واشنطن تُخاطر بالتحوّل من حليف للاتحاد الأوروبي إلى خصم

العلاقات الأميركية ــ الأوروبية تشهد تأزماً جديداً بسبب خطة واشنطن للسلام في أوكرانيا... ولهجة العداء تتصاعد

الرئيس الأوكراني فولودمير زيلينسكي محاطاً بقادة أوروبيين ومفاوضين أميركيين في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (أ.ب)
الرئيس الأوكراني فولودمير زيلينسكي محاطاً بقادة أوروبيين ومفاوضين أميركيين في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (أ.ب)
TT

واشنطن تُخاطر بالتحوّل من حليف للاتحاد الأوروبي إلى خصم

الرئيس الأوكراني فولودمير زيلينسكي محاطاً بقادة أوروبيين ومفاوضين أميركيين في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (أ.ب)
الرئيس الأوكراني فولودمير زيلينسكي محاطاً بقادة أوروبيين ومفاوضين أميركيين في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (أ.ب)

شهدت العلاقات بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في عهد دونالد ترمب، بولايته الثانية، تحوّلاً نوعياً وعميقاً، انتقلت فيه القارة الأوروبية من موقع الشريك الاستراتيجي التقليدي إلى هدف سياسي معلن في الخطاب الأميركي الجديد. لم يعد البيت الأبيض يقدّم الاتحاد الأوروبي بوصفه ركيزة للنظام الغربي، بل كعبءٍ حضاري وأمني واقتصادي يحتاج إلى «تصحيح» جذري في البنية والسياسات والقيادة. هذا التغيّر في الرؤية لم يبقَ حبيس اللغة الدبلوماسية، بل خرج في الأسابيع الأخيرة إلى العلن عبر تصريحات نارية من واشنطن وتسريبات لأخبار ووثائق أثارت قلق بروكسل.

لم يقتصر التحول في العلاقات الأميركية الأوروبية على تعديل في الأولويات الاستراتيجية، بل امتد ليلامس جوهر العلاقة، حتى أصبحت المجموعة الأوروبية تبدو وكأنها العدو الجديد الذي حّل محل العدو الروسي القديم. هذا ما يظهر من خلال اللهجة العدائية الجديدة التي تبنتها واشنطن تجاه بروكسل. الصدمة كانت شديدة حين صدر تقرير الأمن قومي الأميركي في ديسمبر (كانون الأول) 2025، وعُدّ الأكثر هجوماً تجاه أوروبا منذ نهاية الحرب الباردة. لم تكتفِ الوثيقة بتقديم القارة العجوز على أنها فضاء هشّ يهدده «الانهيار الحضاري» بفعل أزمات الهجرة وتآكل السيادة الوطنية، بل ذهبت إلى حد اتهام منظومة الاتحاد الأوروبي بتقويض الدولة الوطنية، والتضييق على حرية التعبير. وبهذا، انتقل الخلاف من مستوى السياسات إلى مستوى تصوّر مختلف لطبيعة النظام السياسي والاجتماعي المرغوب في الغرب.

تجلى العداء أيضاً في لغة غير مسبوقة استخدمها ترمب في المقابلات التلفزيونية والصحافية، ولا سيما في مقابلته مع الموقع الأميركي «بوليتيكو» التي أُذيعت في الثامن من ديسمبر 2025، إذ استخدم فيها عبارات قاسية وغير دبلوماسية لوصف الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه. وأضاف أن أوروبا تتجه في «اتجاه سيئ» وأن سياساتها الحالية في مجالات الهجرة والأمن تضعف القارة بدلاً من تعزيزها.

كما اتهم الرئيس الأميركي القادة الأوروبيين بأنهم «يتحدثون كثيراً ولا يقدمون حلولاً فعلية»، في إشارة واضحة إلى ما يعدّه ضعفاً في الاستجابة للأزمات الأمنية والاقتصادية. هدد ترمب أيضاً بالانسحاب من التزامات الدعم الأوروبي في حالات الطوارئ، مشيراً إلى أن بلاده لن تكون ملزمة بالوقوف إلى جانب أوروبا إذا واجهت تهديداً أمنياً، وهو تصريح وصفه الكثيرون بأنه تصعيد غير مسبوق في تاريخ العلاقات عبر الأطلسي، خاصة بين حلفاء تاريخيين. لكنها ليست المرة الأولى التي تهاجَم فيه المجموعة الأوروبية بهذه الحدّة، فقد سبق أن تبنّى نائب الرئيس الأميركي، جي. دي. فانس، نبرة ساخرة وقاسية تجاه الأوروبيين خلال «مؤتمر ميونيخ للأمن» في فبراير (شباط) 2025، داعياً أوروبا إلى تحمل المزيد من الأعباء العسكرية في أوكرانيا والتوقف عن «العيش على نفقة» حلف «الناتو»، ومن ثمّ على نفقة الولايات المتحدة.

ردود فعل رسمية غاضبة

تصاعدت نبرة الغضب عند المسؤولين الأوروبيين، بعد مواقف الإدارة الأميركية الأخيرة، وقد تجلّى هذا الرفض في مواقف رسمية وشعبية. حيث انتقد أنطونيو كوستا (رئيس المجلس الأوروبي) الاستراتيجية الأمنية الأميركية الجديدة بشكل مباشر، مُندداً باتهامات «آيديولوجية» حول الرقابة و«الامّحاء الحضاري» لأوروبا. وحذّر من أي محاولة لـ«واشنطن للتدخل في الحياة السياسية الأوروبية» أو التأثير على اختيار الحكومات، مشدداً على أن العلاقات عبر الأطلسي قد «تغيّرت». أما جوزيب بوريل (الممثل الأعلى للشؤون الخارجية) فقد وصف كلام ترمب عن أوروبا «الضعيفة» و«المنحلة» بأنه قريب من «إعلان حرب سياسية». كما أدان بيدرو سانشيز، رئيس الوزراء الإسباني، تصريحات ترمب، قائلاً إن صعود «الترمبية» في جميع أنحاء العالم يمثل تهديداً للديمقراطية، وإن أوروبا يجب أن تظل موحدة في مواجهة هذه الهجمات. كما رفض المستشار الألماني فريدريش ميرتس الانتقادات الأميركية لضعف القادة الأوروبيين، مؤكداً أن ألمانيا لا تزال ملتزمة بحرية التعبير وأن النصائح الخارجية بشأن القيم الديمقراطية غير مرحب بها. وشدد على ضرورة أن تتحمل أوروبا مسؤولية أكبر عن الأمن. أما وزيرة خارجية بريطانيا، إيفيت كوبر، فأكدت أنه رغم خروج بلادها من الاتحاد الأوروبي، فإن أوروبا تظهر «كقوة» وليس «كضعف»، مستشهدة بزيادة ميزانيات الدفاع والدعم الكبير لأوكرانيا.

وأشار مسؤولون آخرون في الاتحاد إلى أن الخطاب الأميركي أصبح «يتوافق مع رواية الكرملين» ويسعى للتشكيك في صمود الاتحاد. من جانب القوى الكبرى عدّت كل من باريس وبرلين هذا التحول الأميركي تأكيداً لضرورة «الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي» الذي طالما دافع عنه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. وأكدت الحكومة الألمانية أن العديد من الانتقادات الأميركية تستند إلى «آيديولوجيا» لا تحليل استراتيجي.

