​مكالمات واجتماعات في تسارع دبلوماسي محموم بين واشنطن وأوروبا وأوكرانيا

ترمب يتكلم «بحدة» مع قادتها ويطالبهم بالضغط على زيلينسكي لأن يكون «واقعياً»

جانب من اجتماع الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع قادة أوروبا حول حرب أوكرانيا يوم 15 أغسطس (إ.ب.أ)
جانب من اجتماع الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع قادة أوروبا حول حرب أوكرانيا يوم 15 أغسطس (إ.ب.أ)
TT

​مكالمات واجتماعات في تسارع دبلوماسي محموم بين واشنطن وأوروبا وأوكرانيا

جانب من اجتماع الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع قادة أوروبا حول حرب أوكرانيا يوم 15 أغسطس (إ.ب.أ)
جانب من اجتماع الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع قادة أوروبا حول حرب أوكرانيا يوم 15 أغسطس (إ.ب.أ)

في وقت تشهد فيه الأزمة الأوكرانية ذروة جديدة من التحركات الدبلوماسية المكثّفة، يتضح أن الخلافات العميقة بين واشنطن وأوروبا وكييف لا تزال تحول دون تبلور مسار واقعي نحو تسوية قابلة للحياة. ومع اتساع الهوة بين رؤية إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب واعتبارات القادة الأوروبيين والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، تبدو مساعي التهدئة وكأنها تدخل مرحلة من التجاذبات الحادة التي قد تحدد مستقبل الحرب، ومسار الأمن الأوروبي لعقود مقبلة.

ضغط على كييف وتوتر مع الأوروبيين

الرئيس ترمب كشف أنه تحدث بـ«حدة» مع القادة الأوروبيين بشأن أوكرانيا، في إشارة إلى اتساع الفجوة بين الطرفين حول كيفية دفع كييف نحو قبول بنود خطة السلام الأميركية. وحسب تسريبات من اتصالات رفيعة المستوى، حثّ ترمب قادة فرنسا وألمانيا وبريطانيا على ممارسة ضغط مباشر على زيلينسكي ليقبل مقترحاً أميركياً يُلزم أوكرانيا بالتخلي عن أجزاء واسعة من أراضيها، وخفض قدراتها العسكرية بشكل كبير.

وقال في تصريحات له الخميس، إن على زيلينسكي أن يكون «واقعياً». لكن الموقف الأوروبي جاء حاسماً: القرار بشأن الأراضي الأوكرانية يعود لكييف وحدها، وهي رسالة شدّد عليها المستشار الألماني فريدريش ميرتس بشكل واضح، مؤكداً أن بلاده «لن تدفع» كييف إلى التنازل عن سيادتها. وأعلنت برلين كذلك عن استعدادها لاستضافة اجتماع جديد بشأن أوكرانيا الأسبوع المقبل، في مؤشر على رغبة أوروبا في الإمساك بزمام المبادرة، ومنع واشنطن من فرض مسار أحادي الجانب.

قادة «الترويكا الأوروبية» مع الرئيس الأوكراني قبل انطلاق اجتماعهم في لندن أمس (أ.ف.ب)

قال الرئيس ترمب إن الولايات المتحدة تلقت دعوة لحضور اجتماع في أوروبا الأسبوع المقبل، من المتوقع أن يحضره أيضاً الرئيس زيلينسكي. ومع ذلك، ترك ترمب الأمر مفتوحاً بشأن ما إذا كانت الولايات المتحدة ستحضر الاجتماع، وإذا حدث ذلك، فعلى أي مستوى. وأضاف: «يرغبون في أن نذهب إلى اجتماع خلال عطلة نهاية الأسبوع في أوروبا، وسنتخذ القرار بناء على ما سيردون به». وعند سؤاله عما إذا كان الاجتماع من المتوقع أن يشمل الرئيس الأوكراني، أجاب ترمب: «مع زيلينسكي ومعنا». وبشأن مكالمته مع ميرتس وماكرون وستارمر، قال ترمب إنهم «ناقشوا أمر أوكرانيا بلهجة قوية جداً». كما كرّر دعوته لإجراء انتخابات في أوكرانيا.

