لماذا يرفع لبنان سقف المواجهة السياسية مع إيران؟

الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رجي وعراقجي خلال زيارة وزير الخارجية الإيراني إلى بيروت في يونيو 2025 (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رجي وعراقجي خلال زيارة وزير الخارجية الإيراني إلى بيروت في يونيو 2025 (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)
TT

لماذا يرفع لبنان سقف المواجهة السياسية مع إيران؟

الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رجي وعراقجي خلال زيارة وزير الخارجية الإيراني إلى بيروت في يونيو 2025 (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رجي وعراقجي خلال زيارة وزير الخارجية الإيراني إلى بيروت في يونيو 2025 (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

تشهد العلاقات بين بيروت وطهران مرحلة غير مسبوقة من التوتر، تعكس تحوّلاً واضحاً في مقاربة الدولة اللبنانية لملف العلاقة مع إيران، خصوصاً ما يتصل بسلاح «حزب الله» وحدود التدخل الإيراني في الشؤون الداخلية اللبنانية.

ولم يعد الأمر محصوراً في مواقف إعلامية أو تسريبات سياسية، بل برز عبر قرارات رسمية ومواقف صدرت عن أعلى المستويات في لبنان.

أبرز مؤشرات هذا التصعيد تمثل في موقف وزير الخارجية اللبناني يوسف رجّي، الذي رفض دعوة نظيره الإيراني عباس عراقجي لزيارة طهران، كما رفض عقد لقاء معه في دولة محايدة، وفق ما أعلن قبل أيام.

وكشف مصدر رسمي لبناني بارز لـ«الشرق الأوسط»، أن هذا الرفض «لا ينطلق من اعتبارات بروتوكولية أو شخصية، بل من موقف سياسي واضح، مفاده أن العلاقات اللبنانية - الإيرانية لا يمكن أن تستقيم إلا إذا كانت ندّية، وحصرت إيران تعاطيها مع الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعيّة دون أي فريق آخر».

أرشيفية لوزير الخارجية اللبناني يوسف رجي وهو يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي ببيروت في يونيو 2025 (إرنا)

جوهر الأزمة بين البلدين يتمثّل في الدعم الإيراني المطلق لـ«حزب الله»، وتعامل طهران معه كفصيل عسكري يتبع سلطة «الحرس الثوري»، وكقوة موازية للدولة اللبنانية تتجاوز مؤسساتها الشرعية في قرارات الحرب والسلم.

ويرى المصدر الرسمي، الذي يرفض ذكر اسمه، أن استمرار السياسة الإيرانية الحالية في التعاطي مع الملف اللبناني «يزيد من تعقيدات المشهد الداخلي، ويعرض لبنان لخطر حربٍ إسرائيلية جديدة، في ظل واقع إقليمي هشّ وعجز لبناني اقتصادي وعسكري لا يحتمل مغامرات إضافية».

لا يقتصر التشنّج القائم بين البلدين على موقف وزارة الخارجية اللبنانية، بل ظهر في تصريحات نُسبت إلى رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون قال فيها إنه رفض استقبال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني خلال زيارته الأخيرة إلى بيروت.

وهذا الرفض، وفق المصدر الرسمي، يُعد «رسالة سياسية مباشرة، مفادها أن الدولة اللبنانية لم تعد تقبل بقنوات موازية أو علاقات خارج الأطر الرسمية والدستورية». ويشير إلى أن «هذا الموقف يمثّل الثابت للدولة اللبنانية، وعندما تغيّر طهران من مقاربتها للواقع اللبناني، نحن نرحّب بها، شرط أن تكون العلاقات بين المؤسسات الدستورية والرسمية نديّة وليست علاقات تبعيّة».

وذكّر المصدر الرسمي بأن الرئيس عون سبق له أن أبلغ رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف، خلال زيارة الأخير للبنان ومشاركته في تشييع أمين عام «حزب الله» حسن نصر الله، أن لبنان «تعب من حروب الآخرين على أرضه، وآن للشعب اللبناني أن يرتاح من الحروب والمآسي»، في إشارة إلى أن «حرب الإسناد» التي فتحها «حزب الله» لمساندة غزّة هي قرار إيراني.