الرأي العام الأوروبي مستاء

أما على المستوى الشعبي؛ فقد أظهرت بعض الاستطلاعات الأخيرة أن شريحة متزايدة من الأوروبيين أصبحت تنظر إلى الولايات المتحدة، تحديداً في ظل إدارة ترمب، بوصفها «خصماً» أو «عدواً محتملاً»، أكثر من كونها حليفاً موثوقاً. حيث تُظهر استطلاعات الرأي الأوروبية الحديثة تحوّلاً ملحوظاً في المزاج العام تجاه الولايات المتحدة، في ظل الانتقادات المتزايدة الصادرة عن إدارة ترمب بحق أوروبا. فبحسب دراسة للمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، لم يعد نصف الأوروبيين ينظر إلى الولايات المتحدة بعدّها حليفاً تقليدياً كما كان الأمر في السابق، بل هي الآن شريك ضروري تحكمه المصالح أكثر مما تجمعه الثقة. وتؤكد استطلاعات «يورو نيوز» ومؤسسة «بيرتلسمان» هذا الاتجاه، إذ يرى نحو 49 في المائة من مواطني الاتحاد الأوروبي أن الولايات المتحدة لم تعد الحليف الأهم لبلدانهم، فيما تؤيد أغلبية واضحة انتهاج سياسة أوروبية أكثر استقلالاً عن واشنطن. كما تكشف بيانات معهد «يوغوف» عن تراجع حاد في الصورة الإيجابية للولايات المتحدة داخل عدد من الدول الأوروبية الكبرى، حيث لا تتجاوز نسبة الآراء الإيجابية ثلث السكان في دول مثل ألمانيا وفرنسا والدول الإسكندنافية. أما استطلاع «لو غران كونتينان» و«كلوستر 17» فيعكس بعداً عاطفياً أكثر حدّة، إذ عبّر أكثر من نصف المستطلَعين عن شعورهم بـ«الإذلال» إزاء السياسات والاتفاقات الأميركية الأخيرة، فيما أبدى سبعة من كل عشرة أوروبيين استعدادهم لمقاطعة المنتجات الأميركية، ورأى نحو 44 في المائة أن الرئيس الأميركي يمثل خصماً لأوروبا لا شريكاً لها. وتشير هذه النتائج مجتمعة إلى تآكل متسارع في الثقة الشعبية الأوروبية بالشراكة عبر الأطلسي، وتنامي الدعوات إلى إعادة تعريف العلاقة مع الولايات المتحدة على أسس أكثر توازناً، تقوم على الندية والاستقلال الاستراتيجي، بدل الاعتماد التقليدي الذي طبع العلاقات بين الطرفين لعقود.

الملف الأوكراني ومحاولة تهميش الأوروبيين

شكّلت الحرب في أوكرانيا ميداناً عملياً لاختبار عمق التحوّل في النظرة الأميركية إلى أوروبا. فبينما ترى أوروبا أن الدفاع عن أوكرانيا هو دفاع عن أمنها، تميل الإدارة الأميركية إلى التعامل مع الحرب كملف يجب إغلاقه بأسرع وقت ممكن، حتى وإن تطلّب الأمر فرض تسوية تضر بمصالح كييف ودول المجموعة الأوروبية. في هذا السياق كشف تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية نشر في 25 نوفمبر (تشرين الثاني) المنصرم عن وجود «ميثاق سرّي» يُقال إن إدارة ترمب بصدّد بلورته بالتعاون مع روسيا، بهدف إعادة هيكلة الاقتصاد الروسي وتمويل إعادة إعمار أوكرانيا. الخطّة، بحسب الصحيفة، أشبه باتفاق «المال مقابل السلام» ويهدف إلى إنهاء الصراع عبر صفقات اقتصادية ومالية، مع تقليل دور الأوروبيين، الذين تعدّهم واشنطن أطرافاً ثانوية.

ونشرت «وول ستريت جورنال» في تقريرها الذي حمل عنوان «كسب المال، لا الحرب، الخطة الحقيقية لترمب من أجل السلام في أوكرانيا»، تفاصيل اتفاق سرّي مزعوم بين مبعوث واشنطن رجل الأعمال ستيف ويتكوف والمكلف بالاستثمارات الروسية الخارجية كيريل ديمترييف، الذي من المتوقع أن يعتمد على أكثر من 200 مليار يورو من الأصول الروسية المُجمّدة في أوروبا، معظمها في بلجيكا وفرنسا لتسهيل صفقات اقتصادية ضخمة، الهدف منها إعادة إنعاش الاقتصاد الروسي وإمضاء عقود استثمارات أميركية ضخمة في قطاعات استراتيجية روسية. في المقابل، يُنظر في قرض تعويضات بقيمة 45 مليار يورو لأوكرانيا، يتم تمويله من فوائد الأصول الروسية المجمّدة. الأهم هو أن شركات أميركية كبيرة ستستفيد من هذا الاتفاق مثل إكسون موبيل التي ستحصل على حصص في مشاريع طاقة استراتيجية روسية، مثل استخراج الأتربة النادرة، والتنقيب عن النفط في القطب الشمالي. وتشمل المشاريع أيضاً بناء مراكز بيانات ضخمة في أوكرانيا، منها مركز للمعلوماتية في زاباروجيا يعمل بالطاقة النووية.

المخاوف الأوروبية

تسريب تفاصيل هذه الخطّة أثار قلق القادة الأوروبيين، خصوصاً أن هذا المخطّط سيعزز من تعافي روسيا اقتصادياً ويُضعف الاتحاد الأوروبي. كما أن الكشف عن هذه الخطة قد أثار أزمة دبلوماسية مع واشنطن، إذ يرى الأوروبيون أنهم مُهمَّشون تماماً من الصفقة، وأن واشنطن تتعامل مع الأمر وكأنه شأن أميركي - روسي خالص. حيث حذّر الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، مارك روته، في كلمة تناقلتها وسائل الأعلام الأوروبية بإسهاب، من أن أي تسوية للحرب في أوكرانيا تسمح لروسيا بإعادة بناء قدراتها العسكرية ستشكّل تهديداً مباشراً لأمن أوروبا. وأكد أن سلاماً لا يقيّد الطموحات الروسية ولا يضمن سيادة أوكرانيا سيكون مجرد هدنة مؤقتة تمهّد لمواجهة جديدة، داعياً الأوروبيين إلى تعزيز قدراتهم الدفاعية والحفاظ على وحدة الصف الأطلسي لمواجهة المخاطر المقبلة.

كما أبدت كايا كالاس، الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية، قلقها من أن الخطة الأميركية التي يجري إعدادها، دون مشاركة فعالة من أوروبا أو أوكرانيا، قد تعوق الجهود الدبلوماسية المشتركة وتضعّف موقع الاتحاد الأوروبي في مفاوضات السلام المُرتقبة.

اعتراضات قانونية

كما تواجه الخطة الأميركية الهادفة إلى توظيف الأصول الروسية المجمدة في البنوك الأوروبية لدعم أوكرانيا اعتراضات قانونية متزايدة داخل عدد من دول الاتحاد الأوروبي وبالأخص من قبل فرنسا وألمانيا.

