برلمان تركيا يقرّ مشروع موازنة 2026 مع توقعات بتراجع كبير للتضخم

بعد جلسة عاصفة شهدت اشتباكات بين نواب الحكومة والمعارضة

البرلمان التركي وافق على مشروع موزانة العام 2026 في خلسة عاصفة (الموقع الرسمي للبرلمان)
البرلمان التركي وافق على مشروع موزانة العام 2026 في خلسة عاصفة (الموقع الرسمي للبرلمان)
TT

برلمان تركيا يقرّ مشروع موازنة 2026 مع توقعات بتراجع كبير للتضخم

البرلمان التركي وافق على مشروع موزانة العام 2026 في خلسة عاصفة (الموقع الرسمي للبرلمان)
البرلمان التركي وافق على مشروع موزانة العام 2026 في خلسة عاصفة (الموقع الرسمي للبرلمان)

توقعت الحكومة التركية انخفاض معدل التضخم السنوي خلال العام 2026 إلى ما دون الـ20 في المائة وإعادته إلى خانة الآحاد في عام 2027.

وقال نائب الرئيس التركي، جودت يلماظ، إن الحكومة تتحرك من خلال برنامجها الاقتصادي متوسط المدى بخطوات تعزز جانب العرض مع العمل على إدارة الطلب، و«نهدف إلى خفض التضخم إلى أقل من 20 في المائة في عام 2026، والوصول إلى خانة الآحاد مجدداً في عام 2027».

وأضاف يلماظ، في كلمة خلال الجلسة الختامية للبرلمان التركي لإقرار مشروع موازنة عام 2026، أن نجاح البرنامج تجلى بوضوح في بيانات شهر نوفمبر (تشرين الثاني)، حيث انخفض التضخم السنوي في أسعار المستهلكين إلى 31.1 في المائة، وتضخم أسعار السلع إلى 18.6 في المائة.

توقعات التضخم

وتابع يلماظ: «نتوقع استمرار اتجاه هبوط التضخم في ديسمبر (كانون الأول)، وأن نُنهي عام 2025 بنسبة تزيد قليلاً على 30 في المائة. كما نتوقع أن تُظهر أرقام التضخم في يناير (كانون الثاني) معدلات تضخم في حدود العشرينات».

كان البنك المركزي التركي توقع أن يتراجع التضخم في نهاية العام الحالي إلى 24 في المائة، لكنه ظل هدفاً بعيداً عن الأرقام التي سجلت في شهر نوفمبر، والتي تشير إلى أن التضخم في نهاية العام قد يواصل بمعدل يدور حول 30 في المائة.

شهدت الجلسة الختامية لمناقشة مشروع موازنة 2026 اشتباكات بالأيدي بين نواب من الحكومة والمعارضة (إعلام تركي)

ووافق البرلمان التركي، ليل الأحد – الاثنين، بعد جلسة عاصفة شهدت اشتباكات بالأيدي بين نواب حزبَي «العدالة والتنمية»، الحاكم، و«الشعب الجمهوري»، أكبر أحزاب المعارضة، على خلفية هجوم نائب الحزب الحاكم عن مدينة بورصة (غرب) وزير الصناعة والتكنولوجيا السابق، مصطفى فارانك، على رئيس حزب الشعب الجمهوري، أوزغور أوزيل، في موضوعات لا تتعلق بمناقشات مشروع الموازنة.

كما وافق البرلمان على مشروع قانون الحسابات الختامية للحكومة لعام 2024.

ملامح الموازنة

وحسب مشروع الموازنة ستبلغ المصروفات 18 تريليوناً و929 مليار ليرة، والإيرادات 16 تريليوناً و216 مليار ليرة (الدولار يساوي 42.80 ليرة تركية)، ومن المتوقع أن يبلغ نمو الاقتصادي 3.3 في المائة في نهاية العام الحالي، وهو المعدل الذي تحقق عام 2024، وأن يبلغ 3.8 في المائة في عام 2026، وأن يبلغ حجم الصادرات 282 مليار دولار، مع هدف 16 في المائة للتضخم.

نائب الرئيس التركي، جودت بلماظ، متحدثا خلال الخلسة الختامية لمناقشة مشروع الموازنة (من حسابه في إكس)

وقال يلماظ إن توجه الحكومة يقوم على اقتصاد أكثر استقراراً، وأسس اقتصادية كلية أقوى، ونمو شامل، وأن هذا المسعى سيستمر بحزم من خلال إصلاحات هيكلية تدعم الاستثمار والتوظيف والإنتاج والصادرات حتى الوصول إلى هدف التضخم ذي الرقم الأحادي.