وفي آخر موقف إيراني حول العلاقة بين طهران وبيروت، قال إسماعيل بقائي المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، الأحد، إن «إيران تفضّل تجنب أي تصريحات من شأنها صرف لبنان عن التركيز على سيادته ووحدة أراضيه». وجدّد الدعوة «إلى أصدقائنا اللبنانيين للحوار»، قائلاً إن «الخطر الحقيقي الذي يهدد سيادة لبنان وكرامته يتمثّل في أطماع وهيمنة إسرائيل».

وأشار إلى أن إجراءات تعيين السفير الإيراني الجديد قد أُنجزت، معرباً عن الأمل في استكمال المسار المعتمد ومباشرته مهامه قريباً.

دعم «حزب الله»

من جانبه أكد علي أكبر ولايتي، مستشار خامنئي للشؤون الدولية، أن بلاده ستوصل دعم «حزب الله». وقال ولايتي خلال استقباله ممثل الحزب في طهران عبدالله صفي الدين إن «حزب الله أحد أهم أعمدة محور المقاومة، يلعب دوراً أساسياً في مواجهة الصهيونية». وأضاف أن «الجمهورية الإسلامية الإيرانية، تحت قيادة وتوجيهات قائد الثورة الإسلامية، ستواصل بحزم دعمها لـ(حزب الله) الذي يقف بالخطوط الأمامية للمقاومة».

الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلاً في شهر فبراير الماضي وفداً إيرانياً يضم رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي والسفير الإيراني لدى لبنان مجتبى أماني (الرئاسة اللبنانية)

مع العلم أن اتساع مساحة التباعد ما بين بيروت وطهران مبنيّ على تراكمات من التدخلات الإيرانية في الشأن اللبناني، ومواقف مسؤولين إيرانيين تعكس رؤية إيرانية تعتبر سلاح الحزب جزءاً من منظومة الأمن الإقليمي لطهران، وليس ملفاً سيادياً لبنانياً خالصاً.

مناصرون يحملون أعلام «حزب الله» اللبناني في بيروت (رويترز)

وسبق لعلي شمخاني، مستشار المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، أن أعلن صراحة أن «محاولات نزع سلاح (حزب الله) ستفشل»، معتبراً أن هذا السلاح هو «سلاح الشعب اللبناني للدفاع عن أرضه ضد إسرائيل»، ورافضاً أي نقاش حول تسليمه للدولة اللبنانية.

وأكد المصدر الرسمي اللبناني أن «المواقف الإيرانية تتناقض مع منطق الدولة اللبنانية التي تسعى إلى حصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية، وتطبيق الدستور والقرارات الدولية». وشدد على أن «قرار حصر السلاح اتُّخذ ولا رجعة عنه، وهو يطبّق بدءاً من جنوب الليطاني. وكلّ الأصوات المعترضة في الداخل والخارج لن تغيّر شيئاً في سياسة الدولة التي اتخذت قراراً بفرض سلطتها وسيادتها على كلّ الأراضي اللبنانية».

ويعكس التوتر الحالي صراعاً عالي السقف ما بين مشروع الدولة اللبنانية الساعية إلى استعادة سيادتها وقرارها الحر، وبين المشروع الإيراني الذي يرى في لبنان ساحة متقدمة ضمن صراع أوسع مع إسرائيل والغرب.


مقالات ذات صلة

وفد أوروبي في بيروت داعماً الإصلاحات: لا مكان للميليشيات المسلحة

المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلاً رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين (الرئاسة اللبنانية)

وفد أوروبي في بيروت داعماً الإصلاحات: لا مكان للميليشيات المسلحة

في إطار الحراك الدولي والإقليمي باتجاه بيروت أتت جولة الوفد الأوروبي برئاسة رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين

«الشرق الأوسط» (بيروت)
تحليل إخباري جلسة للحكومة عُقدت برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون (رئاسة الجمهورية)

تحليل إخباري لبنان: هاجس «الترويكا» حال دون إصدار موقف موحد كان يفضّله عون

أبدت مصادر وزارية ارتياحها لمواقف رؤساء الجمهورية العماد جوزيف عون والبرلمان نبيه بري والحكومة نواف سلام بتأييدهم الإنجاز الذي حققه الجيش اللبناني.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والوفد المرافق (الرئاسة اللبنانية)

