كاتبان عربيان يُعيدان تعريف الفانتازيا من جدة إلى السويد

حين يصبح الخيال مساحة للفلسفة

إقبال واسع على كتب الفانتازيا العربية في معرض جدة للكتاب (الشرق الأوسط)
إقبال واسع على كتب الفانتازيا العربية في معرض جدة للكتاب (الشرق الأوسط)
TT

كاتبان عربيان يُعيدان تعريف الفانتازيا من جدة إلى السويد

إقبال واسع على كتب الفانتازيا العربية في معرض جدة للكتاب (الشرق الأوسط)
إقبال واسع على كتب الفانتازيا العربية في معرض جدة للكتاب (الشرق الأوسط)

لم تعد الفانتازيا في المشهد الأدبي العربي مجرّد عوالم سحرية للهروب من الواقع، بل تحوَّلت، في تجارب جيل جديد من الكتّاب العرب، إلى أداة فكرية حادّة، تُناقش القضايا الأكثر حساسية: الهوية، والاختلاف، والسلطة، والمنفى، والخوف المعاصر.

في معرض جدة الدولي للكتاب، وتحديداً في جناح مركز الأدب العربي، بدا هذا التحوّل واضحاً، حين التقى كاتبان عربيان شابان جمعتهما الدراسة في الخارج، وحبّ هذا الخط الكتابي، واختلاف الجغرافيا، ووحدة الأسئلة.

الأول هو عبد العزيز السيهاتي، كاتب سعودي قدَّم 8 روايات فانتازية ذات بُعد فلسفي، والثاني الوليف قتيبة قصاب باشي، كاتب سوري مقيم في السويد منذ عام 2015، يكتب الفانتازيا والرعب والفلسفة من قلب تجربة المنفى.

الفانتازيا العربية... لماذا الآن؟

تُشير تقارير هيئة الأدب والنشر والترجمة في السعودية إلى تنامي الإقبال على الأنواع السردية غير التقليدية، وعلى رأسها الفانتازيا والخيال، خصوصاً بين القرّاء الشباب، مع تحوّل هذه الأنواع إلى مساحة لمناقشة قضايا فكرية وإنسانية بعيداً عن المباشرة والخطاب الوعظي. هذا التحوّل لا ينفصل عن اتّساع فرص النشر والدعم الثقافي، وتجربة الابتعاث والدراسة في الخارج، والاحتكاك بثقافات مختلفة أعادت طرح سؤال «مَن نحن؟» بصيغة جديدة.

الفانتازيا كونها حماية للفكرة

في أعمال عبد العزيز السيهاتي، لا تأتي الفانتازيا على هيئة زخرفة سردية، بل آلية واعية لتجريد الفكرة من الاتهام المباشر.

في رواية «تعويذة محرّمة»، يرسم عالماً يُعاقَب فيه كلّ مَن يملك كتاباً، وتُعدم الكتب لكونها خطراً وجودياً. من قلب هذا القمع، تصل إحدى النسخ المنقَذة إلى مكتبة الأكاشا، المكتبة الأسطورية القادرة على إخراج شخصيات الكتب إلى الواقع.

من جلجامش إلى نصوص فلسفية حديثة، ومن الكلاسيكيات إلى أعمال معاصرة، تخرج الشخصيات لتحقيق غايات محدَّدة، في فانتازيا فلسفية تناقش السلطة، والمعرفة، والخوف من الكلمة.

وفي رواية أخرى، «ذات الجناحين القرمزيين»، يختار السيهاتي الرمز بدل الخطاب. فتاة خُلقت بجناحَيْن بلونَيْن مختلفين في عالم تحكمه ألوان محدّدة، لتتحوّل هذه الخصوصية إلى سبب للنبذ.

الجناحان هنا ليسا سوى استعارة عن الاختلاف بكل أشكاله: الديني، واللغوي، والثقافي، والعرقي.

يقول السيهاتي إنّ اختياره للفانتازيا يعود إلى «حرّية الفكرة»، إذ يمكن مناقشة القضايا دون أن تُسقَط على أشخاص أو دول بعينها، وهو توجّه ينسجم مع رؤية وزارة الثقافة السعودية في دعم التنوّع السردي والابتكار الأدبي.

قتيبة قصاب باشي: الفانتازيا مساحة نجاة

على الضفّة الأخرى من التجربة، يكتب قتيبة قصاب باشي من السويد، حيث استقر منذ عام 2015.

تأتي روايته الأشهر «عزير» لكونها عملاً فانتازياً فلسفياً يناقش وضع العرب والمسلمين في المجتمعات الغربية، مُتّكئاً على تجربة شخصية عاشها الكاتب مع عائلته.

في الرواية، تتقاطع قضايا: المرأة العربية في الغرب، ونظرة الشرق الأوسط إلى الغرب والعكس، والمرأة في الأديان، ومفاهيم الخلاص، والعقاب، والهوية.

