البرلمان الجزائري يرفع وتيرة التشريع ضد فرنسا والمعارضين

«تجريم الاستعمار» و«نزع الجنسية» في خطوتين مثيرتين ترعاهما أعلى سلطات البلاد

رئيس البرلمان في اجتماع مع أصحاب مقترحَي تجريم الاستعمار وتعديل قانون الجنسية (البرلمان)
رئيس البرلمان في اجتماع مع أصحاب مقترحَي تجريم الاستعمار وتعديل قانون الجنسية (البرلمان)
TT

البرلمان الجزائري يرفع وتيرة التشريع ضد فرنسا والمعارضين

رئيس البرلمان في اجتماع مع أصحاب مقترحَي تجريم الاستعمار وتعديل قانون الجنسية (البرلمان)
رئيس البرلمان في اجتماع مع أصحاب مقترحَي تجريم الاستعمار وتعديل قانون الجنسية (البرلمان)

في خطوة مثيرة للجدل، عرض البرلمان الجزائري، السبت، نصَّين مهمّين للنقاش العام؛ الأول يخصّ مقترح قانون لتجريم الاستعمار الفرنسي (1830–1962)، والثاني يتعلق بتعديل قانون الجنسية، علماً أنه لم يسبق لهيئة التشريع أن تعاملت مع مبادرتين برلمانيتين بهذه السرعة، ما يُفهم منه أن «إيعازاً» من أعلى سلطات البلاد وراء هذا المسعى.

تجريم الاستعمار

لم يستغرق الإعلان عن الصياغة النهائية للمقترحين، وتحديد تاريخ تداولهما تشريعياً سوى بضعة أيام فقط، ولاحظ غالبية أعضاء الكتل البرلمانية أن وتيرة إعدادهما واعتمادهما غير معتادة مقارنة بالإجراءات التشريعية العادية، وهو ما يوحي بـ«وجود استعجال سياسي لطرح المقترحين في هذا التوقيت بالذات»، حسب نائب من حزب يتبع إلى «الموالاة»، طلب عدم نشر اسمه. في حين رجح برلماني آخر من كتلة المستقلين احتمال أن يكون هناك توجيه، أو دعم من مستويات عليا في السلطة لتسريع المسار التشريعي.

البرلماني صاحب مقترح تعديل قانون الجنسية (حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

وبدأ أعضاء «المجلس الشعبي الوطني» (الغرفة البرلمانية السفلى) بتداول نص تجريم الاستعمار؛ إذ أكد أصحاب المبادرة أنه يقوم على «مبدأ عدم الإفلات من العقاب وحق الشعوب في العدالة التاريخية»؛ إذ يصنف الاستعمار الفرنسي في الجزائر «جريمة دولة منتهكة للقيم الإنسانية، وممارساته تعد جرائم غير قابلة للتقادم».

ويتضمن التوصيف القانوني للجرائم الإبادة والمجازر الجماعية، كالقتل العمد والإعدامات خارج القانون، والتعذيب المنظم، والجرائم بحق الإنسان والبيئة، المترتبة على التفجيرات النووية في الصحراء خلال الستينات، وكذا التجارب الكيماوية والألغام المزروعة على طول الحدود الشرقية والغربية لمنع وصول الأسلحة إلى «المجاهدين».

كما يشمل التوصيف النهب والاستنزاف، كالسطو على الخزينة الوطنية ونهب الثروات، واحتجاز الأرشيف ورفات رموز المقاومة، و«طمس الهوية»، ومنها محاولات التنصير القسري، وتدنيس دور العبادة، والتمييز العنصري.

وعلى أساس هذا التشخيص، يُلزم القانون الدولة الفرنسية بتحمل المسؤولية القانونية الكاملة، ويفرض على الطرف الجزائري السعي لانتزاع اعتراف واعتذار رسميين من باريس، مع المطالبة بتعويضات شاملة ومنصفة عن الأضرار المادية والمعنوية، بما في ذلك تنظيف مواقع التجارب النووية وتسليم خرائطها. كما يذهب القانون إلى أبعد من ذلك بتجريم كل أشكال تمجيد الاستعمار أو تبريره داخل الجزائر، وفرض عقوبات سالبة للحرية، وغرامات مالية على كل من ينكر طبيعته الإجرامية، أو يمس برموز الثورة الوطنية، مع اعتبار التعاون مع الاحتلال (الحركي) «خيانة عظمى».