عراقجي في بيروت... وتشديد لبناني على «سيادة الدولة»

جدّد المسؤولون في لبنان التأكيد على مواقفهم لجهة إقامة علاقات متوازنة وسليمة مع إيران تقوم على الاحترام المتبادل لسيادة الدول.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي كوستا وفون دير لاين في أثناء حديثها في مؤتمر صحافي عقب اجتماعها مع الرئيس اللبناني جوزيف عون (إ.ب.أ)

«الاتحاد الأوروبي»: 722 مليون دولار لإعادة إعمار سوريا... وسنواصل دعم لبنان

أعلن الاتحاد الأوروبي عن خطوات جديدة لتعزيز استقراره في المنطقة، من خلال دعم إعادة الإعمار في سوريا، مع التأكيد على استمرار دعمه للبنان.

«الشرق الأوسط» (دمشق) «الشرق الأوسط» (بيروت)
خاص رئيس المجلس الإسلامي الشيعي في لبنان الشيخ الراحل محمد مهدي شمس الدين (غيتي)

خاص شمس الدين: لا يجوز أن يوجد مشروع خاص للشيعة داخل أوطانهم

«الشرق الأوسط» تنشر وثيقة عن حوار بين رئيس المجلس الإسلامي الشيعي في لبنان الشيخ الراحل محمد مهدي شمس الدين وأعضاء قريبين من بيئة «حزب الله»، عام 1997؟

«الشرق الأوسط» (لندن)

وفد أوروبي في بيروت داعماً الإصلاحات: لا مكان للميليشيات المسلحة

الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلاً رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلاً رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين (الرئاسة اللبنانية)
TT

وفد أوروبي في بيروت داعماً الإصلاحات: لا مكان للميليشيات المسلحة

الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلاً رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلاً رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين (الرئاسة اللبنانية)

في إطار الحراك الدولي والإقليمي باتجاه بيروت أتت جولة الوفد الأوروبي برئاسة رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، حيث تركزت اللقاءات مع المسؤولين اللبنانيين على الأوضاع الأمنية والسياسية في لبنان والمنطقة، وكان تأكيداً على دعم مؤسسات الدولة والإصلاحات التي تحققت، وتشديداً على ضرورة نزع سلاح «حزب الله» بالكامل وبأنه «لا مكان للميليشيات المسلحة»، مُرحباً بالجهود الرامية إلى فتح حوار مع إسرائيل.

رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال لقاء الرئيس جوزيف عون (الرئاسة اللبنانية)

عون للوفد: لإلزام إسرائيل احترام وقف النار

واستهل الوفد جولته بلقاء رئيس الجمهورية جوزيف عون الذي دعا خلال اللقاء، الاتحاد الأوروبي إلى الضغط من أجل إلزام إسرائيل احترام اتفاق وقف الأعمال العدائية، وانسحابها من المناطق التي تحتلها ليستكمل الجيش اللبناني انتشاره حتى الحدود الدولية.

وشدد على أهمية مساعدة الدول الأوروبية للجيش وللبنان بشكل عام، لما فيه مصلحة اللبنانيين والأوروبيين على حد سواء، مؤكداً أن عدم استقرار لبنان من شأنه أن ينعكس سلباً على الوضع في القارة الأوروبية ككل، وهو ما لا يرغب فيه احد.

وإذ جدد الترحيب برغبة بعض الدول الأوروبية في بقاء قوات منها في الجنوب اللبناني بعد انتهاء عمل قوات «يونيفيل»، رأى الرئيس عون أنه آن الأوان لعودة النازحين السوريين إلى بلدهم، بمساعدة الحكومة السورية وأوروبا أيضاً.

انتخاب عون وتشكيل الحكومة نقطة تحول

وبعد اللقاء عقد كل من كوستا وفون دير لاين مؤتمراً صحافياً، أكدا خلاله دعم الاتحاد الأوروبي الكامل للبنان في مسار استقراره السياسي والأمني.

