مصر تلوّح باتفاقية «الدفاع المشترك» للحفاظ على وحدة السودان

وضعت «خطوطاً حمراء» تزامناً مع زيارة البرهان إلى القاهرة

عبد الفتاح السيسي خلال استقبال عبد الفتاح البرهان في القاهرة الخميس (الرئاسة المصرية)
عبد الفتاح السيسي خلال استقبال عبد الفتاح البرهان في القاهرة الخميس (الرئاسة المصرية)
TT

مصر تلوّح باتفاقية «الدفاع المشترك» للحفاظ على وحدة السودان

عبد الفتاح السيسي خلال استقبال عبد الفتاح البرهان في القاهرة الخميس (الرئاسة المصرية)
عبد الفتاح السيسي خلال استقبال عبد الفتاح البرهان في القاهرة الخميس (الرئاسة المصرية)

رسمت مصر «خطوطاً حمراء» بشأن الأزمة في السودان، وحذرت من تجاوزها باعتبارها «تمس الأمن القومي المصري». ولوّحت باتخاذ كافة التدابير التي تكفلها «اتفاقية الدفاع المشترك» بين البلدين، في خطاب يراه خبراء «الأكثر حدة» منذ اندلاع الحرب في السودان.

وجاء الموقف المصري بالتزامن مع استقبال الرئيس عبد الفتاح السيسي، الخميس، رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، حيث أكد السيسي «دعم بلاده الكامل للشعب السوداني في مساعيه لتجاوز المرحلة الدقيقة الراهنة»، وشدد على «ثوابت الموقف المصري الداعم لوحدة السودان وسيادته وأمنه واستقراره»، مؤكداً استعداد بلاده لبذل كل جهد ممكن في هذا السياق، وفق بيان صادر عن المتحدث باسم الرئاسة المصرية، محمد الشناوي.

وجددت مصر، في أثناء زيارة البرهان، «تأكيد دعمها الكامل لرؤية الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الخاصة بتحقيق الأمن والاستقرار والسلام في السودان»، وذلك في إطار «توجه الإدارة الأميركية لإحلال السلام، وتجنب التصعيد، وتسوية المنازعات في مختلف أنحاء العالم».

تفعيل اتفاقية الدفاع المشترك

مع التأكيد على تلك الثوابت، وضعت القاهرة «خطوطاً حمراء» للمرة الأولى في الأزمة السودانية، مؤكدة أنها «لا يمكن أن تسمح بتجاوزها باعتبارها تمس الأمن القومي المصري الذي يرتبط ارتباطاً مباشراً بالأمن القومي السوداني»، وتضمنت المحاذير المصرية «الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه، وعدم العبث بمقدرات الشعب السوداني، وعدم السماح بانفصال أي جزء من أراضي السودان».

وقالت الرئاسة المصرية، الخميس، إن «الحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية، ومنع المساس بهذه المؤسسات، هو خط أحمر آخر».

وأكدت «الحق الكامل في اتخاذ كافة التدابير والإجراءات اللازمة التي يكفلها القانون الدولي»، ومن بينها «تفعيل اتفاقية الدفاع المشترك بين البلدين؛ لضمان عدم المساس بهذه الخطوط الحمراء أو تجاوزها».

الرئيس المصري خلال محادثات في القاهرة الخميس مع رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان (الرئاسة المصرية)

وفي مارس (آذار) من عام 2021، وقّعت مصر «اتفاقية للتعاون العسكري مع السودان»، تغطي «مجالات التدريب، وتأمين الحدود، ومواجهة التهديدات المشتركة»، وسبقها «اتفاق للدفاع المشترك» وقّعه البلدان في عام 1976، في مواجهة «التهديدات الخارجية».

عضو «لجنة الدفاع والأمن القومي» في مجلس النواب المصري، اللواء يحيى كدواني، قال إن الأمن القومي المصري يرتبط مباشرة بوحدة الأراضي السودانية، «ومع وجود مؤامرات تهدف إلى تقسيمه، فإن ذلك يستدعي وضع (خطوط حمراء) لعدم تجاوزها، بما يحقق الحفاظ على مقدرات الدولة السودانية، وبما يشكل ضمانة لحماية الأمن القومي المصري».

