البرلمان الجزائري يرفع وتيرة التشريع ضد فرنسا والمعارضين

«تجريم الاستعمار» و«نزع الجنسية» في خطوتين مثيرتين ترعاهما أعلى سلطات البلاد

رئيس البرلمان في اجتماع مع أصحاب مقترحَي تجريم الاستعمار وتعديل قانون الجنسية (البرلمان)
رئيس البرلمان في اجتماع مع أصحاب مقترحَي تجريم الاستعمار وتعديل قانون الجنسية (البرلمان)
TT

البرلمان الجزائري يرفع وتيرة التشريع ضد فرنسا والمعارضين

رئيس البرلمان في اجتماع مع أصحاب مقترحَي تجريم الاستعمار وتعديل قانون الجنسية (البرلمان)
رئيس البرلمان في اجتماع مع أصحاب مقترحَي تجريم الاستعمار وتعديل قانون الجنسية (البرلمان)

في خطوة مثيرة للجدل، عرض البرلمان الجزائري، السبت، نصَّين مهمّين للنقاش العام؛ الأول يخصّ مقترح قانون لتجريم الاستعمار الفرنسي (1830–1962)، والثاني يتعلق بتعديل قانون الجنسية، علماً أنه لم يسبق لهيئة التشريع أن تعاملت مع مبادرتين برلمانيتين بهذه السرعة، ما يُفهم منه أن «إيعازاً» من أعلى سلطات البلاد وراء هذا المسعى.

تجريم الاستعمار

لم يستغرق الإعلان عن الصياغة النهائية للمقترحين، وتحديد تاريخ تداولهما تشريعياً سوى بضعة أيام فقط، ولاحظ غالبية أعضاء الكتل البرلمانية أن وتيرة إعدادهما واعتمادهما غير معتادة مقارنة بالإجراءات التشريعية العادية، وهو ما يوحي بـ«وجود استعجال سياسي لطرح المقترحين في هذا التوقيت بالذات»، حسب نائب من حزب يتبع إلى «الموالاة»، طلب عدم نشر اسمه. في حين رجح برلماني آخر من كتلة المستقلين احتمال أن يكون هناك توجيه، أو دعم من مستويات عليا في السلطة لتسريع المسار التشريعي.

البرلماني صاحب مقترح تعديل قانون الجنسية (حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

وبدأ أعضاء «المجلس الشعبي الوطني» (الغرفة البرلمانية السفلى) بتداول نص تجريم الاستعمار؛ إذ أكد أصحاب المبادرة أنه يقوم على «مبدأ عدم الإفلات من العقاب وحق الشعوب في العدالة التاريخية»؛ إذ يصنف الاستعمار الفرنسي في الجزائر «جريمة دولة منتهكة للقيم الإنسانية، وممارساته تعد جرائم غير قابلة للتقادم».

ويتضمن التوصيف القانوني للجرائم الإبادة والمجازر الجماعية، كالقتل العمد والإعدامات خارج القانون، والتعذيب المنظم، والجرائم بحق الإنسان والبيئة، المترتبة على التفجيرات النووية في الصحراء خلال الستينات، وكذا التجارب الكيماوية والألغام المزروعة على طول الحدود الشرقية والغربية لمنع وصول الأسلحة إلى «المجاهدين».

كما يشمل التوصيف النهب والاستنزاف، كالسطو على الخزينة الوطنية ونهب الثروات، واحتجاز الأرشيف ورفات رموز المقاومة، و«طمس الهوية»، ومنها محاولات التنصير القسري، وتدنيس دور العبادة، والتمييز العنصري.

وعلى أساس هذا التشخيص، يُلزم القانون الدولة الفرنسية بتحمل المسؤولية القانونية الكاملة، ويفرض على الطرف الجزائري السعي لانتزاع اعتراف واعتذار رسميين من باريس، مع المطالبة بتعويضات شاملة ومنصفة عن الأضرار المادية والمعنوية، بما في ذلك تنظيف مواقع التجارب النووية وتسليم خرائطها. كما يذهب القانون إلى أبعد من ذلك بتجريم كل أشكال تمجيد الاستعمار أو تبريره داخل الجزائر، وفرض عقوبات سالبة للحرية، وغرامات مالية على كل من ينكر طبيعته الإجرامية، أو يمس برموز الثورة الوطنية، مع اعتبار التعاون مع الاحتلال (الحركي) «خيانة عظمى».