وشدد كوستا على أن استقرار لبنان ليس شأناً داخلياً فحسب، بل عنصر أساسي لاستقرار المنطقة بأسرها. وأكد التزام الاتحاد بسيادة لبنان وسلامة أراضيه، عادَّاً أنه لا مكان للميليشيات المسلحة لأنها تقوّض أمن الدولة واستقرارها، مُرحّباً بقيادة الرئيس عون مسار إرساء حصرية السلاح بيد الدولة. كما أشاد بإعلان الحكومة إتمام المرحلة الأولى من نزع سلاح «حزب الله»، وبمشاركة ممثلين مدنيين من لبنان وإسرائيل في لجنة مراقبة وقف إطلاق النار، عادَّاً ذلك خطوة متقدمة، ومشدداً على أن الاستقرار الدائم لا يتحقق بالوسائل العسكرية وحدها. وأكد استعداد الاتحاد الأوروبي لمواصلة دعم لبنان في ظل المتغيرات الإقليمية، في ضوء العلاقات البنّاءة مع القيادة السورية الجديدة.

3 محاور للدعم الأوروبي

من جهتها، شددت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين على عمق الشراكة التاريخية بين أوروبا ولبنان، مؤكدة الاستعداد لتطويرها بما يخدم الاستقرار والأمن والازدهار المشترك. وأوضحت أن الدعم الأوروبي يرتكز على ثلاثة محاور أساسية، أولها مواكبة الإصلاحات، مذكّرة بحزمة الدعم البالغة مليار يورو التي أُعلن عنها في مايو (أيار) 2024، وعدَّت أن إصلاح القطاع المصرفي يشكل مدخلاً أساسياً للاستقرار الاقتصادي والتوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي.

لنزع سلاح «حزب الله» بالكامل

وفي المحور الأمني، أكدت فون دير لاين أهمية دعم الجيش اللبناني والقوى الأمنية، وضرورة احترام وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، والحفاظ على سيادة لبنان وسلامة أراضيه، مشددة على ضرورة نزع سلاح حزب الله بالكامل، ومرحبة بإتمام المرحلة الأولى من خطة نزع السلاح جنوب نهر الليطاني وبالجهود الرامية إلى فتح حوار مع إسرائيل.

أما في ملف النزوح، فأكدت استمرار دعم اللاجئين والمجتمعات المضيفة في لبنان، بالتوازي مع دعم العودة الآمنة والطوعية للسوريين، مشيرة إلى برنامج أوروبي بقيمة 80 مليون يورو لهذا الغرض.

لقاء مع سلام وترحيب بالإصلاحات

واجتمع الوفد الأوروبي مع رئيس مجلس الوزراء نواف سلام، الذي كان في استقباله في مطار رفيق الحريري الدولي، وعرض خلال اللقاء الإصلاحات التي قامت بها الحكومة منذ تشكيلها، وآخرها إعداد مشروع قانون الانتظام المالي واستعادة الودائع، إضافة إلى التقدّم الحاصل في بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية. كما تناول البحث دعم الاتحاد الأوروبي للجيش اللبناني، وجرى التطرّق إلى مرحلة ما بعد «يونيفيل».

وشدّد الرئيس سلام على ضرورة الإبقاء على قوة، ولو مصغّرة، للأمم المتحدة في الجنوب، وعلى أهمية مشاركة الدول الأوروبية فيها.

كذلك، رحّب المسؤولان الأوروبيان بالإصلاحات المالية التي قامت بها الحكومة اللبنانية، وأشادا بالعمل الذي تقوم به الحكومة في مختلف المجالات. كما شدّدت فون دير لاين على ضرورة المضي قدماً في تطوير الشراكة بين الاتحاد الأوروبي ولبنان.


لبنان: هاجس «الترويكا» حال دون إصدار موقف موحد كان يفضّله عون

جلسة للحكومة عُقدت برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون (رئاسة الجمهورية)
جلسة للحكومة عُقدت برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون (رئاسة الجمهورية)
TT

لبنان: هاجس «الترويكا» حال دون إصدار موقف موحد كان يفضّله عون

جلسة للحكومة عُقدت برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون (رئاسة الجمهورية)
جلسة للحكومة عُقدت برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون (رئاسة الجمهورية)

أبدت مصادر وزارية لبنانية ارتياحها للمواقف التي أصدرها رؤساء الجمهورية العماد جوزيف عون، والمجلس النيابي نبيه بري، والحكومة نواف سلام بتأييدهم للإنجاز الذي حققه الجيش اللبناني بانتشاره في جنوب الليطاني؛ استناداً للخطة التي وضعتها قيادة الجيش وتبنّتها الحكومة، وتأتي في سياق تطبيق المرحلة الأولى من حصرية السلاح بيد الدولة، على أن تُستكمل المرحلة الثانية التي تمتد من شمال النهر حتى الأوّلي.