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «الموقف المصري بشأن الحفاظ على وحدة وسلامة السودان ثابت وقوي، والقاهرة قادرة على تنفيذ ما تعلن عنه من شعارات ومبادرات لحماية مؤسسات الدولة السودانية»، لافتاً إلى أن استدعاء «اتفاقية الدفاع المشترك» جاء للتأكيد على أن «هناك تنسيقاً مشتركاً بين البلدين في إطار الشرعية الدولية والاتفاقيات الموقعة في السابق بين البلدين».

وذكر بيان الرئاسة المصرية، الخميس، أن «القاهرة تتابع بقلق بالغ استمرار حالة التصعيد والتوتر الشديد الحالية في السودان، وما نجم عن هذه الحالة من مذابح مروعة وانتهاكات سافرة لأبسط قواعد حقوق الإنسان في حق المدنيين السودانيين، خاصة في الفاشر»، كما أكدت «رفضها القاطع لإنشاء أي كيانات موازية أو الاعتراف بها، باعتبار أن ذلك يمس وحدة السودان وسلامة أراضيه».

أما عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، السفير صلاح حليمة، فأكد أن التنسيق المصري - السوداني في مجابهة تهديدات تقسيم البلاد يأتي في إطار حماية الأمن القومي المصري والسوداني والعربي، خاصة أن البلدين ضمن «مجلس الدول المتشاطئة على البحر الأحمر»، وهو لديه أدوار رئيسية تتمثل في «الدفاع والتنمية».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن الموقف المصري يأتي في إطار مبادرة «الرباعية الدولية»، والمبادرة التي طرحها ولي العهد السعودي رئيس مجلس الوزراء، الأمير محمد بن سلمان، في أثناء زيارته إلى الولايات المتحدة، موضحاً أن «القاهرة تدعم تنفيذ (خريطة طريق) تبدأ بهدنة تستمر ثلاثة أشهر، ودمج (قوات الدعم السريع) في الجيش السوداني، مع الحفاظ على تماسك المؤسسة العسكرية السودانية».

ووفقاً لبيان الرئاسة المصرية، أكدت القاهرة «حرصها الكامل على استمرار العمل في إطار (الرباعية الدولية)، بهدف التوصل إلى هدنة إنسانية، تقود إلى وقف لإطلاق النار، يتضمن إنشاء ملاذات وممرات إنسانية آمنة لتوفير الأمن والحماية للمدنيين السودانيين، وذلك بالتنسيق الكامل مع مؤسسات الدولة السودانية».

وطرحت «الرباعية»، التي تضم دول (المملكة العربية السعودية ومصر والإمارات والولايات المتحدة الأميركية) في أغسطس (آب) الماضي، «خريطة طريق»، دعت فيها إلى «هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر، تليها هدنة دائمة لبدء عملية سياسية وتشكيل حكومة مدنية مستقلة خلال تسعة أشهر».

جانب من اجتماع سابق لـ«الرباعية» في نيويورك (الخارجية المصرية)

وتأتي زيارة البرهان إلى مصر بعد أخرى قام بها إلى المملكة العربية السعودية، الاثنين الماضي، وأكد في ختام زيارته حينها «حرص السودان على العمل مع ترمب ووزير خارجيته، ماركو روبيو، ومبعوثه للسلام في السودان، مسعد بولس، في جهود تحقيق السلام ووقف الحرب».

وأكدت مديرة البرنامج الأفريقي بـ«مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، أماني الطويل، أن «مصر وضعت خطوطاً حمراء لأول مرة في الملف السوداني، وموقفها الأخير هو الأكثر حدة منذ اندلاع الحرب، وهو يتماهى مع الموقفين السعودي والأميركي بشأن الحفاظ على وحدة السودان، وضرورة وقف الحرب، ورفض الكيانات الموازية، والحفاظ على مؤسسات الدولة».

وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «نستطيع القول إن هناك توافقاً سعودياً - مصرياً على المواقف القوية بشأن وحدة السودان، ما يبرهن على أن الاتجاه السائد الآن هو بلورة مبادرة لوقف إطلاق النار وإقرار هدنة إنسانية»، لكنها شددت أيضاً على أن «المسألة الأكثر تعقيداً تتعلق بالحلول السياسية في ظل التعامل مع أطراف سودانية لا تقبل بعضها، ومن الممكن أن يأتي إعلان مبادئ (نيروبي) مقدمةً لهذا السياق».

ووقَّعت القوى السياسية والمدنية في «تحالف صمود» السوداني، بالعاصمة الكينية نيروبي، الثلاثاء، على إعلان مبادئ مشترك مع حركة «جيش تحرير السودان»، بقيادة عبد الواحد النور، وحزب «البعث العربي الاشتراكي» (الأصل) لوقف الحرب في السودان، ويُعد هذا أول تقارب يجمع غالبية الأطراف السودانية المناهضة للحرب.

وأكد متحدث الرئاسة المصرية، الخميس، أن محادثات السيسي والبرهان «تناولت سبل تعزيز العلاقات الثنائية، بما يجسّد تطلعات الشعبين نحو تحقيق التكامل والتنمية المتبادلة، وتطرقت كذلك إلى مستجدات الأوضاع الميدانية في السودان».


مقالات ذات صلة

توترات «المنفذ البحري» بين مصر وإثيوبيا... ماذا تعني لملف «سد النهضة»؟

شمال افريقيا سد النهضة الإثيوبيي (رويترز)

توترات «المنفذ البحري» بين مصر وإثيوبيا... ماذا تعني لملف «سد النهضة»؟

وسط تحركات أميركية لرأب الصدع بين القاهرة وأديس أبابا في أزمة «سد النهضة»، خرجت إثيوبيا بانتقادات لمصر بشأن علاقاتها بدول الجوار وعرقلة وصولها إلى البحر الأحمر.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)

مصر تُصعّد ضد حسابات «إخوانية»... ما دلالات التوقيت؟

اتخذت السلطات المصرية إجراءات تصعيدية ضد حسابات «سوشيالية» أغلبها لأشخاص موالين لجماعة «الإخوان»، التي تحظرها الحكومة، بسبب «التحريض ضد الدولة».

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا مصر تسرّع وتيرة استكشافات المواد البترولية (وزارة البترول)

اكتشافات الغاز في مصر تنعش الآمال بخفض «فاتورة الاستيراد»

أنعشت اكتشافات الغاز الجديدة في مصر الآمال نحو خفض فاتورة الاستيراد التي ارتفعت مع بدء «الحرب الإيرانية» بفعل توقف إمدادات الغاز الإسرائيلي قبل عودتها تدريجياً.

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا مصر تعزز جهود توفير مخزون استراتيجي آمن ومستدام من السلع الأساسية (رويترز)

مصر تتحوّط من تقلبات الأسواق بتنسيق دولي لتأمين إمدادات السلع

تتحوّط مصر من تقلبات الأسواق بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، عبر تنسيق دولي لتأمين إمدادات السلع الاستراتيجية.

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
شمال افريقيا وزير الصحة المصري يحضر اجتماعات «جمعية الصحة العالمية» في جنيف يوم الخميس (صفحة وزارة الصحة على «فيسبوك»)

مصر تؤكد رعايتها الصحية للوافدين رغم «ثقل الأعباء»

قال وزير الصحة المصري، خالد عبد الغفار، إن مصر قدّمت أكثر من 351 ألف خدمة رعاية صحية أولية للاجئين والمهاجرين خلال عام 2025.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

توترات «المنفذ البحري» بين مصر وإثيوبيا... ماذا تعني لملف «سد النهضة»؟

سد النهضة الإثيوبيي (رويترز)
سد النهضة الإثيوبيي (رويترز)
TT

توترات «المنفذ البحري» بين مصر وإثيوبيا... ماذا تعني لملف «سد النهضة»؟

سد النهضة الإثيوبيي (رويترز)
سد النهضة الإثيوبيي (رويترز)

وسط تحركات أميركية لرأب الصدع بين القاهرة وأديس أبابا في أزمة «سد النهضة»، خرجت إثيوبيا بانتقادات علنية لمصر بشأن علاقاتها مع دول الجوار، كإريتريا، وعرقلة وصولها إلى البحر الأحمر.