جانب من مظاهرة في باريس نظمها دعاة الانفصال (ناشطون)

ويأتي هذا التحرك البرلماني في ظرف يتسم باستمرار التصعيد في العلاقات مع فرنسا، حاملاً دلالة قوية من السلطات الجزائرية: لا مصالحة بلا إقرار تاريخي. وإذ يُميز القانون بوضوح بين إدانة المنظومة الاستعمارية وبين الشعب الفرنسي، فإنه ينقل «ملف الذاكرة» من الحيز السياسي العابر إلى الإطار التشريعي المُلزم، محولاً استرداد الحقوق المنهوبة إلى «ثوابت وطنية عصيّة على المساومة».

«دبلوماسية المشاعر الطيبة»

جاء أول رد فعل من فرنسا حيال «مسعى تجريم الاستعمار» من رئيس حزب «الجمهوريون» اليميني، وزير الداخلية السابق برونو ريتايو، الذي علّق على حسابه بمنصة «إكس» قائلاً: «عندما تتخلى فرنسا عن سياسة الحزم مع الجزائر، فإن ذلك يؤتي ثماره».

الكاتب بوعلام صنصال (حسابات ناشطين متعاطفين معه)

بعد سجن الكاتب الفرنسي - الجزائري بوعلام صنصال في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، وحادثة الطعن في مدينة مولوز (شرق فرنسا) في فبراير (شباط) 2025، التي ارتكبها مواطن جزائري خاضع لأمر بمغادرة التراب الفرنسي، والذي رفضت الجزائر إعادته إلى أراضيها عشر مرات، كان وزير الداخلية ريتايو، المرشح المحتمل لانتخابات الرئاسة 2027، قد دخل في مواجهة مباشرة مع الحكومة الجزائرية؛ إذ اقترح «رداً متدرجاً»، قد يصل إلى «إعادة النظر في اتفاقيات الهجرة لسنة 1968 إذا واصلت الجزائر (إذلال فرنسا)».

وندد ريتايو، الذي تصدر الأزمة مع الجزائر لشهور، بـ«دبلوماسية المشاعر الطيبة للرئيس إيمانويل ماكرون تجاه المستعمرة سابقاً»، وكان قد لمّح من قبل إلى استعداده للاستقالة إذا طلبت منه الحكومة التنازل في التوترات مع الجزائر، التي نشأت عقب اعتراف باريس بسيادة المغرب على الصحراء.

وبعد تنحيته في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، ضمن تشكيل حكومي جديد، استعادت العلاقات الثنائية توازنها نسبياً، لكن سرعان ما عاد التصعيد بعد إدانة صحافي رياضي فرنسي بالسجن 7 سنوات مع التنفيذ، بتهمة «الإرهاب» في الثالث من الشهر الحالي.

وفي نفس الجلسة البرلمانية، تم عرض مقترح للنائب هشام صفر، عن حزب «التجمع الوطني الديمقراطي»، يخص إدخال تعديل على قانون الجنسية، ويهدف إلى تمكين الدولة من تجريد بعض المواطنين من جنسيتهم، خصوصاً معارضين وناشطين في الخارج، إذا ثبت تورطهم في أفعال تُعدّ مساساً بالمصالح العليا للدولة، أو بالوحدة الوطنية.

وينصّ التعديل المقترح على سحب الجنسية الأصلية أو المكتسبة، في حال ارتكاب أفعال داخل الوطن أو خارجه، مثل التعاون مع دول أو جهات أجنبية معادية، أو تلقّي تمويل أو امتيازات للإضرار بالجزائر، أو العمل لصالح أجهزة عسكرية أو أمنية أجنبية، أو الانخراط في تنظيمات إرهابية أو تخريبية أو دعمها. كما يشمل التجريد من الجنسية المكتسبة في حال صدور حكم قضائي نهائي بسبب جرائم تمسّ أمن الدولة أو وحدتها، ضمن آجال زمنية محددة.

وزير الداخلية الفرنسي السابق برونو روتايو تصدر الأزمة منذ بدايتها (رويترز)

وتم إطلاق هذه الخطوة كتوجّه رسمي لمواجهة النزعات الانفصالية، وبعض المعارضين في الخارج المصنفين «عملاء للعدو»، خصوصاً بعد أن بادر تنظيم «حركة استقلال القبائل»، المصنف جزائرياً «جماعة إرهابية»، إلى إعلان ما سماه «دولة القبائل»، في باريس الأسبوع الماضي.