ويمزج قصاب باشي بين السرد الروائي والفلسفة والدين، مستحضراً شخصيات وأفكاراً من المسيحية والإسلام والتحليل النفسي، من صَلب المسيح إلى فرويد، من دون الوقوع في خطاب تصادمي. وقد لاقت الرواية انتشاراً واسعاً في دول الخليج وأوروبا، لتصبح من أكثر أعماله تداولاً.

إبليس... من السرد الديني إلى الفانتازيا السياسية

في روايته «بروتوكولات حكماء العالم»، يذهب قصاب باشي إلى منطقة أكثر جرأة، فيعيد قراءة قصة إبليس، لا من زاوية آدم وحواء، بل من وجهة نظر إبليس نفسه. الرواية تستند إلى مصادر إسلامية خالصة، مع مقاربة نقدية للإسرائيليات، وتنسج فانتازيا سياسية تتقاطع فيها بدايات الخلق، والتحالفات البشرية، والتنظيمات السرية، والماسونية.

هنا، لا يُقدَّم إبليس بوصفه رمزاً ميتافيزيقياً فقط، بل على أنه فاعل في التاريخ البشري، في عمل فانتازي كامل، يحرص -وفق الكاتب- على عدم الاصطدام مع العقيدة الإسلامية، بل على محاورتها.

الرعب النفسي والكارما الحديثة

في رواية «عشرة ميليغرام»، ينتقل قصاب باشي إلى الرعب النفسي، عبر شخصية طبيب نفسي متخصّص في المخدرات، يعود بعد 20 عاماً للتحقيق في جريمة قديمة بأسلوب انتقام سيكولوجي خالص.

الرواية، ذات الطابع السوداوي، تستلهم الأدب الروسي، لكنها تُعيد صياغته بلسان عربي معاصر، وتناقش الإدمان، والذنب، والعدالة النفسية، بعيداً عن العنف المباشر.

جيل يكتب الخيال بوعي فلسفي

رغم اختلاف السياقَيْن، يلتقي السيهاتي وقصاب باشي عند نقطة مركزية: الفانتازيا ليست هروباً، بل أداة تفكير. السيهاتي يستخدمها لتجريد الفكرة من الاتهام، وقصاب باشي يستخدمها مساحة نجاة وتأمُّل في تجربة المنفى. كلاهما ينتمي إلى جيل عربي درس في الخارج ويكتب من مسافة نقدية، ويرى القارئ شريكاً في التأويل، لا متلقياً سلبياً.

من الورق إلى الشاشة؟

يحظى هذا النوع من الأدب باهتمام متزايد من القرّاء، ومعه تتصاعد المطالب بتحويل هذه الأعمال إلى أفلام أو مسلسلات. وإنما الكاتبان يتفقان على أنّ عوالم الفانتازيا العربية، بما تحمله من عمق رمزي وتعقيد بصري، تحتاج إلى إنتاج واعٍ يحترم النص قبل تحويله إلى صورة.

ما بين جدة واستوكهولم، تتشكّل ملامح فانتازيا عربية جديدة، لا تهرب من الواقع، بل تعود إليه مُحمّلة بالأسئلة؛ فانتازيا تكتب الخيال، لكنها تفكّر بعمق في الإنسان.


مقالات ذات صلة

النجمة العالمية شاكيرا تُحيي الحفل الغنائي لجائزة السعودية الكبرى لـ«الفورمولا 1» بجدة

رياضة سعودية شاكيرا (الشرق الأوسط)

النجمة العالمية شاكيرا تُحيي الحفل الغنائي لجائزة السعودية الكبرى لـ«الفورمولا 1» بجدة

أعلنت شركة «رياضة المحركات» السعودية، الجهة المروّجة لجائزة السعودية الكبرى لـ«الفورمولا 1»، عن مشاركة النجمة العالمية شاكيرا في الحفل الغنائي لحلبة كورنيش جدة.

«الشرق الأوسط» (جدة)
يوميات الشرق تحتل السفن الخشبية موقع القلب في تجربة المهرجان (هيئة التراث)

مهرجان «شراع» في جدة يستحضر ذاكرة البحر ويحولها إلى تجربة معاصرة

في مشهد ثقافي يتقاطع فيه البحر مع الذاكرة، والمكان مع الهوية، قدمت هيئة التراث في السعودية مهرجان السفن الخشبية «شراع» على شاطئ «الحمراء» في مدينة جدة.

سعيد الأبيض (جدة)
الاقتصاد رسم تخيلي لمشروع «ترمب بلازا جدة» الذي يعد ثالث مشروع بين «دار غلوبال» و«منظمة ترمب» في السعودية (الشرق الأوسط)

«دار غلوبال» و«منظمة ترمب» تطلقان مشروعاً جديداً في جدة باستثمارات تتجاوز مليار دولار

أعلنت شركة «دار غلوبال» و«منظمة ترمب» توسيع محفظتهما الاستثمارية في السوق السعودية، عبر إطلاق مشروع «ترمب بلازا جدة» الذي تُقدَّر قيمته بأكثر من مليار دولار.