جانب من مظاهرة في باريس نظمها دعاة الانفصال (ناشطون)

ويأتي هذا التحرك البرلماني في ظرف يتسم باستمرار التصعيد في العلاقات مع فرنسا، حاملاً دلالة قوية من السلطات الجزائرية: لا مصالحة بلا إقرار تاريخي. وإذ يُميز القانون بوضوح بين إدانة المنظومة الاستعمارية وبين الشعب الفرنسي، فإنه ينقل «ملف الذاكرة» من الحيز السياسي العابر إلى الإطار التشريعي المُلزم، محولاً استرداد الحقوق المنهوبة إلى «ثوابت وطنية عصيّة على المساومة».

«دبلوماسية المشاعر الطيبة»

جاء أول رد فعل من فرنسا حيال «مسعى تجريم الاستعمار» من رئيس حزب «الجمهوريون» اليميني، وزير الداخلية السابق برونو ريتايو، الذي علّق على حسابه بمنصة «إكس» قائلاً: «عندما تتخلى فرنسا عن سياسة الحزم مع الجزائر، فإن ذلك يؤتي ثماره».

الكاتب بوعلام صنصال (حسابات ناشطين متعاطفين معه)

بعد سجن الكاتب الفرنسي - الجزائري بوعلام صنصال في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، وحادثة الطعن في مدينة مولوز (شرق فرنسا) في فبراير (شباط) 2025، التي ارتكبها مواطن جزائري خاضع لأمر بمغادرة التراب الفرنسي، والذي رفضت الجزائر إعادته إلى أراضيها عشر مرات، كان وزير الداخلية ريتايو، المرشح المحتمل لانتخابات الرئاسة 2027، قد دخل في مواجهة مباشرة مع الحكومة الجزائرية؛ إذ اقترح «رداً متدرجاً»، قد يصل إلى «إعادة النظر في اتفاقيات الهجرة لسنة 1968 إذا واصلت الجزائر (إذلال فرنسا)».

وندد ريتايو، الذي تصدر الأزمة مع الجزائر لشهور، بـ«دبلوماسية المشاعر الطيبة للرئيس إيمانويل ماكرون تجاه المستعمرة سابقاً»، وكان قد لمّح من قبل إلى استعداده للاستقالة إذا طلبت منه الحكومة التنازل في التوترات مع الجزائر، التي نشأت عقب اعتراف باريس بسيادة المغرب على الصحراء.

وبعد تنحيته في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، ضمن تشكيل حكومي جديد، استعادت العلاقات الثنائية توازنها نسبياً، لكن سرعان ما عاد التصعيد بعد إدانة صحافي رياضي فرنسي بالسجن 7 سنوات مع التنفيذ، بتهمة «الإرهاب» في الثالث من الشهر الحالي.

وفي نفس الجلسة البرلمانية، تم عرض مقترح للنائب هشام صفر، عن حزب «التجمع الوطني الديمقراطي»، يخص إدخال تعديل على قانون الجنسية، ويهدف إلى تمكين الدولة من تجريد بعض المواطنين من جنسيتهم، خصوصاً معارضين وناشطين في الخارج، إذا ثبت تورطهم في أفعال تُعدّ مساساً بالمصالح العليا للدولة، أو بالوحدة الوطنية.

وينصّ التعديل المقترح على سحب الجنسية الأصلية أو المكتسبة، في حال ارتكاب أفعال داخل الوطن أو خارجه، مثل التعاون مع دول أو جهات أجنبية معادية، أو تلقّي تمويل أو امتيازات للإضرار بالجزائر، أو العمل لصالح أجهزة عسكرية أو أمنية أجنبية، أو الانخراط في تنظيمات إرهابية أو تخريبية أو دعمها. كما يشمل التجريد من الجنسية المكتسبة في حال صدور حكم قضائي نهائي بسبب جرائم تمسّ أمن الدولة أو وحدتها، ضمن آجال زمنية محددة.