الانتقادات الإثيوبية جاءت بعد إعلان وزير خارجية مصر، بدر عبد العاطي، في أسمرة رفض وصول الدول غير المشاطئة إلى البحر الأحمر، ويعتقد خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أنه رغم اختلاف المسارين فإن تلك التوترات قد تؤثر على ملف «سد النهضة»، وقد تتشدد أديس أبابا في مواقفها ضد القاهرة وتتسع الفجوة بين الطرفين.

بينما أكد عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية مساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير رخا أحمد حسن، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «موقف مصر الرافض دخول أي دول غير متشاطئة على البحر الأحمر لا يرتبط بملف (سد النهضة)، وكل ملف مختص بذاته ولن تقبل القاهرة أي مساومات فيهما أو ربط هذا بذاك».

انتقادات إثيوبية

وكان المتحدث باسم وزارة الخارجية الإثيوبية، نبيات غيتاتشو، قال خلال مؤتمر صحافي، الخميس، إن الحكومة المصرية تحاول تطويق وعرقلة وصول بلاده إلى البحر الأحمر. ولم يحدد تفاصيل، غير أنه أكد أن بلاده ستواصل العمل جاهدة للحصول على منفذ بحري عبر طرق سلمية، ومستدامة.

وخلال زيارته لأسمرة في 17 مايو (أيار) الحالي، التقى وزير الخارجية المصري وزير الخارجية الإريتري عثمان صالح، وشدد الجانبان على أن أمن البحر الأحمر وإدارته «يظلان مسؤولية حصرية للدول المشاطئة له».

تلك المواقف المتبادلة بين أديس أبابا ومصر بشأن البحر الأحمر تأتي وسط حراك أميركي للبحث عن حل لأزمة «سد النهضة».

وأفادت «الخارجية المصرية»، في بيان صحافي يوم 18 مايو، بأن عبد العاطي بحث خلال اتصاله مع كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس قضية السد الإثيوبي والأمن المائي المصري، مؤكداً «الرفض الكامل لأي إجراءات أحادية، وأن قضية المياه تُعدّ قضية وجودية لمصر»، وسبق ذلك بشهر زيارة بولس للقاهرة التي تناولت محادثات مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بشأن «سد النهضة» أيضاً.

السيسي يستقبل مسعد بولس كبير مستشاري رئيس الولايات المتحدة الأميركية للشؤون العربية والأفريقية في 20 أبريل الماضي (الرئاسة المصرية)

ويؤكد السفير رخا أحمد حسن أن الانتقادات الإثيوبية الأخيرة لمصر محاولةٌ لاختلاق أزمة تبرر عدم الاستجابة للوساطة الأميركية بشأن ملف «سد النهضة».

ويؤكد المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم، أنه «لن يتم ربط الملفين أحدهما بالآخر كنوع من المساومة؛ لأن كل ملف منفصل بذاته، وأن إثيوبيا ترى أن التحركات المصرية محاولة تحجيم الدور الإثيوبي في المنطقة على الرغم من أهميته في القرن الأفريقي».

وأضاف أن «الخلافات تطورت أكثر من سابقتها في ملف (سد النهضة)؛ فالحراك الذي يحدث الآن سيوسع الفجوة وقد ينتقل لأروقة أخرى في ظل التحالفات التي قامت بها القاهرة مع دول جوار إثيوبيا التي لها خلاف كبير مع أديس أبابا مثل أسمرة وغيرها؛ وهو ما سيكون له آثار مستقبلية في أي عملية تفاوض كان من الممكن أن تعيد الأمل لحل الخلاف في ملف (سد النهضة)».

مساران متوازيان

وكانت مصر قد أعلنت توقف مسار التفاوض مع إثيوبيا بشأن السد عام 2024 بعد جولات استمرت سنوات، مُرجعةً ذلك إلى «غياب الإرادة السياسية لدى الجانب الإثيوبي»، حسب بيانات سابقة لوزارة الموارد المائية.