وأضاف أن اقتصاد تركيا سيصبح في المرتبة الـ16 عالمياً من حيث القيمة الاسمية، والـ11 من حيث تعادل القوة الشرائية في نهاية العام الحالي، بحجم يتجاوز 1.5 تريليون دولار.

وأشار إلى أن الاحتياطيات الإجمالية للبنك المركزي بلغت 190.8 مليار دولار حتى 12 ديسمبر الحالي، بزيادة 27.3 مليار دولار مقارنة بالعام الماضي.

واستنكر يلماظ تصريحات نائب رئيس مجموعة حزب الشعب الجمهوري، مراد أمير، بشأن أرقام النمو، قائلاً: «لقد زعم أننا كذبنا في الإحصاءات... يمكنك القول إنها غير مكتملة، ويمكنك الانتقاد، لكن أن تقول إننا كذبنا، فهذا أمر لا يليق بكم».

عوامل خارجية إيجابية

وأكد يلماظ أن الاقتصاد التركي واصل نموه بثبات على أسس متوازنة ومستدامة في عام 2025، وهو عام هيمنت عليه المخاطر والشكوك على مستوى العالم، مضيفاً: «نتوقع أن يكون الوضع الخارجي أكثر إيجابية نسبياً من حيث النمو ومكافحة التضخم في عام 2026».

تركيا تتوقع زيادة حجم التجارة الصادرات في 2026 مع عوامل خارجية مواتية (إكس)

وأشار يلماظ إلى أن التحول الرقمي الذي يركز على الرقمنة في العالم قد خلق «وضعاً طبيعياً جديداً» تهيمن عليه الخلافات السياسية المتزايدة والصراعات والقيود المفروضة على التجارة، وأن العالم يواجه الكثير من التحديات، مثل الأوبئة، وتغير المناخ، والهجرة، والطاقة، والمعادن الحيوية والتحول الديموغرافي.

وقال يلماظ إنه في هذه الفترة العصيبة ستكون الدول التي تتبع سياسات متوازنة وقابلة للتنبؤ أكثر قدرة على الصمود في وجه الصدمات الخارجية، وأنه في بيئة تتسم بتقلبات اقتصادية حادة، أصبح الانضباط المالي والبنية المالية المتينة أهم درع يحمي الاقتصاد والبنية الاجتماعية.

وشدد على أنه يتم اعتماد نهج أكثر حذراً واستراتيجية عند وضع الخطط المالية، مع مراعاة المخاطر الحالية والمستقبلية على حد سواء.


مقالات ذات صلة

ضغوط التضخم تكبّل «المركزي التركي» وتدفعه لتثبيت الفائدة للمرة الثالثة

الاقتصاد البنك المركزي التركي (الموقع الرسمي)

ضغوط التضخم تكبّل «المركزي التركي» وتدفعه لتثبيت الفائدة للمرة الثالثة

ثبت البنك المركزي التركي سعر الفائدة الرئيسي عند 37 في المائة للمرة الثالثة على التوالي مدفوعاً بمؤشرات التضخم وتقلبات أسعار الطاقة بسبب حرب إيران.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
خاص وزير النقل السعودي ونظيره التركي في لقاء لتعزيز التعاون المشترك (إكس)

خاص السعودية وتركيا تحصّنان سلاسل الإمداد بممر بري يطوّق حصار المضائق

في حين يفرض الانسداد شبه الكامل لمضيق هرمز واقعاً جيوسياسياً معقداً على سلاسل الإمداد العالمية، ينبثق من قلب هذا الحصار البحري ممر بري استراتيجي واعد...

دانه الدريس (الرياض)
الاقتصاد مصافحة بين الجاسر وأورال أوغلو عقب توقيع مذكرتَي التفاهم (إكس)

شريان لوجستي بين السعودية وتركيا يربط الخليج بأوروبا

وقّعت السعودية وتركيا مذكرتَي تفاهم كُبريين للتعاون في قطاعَي السكك الحديدية والخدمات اللوجستية، لترسما ملامح تحول جذري في مسار حركة التجارة الدولية...