وزير الداخلية الفرنسي السابق برونو روتايو تصدر الأزمة منذ بدايتها (رويترز)

وتم إطلاق هذه الخطوة كتوجّه رسمي لمواجهة النزعات الانفصالية، وبعض المعارضين في الخارج المصنفين «عملاء للعدو»، خصوصاً بعد أن بادر تنظيم «حركة استقلال القبائل»، المصنف جزائرياً «جماعة إرهابية»، إلى إعلان ما سماه «دولة القبائل»، في باريس الأسبوع الماضي.

وتعليقاً على مقترح تعديل قانون الجنسية، كتب المحامي المعروف، عبد الله هبول، وهو قاضٍ سابق، في حسابه بالإعلام الاجتماعي: «هل يدرك من يقف وراء مقترح قانون إسقاط الجنسية الأصلية عن الجزائريين، بموجب مرسوم رئاسي - أي قرار إداري وسياسي - معنى الشعب والدولة والمواطن، وحقوق الإنسان والدستور؟ وإلى أي مدى تحمل هذه الفكرة خطورة بالغة؟».


مقالات ذات صلة

مخاوف من «التدخل الخارجي» تنعش النقاش السياسي في الجزائر

شمال افريقيا قوى المعارضة تطالب بانتخابات تفرز برلماناً غير تابع للسلطة (مبنى البرلمان)

مخاوف من «التدخل الخارجي» تنعش النقاش السياسي في الجزائر

حذر قادة أحزاب المعارضة في الجزائر، خلال أنشطة ميدانية نهاية الأسبوع، الحكومة من تداعيات الحرب الجارية في إيران على الأمن والاستقرار الداخليين.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا عناصر الهلال الأحمر الليبي ينتشلون جثة مهاجر سري قذفتها أمواج البحر في شاطئ شرق طرابلس (أ.ف.ب)

منظمة إنسانية ترصد كيف يواجه المهاجرون الموت بين ليبيا والجزائر والمغرب والنيجر

أكد تقرير يتناول أوضاع المهاجرين في مناطق الصحراء الكبرى أن المئات منهم يُدفعون إلى عمق الصحراء من دون طعام أو ماء في رحلة محفوفة بالموت.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا من اجتماع عرض خطة تأمين الأنظمة المعلوماتية من الاختراق (وزارة الدفاع)

الجزائر لتحصين أنظمتها الدفاعية والأمنية من الاختراق والتجسس

أعلنت الجزائر عن إطلاق «درع رقمية» لحماية أنظمتها المعلوماتية الحساسة خصوصاً ما يتعلق بقضايا الأمن والدفاع

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عالمية هدم ملعب «عمر حمادي» في حي بولوغين بالعاصمة وتحويل مساحته إلى «حديقة» عامة (الجزائر)

جدل رياضي في الجزائر بسبب خطة لهدم ملعب «عمر حمادي»

يشهد الشارع الرياضي والثقافي في الجزائر موجة من النقاش والجدل بعد الإعلان الرسمي عن نية هدم ملعب «عمر حمادي» في حي بولوغين بالعاصمة وتحويل مساحته إلى «حديقة».

شوق الغامدي (الرياض)
شمال افريقيا الرئيس عبد المجيد تبون (د.ب.أ)

الرئيس الجزائري يترأس اجتماعاً للمجلس الأعلى للأمن في البلاد

رئيس الجمهورية الجزائرية عبد المجيد تبون، القائد الأعلى للقوات المسلحة، وزير الدفاع الوطني، ترأس اليوم الثلاثاء، اجتماعاً للمجلس الأعلى للأمن.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

ما التحديات التي تواجه الانتخابات العامة في إثيوبيا؟

رئيسة المجلس الوطني للانتخابات في إثيوبيا ميلاتورك هايلو خلال مؤتمر صحافي في أديس أبابا السبت (وكالة الأنباء الإثيوبية)
رئيسة المجلس الوطني للانتخابات في إثيوبيا ميلاتورك هايلو خلال مؤتمر صحافي في أديس أبابا السبت (وكالة الأنباء الإثيوبية)
TT

ما التحديات التي تواجه الانتخابات العامة في إثيوبيا؟

رئيسة المجلس الوطني للانتخابات في إثيوبيا ميلاتورك هايلو خلال مؤتمر صحافي في أديس أبابا السبت (وكالة الأنباء الإثيوبية)
رئيسة المجلس الوطني للانتخابات في إثيوبيا ميلاتورك هايلو خلال مؤتمر صحافي في أديس أبابا السبت (وكالة الأنباء الإثيوبية)

محطة رئيسة في سباق الانتخابات العامة في إثيوبيا بدأت السبت ببدء تسجيل الناخبين، وسط تحديات داخلية تشهدها البلاد تشمل اشتباكات متكررة في إقليم تيغراي، وأخرى خارجية تتضمن توترات مع الجارة إريتريا.