جوهر الإشكال يكمن في أن تجميد الأصول لا يعني قانونياً مصادرتها. فالقوانين الدولية والأوروبية تميّز بوضوح بين إجراء احترازي مؤقت يمنع التصرف في الأموال، وبين نزع الملكية أو تحويلها إلى طرف ثالث، وهو ما يتطلب أساساً تشريعياً أو قضائياً صريحاً. كما تصطدم الخطة بمبدأ الحصانة السيادية للدول، الذي يحمي أصول الدول والبنوك المركزية من المصادرة، حتى في حالات النزاع. وتخشى عدة عواصم أوروبية أن يشكّل تجاوز هذا المبدأ سابقة خطيرة قد تقوّض الثقة في النظام المالي الأوروبي وتعرّض أصولها السيادية مستقبلاً لمخاطر مماثلة. اضافة إلى ذلك، تبرز قيود قانونية وتقنية على المؤسسات التي تحتفظ بهذه الأصول، مثل شركات الإيداع المالي، والتي تلتزم بقوانين صارمة تمنعها من استخدام الأموال أو تحويلها دون غطاء قانوني واضح، تفادياً للمساءلة القضائية.

محاولات أميركية لتفكيك الاتحاد من الداخل

وما يزيد من قلق العواصم الأوروبية هو الشكوك المتنامية حول وجود أجندة موازية سرية للإدارة الأميركية تهدف إلى تفكيك الاتحاد الأوروبي. فبحسب ما أورد موقع «ديفنس وان» الأميركي المتخصّص في الشؤون الدفاعية، فإن النسخة غير المنشورة من الاستراتيجية الوطنية للأمن القومي تتضمن توجيهات تُركّز على تعزيز العلاقات الثنائية مع أربع دول أوروبية هي النمسا، وإيطاليا، والمجر، وبولندا. وتكشف الوثيقة، تحت شعار مستحدث هو «لنجعل أوروبا عظيمة مرة أخرى»، عن دعوة كرّستها الإدارة الحالية، تقضي بـ«سحب» هذه الدول بعيداً عن تأثير الاتحاد الأوروبي وتقريبها من واشنطن، مستغلةً النزعات القومية والشعبوية الصاعدة في هذه الدول التي يُنظر إليها على أنها الأكثر استعداداً لتبني خطاب يتناغم مع خطاب ترمب، بشكل أفضل، مع الإشارة تحديداً إلى إيطاليا. تنظر بروكسل إلى هذا المخطط على أنه محاولة لتقويض الوحدة الأوروبية من خلال دعم التيارات المناهضة للاندماج الأوروبي. حيث يتحوّل الخلاف عبر الأطلسي إلى عامل من عوامل التفكك الداخلي في الاتحاد، بدلاً من أن يكون حافزاً لتماسكه كما كان الحال خلال الحرب الباردة. وإذا استمر الخطاب الأميركي في التعامل مع أوروبا بوصفها «شريكاً فاشلاً»، فإن الفجوة عبر الأطلسي ستتسع، وربما تتحول إلى شرخ بنيوي، بحسب ما ترى بروكسل.

التركيز الأميركي ينصبّ على إيطاليا... فما السبب؟

تركز واشنطن مساعيها الأوروبية حالياً على إيطاليا، نظراً لعدة عوامل استراتيجية وسياسية. فهناك أولاً موقعها الجغرافي والسياسي داخل الاتحاد الأوروبي، حيث تعد واحدة من الدول الكبرى من حيث عدد السكان والاقتصاد داخل الاتحاد. لذلك فإن أي تغيّر في موقفها تجاه بروكسل يمكن أن يؤدّي إلى ارتدادات مهمة في السياسة الأوروبية، إضافة إلى التقارب الآيديولوجي بين بعض قطاعات السلطة الإيطالية والإدارة الأميركية الحالية، حيث تظهر العلاقات بين روما وواشنطن، لا سيما بين قادة سياسيين في إيطاليا وحلفاء في الولايات المتحدة، انسجاماً في عدد من القضايا، حيث يوجد بشكل واضح تقارب آيديولوجي بين حزب «إخوة إيطاليا» الذي تتزعمه رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، والقيم السياسية التي يروّج لها دونالد ترمب. ويقوم هذا التقاطع أساساً على خطابٍ محافظ يركّز على السيادة الوطنية، ورفض توسيع صلاحيات المؤسسات فوق الوطنية، إضافة إلى التشديد على ضبط الهجرة والدفاع عما يُسمّى «الهوية الثقافية» و«القيم التقليدية». كما يشترك الطرفان في نظرة نقدية تجاه النخب الليبرالية والمؤسسات البيروقراطية، سواء في بروكسل أو في واشنطن، عادّين أن هذه النخب ابتعدت عن هموم الطبقات الشعبية. كل هذا يعزّز رغبة واشنطن في استخدام إيطاليا بوصفها نموذجاً لشراكة ليست مؤسسية فقط، بل آيديولوجية أيضاً. وقد تكون الظروف الداخلية في أوروبا بين الولاء المؤسسي للاتحاد ورغبات قومية أكثر استقلالية، كما هو الوضع في إيطاليا، هي فرصة لواشنطن لتعزيز قواسم مشتركة مع قادة إيطاليين حول «السيادة الوطنية»، فلئن كانت جورجيا ميلوني قد حاولت تحقيق نوع من التوازن بين ولائها لبروكسل وواشنطن، فإن شخصيات أخرى قريبة منها، كماتيو سالفيني، لم تتردّد في التعبير عن الإعجاب بالرئيس الأميركي، حيث صرّح سالفيني، عقب فوز ترمب في انتخابات الرئاسة الأميركية نهاية العام الماضي، بأنه سيرتدي ربطة عنق حمراء طوال أربع سنوات، تعبيراً عن تقديره واحترامه لسيد البيت الأبيض الجديد.


مقالات ذات صلة

فرنسا وألمانيا تدفعان أوروبا نحو أداة تجارية للرد السريع

الاقتصاد أعلام «الاتحاد الأوروبي» ترفرف خارج مقر «البنك المركزي الأوروبي» في فرانكفورت بألمانيا (رويترز)

فرنسا وألمانيا تدفعان أوروبا نحو أداة تجارية للرد السريع

اقترحت فرنسا وألمانيا أن يعتمد الاتحاد الأوروبي أداة جديدة تتيح له التحرك بسرعة للرد على الدول التي تلحق ضرراً باقتصاده.

«الشرق الأوسط» (بروكسل )
الاقتصاد قرار دول مجموعة السبع سحب 100 مليون برميل من الديزل والنفط الخام من احتياطيات الطوارئ سيكون له تأثير إيجابي على أسعار النفط في أوروبا (رويترز)

الاتحاد الأوروبي: السحب من احتياطيات الديزل سيؤثر إيجاباً على الأسعار

قال متحدث باسم المفوضية الأوروبية إن قرار دول مجموعة السبع سحب 100 مليون برميل من الديزل والنفط الخام من احتياطيات الطوارئ سيكون له تأثير إيجابي على النفط.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
المشرق العربي عنصر من القوات الإسرائيلية يشير بيده إلى فلسطيني أثناء قيامه بأعمال الحراسة خلال هدم مبنى فلسطيني بالقرب من الخليل في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل (رويترز)

500 دبلوماسي ومسؤول أوروبي سابق ينتقدون تقاعس الاتحاد إزاء الاستيطان الإسرائيلي

دعا نحو 500 دبلوماسي ووزير ومسؤول أوروبي سابق في مقال رأي الاثنين الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء إلى «التحرك» إزاء مشروع استيطاني إسرائيلي بالضفة.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا امرأة تضع ورقة اقتراعها في صندوق اقتراع إلكتروني خلال الانتخابات العامة في سراييفو (أ.ب)

انتخابات في البوسنة قد تؤثر على مسار انضمامها للاتحاد الأوروبي

توجَّه البوسنيون لصناديق الاقتراع، اليوم (الأحد)، في انتخابات قد تؤثر على مساعي بلدهم للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

«الشرق الأوسط» (سراييفو)
أوروبا عناصر من الشرطة في سكوبيي بمقدونيا الشمالية يوم 29 نوفمبر 2023 (رويترز)

مقدونيا الشمالية تعلن تفكيك شبكة دعاية موالية لروسيا

أعلنت مقدونيا الشمالية تفكيك شبكة مواقع وحسابات موالية لروسيا متهمة بنشر معلومات مضللة وإثارة الكراهية وتقويض الثقة بالمؤسسات ومساعي الانضمام للاتحاد الأوروبي.