وتعليقاً على مقترح تعديل قانون الجنسية، كتب المحامي المعروف، عبد الله هبول، وهو قاضٍ سابق، في حسابه بالإعلام الاجتماعي: «هل يدرك من يقف وراء مقترح قانون إسقاط الجنسية الأصلية عن الجزائريين، بموجب مرسوم رئاسي - أي قرار إداري وسياسي - معنى الشعب والدولة والمواطن، وحقوق الإنسان والدستور؟ وإلى أي مدى تحمل هذه الفكرة خطورة بالغة؟».


مقالات ذات صلة

بعد عامين من الجدل... أحكام قضائية تطوي ملف إسلاميِّي «جبهة الإنقاذ» في الجزائر

شمال افريقيا محكمة الجنايات الاستئنافية بالعاصمة الجزائرية (الشرق الأوسط)

بعد عامين من الجدل... أحكام قضائية تطوي ملف إسلاميِّي «جبهة الإنقاذ» في الجزائر

طوى القضاء الجزائري ملف قادة «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» المحظورة، بإصدار أحكام قضت بالحبس النافذ لفترات غطت مدة توقيفهم احتياطياً.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس عبد المجيد تبون خلال المقابلة التلفزيونية (الرئاسة الجزارية)

تبون: المسّ بالسعودية يعني المسّ بالجزائر

«هناك دول تحرّض على الكراهية ضد الجزائر معتقدة أننا سنخضع لهذه الأساليب الدنيئة»

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري في لقاء سابق مع الرئيس الروسي خلال زيارته الأخيرة إلى موسكو (الرئاسة الجزائرية)

جدل مثير حول «عقوبات أميركية» مفترضة على الجزائر بسبب صفقات السلاح الروسي

احتجّ حزب من «الغالبية الرئاسية» في الجزائر على ما وصفه بـ«الترويج لأخبار زائفة»، نشرتها وسائل إعلام أجنبية، تناولت فرض عقوبات أميركية محتملة على الجزائر.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا وزير الصناعة الجزائري سابقاً مع الرئيس الفرنسي عام 2017 (حسابات مبلغين عن الفساد)

وزير جزائري هارب يواجه حكماً جديداً بالسجن 20 سنة

يواجه وزير الصناعة الجزائري الأسبق، عبد السلام بوشوارب، حكماً غيابياً جديداً بالسجن، وذلك على خلفية تورطه في قضايا فساد عابرة للحدود.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا مؤتمر القناصل بحث «إجراءات 11 يناير» (الوزارة الأولى)

الجزائر تعبئ جهازها القنصلي لتسوية ملفات المعارضين

وجّهت الجزائر العشرات من مسؤوليها الدبلوماسيين في الخارج بمباشرة تنفيذ إجراءات جديدة، تخص تسوية وضعية المئات من رعاياها في البلدان الغربية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

السودان يعود إلى «إيغاد»

رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)
رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)
TT

السودان يعود إلى «إيغاد»

رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)
رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)

أعلن السودان أنه سيعود إلى الهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد) التي تجمع دولاً في شرق أفريقيا، بعد عامين من تجميد عضويته فيها بسبب دعوة وجّهتها آنذاك إلى قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو المعروف باسم «حميدتي»، الذي يقاتل القوات الحكومية منذ أبريل (نيسان) عام 2023.

وقالت وزارة الخارجية السودانية، في بيان نُشر على موقع «إكس» أمس، إن «حكومة جمهورية السودان ستستأنف نشاطها الكامل في عُضوية المنظمة»، التي بدورها أعربت عن التزامها عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء، مؤكدةً احترامها الكامل لسيادة السودان ووحدة أراضيه وشعبه، وسلامة مؤسساته الوطنية القائمة.

وكان السودان قد جمَّد عضويته في «إيغاد» في يناير (كانون الثاني) 2024، بعدما دعت المنظمة دقلو إلى قمة في أوغندا لمناقشة النزاع في السودان. وكانت القمة تهدف إلى مناقشة وقف الحرب عبر سلسلة من المقترحات على رأسها نشر قوات أممية في مناطق النزاعات.

