سلام يعلن عن إنجاز مسودة قانون «الانتظام المالي» وإعادة الودائع خلال 4 سنوات

أقرّ بأنه ليس مثالياً «لكنه خطوة واقعية»

رئيس الحكومة نواف سلام متحدثاً عن مشروع قانون الانتظام المالي واستعادة الودائع (رئاسة الحكومة)
رئيس الحكومة نواف سلام متحدثاً عن مشروع قانون الانتظام المالي واستعادة الودائع (رئاسة الحكومة)
TT

سلام يعلن عن إنجاز مسودة قانون «الانتظام المالي» وإعادة الودائع خلال 4 سنوات

رئيس الحكومة نواف سلام متحدثاً عن مشروع قانون الانتظام المالي واستعادة الودائع (رئاسة الحكومة)
رئيس الحكومة نواف سلام متحدثاً عن مشروع قانون الانتظام المالي واستعادة الودائع (رئاسة الحكومة)

أعلن رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام أنه تم الانتهاء من إنجاز مسودة مشروع قانون معالجة الانتظام المالي واسترداد الودائع خلال 4 سنوات، على أن تناقَش على طاولة مجلس الوزراء، الاثنين المقبل، آملاً إقرارها دون تأخير.

وتحدث سلام في كلمة متلفزة بحضور وزير المالية ياسين جابر ووزير الاقتصاد عامر البساط وحاكم مصرف لبنان كريم سعيد، مجدداً الالتزام «بإنصاف المودعين، والسّير في طريق الإصلاح الاقتصادي والمالي».

وقال سلام: «نحن نبدأ مرحلة جديدة أساسها الشفافية، وهدفها العدالة، وأداتها قانون منصف وقابل للتنفيذ»، متوجهاً إلى المودعين بالقول «لن نقدّم مسكّناً مؤقتاً لأزمةٍ دامت سنوات؛ فعلاج هذه الأزمة يحتاج إلى صدق ووضوح واستعداد لتحمل المسؤولية، وهذه المرّة، أنتم لستم وحدكم».

إعادة الودائع خلال 4 سنوات

وتحدث سلام عن بعض تفاصيل المسودة قائلاً: «ندرك أنّ الذين دفعوا الثمن الأكبر يشكلون العمود الفقري للمجتمع اللبناني وهم: الموظفون، والمتقاعدون، والعائلات التي ادّخرت للعناية الصحية، لتعليم أولادها، لضمان مستقبلها؛ فالمودعون الّذين تقلّ قيمة ودائعهم عن 100 ألف دولار سيحصلون على هذا المبلغ كاملاً، وخلال 4 سنوات. وهؤلاء يمثّلون 85 في المائة من المودعين».

وأضاف: «أما المودعون المتوسّطون والكبار فسيحصلون على 100 ألف دولار كصغار المودعين وعلى سندات قابلة للتداول بقيمة رصيد وديعتهم، دون أي اقتطاع من أصلها، تُسدَّد وفق جدول زمني واضح».

تحوّل في المقاربة

ودافع سلام عن مشروع القانون قائلاً: «هو لا يأتي كإجراء تقني معزول، بل كتحوّل في المقاربة، من التهرب من المسؤولية إلى تحمّلها، ومن إنكار الخسائر وتركها تصيب، بالدرجة الأولى، الفئات الأكثر ضعفاً، إلى الاعتراف بها، والتعامل معها ضمن مسار واقعيّ، قابل للتنفيذ».

وأضاف: «مشروع القانون الذي نقدّمه اليوم ليس حلماً ولا معجزة... بل بداية مسار جديد، يوقف تآكل الودائع، ويحمي الاستقرار الاجتماعي، ويضع حدّاً للانهيار وللفوضى اللذين أرهقا كل لبناني، ويعيد بناء الثقة بالنظام المالي والمصرفي».

ورأى أنه يهدف » أيضاً إلى تعافي القطاع المصرفي من خلال تقييم أصول المصارف، وإعادة رسملتها لتستعيد دورها الطبيعي في تمويل الاقتصاد، وتحفيز النمو، وتسهيل الاستثمار، والحد من تفشي الاقتصاد النقدي والموازي».

وأشار إلى أنه «للمرة الأولى، يُدخل القانون مبدأ المساءلة عن الأرباح غير العادية في صلب الحل، عبر آليات استردادٍ على شكل غرامات موجّهة، تطول الفئات التي استفادت من الأزمة على حساب المودعين العاديين».