المستشار الألماني ميرتس مع الرئيس الأوكراني (أ.ف.ب)

وكانت الحكومة الألمانية قالت في وقت سابق إن القادة الأربعة ناقشوا وضع المحادثات بشأن وقف إطلاق النار في أوكرانيا، ونيتهم مواصلة العمل المكثف في الأيام المقبلة على خطة السلام المدعومة من الولايات المتحدة.

وقال ميرتس إنهم اقترحوا على الرئيس الأميركي مناقشة الوثائق المتوافرة مع الحكومة الأميركية بشكل نهائي خلال عطلة نهاية الأسبوع. وحسب المستشار الألماني، لم يكن الرئيس الأميركي على علم بالاقتراح الأوكراني المنسق مع أوروبا وقت إجراء المكالمة، لأنه لم يكن قد أرسل إلى واشنطن بعد.

وأضاف ميرتس أنه من الممكن الآن عقد اجتماع في برلين، الاثنين المقبل، بعد محادثات نهاية الأسبوع. وأوضح أن مشاركة الحكومة الأميركية في هذا الاجتماع لا تزال غير محسومة. وقال: «هذا يعتمد إلى حد كبير على الصياغة المشتركة للوثائق التي يجري العمل عليها حالياً. وأنا متفائل إلى حد ما بأننا سننجح في ذلك».

ماكرون وزيلينسكي يوقعان «رسالة النوايا» في قاعدة فيلاكوبيله الجوية جنوب باريس وبموجبها تحصل كييف على 100 طائرة من طراز رافال (إ.ب.أ)

وقال ميرتس إنه خرج من المكالمة مع ترمب بـ«انطباع راسخ مفاده أنه مستعد للسير في هذا الطريق معنا، لأنه يدرك ضرورة الاستماع إلى الأوروبيين ومصالحهم الخاصة في هذا الملف»، لافتاً إلى أن هذا الأمر تم إيضاحه لترمب خلال المكالمة. وأضاف أن المحادثة كانت «بناءة للغاية بحق، حيث جرى فيها توضيح المواقف المتبادلة، كما عبّر كل طرف عن احترامه للآخر». أفاد موقع «أكسيوس» الإخباري الخميس نقلاً عن مسؤول بالبيت الأبيض، وآخر أوكراني، قولهما إن مسؤولين أميركيين بارزين سيلتقون مسؤولين من أوكرانيا ودول أوروبية السبت في باريس.

رد أوكراني دون تنازلات

كييف كانت قد صاغت بالفعل ردها على الخطة الأميركية، وسلمته إلى واشنطن. ورغم عدم الإعلان عن تفاصيل الرد، فإن مصادر أوكرانية تؤكد أن أي مقترح لا يحترم وحدة الأراضي الأوكرانية لن يكون قابلاً للنقاش. وكرّر زيلينسكي موقفه الذي بات «خطاً أحمر»: الرئيس لا يملك صلاحية التنازل عن أراضٍ دون العودة إلى الشعب. وتظهر استطلاعات الرأي داخل أوكرانيا أن غالبية المواطنين، (54 في المائة) وفق بيانات حديثة، ترفض أي تسوية تشمل التخلي عن الأرض، حتى ولو كان ذلك يعني إطالة الحرب. وكانت الخطة التي طرحتها إدارة الرئيس الأميركي قد تعرضت لانتقادات حادة، إذ وصفها كثيرون بأنها «قائمة أمنيات» روسية، لأنها تبنت في جوهرها مطالب موسكو.

الرئيسان الأميركي والأوكراني خلال اجتماعهما في لاهاي على هامش قمة الحلف الأطلسي 25 يونيو الماضي (د.ب.أ)

وبموجب الخطة، لن تتخلى أوكرانيا عن عضويتها في حلف شمال الأطلسي «الناتو» فحسب، بل ستوافق أيضاً على تقييد حجم قواتها المسلحة والانسحاب من المناطق التي تسيطر عليها حالياً في شرق البلاد، التي تتمتع بتحصينات دفاعية قوية. وفي المقابل، ستلتزم موسكو بعدم شن أي هجمات أخرى على جارتها. وكانت قضية الحدود، والضمانات الأمنية لأوكرانيا، هما أبرز نقاط الخلاف. كما أن كييف لا ترغب في الاعتماد كلياً على تعهد روسي بعدم التدخل عسكرياً مجدداً.