ذلك السباق الانتخابي الذي انطلق، يراه خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، سيظل أسير التحديات الأمنية، والاقتصادية، والخلاف مع المعارضة، والانتقادات منها، والتوتر مع دولة الجوار إريتريا.

والسبت، بدأ المجلس الوطني للانتخابات في إثيوبيا عملية تسجيل الناخبين على مستوى البلاد للانتخابات العامة السابعة المقررة في يونيو (حزيران)، ما يمثل خطوة حاسمة في الجدول الزمني للانتخابات في البلاد، وفق «وكالة الأنباء الإثيوبية» الرسمية.

وأعلنت رئيسة المجلس الوطني للانتخابات في إثيوبيا، ميلاتورك هايلو، أن عملية التسجيل ستبقى لمدة شهر واحد، وستُجرى من خلال أنظمة رقمية، ويدوية. ووفقاً للمجلس، فقد سجل 47 حزباً سياسياً حتى الآن 10 آلاف و934 مرشحاً للمنافسة على مقاعد في مجلس نواب الشعب، ومختلف المجالس الإقليمية.

وتُجرى الانتخابات العامة في إثيوبيا كل خمس سنوات لانتخاب أعضاء مجلس نواب الشعب، والمجلس الفيدرالي، حيث يفضي فوز الحزب الحاصل على أغلبية المقاعد البرلمانية إلى تشكيل الحكومة الفيدرالية المقبلة.

ويرى الخبير في الشؤون الأفريقية، عبد الولي جامع بري، أن هناك عدة تحديات ستواجه الانتخابات العامة في إثيوبيا، أولها التوترات الأمنية، والنزاعات المسلحة، لافتاً إلى أن أديس أبابا ما زالت تعيش حالة عدم استقرار في عدة أقاليم، أبرزها إقليم تيغراي، حيث عادت الاشتباكات بشكل متقطع بين القوات الفيدرالية وقوات تيغراي، وإقليم أمهرة بسبب تمرد ميليشيات فانو، وإقليم أوروميا، حيث يستمر تمرد جيش تحرير أورومو.

ولفت إلى أن وجود هذه الصراعات يجعل تنظيم انتخابات شاملة وآمنة في كل المناطق تحدياً كبيراً.

ويضاف لذلك، بحسب بري، التوترات الإقليمية مع إريتريا مع مخاوف من تصاعد التوتر العسكري، خاصة مع حشد قوات قرب الحدود في منطقة تيغراي، لافتاً إلى أن أي تصعيد عسكري قد يؤثر مباشرة على الانتخابات، ويزيد من حالة عدم الاستقرار. ويرى أن هناك تحدياً ثالثاً يتمثل في شكوك حول نزاهة العملية الانتخابية، وحياد المؤسسات، وحديث من المعارضة عن أن البيئة السياسية غير مناسبة لانتخابات حرة.

ولا تبتعد الأزمة الاقتصادية والضغوط الاجتماعية عن التحديات التي تواجه أديس أبابا قبل الانتخابات، وفق بري، موضحاً أن إثيوبيا تواجه تضخماً مرتفعاً، وبطالة جراء ضغوط اقتصادية بعد سنوات من الحرب، وهذه العوامل قد تزيد الاحتجاجات السياسية خلال فترة الانتخابات.

رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد (وكالة الأنباء الإثيوبية)

واندلعت حرب بين جبهة تحرير شعب تيغراي والقوات الفيدرالية بين عامي 2020 و2022 في إقليم تيغراي، وأودت بحياة مئات الآلاف من الأشخاص، بخلاف نحو مليون نازح.