«الشرق الأوسط» (الرياض) سعيد عبد الرازق (أنقرة)
الاقتصاد وزير التجارة التركي عمر بولاط ووزير الاقتصاد والصناعة السوري محمد نضال الشعار في صورة جماعية مع المشاركين ضمن «قمة اقتصادات المدن» بولاية غازي عنتاب جنوب تركيا (حساب الوزير التركي على إكس)

قطار التجارة التركي - السوري ينطلق نحو مستهدف الـ10 مليارات دولار

قال وزير التجارة التركي إن الاستعدادات اكتملت لافتتاح معبر «إصلاحية» للسكك الحديدية بين غازي عنتاب وسوريا، وإن الاتفاق تم على فتح فروع لبنوك تركية في دمشق.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
الاقتصاد مصافحة بين الجاسر وأورال أوغلو عقب توقيع مذكرتي التفاهم (إكس)

السعودية وتركيا توقِّعان مذكرتَي تفاهم لتعزيز التعاون في قطاع السكك الحديدية

وقّعت السعودية وتركيا مذكرتَي تفاهم كبيرتين للتعاون المشترك في قطاعي السكك الحديدية والخدمات اللوجستية، في خطوة تاريخية وُصفت بأنها بداية التحول الجذري.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

تراجع أسعار النفط بعد الاتفاق بين أميركا وإيران

عناصر من مشاة البحرية الأميركية على متن ناقلة نفط إيرانية خلال عملية تفتيش يوم 20 مايو الماضي (البحرية الأميركية)
عناصر من مشاة البحرية الأميركية على متن ناقلة نفط إيرانية خلال عملية تفتيش يوم 20 مايو الماضي (البحرية الأميركية)
TT

تراجع أسعار النفط بعد الاتفاق بين أميركا وإيران

عناصر من مشاة البحرية الأميركية على متن ناقلة نفط إيرانية خلال عملية تفتيش يوم 20 مايو الماضي (البحرية الأميركية)
عناصر من مشاة البحرية الأميركية على متن ناقلة نفط إيرانية خلال عملية تفتيش يوم 20 مايو الماضي (البحرية الأميركية)

انخفضت أسعار النفط بشكل حاد في أعقاب اتفاق السلام بين الولايات المتحدة وإيران.

وهبط سعر خام برنت، وهو المعيار العالمي، للتسليم في أغسطس (آب) بنحو 4 في المائة ليصل إلى حوالي 84 دولارا للبرميل (159 لتراً).

وانخفض سعر خام غرب تكساس الوسيط، وهو المعيار الأميركي، للتسليم في أواخر يوليو (تموز) بنسبة مماثلة في الولايات المتحدة مساء الأحد، ليصل إإلى حوالي 81 دولارا للبرميل.

وبعد بدء حرب إيران في أواخر فبراير (شباط)، كانت طهران قد أوقفت حركة الشحن في مضيق هرمز بشكل كبير من خلال التهديدات والهجمات، مما أدى إلى ارتفاع أسعار الطاقة في جميع أنحاء العالم.

ويعد المضيق حيويا لصادرات النفط والغاز الطبيعي المسال من دول الخليج الغنية بالموارد.


السعودية: معاقبة المتسببين في انسكاب مادة بترولية قرب محطة وقود

الانسكاب نتج عن بيع محطة وقود مغلقة الديزل إلى ناقلات صهريجية مخالِفة (صورة تعبيرية - وزارة البلديات)
الانسكاب نتج عن بيع محطة وقود مغلقة الديزل إلى ناقلات صهريجية مخالِفة (صورة تعبيرية - وزارة البلديات)
TT

السعودية: معاقبة المتسببين في انسكاب مادة بترولية قرب محطة وقود

الانسكاب نتج عن بيع محطة وقود مغلقة الديزل إلى ناقلات صهريجية مخالِفة (صورة تعبيرية - وزارة البلديات)
الانسكاب نتج عن بيع محطة وقود مغلقة الديزل إلى ناقلات صهريجية مخالِفة (صورة تعبيرية - وزارة البلديات)

أكدت «لجنة مراكز الخدمة ومحطات الوقود» السعودية مباشرة حادثة تضرر مركبة نتيجة انسكاب مادة بترولية في شارع مجاور لمحطة بمدينة الرياض في حينها، مشيرة إلى أن العمل جارٍ لاستكمال إجراءات معاقبة المتسببين فيها وتعويض المتضررين.