وأكد زيلينسكي، الأربعاء، أنه أجرى مناقشات «بناءة» مع الجانب الأميركي بشأن وثيقة إنهاء الحرب مع روسيا ووثيقة أخرى تتعلق بإعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي. وأضاف زيلينسكي على منصة «إكس» أنه يمكن عدّ المناقشات مع الجانب الأميركي، الذي ضمّ كلاً من وزير الخزانة سكوت بيسنت، وجاريد كوشنر صهر الرئيس ترمب، ورجل الأعمال لاري فينك: «أول اجتماع للفريق الذي سيعمل على وثيقة تُعنى بإعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي لأوكرانيا». وتابع قائلاً: «هناك كثير من الأفكار التي يُمكن أن تُحقق النجاح في أوكرانيا إذا ما تمّ اتباع النهج الصحيح». وذكر الرئيس الأوكراني أن الاجتماع تناول أيضاً بحث النقاط العشرين للوثيقة الإطارية لإنهاء الحرب، عادّاً أن «الأمن الشامل هو الذي سيُحدد الأمن الاقتصادي، ويُرسي دعائم بيئة أعمال آمنة».

خطة واشنطن: الاقتصاد قبل الحدود

لكن ما يزيد من حساسية المشهد هو أن الخطة الأميركية تتجاوز مسار وقف النار لتطرح رؤية اقتصادية كبرى لإعادة تشكيل أوضاع أوكرانيا وروسيا في آن واحد. ووفق وثائق سرّية اطلعت عليها صحيفة «وول ستريت جورنال» المحسوبة على الجمهوريين، تسعى واشنطن إلى تحويل نحو 200 مليار دولار من الأصول الروسية المجمّدة في أوروبا إلى استثمارات تقودها شركات أميركية داخل أوكرانيا، ضمن مشاريع ضخمة تشمل بناء مراكز بيانات تعمل بالطاقة النووية في محيط محطة زابوريجيا المحتلة.

ولم يتوقف الطموح الأميركي عند حدود أوكرانيا، بل يمتد إلى «إعادة دمج» الاقتصاد الروسي في النظام العالمي عبر شراكات اقتصادية مع شركات أميركية في مجالات الطاقة والمعادن النادرة، إضافة إلى مشاريع تنقيب واستثمار في القطب الشمالي. وتبدو أهداف واشنطن واضحة: إنهاء الحرب مع فتح قناة نفوذ اقتصادي أميركي واسع في الشرق الأوروبي وروسيا، بما يعيد رسم الخريطة الاقتصادية للمنطقة.

قادة «الترويكا الأوروبية» مع الرئيس الأوكراني عند مدخل مقر رئاسة الوزراء البريطانية في لندن الاثنين (أ.ف.ب)

المقترحات الأميركية أثارت قلقاً بالغاً في العواصم الأوروبية، حيث ينظر إليها مسؤولون بأنها قد تقوّض الهدف الأوروبي الرئيسي منذ 2022: إضعاف القدرات الاقتصادية الروسية، ومنعها من إعادة بناء آلة الحرب. ويخشى الأوروبيون أن يؤدي «إحياء» الاقتصاد الروسي عبر الاستثمارات الأميركية إلى إعادة موسكو لاعباً قوياً في الطاقة والأسواق الأوروبية، على عكس التوجه الذي تسعى إليه أوروبا منذ قطع إمدادات الغاز الروسي.

كما يخشى الأوروبيون أن يؤدي استخدام الأصول الروسية في مغامرات استثمارية خاصة إلى استنزاف هذه الأموال بدلاً من اعتمادها كأنها رافعة مباشرة لتمويل الحكومة الأوكرانية. في المقابل، يرى الفريق الأميركي أن خصخصة الاستثمار ستُضاعف قيمة الأصول من 200 إلى 800 مليار دولار، وهو رقم وصفه الأوروبيون بأنه «طموح إلى حد الإرباك».

الرئيسان الفرنسي ماكرون والأوكراني زيلينسكي ورئيس الوزراء البريطاني ستارمر ونظيره البولندي تاسك والمستشار الألماني ميرتس في كييف يوم 10 مايو (إ.ب.أ)

سباق محموم قبل فرض «أمر واقع»

التباين بين الجانبين الأميركي والأوروبي لا يقتصر على الرؤى الاقتصادية، بل يمتد إلى الهندسة السياسية والأمنية لما بعد الحرب. فالأوروبيون يريدون وقفاً لإطلاق النار يضمن أمن القارة ويحافظ على وحدة «الناتو» والاتحاد الأوروبي، دون منح روسيا مكاسب استراتيجية. بينما يركز ترمب على إنهاء الحرب سريعاً وفتح صفحة اقتصادية جديدة مع موسكو، الأمر الذي عدّه الأوروبيون بأنه غير معني كثيراً بمنظومات الردع الغربية أو توازنات الأمن الأوروبي. تداخل هذه الحسابات يخلق سباقاً دبلوماسياً محموماً، حيث تستعد باريس وبرلين ولندن للقاءات مكثفة مع المبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، بينما يدرس ترمب ما إذا كان سيشارك شخصياً في اجتماع أوروبي نهاية الأسبوع.