ويأتي ذلك الماراثون الانتخابي وسط توترات بين أديس أبابا وأسمرة. ووجه رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، الأربعاء، تحذيراً شديد اللهجة إلى الحكومة الإريترية، مؤكداً أن بلاده «لن تمنح أسمرة فرصة أخرى لأي محاولة لإلحاق الضرر بها، وأن أي تحرك من هذا القبيل سيكون الأخير».

وكانت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي تقود الائتلاف الحكومي السابق منذ تاريخ تشكله في عام 1985، وتمكنت من الوصول إلى السلطة من عام 1991 إلى 2018، وأجريت الانتخابات العامة عام 2021 وكانت هذه أول انتخابات تعددية في إثيوبيا منذ عام 2005.

وقبل انتخابات 2021، وعلى مدار عقدين ماضيين، شهدت إثيوبيا خمس عمليات انتخابية، دورة كل منها خمس سنوات بحسب الدستور، ورغم ذلك، لم تمر أي من الانتخابات السابقة من دون التشكيك في نزاهتها، وكانت تصاحبها توترات، وأعمال عنف في بعض الأقاليم، والمناطق، فضلاً عن امتناع بعض الأحزاب عن المشاركة، وإبعاد بعضها الآخر تحت ذرائع مختلفة، وفق تقارير إعلامية.

وعن مستقبل آبي أحمد واحتمال حصد ولاية جديدة، أضاف بري أن رئيس الوزراء الإثيوبي ما زال يتمتع بعدة عوامل قد تساعده على الفوز أبرزها هيمنة حزب «الازدهار» الذي يملك أغلبية كبيرة في البرلمان الحالي، حيث حصل في الانتخابات السابقة على معظم المقاعد، مقابل ضعف المعارضة، وتشتتها في ظل قيود سياسية وأمنية، وهذا يقلل من قدرتها على منافسة الحزب الحاكم.

وحذر من أن تلك التحديات الأمنية، والانقسامات العرقية، والخلافات، مهما بلغت قوة آبي أحمد وسلطته، قد تجعل الانتخابات غير مستقرة، أو حتى تؤثر على شرعيتها.


السودان: مخاوف من اضطراب إمدادات الوقود مع تصاعد توترات الشرق الأوسط

عائلات نازحة في مخيم طويلة قرب الفاشر تعيش في ظروف قاسية (أ.ف.ب)
عائلات نازحة في مخيم طويلة قرب الفاشر تعيش في ظروف قاسية (أ.ف.ب)
TT

السودان: مخاوف من اضطراب إمدادات الوقود مع تصاعد توترات الشرق الأوسط

عائلات نازحة في مخيم طويلة قرب الفاشر تعيش في ظروف قاسية (أ.ف.ب)
عائلات نازحة في مخيم طويلة قرب الفاشر تعيش في ظروف قاسية (أ.ف.ب)

أثارت تصريحات متباينة بين مسؤولين سودانيين مخاوف بشأن استقرار إمدادات الوقود في البلاد، في ظل تصاعد التوترات العسكرية في منطقة الشرق الأوسط واحتمالات تأثر حركة الملاحة في الممرات البحرية الحيوية لنقل النفط.

وكانت وزارة الطاقة السودانية قد أعلنت، الخميس الماضي، أن المخزون المتاح من المشتقات البترولية يكفي لتغطية احتياجات المستهلكين حتى أبريل (نيسان) المقبل، مؤكدة أن عمليات توزيع الوقود على محطات الخدمة في مختلف أنحاء البلاد تسير بصورة طبيعية، وستستمر دون انقطاع إلى ما بعد عيد الفطر.

ودعت الوزارة المواطنين إلى عدم الالتفات إلى الشائعات التي تتحدث عن احتمال حدوث أزمة حادة في الوقود، مشددة على أن الإمدادات مؤمنة، وأن الجهات المختصة تتابع الوضع بصورة مستمرة.