جاء تصريح «اللجنة التنفيذية الدائمة لمراكز الخدمة ومحطات الوقود»، في بيان لها، الاثنين، أشار إلى مقطع الفيديو المتداول بوسائل التواصل الاجتماعي، الذي يظهر فيه تضرر مركبة نتيجة انسكاب مادة بترولية في شارع مجاور لمحطة وقود.

وأوضح بيان اللجنة أن الحادثة وقعت يوم الثلاثاء 2 يونيو (حزيران) الحالي في مدينة الرياض، مبيِّنة أن فرق الدفاع المدني باشرتها في حينها، واتخذت جميع الإجراءات الوقائية اللازمة، ولم ينتج عن الحادثة أي إصابات.

وأضاف البيان أن الانسكاب نتج عن قيام محطة وقودٍ مغلقة، لعدم امتثالها للاشتراطات النظامية، ببيع الديزل إلى ناقلات صهريجية مخالِفة، وغير مرخصة من وزارة الطاقة، منوهاً بأنه يجري الآن استكمال التحقيقات والإجراءات النظامية لمعاقبة المتسببين في الحادث وتعويض المتضررين.

وأكّدت اللجنة أهمية التواصل معها في حال وجود أي ملاحظاتٍ أو أنشطة مشبوهة في محطات الوقود، وذلك بالاتصال بالرقم المجاني (8001244777)، أو عبر تطبيق «طاقة» لخدمة الشركاء، المتاح في متجرَي «أبل» و«أندرويد».

من جانبه، أفاد «الدفاع المدني»، في منشور عبر حسابه الرسمي على منصة «إكس»، بأن فِرقه أخمدت - في حينه - حريقاً في مركبتين بحي طويق (غرب الرياض) إثر تسرب وقود من شاحنة، ولا إصابات، وجرى استكمال الإجراءات النظامية من جهات الاختصاص حياله.


شراكة «المملكة» و«السيادي» تُحلّق مع «سبايس إكس» إلى 6.83 مليار دولار

مدخل مبنى مركز «المملكة القابضة» التجاري (موقع الشركة)
مدخل مبنى مركز «المملكة القابضة» التجاري (موقع الشركة)
TT

شراكة «المملكة» و«السيادي» تُحلّق مع «سبايس إكس» إلى 6.83 مليار دولار

مدخل مبنى مركز «المملكة القابضة» التجاري (موقع الشركة)
مدخل مبنى مركز «المملكة القابضة» التجاري (موقع الشركة)

لم يكن إعلان شركة «المملكة القابضة» السعودية في بيان عن بلوغ القيمة العادلة لحصتها في «سبايس إكس» حاجز 6.83 مليار دولار مجرد رصد لرقم مالي جديد طفا على شاشات البورصة فور إدراج الأخيرة؛ بل كان بمثابة إعلان رسمي عن نجاح أسلوب «الصبر الاستراتيجي» للتحالف الاستثماري بين الشركة و«صندوق الاستثمارات العامة» الذي يمتلك حصة 16.87 في المائة منها.

وهذا الرقم، الذي كشفت عنه الشركة استناداً إلى سعر إغلاق السهم، شكّل ثمرة رهان مالي جريء، حقق أرباحاً دفترية قياسية تجاوزت 2.3 مليار دولار مقارنة بقيمتها الدفترية السابقة البالغة 4.47 مليار دولار، ما انعكس فوراً على تداولات السوق السعودية، دافعاً سهم «المملكة القابضة» للتحليق بنحو 4 في المائة.

وجاء هذا الإعلان الرسمي عقب الطرح العام الأولي التاريخي لشركة الفضاء والتقنية «سبايس إكس» في بورصة «ناسداك» الذي نجح في جمع 75 مليار دولار عند قيمة سوقية إجمالية بلغت 1.78 تريليون دولار، وسط منافسة عالمية حادة تجاوزت فيها طلبات الاكتتاب حاجز 250 مليار دولار؛ حيث أظهرت سجلات الطرح حصول صناديق الثروة السيادية الخليجية في السعودية وقطر والكويت على تخصيصات استثنائية تجاوزت مليار دولار لكل منها.

وأوضحت «المملكة القابضة» في بيانها أنها تمتلك أكثر من 42.4 مليون سهم من الفئة (أ)، وهو ما أدى لقفزة حصتها إلى مستوى الـ25.6 مليار ريال (6.83 مليار دولار) بعد إغلاق السهم عند 160.95 دولار في أولى جلسات تداوله.