ومع تقاطع المصالح وتعقّد الحسابات، يتجه ملف أوكرانيا إلى مرحلة مشحونة قد تحدد ليس فقط مصير الحرب، بل أيضاً شكل النظام الاقتصادي والأمني الأوروبي في مرحلة ما بعد النزاع، بين رؤية أميركية جريئة حد المغامرة، ومقاربة أوروبية أكثر تحفظاً، وتمسك أوكراني بحدود السيادة مهما كان الثمن.


مقالات ذات صلة

زيلينسكي يدعو لتشديد الضغط على روسيا بعد إطلاقها 2000 مُسيّرة خلال أسبوع

أوروبا أوكرانية تمشي وسط الدمار في كراماتورسك بدونيتسك يوم 8 فبراير (رويترز)

زيلينسكي يدعو لتشديد الضغط على روسيا بعد إطلاقها 2000 مُسيّرة خلال أسبوع

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، اليوم الأحد، إن روسيا أطلقت أكثر من 2000 طائرة مُسيّرة و116 صاروخاً على أوكرانيا خلال الأسبوع الماضي فقط.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا الجنرال فلاديمير أليكسييف المسؤول بالمخابرات العسكرية الروسية («أ.ب» نقلاً عن وزارة الدفاع الروسية) p-circle

بوتين يشكر رئيس الإمارات على اعتقال مشتبه به في إصابة جنرال روسي

أعلنت روسيا، الأحد، أن الرجل الذي يُشتبه في إطلاقه النار على مسؤول المخابرات العسكرية الكبير الجنرال فلاديمير أليكسييف اعتقل في دبي وجرى تسليمه إلى موسكو.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)

زيلينسكي: واشنطن تريد نهاية الحرب بحلول يونيو

كشف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أمس، عن أن الولايات المتحدة منحت روسيا وأوكرانيا مهلةً حتى بداية الصيف المقبل للتوصُّل إلى اتفاق لإنهاء الحرب الدائرة

«الشرق الأوسط» ( لندن)
أوروبا جانب من عملية تبادل الأسرى في موقع غير معلن بأوكرانيا الخميس (إ.ب.أ) p-circle

زيلينسكي يكشف عن مهلة أميركية حتى يونيو لإنهاء الحرب في أوكرانيا

زيلينسكي يكشف عن مهلة أميركية حتى يونيو لإنهاء الحرب في أوكرانيا وتبادل قصف البنى التحتية ومرافق الطاقة

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو (رويترز)

روسيا لاستجواب اثنين من المشتبه بهم في محاولة اغتيال جنرال بالمخابرات

اثنان من المشتبه بهم في محاولة اغتيال مسؤول المخابرات العسكرية الروسية الكبير الجنرال فلاديمير أليكسييف «سيتم استجوابهما قريباً»، وفقاً لوسائل إعلام روسية.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

استقالة كبير موظفي رئيس الوزراء البريطاني على خلفية «ملفات إبستين»

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتحدث مع السفير البريطاني لدى أميركا بيتر ماندلسون خلال حفل استقبال بمقر إقامة السفير في 26 فبراير 2025 (رويترز)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتحدث مع السفير البريطاني لدى أميركا بيتر ماندلسون خلال حفل استقبال بمقر إقامة السفير في 26 فبراير 2025 (رويترز)
TT

استقالة كبير موظفي رئيس الوزراء البريطاني على خلفية «ملفات إبستين»

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتحدث مع السفير البريطاني لدى أميركا بيتر ماندلسون خلال حفل استقبال بمقر إقامة السفير في 26 فبراير 2025 (رويترز)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتحدث مع السفير البريطاني لدى أميركا بيتر ماندلسون خلال حفل استقبال بمقر إقامة السفير في 26 فبراير 2025 (رويترز)

أعلن مورغان ماكسويني، كبير موظفي مكتب رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، استقالته، الأحد، في وقت تتصاعد فيه الضغوط على ستارمر بسبب قراره تعيين بيتر ماندلسون سفيراً لدى الولايات المتحدة.

