدبلوماسيين لصحيفة «يديعوت أحرونوت»، إنه «كان واضحاً أنهم عرفوا رئيس البلدية فاعتدوا عليه بوحشية رغم انه طاعن في السن. كانوا غاضبين منه، وأظهروا حقداً بهيمياً ضده. أسقطوه أرضاً، وضربوه بقضيب من الحديد، وكانوا يرفسونه في وجهه وعلى رأسه، ويصيحون بالفرنسية «عاشت فرنسا». وقال رئيس البلدية نفسه: «أعتقد أن تصرف هؤلاء المستوطنين على هذا النحو، يدل على وجود تساهل مقصود من جانب الحكومة الإسرائيلية»، لكن الدبلوماسي صححه قائلاً: «إنه مبعوث الحكومة الإسرائيلية».

لقطة من مقطع فيديو يعود تاريخ نشره إلى يوم السبت يظهر رجلاً ملقى على الأرض ويُرجح أنه برنارد بودو رئيس بلدية أولنوي-أيميري شمال فرنسا الذي تعرض لهجوم من قبل مستوطنين إسرائيليين في بلدة الطيبة الفلسطينية بالضفة الغربية المحتلة (رويترز)

وأضاف الدبلوماسي أن المستوطنين كانوا في مجموعتين. المجموعة التي نفذت الاعتداء كانت تنتظرنا في موقع على رأس التل. وقد شاهدناهم وهم ينزلون. وقال رئيس البلدية الفرنسي: «يجب أن يعرف العالم بأسره ما يحدث هنا، فأنا شخصياً سأعود إلى بلدي، وستكون أموري على ما يرام، لكن أولئك الذين يعانون أكثر هم الناس الذين يعيشون هنا. قلبي يعتصر ألماً عليهم».

وأوردت إذاعة الجيش الإسرائيلي أن 7 مستوطنين ملثمين وصلوا إلى المكان على متن مركبات رباعية الدفع، وحاصروا إحدى المركبات الدبلوماسية، وطالبوا بإبراز بطاقات الهوية، وحطموا نافذة سيارة تابعة للقنصلية البلجيكية. كما ذكرت أن الهجوم بدأ عند الساعة 13:29 ظهراً بعدما اقترب المستوطنون من مركبات البعثات الدبلوماسية الأوروبية، وعند الساعة 13:31 قام أحد النشطاء الذين رافقوا البعثات الدبلوماسية بتوثيق الهجوم، وإرسال إحداثيات الموقع إلى الجيش الإسرائيلي.

ورغم مرور 3 ساعات على وجود البعثات الدبلوماسية الأوروبية في المكان، لم تصل قوات جيش وشرطة الاحتلال إلى المكان من أجل الحصول على إفاداتهم أو اعتقال المستوطنين الضالعين؛ ما أجبر البعثات على مغادرة المنطقة بعدما أدركت أن أحداً لن يأتي لمساعدتها؛ بحسب إذاعة الجيش الإسرائيلي.

مركبات في الموقع الذي ذكر وزير خارجية بلجيكا أن مستوطنين ملثمين هاجموا فيه فلسطينيين وممثلين عن الكنيسة الكاثوليكية ودبلوماسيين ومسؤولين غربيين في بلدة الطيبة بالضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل يوم السبت (صورة من مقطع فيديو - رويترز)

ولاحقاً، ادعت شرطة الاحتلال، في بيان لها، فتح تحقيق في هجوم المستوطنين، وقالت إن وزارة الخارجية الإسرائيلية أُبلغت بهدف تحديد هويات الوفود الدبلوماسية الأوروبية وجمع إفاداتها، والكشف عن هوية المستوطنين المعتدين، بينما ادعى جيش الاحتلال أنه «يدين بشدة حادثة العنف الخطيرة التي وقعت في محيط قرية الطيبة، والتي اعتدى خلالها (مستوطنون) على ممثلين دبلوماسيين»، كما زعم أنه «لم يتم تنسيق جولة القنصلية مسبقاً مع الجيش». وأقر بأن قواته لم توجد في موقع الهجوم، مضيفاً أن «البلاغ بشأن (الهجوم) أرسل إلى حساب غرفة العمليات التابعة للواء، والمخصص لتلقي البلاغات من الجهات الأمنية فقط، وليس من المدنيين».

لكن الأمر اللافت تمثل في البيان الذي أصدره مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، عقب الاعتداء؛ فهو لم يتضمن إدانة للهجوم، وجاء فيه أن «الاتهامات الخطيرة تتطلب أدلة خطيرة. ندعو إلى توخي الحذر قبل استخلاص الاستنتاجات من التقارير التي نشرت».

وأضاف أن «أي اعتداء يستهدف الدبلوماسيين أمر غير مقبول، وكلما كانت الاتهامات أكثر خطورة، ازدادت الحاجة إلى أدلة دامغة»، وذكر أن «الوفود الدبلوماسية دخلت منطقة حساسة لها تاريخ من المواجهات، دون تنسيق مسبق مع الجيش الإسرائيلي، ويعد هذا التنسيق ضرورياً لحماية الدبلوماسيين الزائرين، ومنع وقوع أعمال عنف».

وزعم نتنياهو أن «هذه التقارير تأتي في ظل مخاوف من وجود حملة منسقة لتشويه صورة إسرائيل والمستوطنين في يهودا والسامرة، بالتزامن مع موسم قطف الزيتون، وذلك بالاستناد إلى عناوين مثيرة قبل اتضاح الحقائق كاملة».