نضج الفلسفة الاستثمارية السعودية

وفي قراءة متعمقة لأبعاد هذا البيان، أكد الرئيس الأول لإدارة الأصول في «أرباح المالية»، محمد الفراج، لـ«الشرق الأوسط»، أن قرار شركة «المملكة القابضة» بالاحتفاظ باستثماراتها في منصة «إكس» وتحويل الأسهم، بالتوازي مع أرقام طرح «سبايس إكس»، يعكس نضجاً ملموساً في فلسفتها الاستثمارية.

وأوضح أن هذا التوجه يبرهن على تبني نهج استراتيجي طويل الأجل يركز على «الأصول التحويلية» القادرة على إيجاد قيمة مستقبلية هائلة، بدلاً من الارتهان للأرباح قصيرة الأجل، وهو ما يتناغم تماماً مع مستهدفات «رؤية المملكة 2030»، الساعية لبناء حضور سعودي مؤثر في قطاعات التقنية والتكنولوجيا المتقدمة عالمياً.

من جانبه، اتفق المستشار المالي والاقتصادي، الدكتور حسين العطاس، مع هذا الطرح، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن الأرقام التي أفصحت عنها «المملكة القابضة» تبرهن على أن القوى الرأسمالية للمملكة لم تعد مجرد ممول مالي عابر يبحث عن عوائد سريعة، بل شريك استراتيجي يصنع قطاعات المستقبل واقتصاد الفضاء ويحتكر تقنياتها.

وأشار العطاس إلى أن هذا التميز المؤسسي حظي بإسناد قوي وحاسم منذ دخول «صندوق الاستثمارات العامة» شريكاً استراتيجياً رئيسياً بحصته البالغة 16.87 في المائة في «المملكة القابضة»، ما منح الشركة مركزاً مالياً شديد المرونة، ونفساً طويلاً، أتاح لها التحول نحو العمل المؤسسي بدلاً من الفردي، والصمود أمام تقلبات وعواصف «السيليكون فالي» خلال السنوات الماضية، لتنجح في تسييل الفرصة في الوقت المثالي، وبما يحقق انسجاماً تاماً مع مستهدفات «رؤية 2030» في بناء اقتصاد رقمي ومستدام قائم على الابتكار.

موظفو شركة «سبايس إكس» يحتفلون بإغلاق سوق الاكتتاب العام الأولي للشركة في بورصة «ناسداك» بمدينة نيويورك (أ.ف.ب)

الأصول التقليدية «صمام أمان» ضد الفائدة

وحول آليات إدارة المخاطر وإعادة هندسة التوازن داخل المحفظة الاستثمارية لـ«المملكة القابضة»، كشف الفراج عن أرقام تمويلية ضخمة تفسر سياسة الشركة في دمج الأصول التقليدية، كالفنادق والعقارات، مع الاستثمارات التقنية عالية النمو (مثل «إكس» و«سبايس إكس»).

وأوضح الفراج أن هذا التنوع يكتسب أهمية مضاعفة في البيئة الاقتصادية العالمية الحالية التي تتسم بارتفاع أسعار الفائدة؛ إذ تصبح التدفقات النقدية صمام أمان محورياً لتخفيف حدة المخاطر.

وبالنظر إلى البيانات المالية لشركة «سبايس إكس»، يتجاوز الإنفاق الرأسمالي المتوقع حاجز 20 مليار دولار خلال عام 2025، ما يؤدي إلى تدفقات نقدية حرة «سالبة» تقارب 14 مليار دولار نتيجة التوسع المكثف والضخم في مشروعات طموحة، مثل «ستارلينك» و«ستارشيب»، وهي مشروعات تتطلب سنوات طويلة قبل أن تُحقق كامل قيمتها الاقتصادية. ومن هنا، يسهم وجود الأصول التقليدية الدفاعية ذات العوائد المستقرة في الحفاظ على مستويات السيولة المطلوبة، وموازنة الأصول الأكثر مخاطرة التي تستهدف تحقيق نمو رأسمالي ضخم.

وفي السياق ذاته، أشار العطاس إلى أن هذا النموذج المتوازن يكتسب أهمية قصوى اليوم؛ حيث توفر الأصول التقليدية الاستقرار والسيولة الحمائية، فيما تمنح الاستثمارات التقنية فرصاً لتعظيم القيمة الرأسمالية على المدى الطويل، وهو نموذج ذكي تتبعه العديد من الشركات الاستثمارية العالمية الكبرى للحد من مخاطر الاعتماد على قطاع واحد.