ويواجه ستارمر أكبر أزمة خلال 18 شهراً من وجوده في السلطة، بعدما نشرت وزارة العدل الأميركية الأسبوع الماضي تفاصيل جديدة حول علاقة ماندلسون الوطيدة بجيفري إبستين، المدان بجرائم جنسية. كما كشفت الأدلة الجديدة عن ⁠شبهة استعداد االسفير السابق لتسريب معلومات حكومية.

وقال ماكسويني، المستشار الأقرب لستارمر الذي يُعتبر على نطاق واسع أحد مهندسي نجاح الزعيم العمالي في انتخابات بريطانيا في يوليو (تموز) 2024، في بيان، إنه كان منخرطاً بشكل وثيق في قرار تعيين ماندلسون. وأضاف، وفق «رويترز»، أن «قرار تعيين بيتر ماندلسون كان خاطئاً. لقد ألحق ضرراً بحزبنا، وببلدنا، وبالثقة بالسياسة نفسها». وتابع: «عندما طُلب رأيي، نصحتُ رئيس الوزراء بإتمام هذا التعيين، وأتحمل المسؤولية الكاملة عن تلك النصيحة».

تعويضات ماندلسون

إلى ذلك، أعلنت الحكومة البريطانية أنها فتحت تحقيقاً في دفع حزمة تعويضات نهاية خدمة لبيتر ماندلسون بعد إقالته في سبتمبر (أيلول) 2025 من منصبه. ويخضع بيتر ماندلسون لتحقيق أمني حالياً، للاشتباه في تسريبه معلومات إلى جيفري إبستين بشأن البورصة قد تكون مؤثرة، لا سيما عندما كان وزيراً في حكومة غوردن براون بين عامي 2008 و2010. وجرى تفتيش عنوانين مرتبطين بماندلسون، الجمعة.

بيتر ماندلسون خلال فعالية بلندن يوم 18 يونيو 2025 (أ.ب)

ووفقاً للصحافة البريطانية، حصل السفير السابق على تعويض نهاية خدمة يتراوح بين 38.750 و55.000 جنيه إسترليني بعد أن أقاله كير ستارمر. وقال متحدث باسم وزارة الخارجية، الأحد، إن عقد ماندلسون أنهي «وفق المشورة القانونية وشروط عمله»، لكنه أضاف: «جرى فتح تحقيق في ضوء المعلومات الجديدة التي ظهرت والتحقيق الجاري للشرطة».

واقترح وزير العمل، بات ماكفادن، وهو من أبرز الوزراء، أن «يُعيد» السفير السابق الأموال أو «يتبرع بها لجمعية خيرية». كما أكد مجدداً دعمه لرئيس الوزراء الذي وجهت إليه دعوات من داخل حزبه للاستقالة.

من جهته، صرح متحدث باسم بيتر ماندلسون لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» بأن الأخير «يشعر بالأسف، وسيظل يشعر بالأسف حتى آخر أنفاسه، لتصديقه أكاذيب إبستين بشأن أفعاله الإجرامية». وأضاف: «لم يكتشف الحقيقة بشأن إبستين إلا بعد وفاته في عام 2019. وهو يشعر بأسف عميق؛ لأن النساء والفتيات العاجزات والضعيفات لم يحصلن على الحماية التي كنّ يستحققنها».

ضغوط متصاعدة على ستارمر

وواجه وزير العمل بات ماكفادن أسئلة من وسائل إعلام، الأحد، حول مستقبل رئيس الوزراء، وأقر بوجود احتمال بعدم استمراره في منصبه.

وبدا أيضاً أن ديفيد لامي، نائب رئيس الحكومة، كان على خلاف مع ستارمر بشأن قراره تعيين بيتر ماندلسون سفيراً لدى الولايات المتحدة. وأقر ماكفادن باحتمال عدم بقاء ‌ستارمر في منصبه. وقال لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي): «إذا بقي رئيس الوزراء في منصبه، فأعتقد أن ذلك لن يحدث فرقاً نهائياً». ونقلت صحيفة «تلغراف» عن مقربين للامي أنه حذّر ستارمر من ترشيح ماندلسون.