رئيس الحكومة نواف سلام متحدثاً عن «مشروع قانون الانتظام المالي واستعادة الودائع» بحضور وزير المالية ياسين جابر ووزير الاقتصاد عامر البساط وحاكم مصرف لبنان كريم سعيد (رئاسة الحكومة)

وتحدث عمّن استفاد على حساب الناس، مؤكداً: «هناك من حوّل الأموال قبل وبعد الانهيار المالي باستغلال موقعه ونفوذه، من استفاد من الهندسات المالية، ومن التحويلات من الليرة اللبنانية إلى الدولار بسعر متدنٍ عن سعر السوق... كل هؤلاء سيساءلون ويغرّمون وفق القانون».

قد لا يكون مثالياً لكنه خطوة واقعية

وأقرّ بأن «مشروع القانون قد لا يكون مثالياً، وقد لا يحقق تطلعات الجميع»، لكنّه أكد «أنه خطوة واقعية ومنصفة على طريق استعادة الحقوق، ووقف الانهيار، وإعادة العافية إلى القطاع المصرفي وتحفيز النموّ».

ورأى أن «إقرار هذا المشروع سوف يساعد على استعادة الثقة بلبنان عند أشقائه وأصدقائه؛ لأنه يتوافق مع المعايير الأساسية لصندوق النقد الدولي».

وأضاف: «لن ندعي الكمال في المشروع، لكننا نؤكد أننا عملنا ليأتي في أفضل صورة ممكنة من ضمن الموارد المتوافرة»، مؤكداً: «هذا المشروع ليس مجرد تشريع مالي، بل هو أيضاً خيار سياسي وأخلاقي: خياره الإنصاف، خياره حماية الناس بدل الامتيازات، خياره الاعتراف بالواقع بدل إنكاره، وتفعيل المساءلة والمحاسبة».


مقالات ذات صلة

عملية إنزال «النبي شيت» تفتح فرضيات استخبارية وعسكرية

تحليل إخباري علم لـ«حزب الله» في أحد المواقع التي استهدفها القصف الإسرائيلي في بلدة النبي شيت في بعلبك (أ.ف.ب)

عملية إنزال «النبي شيت» تفتح فرضيات استخبارية وعسكرية

تحوّلت بلدة النبي شيت في بعلبك إلى محور تساؤلات أمنية بعد عملية إنزال إسرائيلية نادرة في العمق اللبناني

صبحي أمهز (بيروت)
خاص حفرة كبيرة وسط بلدة النبي شيت نتيجة عشرات الغارات الإسرائيلية التي استهدفت البلدة (أ.ب)

خاص «الشرق الأوسط» ترصد تفاصيل الإنزال الإسرائيلي في النبي شيت

تعيش بلدة النبي شيت في البقاع الشمالي حالة من الحزن والصدمة بعد العملية العسكرية الإسرائيلية التي شهدتها البلدة.

حسين درويش (بعلبك )
خاص نازحون من الجنوب يحملون أمتعتهم لدى وصولهم إلى مدينة صيدا (أ.ب)

خاص «كورنيش صيدا»... مأوى النازحين من الجنوب

على الرصيف مباشرة، اختارت عائلة نازحة من كفرتبنيت في النبطية أن تفترش الكورنيش البحري في صيدا.

حنان حمدان (صيدا (جنوب لبنان))
خاص جندي إسرائيلي يوجه دبابة أثناء تعزيزات عسكرية في منطقة محاذية مع جنوب لبنان (أ.ب)

خاص كيف يصل مقاتلو «حزب الله» إلى القرى الحدودية مع إسرائيل؟

تصعّب الإجراءات التي اتخذها الجيش اللبناني أخيراً على الحواجز المؤدية إلى جنوب لبنان، عملية انتقال المقاتلين إلى الجنوب للمشاركة في القتال

بولا أسطيح (بيروت)
خاص جنود لبنانيون يتفقدون الشاطئ في موقع إنزال لـ«قوة كوماندوز» إسرائيلية اختطفت البحار عماد أمهز في بلدة البترون 2 نوفمبر 2024 (أ.ف.ب)

خاص من بيروت إلى الشمال والبقاع: أبرز عمليات الإنزال الإسرائيلية في لبنان

شهد لبنان خلال العقود الماضية، سلسلة من عمليات الإنزال التي نفَّذها الجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية، من بيروت إلى الجنوب والشمال والبقاع.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

عملية إنزال «النبي شيت» تفتح فرضيات استخبارية وعسكرية

علم لـ«حزب الله» في أحد المواقع التي استهدفها القصف الإسرائيلي في بلدة النبي شيت في بعلبك (أ.ف.ب)
علم لـ«حزب الله» في أحد المواقع التي استهدفها القصف الإسرائيلي في بلدة النبي شيت في بعلبك (أ.ف.ب)
TT