وأوائل هذا الشهر، كشف مصدر مصري مطلع لـ«الشرق الأوسط» عن محاولات لإحياء «وثيقة واشنطن» التي وقَّعت عليها القاهرة في فبراير (شباط) 2020 ورفضتها أديس أبابا، لكن بصيغة معدَّلة لإيجاد توافق واسع عليها.

كبير مستشاري ترمب خلال لقاء مع الوفد الإثيوبي برئاسة وزير الخارجية منتصف الشهر الحالي (صحفة مسعد بولس عبر منصة إكس)

ويرى مساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير رخا أحمد حسن، أن إثيوبيا عادةً ليس لديها استعداد لحل أزمة «سد النهضة» منذ أكثر من عقد، وأي ربط للملفين يُصعّب الوصول إلى اتفاق، خاصة وأن ملفي البحر الأحمر والسد منفصلان عند مصر، مشيراً إلى أنه يتشكك في جدية الإدارة الأميركية بشأن الضغط على أديس أبابا، خاصة وأنها لم تعلن خطة واضحة ولا نوايا لاجتماع قريب.

ويرى المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم، أن الكثير من الجهات والقوى الدولية فشلت في إنهاء الخلاف بين القاهرة وأديس أبابا، لكن «واشنطن قد تنجح في مساعيها للوصول في تفاهمات بشأن ملفي السد والبحر الأحمر في حال استخدمت أسلوب العصا والجزرة على الدولتين مقابل بعض التسهيلات والمزايا».


مصر تُصعّد ضد حسابات «إخوانية»... ما دلالات التوقيت؟

مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
TT

مصر تُصعّد ضد حسابات «إخوانية»... ما دلالات التوقيت؟

مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)

اتخذت السلطات المصرية إجراءات تصعيدية ضد حسابات «سوشيالية» أغلبها لأشخاص موالين لجماعة «الإخوان المسلمين»، التي تحظرها الحكومة، بسبب «التحريض ضد الدولة»، في خطوة أثارت تساؤلات بشأن «دلالات التوقيت».

وحسب خبراء فإن «الإجراء يأتي في توقيت زاد فيه التحريض الرقمي على منصات التواصل». وتوقعوا «خطوات أخرى ضد الجماعة والموالين لها والمحرضين ضد الدولة».

وأصدرت النيابة العامة، مساء الخميس، «قراراً بحجب حسابات عدد من صانعي المحتوى على كل منصات التواصل الاجتماعي (فيسبوك، وإكس، وانستغرام، وتيك توك، وتلغرام)، وذلك لتحقيق إجراءات تنظيم المحتوى الرقمي والتعامل مع المخالفات القانونية».

وضمت قائمة أسماء الحسابات المطلوب غلقها على منصات التواصل ومنع الوصول إليها داخل مصر كلاً من: يحيى إبراهيم موسى (أحد مؤسسي حركة «حسم» الإرهابية)، وإعلاميين بينهم سامي كمال الدين، وهيثم أبو خليل، وأسامة جاويش، وهشام صبري، ومحمد ناصر، وعبد الله الشريف.

وتعود آخر العمليات المنسوبة لحركة «حسم» إلى عام 2019، حين اتهمتها السلطات بـ«التورط في تفجير سيارة بمحيط (معهد الأورام) في القاهرة، ما أسفر عن مقتل 22 شخصاً وإصابة العشرات».

كما نُسب إليها «محاولة استهداف مفتي مصر الأسبق، علي جمعة، والنائب العام المساعد، إلى جانب اغتيال رئيس مباحث طامية بمحافظة الفيوم في 2016، وهو العام الذي شهد إعلان الحركة عن نفسها رسمياً».

وأكدت «النيابة» في إفادتها أن «تنفيذ قرارات الحجب يأتي بالتنسيق مع الشركات المالكة للمنصات الرقمية، وذلك وفقاً للإجراءات القانونية المنظمة في إطار متابعة المحتوى المنشور عبر وسائل التواصل الاجتماعي، واتخاذ ما يلزم من إجراءات قانونية تجاه الحسابات التي يثبت مخالفتها للضوابط والقوانين المعمول بها».

