السعودية تعزِّز حضورها في سوق الذهب العالمية بدفع استثماري وتشريعي

وزارة الصناعة والثروة المعدنية تكشف لـ«الشرق الأوسط» تفاصيل الحوافز والفرص

داخل أحد متاجر الذهب في السعودية (تصوير: تركي العقيلي)
داخل أحد متاجر الذهب في السعودية (تصوير: تركي العقيلي)
TT

السعودية تعزِّز حضورها في سوق الذهب العالمية بدفع استثماري وتشريعي

داخل أحد متاجر الذهب في السعودية (تصوير: تركي العقيلي)
داخل أحد متاجر الذهب في السعودية (تصوير: تركي العقيلي)

تُرسِّخ السعودية موقعها بوصفها لاعباً صاعداً في سوق الذهب العالمية، مستندة إلى ثروات معدنية تُقدَّر بأكثر من 9.4 تريليون ريال (2.5 تريليون دولار)، يشكِّل الذهب نحو 15 في المائة منها، بما يعكس الإمكانات الضخمة التي تمتلكها المملكة في قطاع التعدين، ويعزِّز دورها كمركز عالمي للمعادن الاستراتيجية.

وفي ظل الارتفاع القياسي لأسعار الذهب عالمياً التي تجاوزت 4530 دولاراً للأونصة خلال عام 2025، نتيجة زيادة الطلب من المستثمرين والبنوك المركزية، تمضي المملكة في تطوير قطاع الذهب بما يتماشى مع مستهدفات «رؤية 2030» الرامية إلى تنويع القاعدة الاقتصادية.

قدمت وزارة الصناعة والثروة المعدنية هذه المعلومات لصحيفة «الشرق الأوسط»، موضحة السياسات والحوافز التي تهدف إلى جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وتطوير سلسلة القيمة، وضمان استدامة النشاط التعديني بيئياً واقتصادياً.

أعمال بأحد مناجم الذهب في السعودية (واس)

بيئة استثمارية جاذبة

عملت الوزارة على تطوير بيئة الاستثمار في قطاع التعدين، من خلال منظومة متكاملة من المبادرات التشريعية والتنظيمية والحوافز، استهدفت تعزيز الشفافية ورفع مستوى التنافسية وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، ولا سيما في قطاع الذهب.

ومن أبرز هذه الخطوات إصدار نظام الاستثمار التعديني ولائحته التنفيذية في عام 2021، بما يضمن وضوح الإجراءات وشفافيتها، مع السماح للمستثمرين الأجانب بالتملك بنسبة مائة في المائة، والتأكيد على التزام الشركات بالاشتراطات البيئية، والمساهمة في تنمية المجتمعات المحلية المحيطة بالمشروعات التعدينية.

ويمنح النظام المستثمرين الحق الحصري في تحويل رخصة الاستكشاف إلى رخصة استغلال لاحقاً؛ حيث تُمنح رخصة الكشف لمدة 5 سنوات قابلة للتجديد لفترتين، ليصل مجموعها إلى 15 سنة كحد أقصى، ما يوفر استقراراً تشريعياً، ويحد من المخاطر الاستثمارية في المراحل المبكرة.

وعلى صعيد تمكين المستثمرين معرفياً، أولت الوزارة أهمية كبيرة لإتاحة البيانات الجيولوجية والمسوحات الجيوفيزيائية التي أُجريت منذ سبعينات القرن الماضي وحتى اليوم، من خلال البرنامج العام للمسح الجيولوجي الذي غطَّى مساحة «الدرع العربي» كاملة، البالغة نحو 700 ألف كيلومتر مربع، والغنية بالمعادن، وفي مقدمتها الذهب.

وتتاح هذه البيانات عبر المنصة الوطنية الجيولوجية، بما يمكِّن المستثمرين من الاطلاع على تراكيز المعادن وتوزيعاتها، واتخاذ قرارات استثمارية مبنية على معلومات دقيقة.

قفزة في الإنفاق

وشهد قطاع الاستكشاف في المملكة نمواً ملحوظاً خلال السنوات الخمس الماضية؛ إذ ارتفع الإنفاق على الاستكشاف 5 أضعاف ليصل إلى أكثر من مليار ريال (266.6 مليون دولار)، بالتوازي مع زيادة عدد رخص الكشف بنسبة 40 في المائة.