عملية إنزال «النبي شيت» تفتح فرضيات استخبارية وعسكرية

علم لـ«حزب الله» في أحد المواقع التي استهدفها القصف الإسرائيلي في بلدة النبي شيت في بعلبك (أ.ف.ب)
علم لـ«حزب الله» في أحد المواقع التي استهدفها القصف الإسرائيلي في بلدة النبي شيت في بعلبك (أ.ف.ب)

تحوّلت بلدة النبي شيت في بعلبك إلى محور تساؤلات أمنية بعد عملية إنزال إسرائيلية نادرة في العمق اللبناني، رافقها قصف جوي عنيف، واشتباكات محلية، في حادثة أعادت إلى الواجهة طبيعة العمليات الخاصة التي قد تلجأ إليها إسرائيل عندما يتعلق الأمر بأهداف استخبارية حساسة، أو مواقع يصعب التعامل معها عبر الضربات الجوية التقليدية.

فرضيات متعددة

وبينما ربط بيان الناطق باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي العملية بملف الطيار الإسرائيلي المفقود رون آراد، تشير قراءات عسكرية أخرى إلى احتمال ارتباطها بأهداف استخبارية أوسع، سواء لجمع معلومات ميدانية، أو للوصول إلى مواقع أو تجهيزات يصعب استهدافها بالقصف الجوي فقط.

الحفرة التي حفرها الجيش الإسرائيلي في مدافن آل شكر في بلدة النبي شيت بحثاً عن الطيار المفقود رون آراد (أ.ب)

وتزداد هذه الفرضيات في ضوء ما تحدثت عنه أوساط محلية في المنطقة من أن الحادثة لم تكن الأولى من نوعها، إذ تشير هذه الأوساط إلى أنه سبق قبل فترة أن جرت محاولة إنزال في جرد من جرود المنطقة، لكنها فشلت. وتقول إن تلك المحاولة وقعت قبل حادثة استدراج الضابط المتقاعد في الأمن العام أحمد شكر، ما يعزز لدى بعض المتابعين فرضية أن المنطقة كانت موضع اهتمام استخباري إسرائيلي منذ مدة.

وأعلن الجيش الإسرائيلي السبت أنّ قوات خاصة نفّذت عملية في لبنان كان هدفها العثور على رفات الطيار رون آراد المفقود منذ العام 1986، وانتهت دون العثور على «أي دلائل» تعود له. في المقابل، أكد كل من «حزب الله» والجيش اللبناني أن العملية شملت إنزال قوة مشاة، وتسللها إلى بلدة النبي شيت قرب الحدود السورية، وتخللتها غارات جوية أسفرت عن مقتل 41 شخصاً على الأقل، بحسب وزارة الصحة.

وفي بيانه قال الجيش الإسرائيلي: «عملت قوات خاصة... الليلة الماضية في محاولة للعثور على أدلة تتعلق بالملاح الجوي المفقود رون آراد»، مشيراً إلى أنه «لم يتم العثور في موقع البحث على أي دلائل تتعلق به». وفقد أثر آراد بعد إسقاط طائرته فوق لبنان في العام 1986، ويرجح أنه مات، غير أن رفاته لم يُعثر عليها أبداً. وأكد بيان الجيش الإسرائيلي عدم وقوع إصابات في صفوف قواته خلال العملية. وأعلن «حزب الله» من جهته أن مقاتليه رصدوا «تسلّل 4 مروحيّات تابعة لجيش العدو الإسرائيلي من الاتجاه السوري»، ثم تطور التسلل إلى اشتباك «بعد انكشاف القوّة المعادية، حيث لجأ العدو إلى تنفيذ أحزمة ناريّة مكثّفة شملت نحو أربعين غارة».

وأكد الجيش اللبناني أن إسرائيل قامت بـ«إنزال قوة معادية»، ونعى الحزب ثلاثة من جنوده قتلوا «نتيجة القصف المعادي العنيف الذي رافق» العملية. وأشار إلى أنه تلا القصف «تبادل إطلاق النار بين القوة المعادية وأبناء المنطقة». واستخدم الجيش الإسرائيلي «الطيران الحربي والمروحي لأجل تأمين انسحاب القوة من منطقة الاشتباك»، بحسب بيان «حزب الله» الذي أكد أن مقاتليه أطلقوا صواريخ أثناء عملية الانسحاب.