 


حفتر وتيتيه يتفقان على مواصلة التنسيق لدعم «جهود البعثة»

المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)
المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)
TT

حفتر وتيتيه يتفقان على مواصلة التنسيق لدعم «جهود البعثة»

المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)
المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)

أَطلعت رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، هانا تيتيه، القائد العام لـ«الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر، على مجريات لجان «الحوار المهيكل» الذي ترعاه البعثة الأممية، في وقت يشهد تصاعداً في «صراع الشرعية» بين مجلسي النواب والدولة.

واستقبل القائد العام تيتيه ونائبتها ستيفاني خوري والوفد المرافق لهما، يوم الاثنين، في مقر القيادة العامة بمدينة بنغازي.

ونقلت القيادة العامة أن المشير أكد دعمه لجهود بعثة الأمم المتحدة ومساعيها الرامية إلى الدفع بالعملية السياسية إلى الأمام، وصولاً إلى إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وقالت إن تيتيه عرضت عليه إحاطة حول ما أجرته لجان «الحوار المهيكل» من نقاشات وحوارات تهدف إلى تشكيل خريطة طريق تقود لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.

المشير خليفة حفتر يلتقي المبعوثة الأممية هانا تيتيه في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)

وأضاف مكتب حفتر أن الطرفين اتفقا على مواصلة التنسيق والتشاور لدعم خطوات البعثة الأممية في ليبيا، وصولاً إلى تحقيق الاستقرار الدائم.

في غضون ذلك، دخل «صراع الشرعية» في ليبيا مرحلة جديدة بين مجلسي «النواب» و«الدولة» حول إدارة المؤسسات السيادية، بعدما اتهم رئيس «الأعلى للدولة» محمد تكالة، رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، باستخدام «ألاعيب متكررة لإرباك المشهد عبر إصدار قوانين وقرارات أحادية».

ولم يتوقف هذا التصعيد عند حد القوانين، بل امتد ليعمّق الانقسام حول مفوضية الانتخابات ومجلس القضاء، وسط تحذيرات شديدة اللهجة إلى البعثة الأممية من مغبة الانحياز.

وجاءت الاتهامات التي وجّهها تكالة إلى صالح في تصريحات تلفزيونية، مساء الأحد، مشيراً إلى إصدار صالح قوانين أو قرارات قبل لقاءاتهما الرسمية، ومن ذلك إصداره قانوناً وصفه بأنه «معيب» بإنشاء المحكمة الدستورية؛ وقال إنه طالب صالح من قبل بعدم إصدار أي قوانين أو قرارات قبل لقائهما، لأن ذلك «يربك المشهد».

ودافع تكالة عن انتخاب مجلسه منفرداً، رئيس وأعضاء مجلس إدارة للمفوضية العليا للانتخابات، باعتباره تطبيقاً لـ«اتفاق أبو زنيقة»، أحد الاتفاقات المبرمة بناءً على «اتفاق الصخيرات» الموقّع في المغرب نهاية 2015.

وتابع: «نحن نسعى للتغيير في المفوضية من أجل التطوير وتصحيح مسارها بإعادة تشكيلها؛ والتصحيح الحقيقي فيها هو الذي لا يترك مجالاً للطعن في أي انتخابات مستقبلاً»، لافتاً إلى أن اللجنة الاستشارية التي تضم خبراء قانون أوصت بإعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية، وأن أعضاءها رأوا أن المفوضية بهذه الوضعية لن تستطيع أن تدير عملية انتخابية.

وأشار إلى أن البعثة الأممية أخذت برأي اللجنة الاستشارية واقترحته في الأمم المتحدة بوصفه جزءاً من «خريطة الطريق»، موضحاً أن رئيس مجلس النواب تراجع عن مسألة تغيير مجلس المفوضية بسبب قوة قاهرة ضغطت عليه، وقال إن مجلس المفوضية السابق كان من المفترض إقالته منذ 2021 عندما فشل في إجراء الانتخابات.

وبعدما عدّ تصريح البعثة الأممية حول تغيير رئاسة المفوضية «نوعاً من المغازلة» لمجلس النواب، شدّد تكالة على أن مجلس الدولة «لم يتجاوز اختصاصاته، ولم يتدخل في أي جزئية إلا بما كفله له الاتفاق السياسي».

وقال إن صلاح الكميشي، الرئيس المنتخب من مجلس الدولة لرئاسة المفوضية، بصدد ترتيب عملية تسلّم منصبه، رغم اعتراض السايح، مشيراً إلى أن الكميشي سيباشر أعماله من داخل مقر مفوضية الانتخابات في طرابلس قريباً، من دون تحديد أي موعد.