وفي إطار تقليل المخاطر الأولية لشركات الاستكشاف، أطلقت الوزارة في عام 2024، بالتعاون مع وزارة الاستثمار: «برنامج تمكين الاستكشاف التعديني» الذي يقدِّم دعماً يصل إلى 7.5 مليون ريال (1.9 مليون دولار) لكل رخصة، مع إتاحة التقديم على ما يصل إلى 15 رخصة لكل شركة.

وبلغ إجمالي الدعم في النسخة الأولى من البرنامج 70.5 مليون ريال (18.8 مليون دولار) استفادت منه 6 شركات، على أن يشترط للحصول على هذه الحوافز وجود رخصة كشف نشطة من فئة المعادن (أ)، والالتزام بتعزيز المحتوى المحلي من خلال القيمة الفعلية للاتفاقات الاستثمارية داخل المملكة.

ولا تتوقف رحلة التمكين عند مرحلة الاستكشاف؛ إذ تمنح الوزارة إعفاءات من المقابل المالي للاستخراج لمدة 5 سنوات، وفقاً لما نصَّت عليه اللائحة التنفيذية لنظام الاستثمار التعديني.

كما يتم تخفيض المقابل المالي لاستغلال الموارد بنسبة تصل إلى 90 في المائة، في حال توطين الصناعات التعدينية وسلاسل القيمة داخل المملكة.

وأسهمت هذه المبادرات مجتمعة في تحسين موقع المملكة على خريطة التعدين العالمية؛ حيث قفز ترتيب السعودية في مؤشر جاذبية الاستثمار في التعدين الصادر عن معهد «فريزر» الكندي من المرتبة 104 في عام 2013 إلى المرتبة 23 حالياً.

أعمال حفر بأحد مناجم الذهب في السعودية (واس)

مناجم تاريخية

وتنتج المملكة حالياً نحو 500 ألف أوقية من الذهب سنوياً، وتضم 7 مناجم قائمة، في مقدمتها منجم مهد الذهب الذي يُعد من أقدم المناجم في العالم؛ إذ بدأ استخراج الذهب منه قبل أكثر من 3 آلاف عام، وأُعيد تشغيله تجارياً في عام 1988 على يد «شركة التعدين العربية السعودية (معادن)»، وينتج حالياً نحو 30 ألف أوقية سنوياً.

كما يُعد منجم منصورة ومسرة من أحدث المناجم؛ إذ بدأ الإنتاج في الربع الأخير من عام 2022، ومن المخطط أن يصل إنتاجه إلى نحو 250 ألف أوقية سنوياً، إلى جانب مناجم الدويحي، والصخيبرات، وبلغة، والأمار، وجبل قيان.

استدامة بيئية

وفي جانب الاستدامة وتقليل الآثار البيئية، أنشأت الوزارة «الشركة السعودية لخدمات التعدين (إسناد)»، لتسهيل وتنظيم إجراءات إصدار التراخيص التعدينية، والقيام بدور رقابي شامل على المواقع التعدينية، بما يضمن التزام المستثمرين بأحكام النظام ولائحته التنفيذية، وحماية المجتمعات المحلية، وتقليل الأثر البيئي.

وتعمل المملكة وفق معايير دولية، تشمل إلزام المستثمرين بإجراء دراسات تقييم الأثر البيئي، والحصول على الموافقات اللازمة قبل إصدار رخص الاستكشاف، وربط شروط الترخيص بالامتثال البيئي والفني والاجتماعي.

كما تشترط تقديم خطط واضحة لإغلاق المناجم بعد انتهاء النشاط، تتضمن إعادة التأهيل التدريجي، وإعادة تشكيل التضاريس، ومعالجة التربة، مع متابعة تنفيذ هذه الخطط.

إضافة إلى ذلك، توجد متطلبات دقيقة لإدارة المخلفات والنفايات الخطرة، وتقديم تقارير دورية عن الأداء البيئي وجودة المياه والهواء.

صهر الذهب بأحد المناجم في السعودية (واس)

توطين القيمة المضافة

وفي إطار تعزيز القيمة المضافة محلياً، تسعى الوزارة إلى جذب كبرى المصافي العالمية للاستثمار في المملكة، بهدف استكمال سلسلة القيمة لقطاع الذهب. وتأتي هذه الخطوة في ظل تصدير معظم الإنتاج المحلي من الذهب الخام إلى الخارج للتصفية، ثم إعادة استيراده.