فرضية البحث عن آراد

وفي هذا السياق، قال العميد المتقاعد خليل الحلو إن المعطيات المتداولة بشأن عملية الإنزال ترتبط على الأرجح بملف الطيار الإسرائيلي المفقود.

أما بشأن تفاصيل عملية الإنزال نفسها، فقال الحلو لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «المعلومات المتوافرة تشير إلى أنها حصلت في المنطقة الحدودية بين لبنان وسوريا في محيط معربون – الزبداني، موضحاً أن الروايات تختلف حول عدد الطوافات المشاركة فيها، إذ تحدثت بعض المصادر عن أربع طوافات، فيما يرجّح هو أن العدد كان أقل، ربما كانت طوافة واحدة أو اثنتين».

وأشار إلى أن «بعض الروايات تحدثت أيضاً عن استخدام سيارات إسعاف خلال العملية، وهو ما يطرح تساؤلات حول كيفية وصول هذه السيارات إلى المكان، مرجحاً احتمال وجود تعاون ميداني على الأرض، سواء من الجانب السوري أو اللبناني». وأضاف أن «استخدام سيارات إسعاف قد يكون مرتبطاً بمحاولة الوصول إلى مدافن أو مقابر في بلدة النبي شيت، حيث يعتقد الإسرائيليون أن معلومات قد تقود إلى موقع محتمل لرفات الطيار المفقود».

مواطنون يعاينون المواقع التي استهدفها القصف الإسرائيلي في بلدة النبي شيت (رويترز)

ولفت الحلو إلى «وجود تضارب واضح في توقيت العملية أيضاً، إذ تشير روايات إلى أنها حصلت وقت الإفطار في شهر رمضان حين يكون معظم الناس منشغلين، فيما تتحدث روايات أخرى عن حصولها قرابة الساعة الحادية عشرة والنصف ليلاً، مرجحاً أن تكون قد نُفذت في وقت الإفطار للاستفادة من انخفاض الحركة في المنطقة».

كما أشار الحلو إلى أن «انكشاف العملية أدى إلى اندلاع اشتباك في المنطقة، تبعه تدخل جوي إسرائيلي كثيف، لافتاً إلى أن الأرقام المتداولة عن القتلى والجرحى غير واضحة حتى الآن».

ويشير الحلو إلى أن «ما يجري تداوله لا يشير إلى أن العملية مرتبطة بخطف عناصر من (حزب الله)، أو باستهداف مواقع عسكرية للحزب»، مرجحاً أن يكون الهدف الأساسي مرتبطاً بمحاولة إسرائيل الحصول على أي خيط يقود إلى مصير الطيار رون آراد، وهو ملف لا تزال إسرائيل تعتبره قضية مفتوحة منذ عقود.

وأوضح الحلو لـ«الشرق الأوسط»: أن «إسرائيل لم تتوقف منذ الثمانينات عن محاولة جمع أي معلومات قد تقود إلى معرفة مصيره»، مشيراً إلى أن الإسرائيليين كانوا على مدى سنوات طويلة يجرون اتصالات هاتفية في لبنان بحثاً عن معلومات، عارضين مكافآت مالية لمن يملك أي معطيات.

سوابق عملياتية

وفي هذا السياق، قال العميد المتقاعد ناجي ملاعب لـ«الشرق الأوسط»: إن «المؤشرات المتداولة حول عملية الإنزال توحي بأن التحضير لها كان واسعاً ومسبقاً»، مشيراً إلى أن بعض المعطيات المتداولة تربطها بعملية استدراج واعتقال ضابط متقاعد في الأمن العام من آل شكر في بلدة النبي شيت.

ويرى ملاعب أن هذا النوع من العمليات ليس جديداً في سجل المواجهة بين إسرائيل وخصومها في المنطقة، مشيراً إلى أن لبنان شهد في مراحل سابقة عمليات مشابهة استهدفت أشخاصاً، أو مواقع محددة.

وقال إن عمليات من هذا النوع حصلت سابقاً «سواء عبر خطف أفراد كما حصل في الماضي مع اعتقال الشيخ عبد الكريم عبيد في جبشيت جنوب لبنان في ثمانينات القرن الماضي، أو مع خطف مصطفى الديراني عام 1994»، لافتاً إلى أن إسرائيل تلجأ أحياناً إلى الإنزال الميداني عندما يكون الهدف يتجاوز مجرد توقيف أشخاص.