مقر النائب العام المصري (الصفحة الرسمية لمكتب النائب العام على «فيسبوك»)

الخبير الأمني، اللواء فاروق المقرحي، قال لـ«الشرق الأوسط» إن «الحجب إجراء أمني يواجه التحريض الرقمي ويطوقه»، مؤكداً أن «(الإخوان) ومن يواليها لن يتوقفوا عن بث الشائعات»، وكما «تم مواجهة الجماعة بنجاح أمنياً وقضائياً سيتم تطويق عناصرها رقمياً أيضاً، وهذا حق الدولة»، لافتاً إلى أن توقيت الحجب بسبب زيادة التحريض الرقمي.

ويوضح الخبير في شؤون الجماعات الإرهابية، هشام النجار، لـ«الشرق الأوسط» أن «الدولة تؤسس بهذا القرار لاستقرار المجتمع وحماية المواطنين من أي مصادر لبث الشائعات»، مؤكداً أن التحريض الرقمي حالياً من تلك العناصر كان كبيراً، وبالتالي يجب أن تتحرك الدولة وتتخذ ضدهم قرار الحجب، لافتاً إلى أن وتيرة التحريض زادت خلال الأشهر الأخيرة عبر ما تبثه حركة موالية يترأسها يحيى موسى عبر منصات التواصل.

القرار المصري يأتي بعد نحو 3 أسابيع من مواجهة جماعة «الإخوان» تضييقاً أميركياً جديداً، بعد أن ربطت واشنطن بينها وبين تنظيمات إرهابية مثل «القاعدة» و«داعش»، إذ وصفتها بأنها «أصل الإرهاب الحديث».

وتحدثت إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، مؤخراً عن استراتيجية جديدة لمكافحة الإرهاب، ركَّزت في جوهرها على جماعة «الإخوان» بوصفها المنبع الفكري لـ«الإرهاب الجهادي» الحديث.

ووفق قرار النيابة العامة، مساء الخميس، فإن قرار الحجب جاء عقب الاطلاع على المحاضر المحررة من قِبَل «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات»، ورصد هذه الحسابات على منصات التواصل الاجتماعي، حيث «ثبت استخدام هذه الحسابات في نشر محتوى مسيء لمؤسسات الدولة المصرية وبث خطابات تحريضية تثير الفتنة والكراهية بين أطياف الشعب، وإذاعة معلومات مغلوطة، متجاوزين بذلك حدود الرأي والتعبير التي تبيحها تلك المنصات».

مرشد «الإخوان» محمد بديع في إحدى جلسات محاكمته (أ.ب)

ويقبع معظم قيادات «الإخوان»، وفي مقدمتهم المرشد العام محمد بديع، داخل السجون المصرية في قضايا «عنف وقتل» وقعت في مصر بعد رحيل «الإخوان» عن السلطة في عام 2013، فيما تقيم عناصر أخرى خارج البلاد.

ويرى المقرحي «أهمية أن تستمر الإجراءات الدولية والمصرية أيضاً لمواجهة (الإخوان) وعناصرها»، متوقعاً «خطوات أخرى ضد الجماعة والموالين لها والمحرضين ضد الدولة».

كما يرى النجار أن تلك الإجراءات المتواصلة لها دور مهم في تطويق التحريض والإرهاب الرقمي، وتنضم إلى تحركات مصر والعالم في تضييق الخناق على تحركات الجماعة.

في سياق ذلك، حذر الخبير في شؤون الجماعات الإرهابية، أحمد بان، «من إمكانية أن تتحايل تلك الحسابات على الحجب بتقنيات حديثة»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الإخوان» لم يعد لهم إلا «الساحة الإلكترونية» ويجب أن تكون هناك سردية مضادة متماسكة تُقدم الحقائق وترفع وعي المواطنين بهذه الشائعات، ومن ثم إفشال أفكار تلك الجماعات وأنصارها.