«الشرق الأوسط» (سكوبيي (جمهورية مقدونيا الشمالية))

هل تنجح إثيوبيا في فك عقدة «المنفذ البحري»؟

جانب من ميناء عصب في جنوب إريتريا (أ.ف.ب)
جانب من ميناء عصب في جنوب إريتريا (أ.ف.ب)
TT

هل تنجح إثيوبيا في فك عقدة «المنفذ البحري»؟

جانب من ميناء عصب في جنوب إريتريا (أ.ف.ب)
جانب من ميناء عصب في جنوب إريتريا (أ.ف.ب)

تصاعدت تحركات إثيوبيا، على مدار العقد الماضي، للحصول على منفذ بحري يجنّبها أزمة استقلال إريتريا عنها عام 1993، وجعلها «دولة حبيسة» تعتمد على موانئ جارتها الشرقية جيبوتي. إلا أن تمسّكها بفك عزلتها الجغرافية يصطدم برفض «الجارتين» الصومال شرقاً وإريتريا شمالاً، في ظل توتر مع السودان في شمالها الغربي، ناهيك من أزمات داخلية مسلحة تصاعدت منذ نحو أسبوع. القاهرة تتعاطف مع «جارات» إثيوبيا وسط الخلافات العميقة بشأن مياه النيل، مقابل دعم إسرائيلي لافت. ووسط ذلك المشهد لا يعتقد خبراء بالشأن الأفريقي، حاورتهم «الشرق الأوسط»، أن نجاح أديس أبابا في فك «عقدة» المنفذ البحري ستكون سهلة، في ظل تعقيداتها القانونية الدولية والرفض المصري المتكرّر، والتوترات المستمرة مع دول الجوار والأزمات الداخلية. ومقابل ذلك يُثني برلماني إثيوبي، التقته «الشرق الأوسط»، على تصريحات رئيس وزراء بلاده آبي أحمد بأن الوصول إلى المنفذ البحري «حق وجودي». ويشدّد على أنه «حق» قائم على المنفعة المتبادلة وصون أمن القرن الأفريقي، ويتوقع وصول أديس أبابا له على الرغم من كل تلك التوترات، وذلك عقب تفاهمات ومشاورات رسمية.

تستعرض «الشرق الأوسط»، فيما يلي، «خريطة» المواقف الإثيوبية بشأن الوصول إلى منفذ بحري، والتي يعوّل بعضها على تفاهمات، وكذلك المواقف المؤيدة لها، مقابل الرافضة لها التي تستند إلى أن أي قبول لهذا الأمر غير القانوني سيحدث إرباكاً لمصر، لا سيما، أن ثمة دولاً أخرى «حبيسة» ستطالب بدورها بمنافذ بحرية مشابهة.

الموقف الإثيوبي

مع وصول آبي أحمد إلى السلطة في إثيوبيا في أبريل (نيسان) 2018، طرح ما أسماه «دبلوماسية الموانئ» لاستعادة المنفذ البحري مجدداً بعد فقد بلاده ميناءي عصب ومصوَّع في عام 1993 إثر استقلال إريتريا آنذاك.

وحقاً، عقدت حكومة آبي أحمد عدة اتفاقات أبرزها مع السودان في مايو (أيار) 2018 للنفاذ إلى ميناء بورتسودان. وفي الشهر التالي، وقعت اتفاقاً مع الصومال للاستثمار في عدة موانئ بحرية، ولكن تلك المسارات لم تر النور بسبب اختلافات أو تعقيدات حالت دون الاستمرار فيها.

بعدها، في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، صعّد آبي أحمد لهجته، مشدداً في خطاب له على أن وصول بلاده لمنفذ في البحر الأحمر «ضرورة وجودية».

ومن ثم، لم يتوقف الكلام من جانب آبي أحمد، ولا من جانب وسائل الإعلام الإثيوبية، عند هذه الضرورة. بل أخذ الوضع أبعاداً مختلفة في يوليو (تموز) 2026، عندما قال رئيس أركان الجيش الإثيوبي، برهانو جولا، في حفل تخريج دفعة من كلية الدفاع الوطني، إن «سعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري يتطلّب الحفاظ على جاهزية عالية... خاصة أن الوضع الأمني في البحر الأحمر والقرن الأفريقي يتدهور!». وحذر برهانو جولا من أن «جهات خارجية وجماعات مسلحة محلية تعمل بتنسيق تام لتقويض أمن إثيوبيا ومنعها من القيام بدورها في تحقيق الاستقرار في المنطقة».

البرلماني الإثيوبي، محمد نور أحمد، قال في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إن حصول بلاده على منفذ بحري يُعد ضرورة استراتيجية واقتصادية ملحّة بالنظر إلى حجمها وجغرافيتها وكثافتها السكانية العالية. وشدّد على أن أديس أبابا «تلتزم بالمسار السلمي والحوار البنّاء مع دول الجوار، وتستبعد تماماً خيار المواجهة». ثم أردف: «بلادي تؤكد أن الوصول إلى منفذ بحري لن يكون على حساب طرف آخر، بل يستند إلى مبدأ الأخذ والعطاء والتعاون وفق أحكام القانون الدولي، بما يحقق منافع اقتصادية وتنموية مشتركة للدول المضيفة وإثيوبيا على حد سواء».

ولفت محمد نور أحمد إلى «إمكانية أن توفر إثيوبيا لتلك الشراكة عدة مزايا يمكن لدول الجوار الاستفادة منها، في مقدمتها الطاقة الكهربائية المولّدة من سد النهضة، إلى جانب الثروات الطبيعية والفرص الاقتصادية المتعددة منها». واعتبر أن «وجود منفذ بحري لإثيوبيا سيعزّز جهود الأمن والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، ويُسهم في التصدّي للتحديات المشتركة وفي مقدمتها أعمال القرصنة والتهديدات الأمنية البحرية». وأعرب عن اعتقاده أن التوترات الداخلية في شمالي إثيوبيا ستكون مؤقتة، وستنتهي لأنها بلا حاضنة شعبية، ولن تؤثر على خطط البلاد للوصول لمنفذ بحري.

الرئيس الإثيوبي آبي أحمد (أ.ف.ب)

تصدّت مقديشو بقوة لمذكرة تفاهم وقعتها أديس أبابا مع إقليم «أرض الصومال» الانفصالي عام 2024

الموقف المصري

في وجه هذه المساعي الإثيوبية، كان الموقف المصري رافضاً بشكل صريح وصول إثيوبيا لمنفذ بحري، من دون أن يربط ذلك بخلافه مع أديس أبابا بملف المياه.