غير أن هذه التطمينات بدت متعارضة مع تصريحات أدلى بها وزير المالية السوداني، جبريل إبراهيم، مساء الجمعة، حذر فيها من احتمال تأثر البلاد بنقص في المواد البترولية في حال استمرار التصعيد العسكري في المنطقة، خصوصاً إذا تعطلت حركة الملاحة في مضيق هرمز. وقال إبراهيم إن السودان قد يواجه مشكلات في سلاسل الإمداد، في حال توقف أو تباطؤ حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، وهي المخاوف التي قد تمتد أيضاً إلى مضيق باب المندب في البحر الأحمر، ما قد ينعكس على وصول الإمدادات النفطية إلى البلاد.

ويعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات الاستراتيجية لنقل النفط في العالم، إذ يمر عبره أكثر من 20 في المائة من إجمالي صادرات النفط العالمية، ويربط كبار المنتجين في الخليج العربي بخليج عمان وبحر العرب.

اقتصاد هش

وتأتي هذه المخاوف في وقت يعاني فيه السودان أصلاً من ضغوط اقتصادية كبيرة بسبب الحرب الدائرة بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» منذ أبريل (نيسان) 2023، التي ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية، بما في ذلك «مصفاة الجيلي» شمال الخرطوم، التي كانت قبل الحرب تغطي نحو 70 في المائة من الاستهلاك المحلي من البنزين وغاز الطهي.

وفي هذا السياق، قال وزير الطاقة السوداني الأسبق، عادل إبراهيم، لـ«الشرق الأوسط»، إن أسعار النفط والغاز بدأت في الارتفاع تدريجياً منذ اندلاع التوترات الأخيرة وإغلاق مضيق هرمز، مشيراً إلى أن صعوبة التنبؤ بمسار الصراع تزيد من المخاوف بشأن تداعياته على الاقتصاد العالمي. وأوضح أن نحو 17 مليون برميل من النفط تمر يومياً عبر المضيق، أي ما يعادل قرابة خُمس الإنتاج العالمي، محذراً من أن أي تعطيل طويل الأمد لهذا الممر قد يؤدي إلى اضطرابات كبيرة في إمدادات الطاقة العالمية. وأضاف أن الولايات المتحدة تدرس خيارات عسكرية لتأمين حركة ناقلات النفط في المنطقة، إلا أن المخاطر تبقى قائمة في ظل تهديدات إيرانية باستهداف السفن، وهو ما قد يفاقم حالة عدم اليقين في أسواق الطاقة.

خيارات مكلفة

وتوقع إبراهيم أن تتأثر عدة دول، من بينها السودان، بنقص محتمل في المشتقات النفطية، ما قد يفاقم الأوضاع الاقتصادية والمعيشية. وأشار إلى أن الحكومة قد تضطر إلى شراء الوقود من السوق الفورية في البحر الأحمر بتكلفة أعلى. وقال إن المشهد يبدو «قاتماً ومظلماً»، داعياً إلى تشكيل غرفة طوارئ لإدارة الأزمة بدقة، بما يخفف من تأثير أي اضطرابات محتملة على الاقتصاد السوداني المنهك أصلاً بفعل الحرب الداخلية.

من جانبه، أوضح الخبير الاقتصادي محمد الناير أن السودان يعتمد في استيراد معظم احتياجاته من الوقود على ميناء بورتسودان على البحر الأحمر، وهو ما يجعله عرضة لتأثيرات أي توترات إقليمية تؤثر في حركة الملاحة. وأشار إلى أن توفر مخزون استراتيجي أكبر من الوقود كان من شأنه تقليل المخاطر الحالية، لولا محدودية سعات التخزين في البلاد. وأضاف أن التعامل مع التداعيات المحتملة للأزمة الإقليمية يتطلب إدارة الاقتصاد بعقلية إدارة الأزمات، خصوصاً فيما يتعلق بتأمين المخزون الاستراتيجي من الوقود والسلع الأساسية.

إجراءات احترازية

وفي تطور لاحق، أعلنت وزارة الطاقة، السبت، أنها قررت استيراد الوقود بالتعاون مع شركات القطاع الخاص لضمان استقرار الإمدادات في السوق المحلية وتجنب أي نقص محتمل. وأوضحت الوزارة أن شركات القطاع العام ستتدخل لتغطية أي فجوات في الإمدادات إذا دعت الحاجة، مؤكدة أن هذه الإجراءات تأتي في إطار متابعة التطورات في أسواق الطاقة العالمية واتخاذ التدابير اللازمة لتأمين احتياجات البلاد خلال الفترة المقبلة. ويحذر مراقبون من أن استمرار التوترات في المنطقة لفترة طويلة قد يؤدي إلى ضغوط إضافية على الاقتصاد السوداني، في وقت لا تزال فيه البلاد تكافح آثار الحرب الداخلية وتداعياتها الاقتصادية والإنسانية.