«الشرق الأوسط» (جدة)
يوميات الشرق بلغ وزن درع شعار «موسم جدة» 8.769 كيلوجرام من الذهب (واس)

شعار «موسم جدة» أثقل درع من الذهب

سجَّلت موسوعة «غينيس» للأرقام القياسية شعار «موسم جدة»، بوصفه أثقل درع لشعار مصنوع من الذهب في العالم، بوزن بلغ 8.769 كيلوغرام.

«الشرق الأوسط» (جدة)
الاقتصاد جانب من عمليات إنجاز السفر للمسافرين إلى موسكو من مطار الملك عبدالعزيز في جدة غرب السعودية.(الشرق الأوسط)

مطار الملك عبد العزيز يدشّن أولى رحلاته المباشرة إلى موسكو

أعلن مطار الملك عبدالعزيز الدولي في جدة (غرب السعودية) تدشين أولى الرحلات المباشرة إلى العاصمة الروسية موسكو.

«الشرق الأوسط» (جدة)

إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
TT

إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)

أنهى ولي العهد البريطاني الأمير ويليام جولة له في العلا التاريخية، أمس، في إطار زيارته للمملكة العربية السعودية، وذلك بعد إعلان السعودية والمملكة المتحدة 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً لتعزيز التبادل الثقافي والفني والتعليمي بين البلدين الصديقين.

وكان وزير الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان قد استقبل الأمير ويليام، واصطحبه في جولة شملت أبرز المعالم الأثرية، إضافة إلى البلدة القديمة بالعلا ومحمية شرعان الطبيعية.

ورحّب وزير الثقافة السعودي بالأمير ويليام في تغريدة على حسابه على موقع «إكس»، قائلاً: «أهلاً بسمو الأمير ويليام، أمير ويلز، في العلا، حيث يعزز التعاون بين الهيئة الملكية لمحافظة العلا والمؤسسات الثقافية البريطانية الشراكة الاستراتيجية والتاريخية بين البلدين الصديقين».


نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).


رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
TT

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

ونعت الأوساط الثقافية والأدبية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل بضعة أشهر دخل على أثرها العناية المركزة.

ووجَّه الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

واستذكر المعزون رحلة السريحي الذي بذل عمره ووقته وجهده في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وقدم الكثير من العطاءات والإنتاج الذي سجله واحد من رواد الثقافة والأدب في العالم العربي.

ولد السريحي بمدينة جدة عام 1953، وتأثر منذ صغره ببيئتها الثقافية المتنوعة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وهو صاحب الأطروحة الشهيرة «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية آنذاك، وأصبحت مرجعاً أساسياً في نقد الحداثة.

وارتبط اسم الراحل بتجربته في أروقة الصحافة، والأندية الأدبية، حيث عمل مشرفاً على القسم الثقافي لصحيفة «عكاظ» السعودية، ولسنوات طويلة رعى حراكاً صحافياً لم تهدأ وتيرته، وتبلور فيها قلمه النقدي الذي جمع بين الفلسفة والأدب والاجتماع.

وفي فترتي الثمانينات والتسعينات، كان للسريحي وجيل من المثقفين والأدباء من مجايليه صولات في حقبة الأندية الأدبية، وأسهم من خلال دوره وحضوره في نادي جدة الأدبي، في صياغة ملامح الحراك الثقافي السعودي الذي ازدهر بجدال الأفكار والاتجاهات.

وتحولت قصة نيل السريحي لدرجة «الدكتوراه» رمزاً للصراع بين تيار الحداثة والتيار التقليدي في الثمانينات، عندما توجَّه إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة بأطروحته «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي قدم فيها تشريحاً نقدياً عميقاً للغة الشعرية، مستخدماً أدوات نقدية حديثة. لكن قرار إدارة الجامعة المفاجئ بسحب الدرجة العلمية أو حجبها، تسبَّب في اندلاع جدل واسع وتضامن من كبار المثقفين العرب والسعوديين.

وقدَّم السريحي مجموعة إصدارات مهمة عكست قدرته على تفكيك النصوص وإعادة قراءتها بعيداً عن القوالب الجاهزة، ومن أهم مؤلفاته «تقليب الحطب على النار» وهو دراسات في السرد، و«حجاب العادة» أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، و«غواية الاسم» في سيرة القهوة وخطاب التحريم، و«الحياة خارج الأقواس» التي سجل فيها سيرة ذاتية وفكرية سرد فيها محطات من حياته بأسلوب أدبي رفيع.