ومن شأن توطين عمليات التصفية أن يعزِّز العائد الاقتصادي، ويدعم قيام صناعات تحويلية مرتبطة بالذهب، ويوفر فرصاً استثمارية ووظيفية جديدة، تسهم في نمو الاقتصاد الوطني، وتحقيق مستهدفات «رؤية 2030».


مقالات ذات صلة

الاقتصاد عامل يعرض سبيكة ذهبية تزن كيلوغراماً واحداً في مصفاة «إي بي سي» في سيدني (أ.ف.ب)

الذهب يتراجع بفعل «رهانات الفائدة» وتصاعد المواجهة الأميركية - الإيرانية

تراجعت أسعار الذهب، الخميس، لتقترب من أدنى مستوياتها في أسبوع، مع تصاعد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد موظف يعرض سبائك ذهبية في متجر تابع لبورصة الذهب الكورية في سيول (أ.ف.ب)

بعد إعلان ترمب انتهاء الهدنة مع إيران... الذهب يفقد 1 % من قيمته

تراجعت أسعار الذهب والفضة بقوة، الأربعاء، بعدما أثارت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن انتهاء الهدنة مع إيران موجة جديدة من التوتر في الأسواق.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد أساور وقلائد ذهبية معروضة للبيع في متجر ذهب بالبازار الكبير في إسطنبول (أ.ف.ب)

الذهب يتراجع إلى أدنى مستوى في أسبوع مع تصاعد التوتر الأميركي - الإيراني

تراجعت أسعار الذهب، الأربعاء، لأدنى مستوياتها في نحو أسبوع، بعدما أدت الضربات الأميركية الجديدة على إيران إلى ارتفاع أسعار النفط وقوة الدولار.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم العربي يسجل الذهب تراجعاً فورياً متأثراً بالدولار (شعبة الذهب والمجوهرات)

السيارات والذهب الأسرع... كيف تستجيب الأسعار في مصر لهبوط الدولار؟

تحسُّن سعر صرف الدولار أمام الجنيه المصري لم يقابله سوى تغيير طفيف في أسعار بعض السلع والخدمات على رأسها السيارات والذهب.

أحمد عدلي (القاهرة)

فرص التوظيف بمصر تقاوم «ثورة» الذكاء الاصطناعي

تأثير الذكاء الاصطناعي في الدول النامية سيكون أقل حدة بالتوظيف (رئاسة مجلس الوزراء المصري)
تأثير الذكاء الاصطناعي في الدول النامية سيكون أقل حدة بالتوظيف (رئاسة مجلس الوزراء المصري)
TT

فرص التوظيف بمصر تقاوم «ثورة» الذكاء الاصطناعي

تأثير الذكاء الاصطناعي في الدول النامية سيكون أقل حدة بالتوظيف (رئاسة مجلس الوزراء المصري)
تأثير الذكاء الاصطناعي في الدول النامية سيكون أقل حدة بالتوظيف (رئاسة مجلس الوزراء المصري)

رغم أن تقديرات دولية تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي سيعيد تشكيل الوظائف أكثر مما سيقضي عليها، فإن حجم هذا التأثير وطبيعته يتفاوتان من دولة إلى أخرى حسب هيكل الاقتصاد ومستوى التطور التكنولوجي وطبيعة المهارات السائدة في سوق العمل، وخصوصاً في البلدان النامية، وفق ما أكده البنك الدولي، الذي استند في تقديراته إلى بيانات من 25 دولة تضم نحو 3.5 مليار نسمة وتمثل قرابة 80 في المائة من قوة العمل العالمية.

وخلصت هذه التقديرات إلى أن تأثير الذكاء الاصطناعي في الدول النامية سيكون أقل حدة وأبطأ وتيرة مقارنة بالدول مرتفعة الدخل، ويعود ذلك إلى طبيعة أسواق العمل في هذه الاقتصادات التي تعتمد اعتماداً أكبر على الوظائف اليدوية والمهن القائمة على التفاعل المباشر بين الأشخاص، وهي وظائف لا تزال بعيدة نسبياً عن متناول الأتمتة الراهنة.