وكان لامي وزيراً للخارجية وقت ​تعيين السفير. ولدى سؤاله عما إذا كانت قيادة ستارمر تعاني مأزقاً كبيراً، أجاب ماكفادن قائلاً: ⁠إنه يتعين على حزب «العمال» دعم ستارمر، لأن تغيير رئيس الوزراء كل 18 شهراً أو عامين لن يعود بالنفع على البلاد. وأضاف: «أدرك أن هذا الأسبوع كان مليئاً بالأخبار السيئة».

ووفقاً لصحيفة «تايمز»، أخبرت النائبة السابقة لرئيس الوزراء أنجيلا رينر مقربين لها بأنها حذّرت ستارمر من تعيين ماندلسون في هذا المنصب.


استقالة مدير مكتب رئيس الوزراء البريطاني على خلفية الصلة بين ماندلسون وإبستين

مورغان ماكسويني مدير مكتب رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يوم 1 ديسمبر 2025 (رويترز)
مورغان ماكسويني مدير مكتب رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يوم 1 ديسمبر 2025 (رويترز)
TT

استقالة مدير مكتب رئيس الوزراء البريطاني على خلفية الصلة بين ماندلسون وإبستين

مورغان ماكسويني مدير مكتب رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يوم 1 ديسمبر 2025 (رويترز)
مورغان ماكسويني مدير مكتب رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يوم 1 ديسمبر 2025 (رويترز)

أعلن مورغان ماكسويني، مدير مكتب رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، اليوم (الأحد)، استقالته من منصبه، كونه «نصح» رئيس الحكومة بتعيين بيتر ماندلسون سفيراً للمملكة المتحدة في واشنطن، رغم صلاته بالمتمول الراحل جيفري إبستين المدان بجرائم جنسية.

ويواجه ستارمر ما يعتبره كثيرون أخطر أزمة منذ توليه السلطة قبل نحو 18 شهراً، وذلك بسبب قراره تعيين ماندلسون سفيراً لدى واشنطن في 2024، بعد أن كشفت وثائق مدى عمق علاقة القيادي المخضرم في ‌حزب العمال بإبستين.

وتمثل ‌استقالة ماكسويني (48 عاماً) ضربة ‌أخرى للحكومة، وذلك ‌بعد أقل من عامين من فوز حزب العمال بأغلبية برلمانية، وهي واحدة من الأكبر على الإطلاق في تاريخ بريطانيا الحديث، وفقاً لوكالة «رويترز».

وتظهر استطلاعات الرأي تراجع شعبية ستارمر للغاية بين الناخبين، كما أن بعض أعضاء حزبه باتوا يشككون علناً في حُسن تقديره وفي مستقبله السياسي. ولم يتضح بعد ما إذا كان رحيل ماكسويني سيكون كافياً لإسكات منتقدي رئيس الوزراء.

مورغان ماكسويني مدير مكتب رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في داونينغ ستريت مقر رئاسة الوزراء في لندن (د.ب.أ)

وأظهرت أدلة ‌جديدة في الأيام العشرة الماضية وجود علاقة بين ماندلسون وإبستين، مما فتح جرحاً قديماً لستارمر وحزب العمال وأدى إلى فتح تحقيق للشرطة حول ماندلسون. وتشير الملفات الجديدة إلى أن السفير السابق سرب وثائق حكومية إلى إبستين في 2009 و2010.

تعيين ماندلسون كان «خطأ»

قال ماكسويني إنه فعل الشيء الصحيح بتقديم استقالته؛ لأن ستارمر عيّن ماندلسون بناء على نصيحته.

وأضاف ماكسويني، في بيان: «كان قرار تعيين بيتر ماندلسون خاطئاً. لقد أضر بحزبنا وبلدنا والثقة في السياسات نفسها».

وتابع: «عندما سئلت... نصحت رئيس الوزراء بتعيين (ماندلسون) وأتحمل المسؤولية الكاملة عن تلك النصيحة». وقالت زعيمة حزب المحافظين كيمي بادينوك إن استقالة ماكسويني تأخرت وإن «كير ستارمر يجب أن يتحمل مسؤولية قراراته السيئة».

وقال نايجل فاراج زعيم حزب الإصلاح الشعبوي الذي يتصدر استطلاعات الرأي، إنه يعتقد أن وقت ستارمر أوشك على الانتهاء.