ويضيف أن إسرائيل نفذت قبل سنوات عملية مشابهة على الساحل السوري، «حيث جرى قصف واسع تلاه إنزال في المنطقة وتدمير مخازن قيل إنها مرتبطة بصناعة الصواريخ»، معتبراً أن هذا النوع من العمليات قد يكون مرتبطاً بمحاولة الوصول إلى منشآت أو تجهيزات لا يمكن تدميرها عبر القصف الجوي فقط».

مبنى متضرر نتيجة القصف الإسرائيلي في بلدة النبي شيت حيث يرفع عليه علم «حزب الله» (أ.ف.ب)

وأشار إلى أن حالة الاستنفار القائمة داخل «حزب الله» تجعل أي توغل بري أو إنزال عسكري أكثر تعقيداً، موضحاً «أن السلاح الفردي والمتوسط موجود في الداخل، وليس فقط لدى وحدات النخبة مثل قوة الرضوان».

عنصر المفاجأة

وختم ملاعب قائلاً: إن «فقدان عنصر المفاجأة يجعل تكرار عمليات إنزال مشابهة أكثر صعوبة في المرحلة المقبلة، لأن الاستعدادات باتت قائمة في القرى، وأي عملية من هذا النوع إذا لم تُنفذ بسرعة ودقة فقد تتعرض لإطلاق نار، أو لمحاولات إفشال».


أكراد العراق بين واشنطن وطهران... حياد معلن و«حيرة وجودية» تحت نيران الصواريخ

عضو من «الحزب الديمقراطي الكردستاني» الإيراني يتفقد الأضرار التي لحقت بمعسكر الحزب عقب هجوم إيراني عبر الحدود في بلدة كويسنجق شرق منطقة أربيل يوم 3 مارس 2026 (أ.ف.ب)
عضو من «الحزب الديمقراطي الكردستاني» الإيراني يتفقد الأضرار التي لحقت بمعسكر الحزب عقب هجوم إيراني عبر الحدود في بلدة كويسنجق شرق منطقة أربيل يوم 3 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

أكراد العراق بين واشنطن وطهران... حياد معلن و«حيرة وجودية» تحت نيران الصواريخ

عضو من «الحزب الديمقراطي الكردستاني» الإيراني يتفقد الأضرار التي لحقت بمعسكر الحزب عقب هجوم إيراني عبر الحدود في بلدة كويسنجق شرق منطقة أربيل يوم 3 مارس 2026 (أ.ف.ب)
عضو من «الحزب الديمقراطي الكردستاني» الإيراني يتفقد الأضرار التي لحقت بمعسكر الحزب عقب هجوم إيراني عبر الحدود في بلدة كويسنجق شرق منطقة أربيل يوم 3 مارس 2026 (أ.ف.ب)

رغم التأكيدات المتواصلة التي يطلقها القادة الأكراد في كردستان العراق، لجهة وقوفهم على الحياد في الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، فإن مناطقهم تتعرض بشكل شبه يومي إلى هجمات إيرانية مباشرة، أو عبر وكلاء طهران في العراق من الفصائل المسلحة، الأمر الذي يجعلهم فيما يشبه «الحيرة الوجودية»، بحسب مسؤول كردي، وبخاصة أن ذلك يترافق مع ضغوط أميركية لدفعهم إلى فتح جبهة حربية في غرب إيران، بالتعاون مع الأحزاب الإيرانية الكردية المعارضة.

دمار سببه قصف بالمسيّرات على مقر قيادة فصيل كردي إيراني في ديكالا بكردستان العراق (رويترز)

وخلال الأيام القليلة الماضية تحدثت وسائل إعلام أميركية عن اتصال أجراه الرئيس دونالد ترمب بالزعيمين الكرديين مسعود بارزاني وبافل طالباني، حضهما فيه على «مساعدة المعارضة الإيرانية الكردية» المشاركة في الحرب، الأمر الذي دفع بالزعيمين إلى «تسجيل تحفظهما» على ذلك، طبقاً لتلك الوسائل.

وتتوجس إيران على الدوام من الجماعات الكردية المعارضة التي تتخذ من كردستان العراق مقراً لها، وفي سبتمبر (أيلول) 2023 أبرمت الحكومة العراقية وإيران اتفاقاً أمنياً، يقضي بنزع سلاح تلك الجماعات وإغلاق مقراتها، ونقلها إلى مواقع بعيدة عن الحدود المشتركة، علماً أنه سبق أن قامت إيران بشن هجمات عدة ضد تلك المواقع.