المهن اليدوية تصمد أمام ثورة الذكاء الاصطناعي (رئاسة مجلس الوزراء المصري)

ولا تقف مصر بمعزل عن هذا المشهد؛ إذ يفرض الذكاء الاصطناعي متغيراً جديداً وحاسماً في معادلة التشغيل، لا سيما في ظل وجود فجوة بين أعداد الداخلين الجدد إلى سوق العمل وفرص التوظيف المتاحة؛ فوفق تقديرات البنك الدولي، يدخل نحو 1.3 مليون شاب وشابة سوق العمل المصرية سنوياً، في حين لا يتجاوز عدد الوظائف المستحدثة نصف مليون وظيفة في العام ذاته.

وأمام هذه الفجوة المُتّسعة، هل يتحول الذكاء الاصطناعي في هذا السياق تهديداً، أم محركاً للنمو الاقتصادي؟

وبين هذين الاحتمالين، يستحضر المهندس وليد جاد، خبير التحول الرقمي والرئيس السابق لمجلس إدارة غرفة صناعة تكنولوجيا المعلومات باتحاد الصناعات المصرية، سابقة تاريخية يرى أنها تضيء الطريق، فدخول الحاسوب إلى مصر أواخر القرن الماضي، صاحبته مخاوف مماثلة من انعكاساته على سوق العمل وتفاقم البطالة.

لكن استعراض ما آلت إليه تلك الحقبة يكشف عن مفارقة لافتة، وهي أنه «رغم اندثار بعض الوظائف بفعل انتشار الحاسوب، نشأت وظائف أخرى وازدهرت في ظله، فضلاً عن قفزة إنتاجية بلغت عشرة أضعاف».

الذكاء الاصطناعي بدأ التأثير على الأعمال المكتبية والرقمية (حساب القرية الذكية المصرية على فيسبوك)

ويضيف جاد لـ«الشرق الأوسط»: «الذكاء الاصطناعي، وإن كان سيعيد رسم ملامح سوق العمل، يمثل في الوقت نفسه فرصة حقيقية لتعزيز الإنتاجية؛ وسيؤدي إلى ظهور أسواق عمل جديدة كلياً لم تكن في الحسبان».

وغير أن هذا التفاؤل المشروط لا ينفي، في نظر الدكتور أبو العلا عطيفي، أستاذ الذكاء الاصطناعي بكلية الحاسبات والذكاء الاصطناعي في جامعة القاهرة، أن مصر تمر بمرحلة انتقال جوهرية مما يسميه «الهامش التكنولوجي» إلى «التأثير البنيوي العميق» في بنية الوظائف والمهارات المطلوبة.

ويختصر عطيفي جوهر اللحظة الراهنة لـ«الشرق الأوسط» بقوله: «السؤال لم يعد ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيؤثر على سوق العمل المصرية، بل متى وبأي درجة وبأي نمط سيتجلى هذا التأثير؟».

لكن الدكتور أحمد طنطاوي، المشرف على أعمال مركز الابتكار التطبيقي بوزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، يحذّر من «الإفراط في التخوف من التطور العلمي أو محاربته بهدف تجنب جميع المخاطر المحتملة التي قد تصاحبه؛ بل على المجتمعات والمؤسسات الاقتصادية الساعية إلى النمو أن تتبنى تخطيطاً واقعياً للاستفادة من التكنولوجيا، وتطوير أدوات ونظم مبتكرة تعود بالنفع على مختلف شرائح المجتمع».

الدول النامية تعتمد على الصناعات اليدوية والزراعية (رئاسة مجلس الوزراء المصري)

ويشدد طنطاوي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» على أن «التجارب التاريخية تؤكد أن الطفرات التكنولوجية لا تقتصر على إحداث تغييرات في هيكل الأنشطة الإنتاجية القائمة فحسب، بل تؤدي أيضاً إلى ظهور صناعات وأنشطة جديدة نتيجة الابتكار الخلّاق في توظيف التقنيات الناشئة والاستفادة من تطبيقاتها واستخداماتها المجدية».