وشغل ماكسويني منصبه في أكتوبر (تشرين الأول) 2024 بعد استقالة سو ‌غراي عقب خلاف حول الأجور والتبرعات. ولم يُحدد بعد من سيحل محل ماكسويني.


زيلينسكي يدعو لتشديد الضغط على روسيا بعد إطلاقها 2000 مُسيّرة خلال أسبوع

أوكرانية تمشي وسط الدمار في كراماتورسك بدونيتسك يوم 8 فبراير (رويترز)
أوكرانية تمشي وسط الدمار في كراماتورسك بدونيتسك يوم 8 فبراير (رويترز)
TT

زيلينسكي يدعو لتشديد الضغط على روسيا بعد إطلاقها 2000 مُسيّرة خلال أسبوع

أوكرانية تمشي وسط الدمار في كراماتورسك بدونيتسك يوم 8 فبراير (رويترز)
أوكرانية تمشي وسط الدمار في كراماتورسك بدونيتسك يوم 8 فبراير (رويترز)

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الأحد، إن روسيا أطلقت أكثر من 2000 طائرة مُسيّرة و116 صاروخاً على أوكرانيا خلال الأسبوع الماضي فقط، مستهدفةً منشآت الطاقة والبنية التحتية اللوجيستية في المدن والقرى بشكل شبه يومي.

وأضاف زيلينسكي في منشور على «إكس»: «يجب على العالم ألا يغض الطرف عن الهجمات الروسية. فعندما يغيب الرد الدولي، تصبح الضربات أكثر تكراراً وأشد وحشية. ويمكن وقف ذلك عبر تقديم دعم حقيقي لأوكرانيا ولدفاعاتنا».

وأكد زيلينسكي: «نحن بحاجة إلى صواريخ لأنظمة الدفاع الجوي، وإلى أسلحة لمقاتلينا الذين يصدون هذا العدوان يومياً. ولكي تنجح الدبلوماسية، لا بد من ممارسة ضغط مستمر على روسيا، بحيث تصبح تكلفة هذه الحرب باهظة، إلى حدٍّ يجعلها غير قابلة للاستمرار بالنسبة لروسيا».

عقوبات على موردي أجزاء الصواريخ

أعلن الرئيس الأوكراني أنه سيفرض عقوبات ​على عدد من الشركات الأجنبية المُصنِّعة لمكونات الطائرات المُسيّرة والصواريخ التي تستخدمها روسيا في هجماتها على بلاده. وكتب زيلينسكي على «إكس»: «إنتاج هذه الأسلحة سيكون مستحيلاً دون المكونات الأجنبية الضرورية التي يواصل الروس الحصول ‌عليها عبر التحايل ‌على العقوبات». وأضاف: «سنفرض ‌عقوبات ⁠جديدة، ​تحديداً ‌على الشركات الموردة للمكونات ومصنعي الصواريخ والطائرات المسيّرة... وقَّعتُ على القرارات ذات الصلة».

دمار خلفته ضربات جوية روسية في كراماتورسك بدونيتسك يوم 8 فبراير (إ.ب.أ)

وبحسب مرسومَين أصدرتهما الرئاسة الأوكرانية، تستهدف العقوبات شركات صينية وشركات من الاتحاد السوفياتي السابق والإمارات وبنما. ورغم المفاوضات الرامية إلى ⁠إنهاء الحرب الدائرة منذ نحو 4 أعوام، فإن روسيا صعّدت ‌بشكل حاد من نطاق هجماتها بالصواريخ ‍والطائرات المسيّرة على أوكرانيا خلال الأشهر القليلة الماضية، وركّزت هجماتها على قطاعَي الطاقة والخدمات اللوجيستية.

وأدت الهجمات على محطات توليد الكهرباء والمحطات الفرعية إلى انقطاع التيار الكهربائي والتدفئة عن مناطق بأكملها في كييف، واستمرَّت بعض انقطاعات التيار في العاصمة الأوكرانية لمدة وصلت إلى 20 ساعة. وقال زيلينسكي إنه فرض أيضاً عقوبات على القطاع المالي الروسي وهيئات تقدم الدعم ‌لسوق العملات المشفرة وعمليات التعدين الروسية.