بعد محاكمة الهيشري... «الجنائية الدولية» تُعيد للواجهة ملف الانتهاكات بليبيا

الهيشري المتهم بارتكاب «جرائم حرب» (الجنائية الدولية)
الهيشري المتهم بارتكاب «جرائم حرب» (الجنائية الدولية)
TT

بعد محاكمة الهيشري... «الجنائية الدولية» تُعيد للواجهة ملف الانتهاكات بليبيا

الهيشري المتهم بارتكاب «جرائم حرب» (الجنائية الدولية)
الهيشري المتهم بارتكاب «جرائم حرب» (الجنائية الدولية)

سلّطت قضية الليبي خالد الهيشري، الماثل أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهمة «ارتكاب جرائم حرب واغتصاب واستعباد»، الضوء على ملف الانتهاكات في البلاد، وسط دعوات بضرورة محاسبة المتورطين كافة في عمليات تعذيب وقتل، منذ الانفلات الأمني الذي ساد ليبيا منذ عام 2011.

وانتهت المحكمة الدولية، الخميس، من جلسات «تأكيد التهم» في قضية المدعي العام ضد الهيشري (47 عاماً)، أحد المسؤولين الكبار عن سجن معيتيقة بطرابلس، فيما تبدأ الدائرة التمهيدية الأولى مداولاتها تمهيداً لإصدار قرارها خلال 60 يوماً.

وزيرة العدل في حكومة الدبيبة حليمة إبراهيم (المكتب الإعلامي للوزارة)

وقال المدعون إن الهيشري «اعتدى على سجينات، وعذبهن واغتصبهن في إطار نمط من التعذيب الجنسي»، وطلبوا من القضاة تأكيد 17 تهمة بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب؛ منها القتل والاغتصاب والاضطهاد والاستعباد، خلال الفترة الممتدة من فبراير (شباط) 2015 حتى أوائل 2020.

ومنذ اعتقال الهيشري في يوليو (تموز) 2025 خلال وجوده بألمانيا، اعتبر حقوقيون ونشطاء ليبيون هذا الإجراء «خطوة إيجابية» للحد من الانتهاكات، التي ترتكبها تشكيلات مسلحة بحق محتجزين ومهاجرين غير نظاميين.

وسبق أن صرح الحاسي، الإعلامي الليبي، عقب توقيف الهيشري، بأن «جلادي السجون الليبية يواجهون أسوأ كوابيسهم، حيث صاروا اليوم يُسحبون مثل الفئران المذعورة من بوابات المطارات الأوروبية دون أي حصانة، ولا أرتال ولا ميليشيات تحميهم».

ومعيتيقة سجن كبير كانت تديره بشكل كامل ميليشيا «جهاز الردع»، بقيادة عبد الرؤوف كارة، ذي التوجه السلفي. وذكر المدعون العامون أن الهيشري، الذي كان يشرف أيضاً على جناح النساء في السجن «سيئ السمعة»، عرف عنه بأنه كان يعذب بلا رحمة، مما دفع المعتقلين إلى تلقيبه بـ«عزارئيل».

وقال رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان، الدكتور عبد المنعم الحُر، إن قضية الهيشري تضع المحكمة الدولية «أمام تحديات قانونية، تتطلب دقة متناهية لضمان عدالة الإجراءات»، مشدداً على «ضرورة أن تستند التهم الموجهة إلى معايير واضحة في القانون الدولي الإنساني والقانون الجنائي الدولي، بعيداً عن التسييس، مع مراعاة (مبدأ التكامل) الذي يعطي الأولوية للقضاء الوطني، إذا كان قادراً وراغباً في الملاحقة».

محاسبة باقي «المتورطين»

عبّر الحُر، الذي حضر جلسة «تأكيد التهم» الموجهة للهيشري بالمحكمة في لاهاي، عن رفضه «أي محاولة لاختزال النزاع في قضية فردية؛ فالمطالبة بالعدالة للهيشري يجب أن تكون فاتحة لمسار شامل، يحاسب كل المتورطين في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في ليبيا، دون استثناء».

أسامة نجيم الرئيس السابق لجهاز الشرطة القضائية في غرب ليبيا (حسابات موثوقة على وسائل التواصل)

وسبق أن أعلن كريم خان، المدعي العام لـ«الجنائية الدولية»، عن قائمة تضم كثيراً من المطلوبين للمحكمة بتهم «التعذيب والقتل». فيما لا تزال 8 أوامر قبض سارية المفعول، بانتظار تنفيذها ضد كل من أسامة نجيم، آمر جهاز الشرطة القضائية السابق في ليبيا، بالإضافة إلى عبد الرحيم الشقاقي، ومخلوف ارحومة دومة، وناصر مفتاح ضو، ومحمد الصالحين سالمي، وعبد الباري عياد الشقاقي، وفتحي الزنكال، إلى جانب سيف الإسلام القذافي، الذي سقطت المطالبة به لوفاته.