وحول المنفذ البحري الذي تريده إثيوبيا، قال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في تصريحات يوم 10 سبتمبر (أيلول) المنصرم، إن «هناك دولاً ذات سيادة، لديها موانئ على البحر الأحمر، ولا أحد يملك أن يمنح أي دولة نفاذاً بحرياً عسكرياً، وإلا فستكون فوضى، خاصة أن دولاً أفريقية كثيرة حبيسة».

وأواخر أغسطس (آب)، شدّد عبد العاطي، خلال اتصال هاتفي مع مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس، على «ضرورة احترام سيادة ووحدة وسلامة أراضي دول المنطقة، والامتناع عن أي تحركات أحادية من شأنها تهديد السلم والأمن الإقليميين، أو السعي لفرض النفاذ البحري بالقوة بالمخالفة لقواعد القانون الدولي».

كما أكد عبد العاطي، في تصريحات أخرى، أن الدول المطلّة على البحر الأحمر هي صاحبة السيادة على موانئه، وأنه لا يمكن منح أي دولة منفذاً بحرياً عسكرياً، محذّراً من أن خلاف ذلك من شأنه أن يفتح الباب أمام الفوضى، مع تأكيده على عدم وجود مشكلة في النفاذ التجاري للدول الحبيسة.

ومع أن عبد العاطي لم يُسمِّ الدول المقصودة، فإنه قال في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، إن «مصر ترفض دخول إثيوبيا في حوكمة سواحل البحر الأحمر». وهذا الرفض المصري لنفاذ إثيوبيا إلى البحر الأحمر متكرّر، وخلال لقاء عبد العاطي في مايو الماضي مع رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني في القاهرة، بُحثت مسألة أمن البحر الأحمر، وخليج عدن. وشدد عبد العاطي حينذاك على «الرفض المصري القاطع لأي مساعٍ لتدويل أو عسكرة البحر الأحمر، وخليج عدن، وكذا رفض انخراط أي أطراف غير مطلة عليه في ترتيبات تخصه».

أيضاً، في أثناء زيارة عبد العاطي إلى أسمرة في مايو الماضي، فإنه التقى مع وزير الخارجية الإريتري عثمان صالح، وشدّدا على أن أمن وإدارة البحر الأحمر «يظلان مسؤولية حصرية للدول المشاطئة له، وأن مصر ترفض أي محاولات من أطراف غير مشاطئة لفرض ترتيبات أو أدوار أمنية في هذا السياق»، بحسب بيان للخارجية المصرية آنذاك.

بالمقابل، قال نبيات غيتاتشو، الناطق باسم وزارة الخارجية الإثيوبية، في مايو الماضي، إن الحكومة المصرية «تحاول تطويق وعرقلة وصول بلاده إلى البحر الأحمر». ومع أنه لم يحدد تفاصيل، فإنه أكد أن إثيوبيا ستواصل العمل جاهدة للحصول على منفذ بحري عبر طرق سلمية، ومستدامة.

هنا، ينبه خبير الشؤون الأفريقية، الدكتور رمضان قرني، إلى أن مصر لا تمانع في حصول أديس أبابا على منفذ تجاري وفق أطر قانونية ترعاها دول الجوار، كما طرحت جيبوتي سابقاً ورفضته إثيوبيا، «لكن القاهرة تُجابه المساعي العسكرية بصرامة، تحسباً لتداعيات فتح منافذ على البحر الأحمر تضر بالأمن القومي العربي والأفريقي، لا سيما مع دخول أطراف كإسرائيل على خط الأزمة ودعم الجماعات الحوثية لتهديدات باب المندب».

ويرى الخبير المصري أنه رغم الحشد الإعلامي والدبلوماسي لحكومة آبي أحمد، تظل فرص انتزاع موطئ قدم عسكري دائم على البحر الأحمر محاطة بتحديات معقّدة؛ أبرزها الرفض الدولي والإقليمي من الاتحاد الأفريقي والجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، الداعم لسيادة الصومال. وهذا، فضلاً عن خشية أديس أبابا من العزلة الأفريقية والمساس بمكانتها كمقر لمؤسسات الاتحاد الأفريقي، واستمرار الضغوط الداخلية وسط تفاقم الأزمات الاقتصادية والأمنية الإثيوبية في أقاليم مثل أورومو، وأمهرة، وتيغراي، إضافة إلى التوتر في علاقاتها مع دول الجوار (السودان وإريتريا والصومال).

ويؤكد قرني أن القاهرة «نجحت في بناء جدار صلب من التوافقات الاستخباراتية والسياسية الإقليمية والدولية، محاصِرةً أي خطوات أحادية، بما يضمن صون الأمن القومي وحماية الممرات المائية الحيوية بالمنطقة».

الموقف الإريتري - الصومالي

من جهة ثانية، يُسجَّل للموقف الإريتري الصومالي، حضور لافت في خندق الرافضين لهذا المسار الإثيوبي بشأن المنفذ البحري.

إذ تصدّت مقديشو بقوة لمذكرة تفاهم وقعتها أديس أبابا مع إقليم «أرض الصومال» الانفصالي عام 2024، تتمكن بموجبه من النفاذ لميناء بربرة. وأصدرت قراراً رئاسياً بإلغاء الاتفاق، وسط دعم عربي، لا سيما مصر، لهذا الرفض، قبل أن تتدخل تركيا بوساطة نهاية ذلك العام ويتوارى ذلك المسعى عن الأنظار.

أيضاً، إريتريا، مالكة ميناء عصب، التي تتهم إثيوبيا بالتطلع للسيطرة عليه مجدداً، رفضت أكثر من مرة ذلك المسار. ومن أبرز المواقف اتهام الرئيس الإريتري آسياس أفورقي خلال يوليو 2025، إثيوبيا بالسعي إلى زعزعة الاستقرار الإقليمي تحت شعارات تتعلق بالمياه والمُطالبة بمنفذ على البحر الأحمر، معتبراً هذا المطلب «ذريعة لتأجيج الصراعات». وآنذاك، وصف وزير الإعلام الإريتري يماني جبر مسكل، الخطاب الإثيوبي بشأن المنفذ البحري بأنه «تهوّر وعودة إلى قرع طبول الحرب»، مؤكداً أن سيادة إريتريا وسواحلها غير قابلة للمراجعة.

وفي مايو الماضي، شبّه نبيات غيتاتشو، الناطق باسم الخارجية الإثيوبية تحركات القاهرة داخل دول في المنطقة، من بينها إريتريا وجيبوتي وكينيا، بـ«محاولة حصار إثيوبيا ومنعها من الوصول إلى منفذ بحري».

بحسب قرني، شكلت أزمة الاتفاق بين إثيوبيا وإقليم «أرض الصومال» تحولاً استراتيجياً في منطقة القرن الأفريقي، ومحركاً رئيساً للسياسة الخارجية المصرية في المنطقة؛ إذ جاء هذا التطور كـ«جرس إنذار حقيقي» دفع القاهرة إلى تحرك مكثف ومتعدد المسارات لحماية أمنها القومي وأمن المنطقة.

ولفت إلى أن هذا ترجم بشراكات مع إريتريا والصومال، وبتحالف ثلاثي وشبه توافق تام بين مصر والشركاء الثلاثة الرئيسيين (إريتريا، جيبوتي، الصومال) على فكرة الحق الحصري للدول المتشاطئة فيما يتعلق بالمنفذ الساحلي أو وجود سواحل على شاطئ البحر الأحمر.