الأكثر تأثراً

وتكشف دراسة صادرة عن المركز المصري للدراسات الاقتصادية في أبريل (نيسان) 2026، عن أن الذكاء الاصطناعي التوليدي بات يشكل تهديداً غير متكافئ على قطاعات سوق العمل في مصر، محذرةً من أن الوظائف الأكثر عرضة للاستبدال هي بالضبط تلك التي تمثل البوابة التقليدية للخريجين الجدد نحو العمل الرسمي. ويصف المركز في دراسته، المعنونة بـ«إعادة تعريف العمل في مصر: كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل متطلبات المهارات»، بأنها «أول تقدير كمي تجريبي لتأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل المصرية»؛ إذ اعتمد فيها على تحليل أكثر من 28 ألف إعلان وظيفي إلكتروني عبر منصات رقمية كبرى.

وتتصدر هذه القائمة فئة موظفي الأعمال المكتبية والإدارية؛ إذ بلغ متوسط مؤشر أتمتة مهامهم نحو 52 في المائة، وهو ما وصفه الباحثون بـ«الإحلال الجوهري»، أي أن الذكاء الاصطناعي يستهدف صميم هذه الوظائف، ولا سيما في مهام معالجة البيانات وجدولة المواعيد وإدارة السجلات.

مصريون يتطلعون لمواكبة التطور التقني (رئاسة مجلس الوزراء المصري)

غير أن هذه النسبة المرتفعة لا تعني، برأي الدكتور محمد الموجي، رئيس قسم تكنولوجيا المعلومات بكلية الحاسبات والمعلومات في جامعة المنصورة المصرية، اختفاء المسمى الوظيفي فجأة وبالكامل، بل ما يسميه «الاندماج الهائل»؛ إذ سيتمكن عدد قليل من الموظفين الذين يستعينون بأدوات الذكاء الاصطناعي من إدارة أحجام ضخمة من المعاملات؛ ما يقلّص التوظيف الجديد ويفرز ضغوط بطالة انتقالية حادة.

نمط جديد

ويتوقع الموجي لـ«الشرق الأوسط» أن ينتج من هذا الاندماج نمط جديد هو «الموظف متعدد المهارات؛ فالذكاء الاصطناعي لن يلغي الوظيفة بقدر ما سيتولى المهام الجانبية والروتينية فيها، مما يغيّر طبيعتها جذرياً».

وفي مقابل تلك الفئة المُهددة، تكشف الدراسة عن أن الوظائف اليدوية والحرفية والزراعية هي الأكثر صموداً في مواجهة موجة الأتمتة الراهنة؛ نظراً لاعتمادها على مهارات جسدية دقيقة وبيئات عمل متغيّرة لا يجيد الذكاء الاصطناعي حتى الآن محاكاتها، وهو ما يؤكده الموجي بقوله: «إن وظائف كعمال الزراعة والصيد والبناء والمهن الحرفية، فضلاً عن المجالات القائمة على التفاعل الإنساني كالرعاية الطبية والخدمة الاجتماعية، لا تزال بمنأى عن هذه الموجة في مرحلتها الحالية».

الذكاء الاصطناعي يفرض متغيراً جديداً وحاسماً في معادلة التشغيل (حساب القرية الذكية المصرية على فيسبوك)

أما الشريحة الواقعة بين هذين الطرفين، أي فئة المهنيين، فلن يطولها التأثير الأعمق في صورة استبدال كامل، بل في إعادة تشكيل طبيعة أدوارها من الداخل، حسب دراسة المركز المصري للدراسات الاقتصادية، فالمهن القانونية والاجتماعية، كالمحامين والاختصاصيين الاجتماعيين، تواجه أتمتة تطال نحو 45 في المائة من مهامها الأساسية، فيما تبلغ النسبة 41 في المائة لدى فنيي تكنولوجيا المعلومات، و37 في المائة لدى المهندسين والعلماء، وهذا يعني أن دور هؤلاء المهنيين سيتحول من تنفيذ المهام المعرفية إلى توجيه منظومات الذكاء الاصطناعي والإشراف عليها.

ويتقاطع هذا الاستنتاج مع ما يلاحظه الدكتور حسن أبو العلا، مدرّس الميكروبيولوجيا بكلية الطب البيطري في جامعة القاهرة؛ إذ يرى أن التأثير الحالي للذكاء الاصطناعي يظهر أولاً في طبيعة المهام لا في اختفاء الوظائف، وإن كانت خصوصية سوق العمل المصرية تجعل وتيرة التحول أبطأ نسبياً مقارنة ببعض الدول الأخرى.