وكشفت المصادر الوزارية لـ«الشرق الأوسط» أن عون كان يفضّل إصدار موقف موحد عن الرؤساء، وقد تواصل مع بري وسلام لهذا الغرض، لكنهما ارتأيا إصدار مواقف منفردة على رغم تقاطعهم على العناوين السياسية التي تصدّرت مواقفهم، ورأت أن تبريرهما لموقفهما يكمن في قطع الطريق على من يحاول التعامل مع موقفهم الموحد على أنه إحياء لـ«الترويكا» الرئاسية التي تشكل هاجساً لمعظم الأطراف السياسية كبداية لتعويمها مجدداً، على رغم أن لا مكان لها باعتراف الرؤساء أنفسهم.

ولفتت إلى أن الرؤساء بمواقفهم أصرّوا على وحدة الموقف؛ لأن ما يتطلعون إليه تمرير رسالة للمجتمع الدولي باحتضانهم المؤسسة العسكرية وخططها لحصرية السلاح وتوفير احتياجاتها التي تتجاوز حصريته إلى الاستعداد منذ الآن لملء الفراغ المترتب على انتهاء فترة انتداب قوات الطوارئ الدولية (يونيفيل) في نهاية العام الحالي.

وتوقفت المصادر أمام رد فعل إسرائيل بلسان رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو بتعليقه على إنجاز الجيش في جنوب النهر. وقالت بأن تعاطيه مع انتشاره على أنها خطوة مشجعة، لكنها ليست كافية؛ بذريعة أن «حزب الله» لا يزال موجوداً فيها، وهو يستعيد الآن قدراته العسكرية، وأن موقفه يكاد يكون مشابهاً للذي صدر عن الإدارة الأميركية.

وسألت ما إذا كانت واشنطن هي من نصحته بإصدار هذا الموقف، مع أننا لا نستبعد أن يكون الشهر الحالي الذي خصصته قيادة الجيش لمواصلة استيعابها للسلاح غير الشرعي سيشهد تصعيداً إسرائيلياً يبقى تحت السيطرة، ويجمع بين المفاوضات برعاية لجنة الـ«ميكانيزم»، والضغط بالنار على لبنان مع استعداده للانطلاق لاحقاً لاستكمال المرحلة الثانية من حصرية السلاح في شمال النهر؟

ورداً على سؤال حول المداولات التي شهدتها جلسة مجلس الوزراء، وبالأخص بالنسبة لتبادل التحفّظات بين الأضداد، والمقصود بهم وزراء «الثنائي الشيعي» وحزب «القوات اللبنانية»، كشفت المصادر عن أن «الثنائي» تحفّظ على الخطة انسجاماً مع عدم موافقته عليها في جلستي الحكومة في 5 و7 آب (أغسطس) الماضي، وانسحابهم منهما، في حين طالب الوزير «القواتي» جو عيسى الخوري بوضع جدول زمني لنزع سلاح الحزب من جميع المناطق اللبنانية في مهلة أقصاها نهاية آذار (مارس) المقبل.

وأكدت أن عيسى الخوري أعدّ اقتراحاً في هذا الخصوص، مكتوباً بخط اليد وزّعه على الوزراء، وقال إن المجلس لم يأخذ باقتراحه، وأن عون هو من تولى الرد عليه بقوله بأن الجدول الزمني لتطبيق المراحل المتبقية من حصرية السلاح يعود حصراً لقيادة الجيش التي يُترك لها تقدير الظروف والإمكانات من عديد وعتاد، وهي الآن في حاجة إلى توفير الدعم الذي نتوقعه من المؤتمر الدولي لسد احتياجاته، وبالتالي لا مبرر لحرق المراحل بإلزامها بجدول زمني منذ الآن؛ كونها وحدها أدرى بأوضاعها، وبالتالي لا جدوى من حشرها بعامل الوقت لئلا يقال لاحقاً بأنها لم تلتزم بما تعهدت به وتحميلها مسؤولية قرار غير مدروس ويخضع للمزايدات.

