لماذا يرفع لبنان سقف المواجهة السياسية مع إيران؟

الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رجي وعراقجي خلال زيارة وزير الخارجية الإيراني إلى بيروت في يونيو 2025 (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رجي وعراقجي خلال زيارة وزير الخارجية الإيراني إلى بيروت في يونيو 2025 (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)
TT

لماذا يرفع لبنان سقف المواجهة السياسية مع إيران؟

الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رجي وعراقجي خلال زيارة وزير الخارجية الإيراني إلى بيروت في يونيو 2025 (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رجي وعراقجي خلال زيارة وزير الخارجية الإيراني إلى بيروت في يونيو 2025 (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

تشهد العلاقات بين بيروت وطهران مرحلة غير مسبوقة من التوتر، تعكس تحوّلاً واضحاً في مقاربة الدولة اللبنانية لملف العلاقة مع إيران، خصوصاً ما يتصل بسلاح «حزب الله» وحدود التدخل الإيراني في الشؤون الداخلية اللبنانية.

ولم يعد الأمر محصوراً في مواقف إعلامية أو تسريبات سياسية، بل برز عبر قرارات رسمية ومواقف صدرت عن أعلى المستويات في لبنان.

أبرز مؤشرات هذا التصعيد تمثل في موقف وزير الخارجية اللبناني يوسف رجّي، الذي رفض دعوة نظيره الإيراني عباس عراقجي لزيارة طهران، كما رفض عقد لقاء معه في دولة محايدة، وفق ما أعلن قبل أيام.

وكشف مصدر رسمي لبناني بارز لـ«الشرق الأوسط»، أن هذا الرفض «لا ينطلق من اعتبارات بروتوكولية أو شخصية، بل من موقف سياسي واضح، مفاده أن العلاقات اللبنانية - الإيرانية لا يمكن أن تستقيم إلا إذا كانت ندّية، وحصرت إيران تعاطيها مع الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعيّة دون أي فريق آخر».

أرشيفية لوزير الخارجية اللبناني يوسف رجي وهو يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي ببيروت في يونيو 2025 (إرنا)

جوهر الأزمة بين البلدين يتمثّل في الدعم الإيراني المطلق لـ«حزب الله»، وتعامل طهران معه كفصيل عسكري يتبع سلطة «الحرس الثوري»، وكقوة موازية للدولة اللبنانية تتجاوز مؤسساتها الشرعية في قرارات الحرب والسلم.

ويرى المصدر الرسمي، الذي يرفض ذكر اسمه، أن استمرار السياسة الإيرانية الحالية في التعاطي مع الملف اللبناني «يزيد من تعقيدات المشهد الداخلي، ويعرض لبنان لخطر حربٍ إسرائيلية جديدة، في ظل واقع إقليمي هشّ وعجز لبناني اقتصادي وعسكري لا يحتمل مغامرات إضافية».

لا يقتصر التشنّج القائم بين البلدين على موقف وزارة الخارجية اللبنانية، بل ظهر في تصريحات نُسبت إلى رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون قال فيها إنه رفض استقبال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني خلال زيارته الأخيرة إلى بيروت.

وهذا الرفض، وفق المصدر الرسمي، يُعد «رسالة سياسية مباشرة، مفادها أن الدولة اللبنانية لم تعد تقبل بقنوات موازية أو علاقات خارج الأطر الرسمية والدستورية». ويشير إلى أن «هذا الموقف يمثّل الثابت للدولة اللبنانية، وعندما تغيّر طهران من مقاربتها للواقع اللبناني، نحن نرحّب بها، شرط أن تكون العلاقات بين المؤسسات الدستورية والرسمية نديّة وليست علاقات تبعيّة».

وذكّر المصدر الرسمي بأن الرئيس عون سبق له أن أبلغ رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف، خلال زيارة الأخير للبنان ومشاركته في تشييع أمين عام «حزب الله» حسن نصر الله، أن لبنان «تعب من حروب الآخرين على أرضه، وآن للشعب اللبناني أن يرتاح من الحروب والمآسي»، في إشارة إلى أن «حرب الإسناد» التي فتحها «حزب الله» لمساندة غزّة هي قرار إيراني.

وفي آخر موقف إيراني حول العلاقة بين طهران وبيروت، قال إسماعيل بقائي المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، الأحد، إن «إيران تفضّل تجنب أي تصريحات من شأنها صرف لبنان عن التركيز على سيادته ووحدة أراضيه». وجدّد الدعوة «إلى أصدقائنا اللبنانيين للحوار»، قائلاً إن «الخطر الحقيقي الذي يهدد سيادة لبنان وكرامته يتمثّل في أطماع وهيمنة إسرائيل».

وأشار إلى أن إجراءات تعيين السفير الإيراني الجديد قد أُنجزت، معرباً عن الأمل في استكمال المسار المعتمد ومباشرته مهامه قريباً.