وحتى يوم السبت، واجه إقليم كردستان 100 هجمة صاروخية وبطائرات مسيّرة نفذتها إيران وفصائلها في العراق، وتعرض مقر لقوات «البيشمركة» (حرس الإقليم) في السليمانية، ليل الجمعة-السبت، إلى هجوم بطائرة مسيّرة تمكنت المقاومات الأرضية من إسقاطها، وأعلنت «سرايا أولياء الدم» التابعة لإيران مسؤوليتها عن الهجوم.

رئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني مع رئيس «الحزب الديمقراطي الكردستاني» مسعود بارزاني في أربيل (أرشيفية - إعلام حكومي)

 

جسر لا ساحة حرب

 

وفي إطار التأكيدات الكردية المتواصلة على عدم الانخراط في الحرب، جدّد ذلك زعيم حزب «الاتحاد الوطني» الكردستاني، بافل طالباني، خلال مقابلة، الجمعة، مع «فوكس نيوز» الأميركية. وقال: «أعتقد أن كردستان ينبغي أن تكون جسراً لا ساحة معركة. الكرد في موقع فريد؛ فهم حلفاء مقربون لكم، وفي الوقت نفسه جيران لإيران. وأعتقد أننا في موقع يسمح لنا بلعب دور في خفض التصعيد عندما يحين الوقت المناسب».

وبشأن مستقبل النظام في إيران، قال إن «ما أراه الآن هو نظام إيراني أضعف، ومع ذلك فإن مؤسساته رغم اختلافها عن مؤسساتنا تبقى مؤسسات قائمة ومتماسكة».

ويعتقد طالباني أنه «عندما تتحقق الأهداف العسكرية سيحين وقت الدبلوماسية، وعندها سنكون مستعدين، كما كنا دائماً، للوقوف مع أصدقائنا وحلفائنا لمحاولة جلب الاستقرار والسلام والازدهار إلى هذه المنطقة التي عانت بالفعل من حروب وصراعات كثيرة جداً».

وبشأن المكالمة التي أجراها الرئيس الأميركي معه، ذكر أن ترمب «كان لطيفاً للغاية ومهذباً جداً. شعرت بالعاطفة في صوته. قال إن الكرد مقاتلون ممتازون. ومن فهمي لكلامه، فإن حماية الشعب الكردي في العراق تُعد أمراً في غاية الأهمية بالنسبة له».

رئيس «الديمقراطي الكردستاني» مسعود بارزاني مستقبِلاً رئيس «الاتحاد الوطني» بافل طالباني (أرشيفية - روداو)

ولم يتطرق إلى طبيعة المطالب التي قدمها للأكراد، لكنه أشار إلى أن «ما فهمته من كلام الرئيس ترمب هو أن حماية المواطنين في العراق من أولويات عمله، وأن الكرد في إيران يستحقون معاملة أفضل».

 

«حيرة وجودية»

 

من جانبه، تحدث مسؤول كردي رفيع المستوى لـ«الشرق الأوسط» عما وصفها بـ«الحيرة الكردية الوجودية». وقال بشيء من الإحباط إن «الأكراد غالباً ما يمرون بذات الظروف المعقدة في معظم الصراعات التي تدور في العراق والشرق الأوسط بشكل عام».

واليوم، والكلام للمسؤول الذي رفض الكشف عن اسمه، «يعيشون بذات الهاجس والخوف مما يمكن أن يحدث، وبخاصة أن تجربة إقليم كردستان ما زالت هشة وضعيفة نتيجة الانقسامات الداخلية والصراعات مع بغداد، إلى جانب العداء الذي تظهره الفصائل الموالية لإيران ضد الكرد».

ويؤكد المسؤول أن «معظم الأكراد يتمنون أن تتحول أوضاع إخوتهم الكرد الإيرانيين إلى الأفضل، لكنهم لن يتمكنوا من تقديم مساعدات جدية لهم. الأمر معقد جداً، والانخراط في ذلك ربما سينعكس على شكل كارثة حقيقية على كردستان».

ويضيف أن «التجارب الكردية مع الولايات المتحدة ليست مشجعة تماماً، وقبل بضعة أسابيع رأينا تخلي واشنطن عن الكرد في سوريا. إن أي مخاطرة كردية في إيران سترتد لاحقاً بالسلب على كردستان العراق، بخاصة إذا توصلت واشنطن إلى تسوية من نوعٍ ما مع طهران».