وبالنسبة لتحفّظ وزراء «الثنائي»، أكدت المصادر بأنهم اكتفوا بتسجيل تحفظهم من دون إشهارهم السلاح في وجه الخطة، بالمفهوم السياسي للكلمة. ورأت بأن عدم تحديد جدول زمني للبدء بتنفيذ المرحلة الثانية والاكتفاء حالياً باستيعاب السلاح غير الشرعي على الأقل منذ الآن إلى حين مطلع فبراير (شباط)، كان وراء اكتفائهم بتسجيل موقف ليس أكثر.

ولم تستبعد المصادر أن يكون لموقف بري دور أملى على «الثنائي» الاكتفاء بتسجيل تحفّظه، وقالت إن المجلس أخذ علماً بتحفّظ وزرائه، من دون أن يغيب عن بالها التوقف أمام البيان الذي صدر لاحقاً عن الاجتماع الأسبوعي لكتلة «الوفاء للمقاومة» في أعقاب انتهاء جلسة مجلس الوزراء، والذي أغفل أي إشارة لتمسك «حزب الله» بسلاحه بخلاف بياناتها السابقة.

لكنها في الوقت نفسه تتعامل مع إغفال كتلة الحزب النيابية للسلاح من زاوية أنه يرغب في تمرير رسالة لعون بمعاودة تفعيل الحوار مع رئيس الكتلة النائب محمد رعد، وإخراجه من المراوحة بغياب التواصل المباشر الذي استُعيض عنه بتبادل رعد الرسائل مع الموفد الرئاسي العميد المتقاعد أندريه رحال.

وفي هذا السياق، سألت المصادر ما إذا كان الشهر الحالي، واستباقاً للذي يليه، المخصص لمناقشة بدء المرحلة الثانية لحصرية السلاح في شمال النهر حتى الأوّلي، يشكل محطة لتفعيل الحوار بغياب التواصل المباشر، وهذا يتطلب من قيادة الحزب التخلي عن الشعارات، بدءاً بتمسكها بسلاحها، لمصلحة انخراطها في مشروع الدولة، وهذا لن يرى النور ما لم تفصح عما تريد وأي ثمن سياسي تتوخاه من تسليمها لسلاحها، لأن إصرارها على شراء الوقت لن يبدّل واقع الحال مع ارتفاع منسوب الاحتجاجات في إيران.


عراقجي في بيروت... وتشديد لبناني على «سيادة الدولة»

رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والوفد المرافق (الرئاسة اللبنانية)
رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والوفد المرافق (الرئاسة اللبنانية)
TT

عراقجي في بيروت... وتشديد لبناني على «سيادة الدولة»

رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والوفد المرافق (الرئاسة اللبنانية)
رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والوفد المرافق (الرئاسة اللبنانية)

شكَّلت جولة وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، لدى المسؤولين اللبنانين مناسبةً جدّدوا فيها التأكيد على مواقفهم الداعمة لإقامة «علاقات متوازنة وسليمة مع إيران، تقوم على الاحترام المتبادل لسيادة الدول، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وعلى حصرية قرار الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانية وحدها».

وزير الخارجية الإيراني متحدثاً خلال زيارته إلى بيروت (رويترز)

وخلال استقبال كل من رئيس الجمهورية جوزيف عون، ورئيس الحكومة نواف سلام، ووزير الخارجية يوسف رجّي، لعراقجي، الذي اتسمت مواقفه بالدبلوماسية، أكد عراقجي دعم بلاده «لاستقلال لبنان ووحدته وسيادته وسلامة أراضيه»، ومعبراً عن رغبة طهران بإقامة أفضل العلاقات مع لبنان.

عون: لعدم التدخل في شؤون البلدين

وأكد الرئيس جوزيف عون خلال استقبال الوزير الإيراني استعداد لبنان لتعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين لما فيه مصلحة الشعبين، مقترحاً تفعيل التنسيق بين الوزارات المعنية، ولا سيما وزارات الخارجية والاقتصاد والتجارة، عبر اللجان المشتركة، وقال: «لبنان حريص على إقامة أفضل العلاقات مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية في إطار من الاحترام المتبادل والشفافية والصراحة، وعدم التدخل في شؤون البلدين، وهذا الموقف لا يزال هو نفسه».