الدعم الإسرائيلي

في المقابل، خلال سبتمبر المنصرم، أفادت «وكالة الأنباء الإثيوبية بأن إسرائيل أعلنت دعمها الدبلوماسي لمساعي إثيوبيا الرامية إلى تأمين منفذ إلى البحر، ونقلت عن السفير الإسرائيلي لدى إثيوبيا، أفراهام نغوسي، قوله إن بلاده تقف بقوة إلى جانب جهود إثيوبيا لتأمين منفذ بحري إلى البحر الأحمر. وتابع السفير لـ«وكالة الأنباء الإثيوبية»، إن «تمكين إثيوبيا وتعزيزها وتحقيق الاستقرار في البحر الأحمر هو مصلحة للجميع، وليس لإثيوبيا وحدها، وإسرائيل تقف إلى جانب إثيوبيا في هذا الجهد».

وهذا ليس الموقف الأول الذي يطرحه نغوسي في مواقف مرتبطة بتوترات بين مصر وإثيوبيا، ففي أغسطس (آب) الماضي، قال في تصريح صحافي إن إسرائيل «ستواصل تعزيز دعمها لإثيوبيا، بهدف مساعدتها كي تصبح قوة اقتصادية رائدة في القارة الأفريقية». وحينذاك، حذر السفير محمد العرابي، وزير الخارجية الأسبق وعضو لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ ورئيس «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، من تداعيات التصريحات الإسرائيلية، مشيراً في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، إلى أنها «لن تنال ولن تغير» من مواقف مصر.

قرني، من جهته، لا يعتقد أن هذا الدعم الإسرائيلي سيغيّر موقف مصر الثابت في رفض المنفذ البحري لإثيوبيا، مشدداً على أن إسرائيل تريد الضغط فقط على مصر في ملفات أخرى، لكن الدولة المصرية قادرة على حماية حقوقها.

من جهة ثانية، قال عبد المنعم أبو إدريس، الخبير في الشؤون الأفريقية، لـ«الشرق الأوسط»، إن حصول أديس أبابا على منفذ بحري في ظل توتّراتها الحالية مع جيرانها أمر صعب، خاصة أنها متهمة من السودان بمساندة ميليشيا «الدعم السريع».

وشدّد على أن مصر لا يمكن أن تسمح بوجود عسكري إثيوبي في الساحل السوداني أو البحر الأحمر؛ حرصاً على أمنها القومي وأمن المنطقة.

لكن البرلماني الإثيوبي، محمد نور أحمد، يرى إمكانية تحقيق ذلك، مشيراً إلى أن حكومة بلاده تعمل على إقناع الأطراف والدول المجاورة على مراجعة مواقفها والانخراط في تفاهمات تعزز مصالح الجميع.


فاطمة الزهراء المنصوري... من عمودية مراكش إلى رئاسة الحكومة المغربية

ترشّحت عام 2009 في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة
ترشّحت عام 2009 في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة
TT

فاطمة الزهراء المنصوري... من عمودية مراكش إلى رئاسة الحكومة المغربية

ترشّحت عام 2009 في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة
ترشّحت عام 2009 في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة

في الممرات الرخامية الهادئة للقصر الملكي بالعاصمة المغربية الرباط، لم يكن المشهد مجرد بروتوكول سياسي معتاد، بل كان إعلاناً عن انعطافة تاريخية كبرى في مسار الدولة المغربية الحديثة؛ إذ تقدمت فاطمة الزهراء المنصوري لتؤدي القسم القانوني أمام العاهل المغربي الملك محمد السادس، وكانت خطواتها الواثقة تختزل عقوداً طويلة من نضال الحركة النسائية المغربية، وتفتح فصلاً غير مسبوق في كتاب السياسة المغربية.

لم يكن الحدث عابراً أو مجرد مناوبة حكومية عادية، فالمنصوري، الملقبة في الأوساط السياسية والإعلامية بـ«المرأة الحديدية»، باتت أول امرأة تتقلد منصب رئيسة الحكومة في تاريخ المملكة المغربية، بعدما قادت حزبها «الأصالة والمعاصرة» إلى صدارة المشهد الانتخابي وحققت فوزاً تشريعياً أعاد رسم الخريطة الحزبية في البلاد.

هذا الصعود المطّرد لامرأة قادمة من خلفية حقوقية وقانونية صارمة، لم يكن وليد الصدفة أو نتاج ترتيبات سياسية عابرة، بل هو ثمرة مسار حافل بالمعارك الانتخابية الطاحنة، وإدارة الأزمات المحلية الكبرى، والقدرة الفائقة على التوازن والمناورة في معترك يوصف غالباً في الأدبيات السياسية بأنه حكر على الرجال.

من رداء المحاماة الأسود في قاعات المحاكم، إلى عمودية مدينة مراكش التاريخية، وصولاً إلى قيادة الحزب السياسي ثم رئاسة الجهاز التنفيذي، تشكل المنصوري حالة استثنائية وبديعة في هندسة النخبة السياسية المغربية الجديدة التي تؤسس لمغرب القرن الحادي والعشرين، وتمنح العمل السياسي بعداً حداثياً حقيقياً يتماشى مع التطلعات المجتمعية الكبرى في البناء والتشييد والتنمية المستدامة المعاصرة.

لم تكن فاطمة الزهراء المنصوري غريبة عن عالم السلطة والتدبير العام وأروقة صناعة القرار، فقد ولدت في الثالث من يناير (كانون الثاني) عام 1976 في قلب مدينة مراكش، لأسرة عريقة، تتحدر من منطقة الرحامنة، والتي ضربت جذورها عميقاً في تاريخ «المدينة الحمراء» وثقافتها وسياساتها المحلية.

والدها الراحل عبد الرحمن المنصوري، كان رجلاً وازناً في بنية الدولة المغربية؛ إذ شغل منصب باشا مدينة مراكش لسنوات طويلة، وكان سفيراً للمملكة لدى دولة الإمارات العربية المتحدة. وفي هذا المناخ المفعم بالسياسة والدبلوماسية وحب الوطن، تشرّبت الطفلة فاطمة الزهراء أبجديات الدولة والخدمة العامة، وتعلّمت في مجالس والدها كيف تقرأ موازين القوى وفنون الحوار البنَّاء في بيئة لا تعترف إلا بالقوة والوضوح والالتزام بالعهود الكبرى التي تقطعها النخب أمام الشعب المغربي.

مراحل التعليم

تلقّت المنصوري تعليمها الأولي والثانوي في المدارس الفرنسية بمراكش، تحديداً في ثانوية «فيكتور هوغو» العريقة، حيث بدأت تتشكل ملامح شخصيتها المتمرّدة والمنضبطة في آن واحد، وهي الشخصية التي ترفض القوالب الجاهزة وتسعى دائماً للتميز في كل مجال تطأه قدمها. ولأنها كانت تطمح لفهم آليات العدالة وصناعة القرار وتطبيق القانون بشكل ينصف المجتمع؛ اختارت سلوك درب العلوم القانونية. بعدها انتقلت إلى فرنسا، وهناك نالت شهادة الدراسات العليا في قانون عقود الأعمال من جامعة مونبلييه العريقة، نالت الإجازة في القانون الخاص من جامعة محمد الخامس بالرباط.