الدبيبة مستقبلاً القائم بالأعمال بسفارة السعودية في ليبيا عبد الله بن دخيل الله السلمي يوم الاثنين (مكتب الدبيبة)

وعلى صعيد مختلف، قالت حكومة «الوحدة» المؤقتة إن رئيسها عبد الحميد الدبيبة استقبل القائم بالأعمال بسفارة المملكة العربية السعودية في ليبيا، عبد الله بن دخيل الله السلمي، حيث بحثا سبل تعزيز التعاون الثنائي في عدد من الملفات موضع الاهتمام المشترك.

وأضافت الحكومة، الاثنين، أن الدبيبة سلّم، بصفته وزير الدفاع، رسالة موجهة إلى وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، في إطار دعم وتطوير مسارات التعاون والتنسيق بين البلدَين وتعزيز العلاقات السياسية والأمنية بما يخدم المصالح المشتركة.

وأكد الجانبان، حسب الحكومة، أهمية مواصلة التواصل والتنسيق في القضايا الإقليمية والدولية، بما يعزز الاستقرار ويدعم جهود التعاون العربي.

Your Premium trial has ended


شهود وقائع «التحرش» في مصر... مساندة «الضحية» أم دخول قفص الاتهام؟

ركاب داخل حافلة نقل عام (صورة أرشيفية - وزارة النقل)
ركاب داخل حافلة نقل عام (صورة أرشيفية - وزارة النقل)
TT

شهود وقائع «التحرش» في مصر... مساندة «الضحية» أم دخول قفص الاتهام؟

ركاب داخل حافلة نقل عام (صورة أرشيفية - وزارة النقل)
ركاب داخل حافلة نقل عام (صورة أرشيفية - وزارة النقل)

انتقل الجدل حول وقائع التحرش في مصر إلى مساحة جديدة، تتعدى الوقائع نفسها إلى مواقف المحيطين فيها من الشهود، بعدما أظهر مقطعٌ مصورٌ لفتاة تتهم شاباً بالتحرش بها في حافلة نقل عام بمنطقة المقطم (جنوب القاهرة)، صمتَ بعض الركاب، ودفاع آخرين عن الشاب ومهاجمة الفتاة، فيما سعى فريقٌ ثالثٌ لمحاولة التهدئة، وسط انتقادات «سوشيالية» وهجوم على مواقفهم.

وأظهر مقطع مصور نشرته فتاة تدعى مريم شوقي على حسابها عبر «فيسبوك»، مساء الأحد، شاباً يقف في الحافلة محاولاً إخفاء وجهه عن الكاميرا أحياناً وإظهاره أحياناً أخرى، قبل إقدامه على الفتاة لمنعها من التصوير، وهي تنهال عليه بالسباب وتتهمه بالتحرش بها ومحاولة سرقتها، وتستغيث في الفيديو لإنقاذها، وسط صمت من المحيطين. فيما أعلنت وزارة الداخلية المصرية ضبط المتهم الذي أنكر ارتكابه الواقعة، قبل أن تتولى النيابة العامة التحقيق.

وفي مقطع آخر، تدخل راكب لمهاجمة مريم منتقداً تصرفاتها، ما شجع الشاب المتهم على الرد، قائلاً لها: «شوفي انتي لابسه إيه»، وهذا ما اعتبره البعض «اعترافاً ضمنياً بالتحرش وتبريره لذلك بملابسها».

وحسب بيان الداخلية المصرية، فإن مقاطع الفيديو التي تم تداولها تظهر اتهام الفتاة لأحد الأشخاص بقيامه بالتحرش بها ومحاولة سرقتها بدائرة قسم شرطة المقطم بالقاهرة وتتبعها عقب ذلك إلى داخل أحد أتوبيسات النقل العام.

وقالت الداخلية، في بيان، الاثنين، إنه بسؤال الشاكية (موظفة بإحدى الشركات - مقيمة بمحافظة السويس) أقرت بأنها حال خروجها من مقر عملها الكائن بدائرة القسم قام الشخص الظاهر بمقاطع الفيديو بالتحرش اللفظي بها وتتبعها حال استقلالها أحد أتوبيسات النقل العام. وأنه أمكن تحديد وضبط الشخص الظاهر بمقاطع الفيديو (عامل - مقيم بمحافظة الدقهلية)، وبمواجهته أنكر ارتكابه الواقعة، أو سابقة تقابله مع المجني عليها، وتم اتخاذ الإجراءات القانونية، وتولت النيابة العامة التحقيق.