رأس المال الخليجي شريك مفضل

وفيما يتعلق بالأولوية والشهية المفتوحة تجاه الصناديق الخليجية، أكد الفراج لـ«الشرق الأوسط» أن البيئة التمويلية المعقدة لشركات التكنولوجيا هي ما جعلت من رأس المال الخليجي شريكاً مفضلاً وجاذباً؛ نظراً لامتلاكه ثلاث مزايا تنافسية رئيسية، تتمثل في: السيولة الضخمة، والأفق الاستثمارية الطويل، والقدرة العالية على تحمل التقلبات الاقتصادية الدورية.

وكشف الفراج أن الشركات التقنية العملاقة تحتاج إلى مستثمرين استراتيجيين قادرين على الالتزام بخطط تمويلية تمتد لـ10 سنوات أو أكثر، لا سيما أن شركة «سبايس إكس» على سبيل المثال تحمل حالياً ديوناً تقارب 23 مليار دولار، وتواصل ضخ استثمارات رأسمالية تتجاوز 20 مليار دولار سنوياً.

وعلاوة على الدعم المالي، فإن الصناديق السيادية الخليجية لا تقتصر على تقديم التمويل الفوري فحسب، بل تفتح لعمالقة التكنولوجيا أسواقاً واعدة، وفرصاً استراتيجية حيوية في قطاعات الاتصالات، والذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية الرقمية، والطاقة، ما يُعزز مكانتها بوصفها شريكاً استراتيجياً متكاملاً، وليس مجرد ممول مالي تقليدي.

وهو ما ثنّى عليه الدكتور العطاس بالإشارة إلى أن دول الخليج تحولت من «صراف آلي» لتمويل الشركات الغربية إلى أسواق استراتيجية ومستهلك رئيسي للتقنيات المتقدمة، ما يجعل الشراكة مع المستثمر الخليجي تتجاوز ضغوط الأرباح الفصلية والتخارج السريع إلى إيجاد فرص تجارية متبادلة طويلة الأجل.

نائب رئيس قسم الموارد البشرية بـ«سبايس إكس» مرتدياً بدلة فضاء وآخرون يحتفلون على الشرفة بعد قرع جرس الإغلاق في بورصة «ناسداك» (رويترز)

معضلة التقييم الملياري

وعن التقييمات المرتفعة التي صاحبت طرح «سبايس إكس»، والتي تجاوزت حاجز 2.2 تريليون دولار، أفاد الفراج بأن الأرقام تكشف عن أن المستثمرين يدفعون مضاعفات مرتفعة للغاية مقارنة بالشركات التقليدية؛ ففي مقابل إيرادات متوقعة بنحو 18.7 مليار دولار في عام 2025، لا تزال الشركة تتوقع خسائر صافية تقارب 4.4 مليار دولار خلال العام نفسه، فضلاً عن تدفقات نقدية حرة سالبة بنحو 14 مليار دولار.

واستدرك الفراج قائلاً: «إن القفزات المتوقعة في الإيرادات لتتجاوز 32 مليار دولار في عام 2026، ثم نحو 56 مليار دولار في عام 2027، تفسر بوضوح هذه الشهية الاستثمارية المفتوحة. فالتقييم الحالي لا يعكس الأداء المالي اللحظي للشركة، بل يُمثل رهاناً ضخماً، وتوقعات سوقية متفائلة بشأن تحول (ستارلينك) إلى واحدة من كبرى شركات الاتصالات في العالم، وتحول (سبايس إكس) إلى البنية التحتية الأساسية للاقتصاد الفضائي العالمي خلال العقد المقبل».

واختتم الخبيران تحليلهما لـ«الشرق الأوسط» بالاتفاق على أن هذه القيمة السوقية الفلكية لـ«سبايس إكس» هي مزيج بين الإنجازات التشغيلية المحققة و«علاوة التفاؤل والرهان على المستقبل»، ما يجعل فرصة الاستثمار واعدة ومغرية للغاية لشركات كبرى مثل «المملكة القابضة»، مع الأخذ في الحسبان ارتفاع مستوى مخاطر التمويل والتشغيل في حال عدم تحقق تلك التوقعات الطموحة خارج الغلاف الجوي.