ضربات جوية على قاعدة صاروخية لـ«الحرس الثوري» في مدينة سنندج مركز محافظة كردستان غرب البلاد يوم 5 مارس (رويترز)

وإلى جانب ذلك، يرى المسؤول نفسه أن «كردستان العراق محاط بحزام مُعادٍ، وسيزداد عداء في حال تورط في الحرب ضد إيران. فالجار الشمالي التركي لن يسمح بتكرار تجربة كردستان العراق في إيران، ولدينا أيضاً من الجنوب الحكومة والفصائل الموالية لإيران، وإذا ما تمكنت الأخيرة من تجاوز تداعيات الحرب الحالية، فإنها ستصب جام غضبها علينا، ولا أستبعد أن تقوم باجتياح الإقليم».

وكان رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني بحث في اتصال هاتفي مع رئيس إقليم كردستان نيجرفان بارزاني، يوم الجمعة الماضي، آخر التطورات الأمنية التي تشهدها المنطقة بسبب استمرار العمليات العسكرية وتداعياتها على العراق.

وجرى خلال الاتصال «التأكيد على رفض الاعتداءات التي تطول عدداً من المدن العراقية، بما فيها إقليم كردستان العراق، وكذلك عدم السماح بأن تكون الأراضي العراقية منطلقاً لمهاجمة دول الجوار، ودعم كل الخطوات الرامية إلى تعزيز الأمن والاستقرار بالمنطقة»، طبقاً لبيان حكومي.


«الشرق الأوسط» ترصد تفاصيل الإنزال الإسرائيلي في النبي شيت

حفرة كبيرة وسط بلدة النبي شيت نتيجة عشرات الغارات الإسرائيلية التي استهدفت البلدة (أ.ب)
حفرة كبيرة وسط بلدة النبي شيت نتيجة عشرات الغارات الإسرائيلية التي استهدفت البلدة (أ.ب)
TT

«الشرق الأوسط» ترصد تفاصيل الإنزال الإسرائيلي في النبي شيت

حفرة كبيرة وسط بلدة النبي شيت نتيجة عشرات الغارات الإسرائيلية التي استهدفت البلدة (أ.ب)
حفرة كبيرة وسط بلدة النبي شيت نتيجة عشرات الغارات الإسرائيلية التي استهدفت البلدة (أ.ب)

تعيش بلدة النبي شيت في البقاع الشمالي حالة من الصدمة بعد العملية العسكرية الإسرائيلية التي شهدتها البلدة، والتي أسفرت عن سقوط عشرات القتلى والجرحى من أبنائها ومن القرى المجاورة، وذلك عقب عملية إنزال نفذتها قوة كوماندوز إسرائيلية رافقها قصف جوي مكثف تجاوز الأربعين غارة، شاركت فيها الطائرات الحربية والمروحيات الهجومية إضافة إلى الطائرات المسيّرة؛ ما خلّف دماراً واسعاً في البلدة ومحيطها.

سحب رفات آراد

تألفت القوة الإسرائيلية من نحو 50 مظلياً، ودخلت البلدة، وفق الأهالي من 3 محاور هي محور القوز باتجاه سرغايا، ومحور الخريبة، إضافة إلى الطريق الرئيسي المؤدي إلى البلدة من الجهة الغربية، والذي يربط المدخل بساحة النبي شيت، في حين أشار رئيس بلدية حام محمد حسن إلى أن عملية التسلل سبقت ذلك عبر جرود السلسلة الشرقية من محورين، الأول من حقل أبو فارس والثاني من منطقة الشعرة؛ ما يشير إلى تعدد مسارات التقدم خلال مراحل العملية

ووفق روايات الأهالي، لـ«الشرق الأوسط» فقد هدفت القوة المتسللة إلى تنفيذ عملية سحب رفات الطيار الإسرائيلي المفقود منذ عام 1986 رون آراد، الذي يُعتقد أنه مدفون في مدافن آل شكر الواقعة على مقربة من طريق الجرد الذي يربط النبي شيت ببلدات الخريبة وجنتا والشعرة القريبة من سرغايا على الحدود اللبنانية - السورية.

عملية الإنزال

وخلال عملية الإنزال، اتخذت القوة الإسرائيلية مواقع مراقبة وانتشار داخل البلدة، لا سيما في حي آل شكر عند مدخل المدافن وبالقرب من حسينية ومسجد آل شكر، إضافة إلى انتشارها على الشارع الرئيسي للبلدة، تحسباً لأي مواجهة محتملة.