لقاء مع بري

وبعد لقائه رئيس البرلمان نبيه بري، شدد عراقجي على «حرص إيران على دعم الازدهار والتنمية واستقرار لبنان»، ورغبتها في «إقامة أفضل العلاقات مع لبنان على مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية».

وأشار عراقجي إلى أن أحد أبرز محاور مباحثاته في بيروت تمثّل في تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري بين البلدين.

رئيس البرلمان نبيه بري مستقبلاً وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (رئاسة البرلمان)

وفي الشأن الإقليمي، أكد «أهمية التنسيق لمواجهة المخاطر الإسرائيلية»، كما رأى أن «احتمال التدخل العسكري ضد إيران ضئيل لأن التجارب السابقة كانت فاشلة».

بين سلام وعراقجي: قرار الحرب بيد الدولة اللبنانية

وفي السراي الحكومي، استقبل رئيس مجلس الوزراء نواف سلام، الوزير الإيراني، حيث شدد سلام على ثوابت السياسة اللبنانية، وقال إن «لبنان حريص على إقامة علاقات سليمة مع إيران، انطلاقاً من الاحترام المتبادل لسيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية»، وأكد التزام حكومته البيان الوزاري الذي نالت على أساسه الثقة، مجدداً التأكيد على أن «قرار الحرب والسلم بيد الحكومة اللبنانية وحدها، وهي المسؤولة عن حصر السلاح بيد الدولة».

في المقابل، أشار عراقجي إلى أن «زيارة الوفد الإيراني تهدف إلى تعزيز العلاقات الثنائية وتطويرها»، محذراً من «المخاطر التي تواجه المنطقة ولبنان نتيجة السياسات العدوانية التي تتبعها إسرائيل»، ومؤكداً «أهمية التفاهم بين مختلف الأطراف اللبنانية لمواجهة هذه التحديات».

في وزارة الخارجية: لقاء صريح ومباشر

وفي وزارة الخارجية، عقد لقاء وُصف بـ«الصريح والمباشر» بين عراقجي ووزير الخارجية والمغتربين يوسف رجّي. وقال عراقجي إن «وحدة اللبنانيين تحت سقف الدولة من شأنها حماية لبنان وتحقيق الاستقرار»، مؤكداً أن «إيران تدعم (حزب الله) بوصفها مجموعة مقاومة لكنها لا تتدخل في شؤونها، وأي قرار يتعلق بلبنان متروك للبنانيين».

وزير الخارجية يوسف رجي مستقبلاً نظيره الإيراني (أ.ب)

في المقابل، كان لرجي، حسب بيان وزارة الخارجية، مواقف مباشرة، عبر تأكيده لنظيره الإيراني أن «الدفاع عن لبنان مسؤولية الدولة اللبنانية وحدها، وعندما تمتلك قرارها الاستراتيجي وتحصر السلاح بيدها يمكنها أن تطلب المساعدة من الدول، بما فيها إيران». وأضاف: «كنا نتمنى أن يكون الدعم الإيراني موجّهاً مباشرة إلى الدولة اللبنانية ومؤسساتها»، داعياً إلى «مقاربة جديدة لملف السلاح بما يمنع استخدامه ذريعة لإضعاف لبنان أو أي من مكوناته». كما لفت إلى أن «عدم بدء عملية إعادة الإعمار يعود إلى الانطباع بأن الحرب لم تنتهِ بعدُ، وإلى اشتراط الدول المانحة نزع السلاح»، وهي مقاربة وافق عليها الوزير عراقجي.

لقاء مع دريان وقاسم

وبعدما كان قد التقى عراقجي، الخميس، رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، استكمل عراقجي جولته الجمعة بلقاء مفتي الجمهورية، عبد اللطيف دريان، حيث جرى مناقشة الأوضاع العامة، كما التقى الأمين العام لـ«حزب الله»، نعيم قاسم، في إطار جولة مشاورات شاملة تناولت تطورات المنطقة وتداعياتها، حيث قال قاسم خلال اللقاء: «سنبقى على ‏تعاون مع الدولة والجيش لطرد الاحتلال وإيقاف العدوان وتحرير الأسرى وإعادة ‏الإعمار وبناء الدولة».