إلا أنها لم تكتفِ بالتحصيل المعرفي الأوروبي، بل قادها شغفها الأكاديمي إلى الولايات المتحدة الأميركية، حيث تعمَّقت في دراسة القانون الأنجلو - ساكسوني من جامعة بيس الأميركية في نيويورك. وحقاً، منحها هذا التكوين الأكاديمي الثلاثي الأبعاد أفقاً فكرياً واسعاً، وقدرة على محاورة النخب الدولية بلغات متعدّدة وبثقة كاملة.

وفور عودتها إلى المغرب، أسّست مكتباً للمحاماة استحال سريعاً واحداً من أبرز المكاتب المتخصصة في قانون الأعمال والعقارات منذ 22 مارس (آذار) 2005، لتصنع لنفسها اسماً مستقلاً بعيداً عن جلباب والدها الراحل ونفوذه القديم في أروقة الإدارة المحلية بمراكش.

عائلياً، فاطمة الزهراء المنصوري أم لطفلين، استطاعت التوفيق بين مسارها المهني المتطلب في قطاع الأعمال والتزاماتها الأسرية، معلنةً في مناسبات إعلامية نادرة أن الفصل بين الحياة الخاصة والواجب العام هو معيار أساسي لتقييم كفاءة أي مسؤول سياسي بعيداً عن القوالب النمطية. ومن ناحية أخرى، اختارت مجلة «فوربس» عام 2014، المنصوري على رأس قائمة من 20 امرأة شابة، الأكثر تأثيراً في القارة الأفريقية. واختيرت في السنة ذاتها ضمن القادة الشباب العالميين. وراهناً تُعدّ رئيسة الوزراء الجديدة عضواً في «الجمعية الدولية للعمداء الفرنكفونيين»، كما أنها نائبة رئيس «الجمعية المغربية لرؤساء المجالس الجماعية».

المنعطف السياسي الأول

شكّلت الانتخابات البلدية لعام 2009 المنعطف الأول في المسار السياسي للمنصوري، حين ترشّحت باسم حزب «الأصالة والمعاصرة»، الناشئ آنذاك، في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على تدبير مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة. ونجحت المحامية الشابة في إحداث مفاجأة انتخابية عندما أطاحت بالعمدة المخضرم عمر الجزولي، لتُنتخب في سن الثالثة والثلاثين عمدةً لـ«المدينة الحمراء». وتغدو، بالتالي، أول امرأة تتقلد هذا المنصب في مدينة كبرى بالمغرب.

مع هذا، لم يكن تدبيرها للمجلس الجماعي خالياً من الأزمات والنزاعات السياسية والقانونية الشرسة، فقد واجهت معارضة قوية من الخصوم الذين شككوا في قدرتها على إدارة مدينة سياحية ذات ثقل دولي ومشاكل هيكلية معقدة. غير أن فترتها الانتدابية الأولى تميّزت بفتح ملفات تنظيمية شائكة تتعلق بمالية البلدية، ومراجعة عقود التدبير المفوض لقطاعات النظافة والنقل والإنارة وتطهير الأوعية العقارية؛ الأمر الذي منحها تجربة ميدانية في مواجهة التدافعات السياسية المحلية واكتساب آليات التفاوض والتدبير المباشر مع المصالح المركزية لوزارة الداخلية.

من القيادة الحزبية إلى الحقيبة الوزارية

وبالتوازي مع عملها على رأس مجلس مدينة مراكش، حرصت المنصوري على تعزيز موقعها داخل البنية التنظيمية لحزب «الأصالة والمعاصرة»، حيث تولت رئاسة المجلس الوطني للحزب، وهو الهيئة التقريرية الثانية بعد المؤتمر الوطني. وفي هذا الموقع، لعبت دوراً محوَرياً في ضبط التوازنات الداخلية وتدبير الخلافات المستمرة بين التيارات المتنافسة على القيادة.

وعقب الانتخابات التشريعية والجماعية لعام 2021، عادت المنصوري لتتولى عمودية مراكش للمرة الثانية، بالتزامن مع تعيينها وزيرة لإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة في حكومة عزيز أخنوش.

وفي هذا الموقع، تميّزت فترتها الوزارية بمحاولة إصلاح قطاع التعمير عبر تبسيط مساطر البناء في العالم القروي، وإطلاق الحوار الوطني للتعمير والإسكان، وتنزيل الدعم المباشر للسكن. وهي ملفات واجهت فيها صعوبات ترتبط بالبيروقراطية الإدارية وتداخل الاختصاصات مع القطاعات الحكومية الأخرى والمجالس المنتخبة؛ ما تطلب منها اعتماد مقاربة صارمة في تدبير الصفقات وإعادة هيكلة الوكالات الحضرية.

المؤتمر الخامس وصياغة نموذج القيادة الجماعية

من جهة ثانية، عاش حزب «الأصالة والمعاصرة» خلال فبراير (شباط) من عام 2024 أزمة تنظيمية حادة هدَّدت تماسك بيته الداخلي في أعقاب تطورات سياسية وقضائية مسّت قادة بارزين فيه. وخلال المؤتمر الوطني الخامس المنعقد في مدينة بوزنيقة، برزت المنصوري كشخصية توافقية قادرة على إنقاذ الحزب من الانقسام؛ إذ قادت هندسة تنظيمية جديدة اعتمدت لأول مرة في تاريخ المشهد الحزبي المغربي، وتمثّلت في إلغاء منصب الأمين العام الفردي وتعويضه بـ«قيادة جماعية أمانة عامة» ثلاثية الأعضاء.

وتولت المنصوري منصب «المنسّقة الوطنية» لهذه القيادة الجماعية، لتصبح الناطق الرسمي والمدبّر الفعلي لشؤون الحزب واستراتيجيته السياسية والانتخابية. وبالفعل، نجحت هذه المقاربة التنظيمية في إعادة الاستقرار للحزب وضبط قواعده وتأهيله لخوض المحطّات الانتخابية اللاحقة التي أسفرت عن تصدّره النتائج والتموقع في صدارة المشهد السياسي.

الرهانات الكبرى

جلوس فاطمة الزهراء المنصوري على مقعد رئاسة الحكومة الجديدة، لتقود مرحلة ممتدة حتى عام 2031، سيواجه حزمة من الملفات الاقتصادية والاجتماعية الثقيلة التي لا تقبل التأجيل في ظل وضعية دولية وإقليمية متقلبة.

ويأتي على رأس هذه الملفات: استكمال وتدبير الورش الملكية المرتبطة بالدولة الاجتماعية، وهو ما يشمل تعميم التغطية الصحية الشاملة، وتطوير منظومة الدعم الاجتماعي المباشر للأسر المعوزة، وهما من المشاريع التي تتطلب حَكامة مالية صارمة وإصلاحاً حقيقياً للإدارة لمنع الهدر وضمان استدامة التمويل.

وأيضاً، تواجه الحكومة تحدي إصلاح منظومتي الصحة والتعليم اللتين تعانيان من مشاكل بنيوية مزمنة واحتجاجات فئوية متكررة، فضلاً عن معالجة أزمة الجفاف الحادة التي تضرب البلاد لسنوات متتالية، وما يترتب عنها من إجهاد مائي غير مسبوق يتطلّب تسريع إنجاز محطات تحلية مياه البحر وسدود الربط المائي، وتحفيز الاستثمار لخلق فرص شغل مستدامة للشباب القروي والحضري على حدِّ سواء.