مواطنون يعاينون ساحة بلدة النبي الشيت التي استُهدفت بغارات إسرائيلية وأدت إلى دمار كبير (أ.ب)

وأفادت المعلومات لـ«الشرق الأوسط» بأن الإنزال تم عبر 3 مروحيات في منطقة القوز، حيث دخلت القوة عبر الجرود، كما تحدث الأهالي عن استخدام سيارات إسعاف وآليات من نوع «ويليس» بلوحات لبنانية، إضافة إلى عناصر بلباس الهيئة الصحية الإسلامية التابعة لـ«حزب الله» والزي العسكري للجيش اللبناني؛ ما أثار تساؤلات حول كيفية وصولها إلى داخل البلدة.

انكشاف العملية

لكن العملية انكشفت بعدما أطلق عناصر القوة النار من بنادق مزودة بكواتم للصوت على أحد عناصر «حزب الله» لدى مروره في المنطقة؛ ما أدى إلى مقتله على الفور. وأدى ذلك إلى تنبه الأهالي وعناصر «حزب الله» الذين سارعوا إلى تطويق القوة الإسرائيلية والاشتباك معها.

وقبل انكشافها، تمكنت القوة من حفر حفرة ضيقة في موقع المدافن يُقدّر طولها بنحو متر وعمق 50 سنتيمتراً وعرض 40 سنتيمتراً، إلا أن كثافة إطلاق النار داخل البلدة أجبرتها على الانسحاب قبل تحقيق هدفها. وأفادت معلومات بأن السيدة حمدة أسعد الحلباوي استيقظت على أصوات الحفر قرب المقبرة، وعندما خرجت من منزلها للاطلاع على ما يجري أطلق عناصر الكوماندوز النار عليها من جهة الجبانة فأصيبت في الرأس. ولدى محاولة ابنها إنقاذها استهدفت مسيّرة سيارتهما ما أدى إلى مقتلهما.

غارات مكثفة وكمائن

ولحماية عملية الانسحاب بعد انكشاف القوة، شن الطيران الإسرائيلي غارات مكثفة استهدفت الطرق المؤدية إلى البلدة بهدف منع وصول التعزيزات من القرى المجاورة. وشملت الغارات طرق النبي شيت - الناصرية، والنبي شيت - سرعين الفرعية، وطريق السهل، إضافة إلى طريق النبي شيت - الخضر وطريق العقبة - بعلبك، بينما تُرك طريق الجرد والطريق الرئيسي مفتوحين لتسهيل انسحاب القوة.

سيدة داخل أحد المباني التي استهدفت بالقصف الإسرائيلي في بلدة النبي شيت في البقاع (أ.ف.ب)

واستخدم الطيران الإسرائيلي في القصف الجوي صواريخ أحدثت حفرة ضخمة قُدّر عمقها بنحو 10 أمتار وقطرها نحو ثمانين متراً، كما أدى القصف إلى دمار واسع وتطاير سيارات إلى أسطح المباني، خصوصاً في ساحة النبي شيت.

وخلال الانسحاب، تعرضت القوة لكمائن على طريق الخريبة - جنتا - الشعرة، وهي المنطقة التي شهدت أعنف الاشتباكات.

وخلال الاشتباكات وعمليات الانسحاب، سقط عدد كبير من القتلى بينهم نحو 35 من بلدة النبي شيت، و9 آخرين من بلدة الخريبة، وشخص من بلدة سرعين، وآخر من علي النهري، إضافة إلى 3 عناصر من الجيش اللبناني وعنصر من الأمن العام.

وأشار الأهالي إلى أن القوات الإسرائيلية استخدمت بنادق من عيار 16 ملم مزودة بكواتم للصوت.

سيارة متضررة نتيجة القصف الإسرائيلي في بلدة النبي شيت (الشرق الأوسط)

تساؤلات أهل المنطقة

وفي حين لا يزال أهالي المنطقة تحت وقع صدمة العملية وآثار الدمار التي تغطي البلدة فهم لا يزالون يطرحون تساؤلات حول كيفية تمكن القوة من التسلل إلى المنطقة، خصوصاً أن المنطقة تعد تحت مراقبة مستمرة.

الحفرة التي حفرها الجيش الإسرائيلي في مدافن آل شكر في بلدة النبي شيت (الشرق الأوسط)

وبانتظار ما سينكشف لاحقاً عن نتائج العملية يؤكد الأهالي، فإن القوة الإسرائيلية لم تتمكن من تحقيق هدفها، وانسحبت تحت ضغط الاشتباكات وكثافة النيران، وهو ما لا يتعارض مع الرواية الإسرائيلية التي قالت بحسب المتحدث باسم الجيش أفيخاي أدرعي إنه «لم يتم العثور في موقع البحث على أي دلائل تتعلق بالملاح الجوي المفقود رون آراد».