وشدد الحر في تصريحه لـ«الشرق الأوسط»، على التمسك بـ«سيادة القانون الدولي، وعدم الإفلات من العقاب»، متحدثاً عن «إشكالية تكمن في مدى قدرة الادعاء على تقديم أدلة دامغة، تربط المسؤولية الجنائية الفردية للمتهم بالانتهاكات المنسوبة إليه، خصوصاً في ظل بيئة نزاع معقدة كالتي تشهدها ليبيا».

وكشفت وثائق المحكمة الجنائية أن الهيشري لم يقدم رداً رسمياً بعد على التهم المذكورة، لكنّ محاميه طلبوا من القضاة رفض التهم، وطعنوا في اختصاص المحكمة في نظر هذه القضية. وقال الحر: «ما يهمنا في المنظمة إنسانية القضية؛ فخلف كل تهمة حقوق مهضومة وضحايا ينتظرون الإنصاف منذ سنوات».

لذا دعا الحر المحكمة إلى «تفعيل مشاركة الضحايا في الإجراءات بشكل أوسع، وضمان وصول صوتهم إلى قاعة المحكمة، ليعبروا عن حجم معاناتهم وما تعرضوا له من انتهاكات جسيمة».

وتفاعل سياسيون ونشطاء ومنظمات حقوقية في ليبيا مع مثول الهيشري أمام «الجنائية الدولية»، وطالبوا بمحاسبة باقي «المتورطين» في قضايا تعذيب وقتل، مشيرين إلى أن «جرائم الميليشيات المرتكبة بحق سجناء ومواطنين ومهاجرين ستظل تطاردهم»، وأن المحكمة «ستظل سيفاً على رقاب من لم تطله يد العدالة في ليبيا».

وفد من المحكمة الجنائية الدولية يلتقي النائب العام في ليبيا نوفمبر 2024 (مكتب النائب العام)

وقال الحر إننا «نراقب من كثب مدى التزام المحكمة الجنائية بالحياد التام؛ وننتظر أن تكون هذه القضية لبنة حقيقية في بناء دولة القانون بليبيا، وليس مجرد إجراء شكلي في أروقة المحاكم الدولية»، مشدداً على «عدم الإفلات من العقاب».

واعتقلتت السلطات الإيطالية نجيم في يناير (كانون الثاني) 2025، بناءً على مذكرة اعتقال صادرة عن «الجنائية الدولية» لاتهامه بارتكاب «جرائم قتل وتعذيب واغتصاب معتقلين في ليبيا»، لكنها أطلقت سراحه وأعادته إلى طرابلس على متن طائرة حكومية.

وأثار إطلاق سراحه غضباً بين أحزاب المعارضة الإيطالية، وأدى إلى تحقيق قانوني مع رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، وعدد من مسؤولي الحكومة.

وبحسب رئيس المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا، أحمد عبد الحكيم حمزة، الذي حضر الجلسات، فإن قضية الهيشري تدخل مرحلة المداولات السرية داخل الدائرة التمهيدية للمحكمة، وسيراجع القضاة الأدلة المقدمة من الادعاء، وردود ومرافعات فريق الدفاع وشهادات الضحايا والمذكرات المرتبطة بالقضية.

وقال حمزة: «مهما طال زمن الإفلات من العقاب، فلن يفلت مرتكبو انتهاكات حقوق الإنسان في ليبيا من المحاسبة والمساءلة عبر جميع الوسائل القانونية والقضائية والحقوقية المحلية والدولية؛ بما يكفل للضحايا حقوقهم في الوصول إلى العدالة والإنصاف».

وتنظر المحكمة الجنائية الدولية في مزاعم «جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية» بليبيا، منذ أن أحال مجلس الأمن الدولي القضية إلى المحكمة في 2011.