«ضريبة السلع» تُصعّد الخلافات داخل «النواب» الليبي

عقيلة صالح ونائباه فوزي النويري ومصباح دومة خلال جلسة في يناير الماضي  (مجلس النواب)
عقيلة صالح ونائباه فوزي النويري ومصباح دومة خلال جلسة في يناير الماضي (مجلس النواب)
TT

«ضريبة السلع» تُصعّد الخلافات داخل «النواب» الليبي

عقيلة صالح ونائباه فوزي النويري ومصباح دومة خلال جلسة في يناير الماضي  (مجلس النواب)
عقيلة صالح ونائباه فوزي النويري ومصباح دومة خلال جلسة في يناير الماضي (مجلس النواب)

لم يعد التوتر في المشهد الليبي محصوراً في الخلافات بين المؤسسات أو التباينات السياسية، المرتبطة بالانقسام المستمر منذ سقوط نظام الرئيس السابق معمر القذافي، بل أصبح التصدع الداخلي داخل قيادات هذه المؤسسات ظاهرة متكررة وواضحة. وأبرز مثال على ذلك ما حدث في مجلس النواب، حيث اندلع أخيراً خلاف علني بين رئيسه عقيلة صالح، ونائبيه فوزي النويري ومصباح دومة حول أزمة «ضريبة السلع الأساسية»، مع تبادل بيانات رسمية، وتقاذف للاتهامات بشأن المسؤولية عن تمريرها في المجلس، حتى بدت من منظور مراقبين ضريبة «يتيمة سياسياً».

رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح (المكتب الإعلامي للمجلس)

واتخذ الصراع بُعداً رمزياً على الصعيد البرلماني، حين عقدت جلسة برئاسة أكبر الأعضاء سناً في غياب عقيلة صالح ونائبيه، مساء الاثنين الماضي، في مدينة بنغازي، وقرر الأعضاء خلالها إبطال قانون فرض الضريبة على السلع والخدمات، ما يعكس حجم الانقسام الداخلي، وتعمق الصراعات بين قيادات المجلس، بل وذهب النائب عصام الجهاني إلى الدعوة «لاستقالة عقيلة صالح ونائبيه من رئاسة المجلس». بينما لوّح عضو مجلس النواب سالم قنيدي إلى عقد جلسة رسمية في العاصمة طرابلس، برئاسة أكبر الأعضاء سناً، في حال استمرار تجاهل مطالبهم بتنفيذ مخرجات الجلسة، التي قرروا خلالها إلغاء قرار فرض الضريبة على السلع.

ونقلت وسائل إعلام محلية عن قنيدي الحديث عن توجه قانوني لتفعيل نظام «الدورة البرلمانية»، وهو إجراء يهدف بشكل مباشر إلى تغيير رئاسة مجلس النواب الحالية.

يشار إلى أن هذه الخلافات داخل قيادة مجلس النواب الليبي ليست وليدة اللحظة، بل بدأت تتصاعد بين أطراف رئاسة المجلس منذ بضعة أشهر، في ظل اتهامات بانفراد صالح باتخاذ قرارات تتعلق بالمناصب السيادية، ولذلك وقع نحو 70 نائباً طلباً يدعو إلى تنحيته في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

تصدعات في القيادة

يشير محللون إلى أن مجلس النواب يواجه مؤشرات متزايدة على تصدعات قيادية داخلية، وهو ما يطرح تساؤلات حول طبيعة المرحلة الراهنة، وهل تمثل هذه التطورات مجرد مناورات لإعادة ترتيب النفوذ داخل المنظومة القائمة، أم أنها بداية مخاض سياسي أوسع قد يعيد تشكيل المشهد، ويُنتج معادلات جديدة للسلطة؟

محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي (رويترز)

بحسب المحلل السياسي حسام فنيش، فإن معطيات هذه اللحظة «قد تفتح المجال أمام وجوه وقوى جديدة في معادلة السلطة ضمن بيئة انتقالية لم تتضح معالمها بعد». ويقول فنيش لـ«الشرق الأوسط» إن «التطورات تعكس تحوّلاً في طبيعة الصراع السياسي في ليبيا، إذ لم يعد النزاع يقتصر على الصلاحيات أو المسارات الدستورية، بل بات مرتبطاً بصراع داخلي حول إدارة المرحلة المقبلة، ومن يمتلك القدرة على التأثير في مسارها».