دعم «حزب الله»

من جانبه أكد علي أكبر ولايتي، مستشار خامنئي للشؤون الدولية، أن بلاده ستوصل دعم «حزب الله». وقال ولايتي خلال استقباله ممثل الحزب في طهران عبدالله صفي الدين إن «حزب الله أحد أهم أعمدة محور المقاومة، يلعب دوراً أساسياً في مواجهة الصهيونية». وأضاف أن «الجمهورية الإسلامية الإيرانية، تحت قيادة وتوجيهات قائد الثورة الإسلامية، ستواصل بحزم دعمها لـ(حزب الله) الذي يقف بالخطوط الأمامية للمقاومة».

الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلاً في شهر فبراير الماضي وفداً إيرانياً يضم رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي والسفير الإيراني لدى لبنان مجتبى أماني (الرئاسة اللبنانية)

مع العلم أن اتساع مساحة التباعد ما بين بيروت وطهران مبنيّ على تراكمات من التدخلات الإيرانية في الشأن اللبناني، ومواقف مسؤولين إيرانيين تعكس رؤية إيرانية تعتبر سلاح الحزب جزءاً من منظومة الأمن الإقليمي لطهران، وليس ملفاً سيادياً لبنانياً خالصاً.

مناصرون يحملون أعلام «حزب الله» اللبناني في بيروت (رويترز)

وسبق لعلي شمخاني، مستشار المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، أن أعلن صراحة أن «محاولات نزع سلاح (حزب الله) ستفشل»، معتبراً أن هذا السلاح هو «سلاح الشعب اللبناني للدفاع عن أرضه ضد إسرائيل»، ورافضاً أي نقاش حول تسليمه للدولة اللبنانية.

وأكد المصدر الرسمي اللبناني أن «المواقف الإيرانية تتناقض مع منطق الدولة اللبنانية التي تسعى إلى حصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية، وتطبيق الدستور والقرارات الدولية». وشدد على أن «قرار حصر السلاح اتُّخذ ولا رجعة عنه، وهو يطبّق بدءاً من جنوب الليطاني. وكلّ الأصوات المعترضة في الداخل والخارج لن تغيّر شيئاً في سياسة الدولة التي اتخذت قراراً بفرض سلطتها وسيادتها على كلّ الأراضي اللبنانية».

ويعكس التوتر الحالي صراعاً عالي السقف ما بين مشروع الدولة اللبنانية الساعية إلى استعادة سيادتها وقرارها الحر، وبين المشروع الإيراني الذي يرى في لبنان ساحة متقدمة ضمن صراع أوسع مع إسرائيل والغرب.


مقالات ذات صلة

إردوغان: تركيا ترغب بالمشاركة في مبادرات تضمن سيادة لبنان

شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله الرئيس اللبناني جوزيف عون بقصر الرئاسة في أنقرة (الرئاسة التركية)

إردوغان: تركيا ترغب بالمشاركة في مبادرات تضمن سيادة لبنان

تصدرت العلاقات بين تركيا ولبنان وتعزيزها في مختلف المجالات مباحثات الرئيسين؛ التركي رجب طيب إردوغان، واللبناني العماد جوزيف عون، في أنقرة، الخميس.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي مواطنتان تمران أمام آلية عسكرية للجيش اللبناني أثناء انتشار الجيش بالمنطقة التجريبية الأولى في زوطر الغربية (رويترز)

عقبتان تواجهان جلسة التفاوض السابعة بين لبنان وإسرائيل

تواجه الجلسة السابعة من مفاوضات لبنان مع إسرائيل في روما، الأسبوع المقبل، عقبتان أساسيتان؛ الأولى عدم الاتفاق على آلية للتحقق، والثانية الخروقات الإسرائيلية.

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (الوكالة الوطنية للإعلام)

فرنسا تتعهد بمؤازرة لبنان لتجاوز المرحلة الدقيقة

جددت فرنسا تأكيد دعمها للبنان في مواجهة تداعيات الحرب المستمرة، فيما دعا رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى تحرك دولي

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الدخان يتصاعد جرّاء تفجير نفذه الجيش الإسرائيلي في بلدة كفر تبنيت بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

الجيش الإسرائيلي ينتظر عودة نتنياهو لـ«تفجير» الوضع في لبنان

في الوقت الذي تستعد فيه الأطراف لجولة مفاوضات جديدة في روما، يعتزم الجيش الإسرائيلي تنفيذ تصعيد إضافي والقيام بعملية لتدمير المركز القيادي أسفل مرتفع علي الطاهر

نظير مجلي (تل أبيب)
المشرق العربي العلمان الإسرائيلي ولواء «غولاني» فوق قلعة الشقيف (بوفور) كما تُرى من مدينة مرجعيون في جنوب لبنان (أرشيفية- رويترز)

توغلات وتفجيرات جنوب لبنان... إسرائيل تبحث عن منشآت «حزب الله»

تواصل إسرائيل عملياتها العسكرية في جنوب لبنان بالتوازي مع تكريس وقائع ميدانية جديدة على الأرض

صبحي أمهز (بيروت)