وإلى جانب ذلك كله، يبرز التحدّي التنظيمي واللوجستي البنيوي الأكبر المتمثّل في إشراف الحكومة على التحضيرات الكبرى الخاصة باستضافة المغرب لنهائيات كأس العالم لكرة القدم عام 2030 بالاشتراك مع إسبانيا والبرتغال. وهذا مشروع يتطلب استثمارات ضخمة في البنى التحتية والنقل والفندقة والاتصالات، ووضع خطط تمويلية دقيقة تجنب ميزانية الدولة أي هزّات أو عجز هيكلي قد يؤثر على التوازنات الماكرو - اقتصادية للمملكة خلال السنوات المقبلة.

تفتيت «العرش الذكوري»

جدير بالذكر أنه منذ حصول المغرب على استقلاله في عام 1956، احتكر الرجال منصب رئاسة الحكومة بصفة مطلقة، حيث تعاقبت على هذا المركز الرفيع وجوه سياسية وتكنوقراطية صبغت القرار التنفيذي بخصائص ومقاربات متباينة توافقت مع طبيعة المراحل التاريخية التي مرت بها المملكة.

وبدأت هذه السلسلة التدبيرية مع مبارك البكاي لهبيل كأول رئيس حكومة، وتوالت الأسماء التاريخية مثل أحمد بلافريج، وعبد الله إبراهيم، وأحمد باحنيني، ومحمد بنهيمة، وأحمد العراقي، ومحمد كريم العمراني (تولى رئاسة الحكومة 3 مرات)، وأحمد عصمان، والمعطي بوعبيد، وعز الدين العراقي وعبد اللطيف الفيلالي. وكانت «الصالونات السياسية» في الرباط تنظر إلى منصب رئيس الحكومة بوصفه فضاءً محاطاً باعتبارات أمنية وقبلية وحزبية معقدة تفصَّل دائماً على مقاسات رجالية، في حين ظل حضور المرأة مقتصراً لسنوات طويلة على الهوامش الحقوقية والجمعوية دون النفاذ إلى مراكز القرار التنفيذي الأول بالبلاد.

ومع دخول المغرب مرحلة الانفتاح السياسي والتناوب التوافقي في نهاية التسعينات، قاد الراحل عبد الرحمن اليوسفي تجربة حكومية فريدة اعتمدت على التوافق السياسي وبناء المؤسسات، وتلاه إدريس جطو بمقاربته التكنوقراطية الصارمة وإدارته المشاريع الاقتصادية الكبرى، ثم عباس الفاسي الفهري.

وشهد العقد الماضي صعود تيار الإسلام السياسي لقيادة الحكومة عبر محطتي عبد الإله بنكيران، وسعد الدين العثماني، اللذين ركَّزا على ملفات الدعم وصندوق المقاصة ونقاشات الهوية، وصولاً إلى التجربة الليبرالية التدبيرية الأخيرة لعزيز أخنوش التي ركزت على الفاعلية الاستثمارية والأوراش الكبرى. وتشارَك هؤلاء القادة جميعاً في صياغة السياسات بعيون رجالية، ليمثل تعيين المنصوري كأول امرأة خطوةً تفكك هذا الاحتكار الطويل وتضع الكفاءة والقدرة التدبيرية معياراً وحيداً للمسؤولية.


حزب «الأصالة والمعاصرة»... وسياق البحث عن التوازن الحزبي

مبنى البرلمان المغربي في الرباط (البرلمان المغربي)
مبنى البرلمان المغربي في الرباط (البرلمان المغربي)
TT

حزب «الأصالة والمعاصرة»... وسياق البحث عن التوازن الحزبي

مبنى البرلمان المغربي في الرباط (البرلمان المغربي)
مبنى البرلمان المغربي في الرباط (البرلمان المغربي)

يرتبط المسار التنفيذي لفاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة وزراء المغرب الجديدة، بشكل عضوي بنشأة وتطور حزب «الأصالة والمعاصرة» (المعروف اختصاراً بالـ«بام»)، الذي أسس في أغسطس (آب) 2008 في سياق سياسي مثير للجدل. تأسيس الحزب جاء بمبادرة قادها فؤاد عالي الهمّة، المستشار بالديوان الملكي المغربي، برفقة شخصيات حقوقية ويسارية سابقة ووجوه تكنوقراطية، من خلال دمج خمسة أحزاب سياسية صغيرة في إطار ما سمي آنذاك «حركة لكل الديمقراطيين».

وتمثلت الفكرة المحورية للحزب في تقديم عرض سياسي حداثي يهدف إلى إعادة التوازن للمشهد الحزبي المغربي، وكسر القطبية الحادة والتصدّي لصعود تيارات الإسلام السياسي التي كانت تهيمن على المشهد الانتخابي والشارع المغربي. وفعلاً، طرح الحزب أطروحة فكرية تحاول التوفيق بين الأصالة المغربية القائمة على الملكية والدين والتقاليد، والمعاصرة القائمة على قيم الديمقراطية وحقوق المرأة والمنظومة الحداثية والتحديث الاقتصادي الشامل والمنفتح.

ومنذ التأسيس وحتى الانتقال إلى القيادة الجماعية الحالية، تعاقب على الأمانة العامة لحزب «الأصالة والمعاصرة» خمسة قادة عكس كل منهم مرحلة سياسية محددة من تاريخ التدافع الحزبي في البلاد. وبدأت المرحلة مع محمد الشيخ بيد الله في الفترة ما بين عامي 2009 و2012، وهو طبيب ووزير سابق متحدر من الأقاليم الجنوبية، وتركزت مهمته في تثبيت الحزب ومواجهة هزات حراك 20 فبراير (شباط) عام 2011. ثم تولى مصطفى الباكوري القيادة بين 2012 و2016، وهو رجل اقتصاد وتكنوقراط صبغ الحزب بطابع تدبيري عقلاني ركّز على البرامج الاقتصادية والمشاريع الاستثمارية، مبتعداً عن الصدامات الآيديولوجية المباشرة مع الخصوم السياسيين بالبلاد.

شعار حزب «الأصالة والمعاصرة» (الحزب)

بعده، شهدت الفترة بين عامي 2016 و2018 تولي إلياس العماري للأمانة العامة، وهو شخصية كاريزمية آتية من اليسار الراديكالي، واتسمت فترته بالاستقطاب الحاد والشرس مع حزب «العدالة والتنمية» وقيادة معارضة قوية انتهت باستقالته عقب تحولات سياسية معقدة. ثم جاء دور حكيم بنشماش بين عامي 2018 و2020، وشهدت فترته انقسامات وصراعات داخلية حادة بين التيارات المتنافسة كادت تعصف بوحدة الحزب التنظيمية.

وأخيراً، قاد الحزب عبد اللطيف وهبي بين عامي 2020 و2024، وهو محامٍ تميز بالجرأة والمصادمة، ونجح في نقل الحزب من مقاعد المعارضة إلى التدبير الحكومي لأول مرة عقب انتخابات عام 2021 متولّياً وزارة العدل، ومثيراً لنقاشات مجتمعية واسعة حول إصلاح القوانين ومدونة الأسرة، لتستقر قيادة «الجرّار» - والجرّار الزراعي هو شعار الحزب - الحزبي اليوم في يد جماعية تقودها المنصوري بحسابات سياسية دقيقة تسعى للحفاظ على موقع الحزب وصدارته للمشهد التنفيذي الحداثي في المملكة المغربية.