الشاب المتهم بالتحرش يختبئ من كاميرا الفتاة صاحبة الشكوى (لقطة مثبتة)

واتجه جزء كبير من التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي إلى المحيطين بالواقعة، خصوصاً الراكب الذي تدخل وهاجم الفتاة، بينما يمسك مسبحة في يده، معتبرين أن مثل هؤلاء «سبب في عدم تجريم التحرش وتوفير حماية للمتحرشين».

واعتبر هذا الفريق أن ما يعكسه الفيديو من سلبية للمحيطين، بل وحماية لـ«المتحرش»، على حد وصفهم، أخطر من التحرش نفسه، إذ يمثل حاضنة مجتمعية تتصالح مع هذه الأفعال، مقابل لوم الضحية، وذهب بعضهم إلى ما هو أبعد بالمطالبة بمحاكمة الشهود.

وشكك آخرون في الرواية كلياً، انطلاقاً من موقف الشهود نفسه، مستبعدين حالة الصمت والتصالح مع خطأ وقع فعلياً من كل الموجودين في الأتوبيس، ومعتبرين أن ذلك الصمت دليل على اختلاق الفتاة للواقعة.

وحذر آخرون من الهجوم على أحد بدعوى التحرش دون تقديم دليل، معتبرين أنه سلاح يمكن أن تستخدمه النساء لتصفية حسابات أو التشهير بمظلومين.

وتنص المادة 306 مكرر أ من قانون العقوبات على «معاقبة كل من تعرض للغير في مكان عام أو خاص أو مطروق بإيحاءات، أو تلميحات جنسية أو إباحية، سواء بالإشارة أو بالقول أو بالفعل (بما في ذلك الاتصالات)، بالحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تتجاوز 4 سنوات، وغرامة مالية بين 100 ألف و300 ألف جنيه (الدولار نحو 47 جنيهاً).

وفسر أستاذ علم الاجتماع، وليد رشاد، المعضلة التي يتعرض لها الشهود والمحيطون وقت ارتكاب جريمة ما، سواء بالتدخل أو الصمت، وزيادة التوجه الأخير إلى 3 أسباب؛ الأول الخوف من الجريمة المرتكبة، أي تجنب أن تطوله الجريمة أو الاعتداء، خصوصاً في ظل وهن الروابط المجتمعية الكبيرة حالياً، وهو سبب اجتماعي، أما الثاني فسبب نفسي متعلق بتوجه الفرد نحو الانزواء على ذاته، والانعزال عن المحيط.

وأضاف أستاذ علم الاجتماع أن السبب الثالث مرتبطٌ بالتطور التكنولوجي وسعي البعض إلى الحصول على تفاعل أكبر بتصوير الحادثة ونشرها، مؤكداً في الوقت نفسه أن ذلك لا يعني أن المجتمع أصبح سلبياً بالكامل، فالشخصية المصرية ما زالت تحتفظ بصفاتها المعروفة بإغاثة المظلوم.

أحد التعليقات على «فيسبوك» يحلل رد فعل المحطين بالواقعة محل الاتهام

وسبق أن تعرض شهود عيان في وقائع عديدة للاعتداء، وبعضهم فقد حياته، من أشهرهم الشاب محمود البنا (17 عاماً) الذي قُتل عام 2019 إثر دفاعه عن إحدى الفتيات في محافظة المنوفية، وتحول لبطل شعبي في مصر.

ورفض رشاد التعليق على الواقعة الأخيرة باعتبارها ما زالت قيد التحقيقات، مؤكداً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن ثمة وعياً مجتمعياً أكبر تجاه قضية التحرش، وتوجهاً مجتمعياً لفضح الجاني، في تغير عن اعتقاد سابق بأن فضح الجاني سيترتب عليه فضح الضحية، مرجعاً ذلك إلى حملات التوعية التي حدثت على مدار سنوات وصولاً للتطور الإيجابي الحالي.

وظهر الشاب المتهم في مقابلة مع أحد المواقع المحلية، نافياً الاتهامات الموجهة إليه، مشيراً إلى أن «الركاب رأوا عدم فعله شيئاً، وكذلك محصل التذاكر».