ويوضح أبو العلا لـ«الشرق الأوسط»: «نلاحظ بالفعل توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي في مهام مثل كتابة المحتوى والترجمة والتسويق الرقمي، وبات الموظف الواحد قادراً على إنجاز ما كان يحتاج إلى فريق بأكمله قبل سنوات قليلة. وربما لا تظهر حتى الآن أرقام كبيرة لفقدان الوظائف، لكننا نشهد بوضوح إعادة تعريف للوظيفة ذاتها؛ إذ تتغيّر المهام المطلوبة وتتبدّل المهارات اللازمة للنجاح فيها».

فرصة... أم تهديد؟

ويختصر أبو العلا التحدي في سؤال: «كيف سنرسم المسار المهني للأجيال الجديدة؟»، وإذا كان هذا السؤال يحمل نبرة قلق، فإن جاد يقابله بمثال ملموس على وظائف ناشئة تلوح في الأفق؛ فقدرة الذكاء الاصطناعي على توليد محتوى مزيَّف بالصوت والصورة ستفرز سوقاً وظيفية تتمحور حول الكشف عن التزوير الرقمي، ومن المرجح أن تشهد نمواً متسارعاً مع تصاعد تحديات المعلومات. ويستحضر جاد تجربة دخول عصر الحاسوب دليلاً على قدرة مصر على اغتنام الفرص؛ فبعدما كان المجال لا يتجاوز أربع شركات عالمية تستقطب الكفاءات المصرية، باتت البلاد اليوم حاضنة لأكثر من خمسة آلاف شركة محلية في تقنية المعلومات.

خبراء يرون أن مصر تستطيع الاستفادة من الذكاء الاصطناعي (رئاسة مجلس الوزراء المصري)

وأولت مصر اهتماماً مؤسسياً بالفعل، فأنشأت، وفق وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، المجلس الوطني للذكاء الاصطناعي عام 2019، قبل توسيع اختصاصاته مطلع 2026 ليصبح المجلس الوطني للذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية والتكنولوجيات البازغة، لمواكبة التقنيات المستقبلية. كما أطلق المجلس الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي عام 2021، ثم نسختها الثانية مطلع 2025، والتي ترتكز على ستة محاور تشمل الحوكمة، والتكنولوجيا، والبيانات، والبنية التحتية، وبناء منظومة متكاملة للذكاء الاصطناعي، وتنمية المهارات.

غير أن هذا الزخم المؤسسي لا يكتمل، في نظر عطيفي، من دون مراجعة جوهرية على المستوى التعليمي؛ إذ يضع الجامعات في قلب التحول، قائلاً: «لم يعد كافياً أن يتخرج الطالب حاملاً معرفة تخصصية فحسب؛ يجب أن يمتلك معها ملكة التعلم المستمر والتفكير النقدي. وقد يعمل خريجو اليوم في وظائف لم تولد بعد».

ويرى أن جوهر التحدي يتمثل في الفجوة بين مخرجات التعليم ومتطلبات الاقتصاد الرقمي، عبر ثلاثة مستويات متشابكة: إحلال المهام الروتينية، وإعادة تعريف الوظائف القائمة، وخلق طلب على مهارات جديدة كلياً.

ويتوقع طنطاوي أن تكون النتيجة النهائية لدخول الذكاء الاصطناعي سوق العمل إيجابية في المُجمل، من خلال توسع الأعمال والأنشطة الجديدة من جهة، مقابل انكماش بعض الأعمال التي ستحل الأدوات المبتكرة محلها من جهة أخرى.


رئيس وزراء كندا: السعودية أحد أهم أعمدة الاقتصاد العالمي

صورة جماعية للمشاركين في «ملتقى الاستثمار السعودي الكندي» (الشرق الأوسط)
صورة جماعية للمشاركين في «ملتقى الاستثمار السعودي الكندي» (الشرق الأوسط)
TT

رئيس وزراء كندا: السعودية أحد أهم أعمدة الاقتصاد العالمي

صورة جماعية للمشاركين في «ملتقى الاستثمار السعودي الكندي» (الشرق الأوسط)
صورة جماعية للمشاركين في «ملتقى الاستثمار السعودي الكندي» (الشرق الأوسط)

أكد رئيس وزراء كندا، مارك كارني، أن السعودية باتت تمثل اليوم أحد أهم أعمدة الاقتصاد في العالم، مشيداً بالتسارع الكبير واللافت الذي يشهده النمو الاقتصادي السعودي على الأصعدة والمؤشرات الفنية كافة، بالتزامن مع التحولات الهائلة والهيكلية التي تعيشها البلاد في ظل «رؤية 2030».