وأعادت التصدعات داخل قيادة مجلس النواب التذكير بخلافات مماثلة في المجلس الرئاسي، خصوصاً بين رئيسه محمد المنفي ونائبيه عبد الله اللافي وموسى الكوني في عدة وقائع؛ آخرها تبعية «الجريدة الرسمية» إلى وزارة العمل في فبراير (شباط) الماضي، وتعيين مستشار للمصالحة، فضلاً عن انتقادات للقرارات الأمنية للمنفي عقب اشتباكات طرابلس، ومقتل قائد ميليشيا دعم الاستقرار عبد الغني الككلي.

خالد المشري (إ.ب.أ)

ولا يبتعد عن ذلك المجلس الأعلى للدولة، الذي شهد أزمة رئاسة بعد انتخابات متنازع عليها بين خالد المشري ومحمد تكالة في أغسطس (آب) 2024، حيث أعلن كل طرف فوزه، ما أدى إلى انقسام وتشكيك متبادل في شرعية الجلسات، قبل حسم قضائي للنزاع، وإعادة انتخاب تكالة في يوليو (تموز) 2025 مع اعتراف أممي وأوروبي، بينما انتقل المشري إلى موقع المعارضة داخل المجلس.

ويشير فنيش إلى أن هذه التباينات «تعكس حالة سيولة سياسية داخل الطبقة الحاكمة، حيث بدأت التوازنات التي تشكّلت خلال سنوات الانقسام تفقد تماسكها. ويقول بهذا الخصوص: «في المراحل الانتقالية الممتدة غالباً ما تتحول المؤسسات إلى ساحات لإعادة التموضع السياسي، مع سعي الأطراف إلى تثبيت مواقعها قبل أي تحولات محتملة في قواعد اللعبة».

لكن الكاتب السياسي عبد الحكيم فنوش يرى أن التباينات الأخيرة داخل المؤسسات، خصوصاً مجلس النواب، «لا تعكس بالضرورة رغبة في تغيير الوجوه القيادية، بل تمثل مناورات سياسية ومحاولات للتبرؤ من المسؤولية في ظل تعثر الحلول». ويوضح أن «الخلافات داخل رئاسات مجلس النواب وبقية المؤسسات تبدو أقرب إلى مناكفات سياسية، وإعلان عن غياب التوافق، من دون أن تفضي في المدى القريب إلى تغيير فعلي في موازين السلطة».

محمد تكالة (إ.ب.أ)

ويضيف فنوش لـ«الشرق الأوسط» أن هذه المؤشرات تعكس أزمة أعمق داخل المنظومة السياسية القائمة، مع غياب حلول واضحة لإعادة تشكيل المشهد، مع تحذيره من احتمال تصاعد التوترات، وخطر الصدام أو الاقتتال في ظل الصراع على السلطة.

من جهته، قال رئيس حزب الائتلاف الجمهوري الليبي عز الدين عقيل إن ما يُصوَّر على أنه تصاعد للخلافات لن يكون له تأثير حقيقي ما لم يكن مدفوعاً بتدخلات خارجية، تسعى إلى إعادة ترتيب موازين النفوذ، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «مثل هذه الصراعات يكون لها شأن فعلاً إذا كانت وراءها يد أجنبية، تحرك أطرافها من خلف الستار لتحقيق أهداف محددة»، بحسب تعبيره.

واعتبر عقيل أنه في غياب هذه التدخلات، فإن ما يجري داخل المؤسسات يبقى «تفاعلات شكلية قد تبدو نشطة أو لافتة للوهلة الأولى، لكنها سرعان ما تختفي دون أثر ملموس في الواقع السياسي».