محاولة اغتيال جنرال روسي

في سياق متصل، أعلن جهاز الأمن الروسي (إف إس بي)، الأحد، أن المشتبه بتنفيذه محاولة اغتيال مسؤول روسي رفيع في موسكو نُسبت إلى أوكرانيا، أوقف في دبي وسُلّم لروسيا عقب فراره إلى الإمارات العربية المتحدة. واستهدف الجنرال فلاديمير أليكسييف، الجمعة، بعيارات نارية عدة ونُقل إلى المستشفى، بعد سلسلة اغتيالات في روسيا والأراضي الأوكرانية التي تسيطر عليها موسكو، طالت مسؤولين في الجيش وسياسيين محليين وآخرين يؤيدون الغزو الروسي لأوكرانيا. وأعلنت كييف مسؤوليتها عن بعض هذه العمليات.

الجنرال فلاديمير أليكسييف المسؤول بالمخابرات العسكرية الروسية (أ.ب نقلاً عن وزارة الدفاع الروسية)

وفلاديمير أليكسييف، الذي نجا، هو المساعد الأول لرئيس الاستخبارات العسكرية الروسية إيغور كوستيوكوف، الذي يترأس أيضاً الوفد الروسي إلى مفاوضات السلام مع أوكرانيا. وقال جهاز الأمن الروسي إن مواطناً روسياً يُعتبر «المنفذ المباشر للجريمة»، «أوقف وسُلّم لروسيا» بعدما فرّ إلى دبي.

وذكر جهاز الأمن الاتحادي الروسي، في بيان، أن روسياً اسمه ليوبومير وكراب اعتقل في دبي للاشتباه في تنفيذه للهجوم. وقال محققون روس إن كوربا، المولود في منطقة تيرنوبيل في أوكرانيا إبان العهد السوفياتي عام 1960، كلفته المخابرات الأوكرانية تنفيذ محاولة الاغتيال. واتهمت روسيا ⁠أوكرانيا بالوقوف وراء إطلاق النار، لكن كييف نفت ذلك. ورفض وزير الخارجية الأوكراني أندري سيبيها، في تصريح لـ«رويترز»، اتهام بلاده بالتورط في إطلاق النار على ‌أليكسييف. وقال: «لا نعرف ماذا حدث لهذا الجنرال تحديداً، ربما كان ذلك نتيجة صراع داخلي بين الروس أنفسهم».

وأظهرت وسائل الإعلام الروسية رجال أمن مقنعين ‌من جهاز الأمن الاتحادي يقتادون رجلاً معصوب العينين من طائرة صغيرة في روسيا في الظلام. وقال جهاز الأمن الاتحادي إنه حدد هويتي شريكين آخرين، وهما رجل ‍وامرأة روسيان أيضاً. وقال المحققون إن أحدهما اسمه فيكتور فاسين، وإنه اعتقل في موسكو، بينما فرت المرأة، واسمها زينايدا سيريبريتسكايا، إلى أوكرانيا.

جنود أوكرانيون على خط الجبهة في زابوريجيا يوم 7 فبراير (أ.ب)

وتظهر محاولة الاغتيال التي حدثت على بعد 12 كيلومتراً شمالي الكرملين مدى هشاشة الحماية المتوفرة للجنرالات الروس المشاركين في التخطيط ⁠لحرب أوكرانيا. وتساءل البعض في روسيا عن كيفية تعقب أليكسييف في مثل هذا المكان وعدم توفير حماية أفضل له. ولقي ثلاثة مسؤولين آخرين من رتبة أليكسييف حتفهم في موسكو أو بالقرب منها منذ ديسمبر (كانون الأول) 2024.

وسبق أن فرضت الدول الغربية عقوبات على أليكسييف (64 عاماً) للاشتباه بدوره في هجمات إلكترونية نُسبت إلى روسيا، فضلاً عن اتهامه بتدبير هجوم استخدم فيه غاز للأعصاب وطال المعارض الروسي سيرغي سكريبال عام 2018 في المملكة المتحدة. وورد في نبذته الشخصية الرسمية أنه تميز في عمليات استخباراتية في سوريا، حيث تدخلت موسكو عسكرياً عام 2015 دعماً لنظام الرئيس المخلوع بشار الأسد.

واتهم وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف كييف بالوقوف خلف محاولة اغتيال أليكسييف، والسعي عبر ذلك إلى إفشال المباحثات الجارية بوساطة أميركية للتوصل إلى حل للنزاع في أوكرانيا.