وأعلن كارني، في تصريحات موسعة أدلى بها على هامش أعمال «ملتقى الاستثمار السعودي الكندي» بجدة، عن عزم بلاده الراسخ على تعزيز الشراكة والتعاون الثنائي مع المملكة في قطاعات حيوية واستراتيجية متصدرة، وفي مقدمتها قطاعا الطاقة والتعدين.

وأبدى رئيس الوزراء الكندي سعادة بالغة بالطاقة والحيوية الكبيرة التي تفيض بها النقاشات بين قادة الأعمال والمستثمرين في الملتقى، مؤكداً أن قطاع الثروة المعدنية يمثل ركيزة هائلة للتعاون المشترك في الوقت الراهن.

واستذكر رئيس الوزراء الكندي مشاركته السابقة في «منتدى مستقبل المعادن» بالمملكة، مشيراً إلى أن التدقيق في مسيرة السنوات الماضية يظهر بوضوح كيف تحولت المملكة إلى واحد من أهم الموردين والأعضاء الفاعلين والنشطين في مجالات التعدين عالمياً، مدعومة بضخ استثمارات مالية ضخمة لتعزيز هذا القطاع الحيوي.

ودعا كارني إلى تسريع آليات الدمج والتكامل بين الخبراء ورؤوس الأموال الكندية والخبرات الجيولوجية المتقدمة، مع توجيه هذه الشراكة نحو مسار «تعليمي وتدريبي» متبادل؛ يهدف إلى تحويل العلوم الجيولوجية والتقنيات الحديثة إلى وظائف مستدامة لكافة العاملين في قطاع التعدين السعودي.

ونوّه بأن المؤسسات التعليمية الكندية، مثل كلية «نيكارا»، مهيأة تماماً للمساهمة في تأهيل القوى العاملة الوطنية وتطوير قدراتها الرقمية والفنية لتبني أدوات الذكاء الاصطناعي.

ولفت رئيس الوزراء الكندي إلى الأهمية الاستراتيجية لهذا التعاون، مبيناً أن نحو 40 في المائة من شركات التعدين الكبرى حول العالم ترتبط بشراكات وثيقة على مستويات عدة، مما يعزز من فرص العمل المشترك وتطوير الأنظمة التشغيلية واستكشاف فرص الملاحة والمخاطر المدروسة بروح الشراكة الحقيقية.

واختتم كارني تصريحاته بالقول: «نحن بطبيعتنا شركاء، وفي الوقت الذي يحتاج فيه العالم إلى شركاء موثوقين في قطاع المعادن والتعدين، نقف هنا اليوم معاً لقطف ثمار هذه الجهود وتلبية احتياجات الأسواق العالمية».


الخريّف يتباحث مع رئيس وزراء كندا في جدة لتعميق التعاون الصناعي والتعديني

اللقاء بين رئيس وزراء كندا ووزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي (إكس)
اللقاء بين رئيس وزراء كندا ووزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي (إكس)
TT

الخريّف يتباحث مع رئيس وزراء كندا في جدة لتعميق التعاون الصناعي والتعديني

اللقاء بين رئيس وزراء كندا ووزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي (إكس)
اللقاء بين رئيس وزراء كندا ووزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي (إكس)

التقى وزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي، بندر الخريّف، برئيس وزراء كندا، مارك كارني، في جدة على هامش زيارته الرسمية للمملكة.

وأوضح الخريّف أنه جرى خلال اللقاء بحث فرص تعميق التعاون الصناعي والتعديني بين المملكة وكندا، بالإضافة إلى مناقشة مسارات توسيع الشراكات الاستثمارية في عدد من القطاعات الصناعية المستهدفة، بما يخدم المصالح المشتركة ويلبي تطلعات البلدين الصديقين.