الكشري المصري يُتوِّج مذاقه الفريد بالتسجيل في تراث اليونيسكو

الطبق الشعبي الشهير يعد أول أكلة محلية تضاف إلى القائمة العالمية

TT

الكشري المصري يُتوِّج مذاقه الفريد بالتسجيل في تراث اليونيسكو

الكشري من الأكلات الشهيرة بمصر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
الكشري من الأكلات الشهيرة بمصر (تصوير: عبد الفتاح فرج)

بعد عامين من الجهود المتواصلة لإدراج «الكشري» ضمن القائمة التمثيلة للتراث الثقافي العالمي غير المادي بمنظمة اليونيسكو، نجحت مصر أخيراً، في تسجيل الأكلة الشعبية الشهيرة بالقائمة لعام 2025، تحت عنوان «طبق الحياة اليومية» للمصريين، لتعد الأكلة الأولى التي تسجل بالقائمة، وفق بيان وزارة الثقافة المصرية.

وأعرب وزير الثقافة المصري، أحمد فؤاد هنو، عن سعادته بتسجيل الكشري المصري ليصبح العنصر الحادي عشر المسجَّل باسم مصر على قوائم التراث غير المادي، معتبراً ذلك «تأكيداً جديداً على مكانة التراث المصري وقدرته على الإلهام والتجدد، وعلى تقدير المجتمع الدولي لهذا التراث».

ويعدّ «الكشري» من الأكلات المصرية التي تنتشر محلات بيعها في غالبية شوارع مصر، وتتكون من المعكرونة والأرز والعدس والحمص مع الصلصة والدَّقّة (خليط الخل والليمون والكمون) والبصل والمقبلات، وتتراوح أسعارها بين 20 إلى 70جنيهاً للطبق (الدولار يساوي نحو 47.6 جنيه)، وتحظى بقبول كبير لدى فئات مختلفة من المصريين.

وأعلن الوفد المصري المشارك في اللجنة الحكومية للتراث الثقافي غير المادي، المنعقدة في نيودلهي بالهند من 8 إلى 13 ديسمبر (كانون الأول) الحالي، عن النجاح في تسجيل الملف، الأربعاء.

طبق الكشري يضم العديد من المكونات (تصوير: عبد الفتاح فرج)

ولم تتوقف جهود الوفد على تقديم الملف الخاص بتسجيل الطبق المصري الشهير على القائمة الدولية للتراث الثقافي غير المادي بوصفه أول أكلة محلية، بل قام بتقديم «الكشري» إلى وفود الدول المشاركة في اجتماع اللجنة الدولية لاتفاقية صون التراث الثقافي غير المادي باليونيسكو وأعضاء اليونيسكو، عقب انتهاء إجراءات تسجيله.

و«يعكس الكشري الهوية المصرية وثقافة الحياة اليومية للمصريين»، وفق تصريحات مستشارة وزير الثقافة ورئيس الوفد المصري المشارك في اجتماعات لجنة التراث غير المادي، الدكتورة نهلة إمام، مضيفة في بيان للوزارة أن «هذا الإنجاز جاء نتيجة جهد كبير قامت به وزارة الثقافة على مدار عامين».

ووفق الخبير باليونيسكو والعميد الأسبق للمعهد العالي للفنون الشعبية بأكاديمية الفنون المصرية، الدكتور مصطفى جاد، فإن «تسجيل الكشري في قوائم اليونيسكو بوصفه من الأكلات المهمة ذات الطابع الشعبي المصري الأصيل يعد إنجازاً مهماً للجهود المصرية في هذا الصدد»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «منظمة اليونيسكو تعرض تسجيل العناصر على قائمتين؛ الأولى القائمة التمثيلية التي تقول إن هذا العنصر منتشر وموجود بشكل حي بين كل أطياف المجتمع، لكن هناك قائمة أخرى مهمة يجب العمل عليها أكثر وهي البحث عن عناصر التراث الشعبي التي تتعرض للاندثار فيما يعرف بقائمة الصون العاجل، للعمل على إعادة ازدهارها وإحيائها، من بينها حكايات وسير شعبية وبعض الرقصات والأزياء التي بدأت تختفي».

وسجلت مصر 10 عناصر على قوائم اليونيسكو للتراث الثقافي غير المادي من بينها «السيرة الهلالية» و«التحطيب» و«النخلة» و«الخط العربي» و«المهرجانات المرتبطة برحلة العائلة المقدسة إلى مصر»، و«النقش على المعادن» و«الحناء» و«الأراجوز» و«السمسمية» بالاشتراك مع السعودية.

ويصف الأكاديمي بمعهد الفنون الشعبية بأكاديمية الفنون المصرية، عبد الكريم الحجراوي، تسجيل الكشري بأنه «خطوة مهمة»، لافتاً إلى أنه حتى عام 2008 لم تسجل مصر أي عناصر بالقائمة الدولية، وكان أول عنصر تم تسجيله هو «السيرة الهلالية». وقال لـ«الشرق الأوسط»: «من المهم تسجيل مفردات المطبخ المصري ضمن التراث العالمي غير المادي، وأظن هناك خطة مستقبلية لتسجيل الفول والطعمية أيضاً بقائمة اليونيسكو، وهو أمر مهم لتوثيق الأكلات الشعبية بوصفها جزءاً من التراث الممتد في الحياة اليومية».

جانب من النشاط المصري لتقديم الكشري بعد تسجيله في اليونيسكو (وزارة الثقافة المصرية)

وأصبح الكشري من الأكلات المفضلة لدى دبلوماسيين ومسؤولين أجانب لدى زيارتهم لمصر، ومن بينهم وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، الذي تناول «الكشري» لدى أولى زياراته إلى مصر عقب تحسّن العلاقات بين مصر وإيران، بعد فترة طويلة من جمود العلاقات بينهما. كما تناوله سفير الاتحاد الأوروبي السابق في القاهرة، كريستيان برجر، الذي أكد في تصريحات صحافية سابقة أن «الكشري من الوجبات المفضلة له»، وبالمثل تناوله عشرات الدبلوماسيين والمسؤولين الأجانب المقيمين أو الزائرين لمصر.

الكشري منتشر في العديد من شوارع مصر (تصوير: عبد الفتاح فرج)

وحسب الدكتورة هند طه، عضو مبادرة «طبلية مصر» بالمتحف القومي للحضارة المصرية «من المهم تسجيل وحماية الإرث الثقافي والغذائي للمصريين»، وأعربت عن سعادتها بتسجيل الكشري بقوائم اليونيسكو، مشيرة إلى أن «مبادرة (طبلية مصر) بالمتحف القومي للحضارة كان لها السبق في إطلاق الشرارة الأولى عام 2023 بالنداء لتسجيل الكشري أول أكلة مصرية على القوائم التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي باليونيسكو»، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «نعمل على تسجيل هذا التراث الغذائي على عدة مستويات من بينها ضمن القوائم التمثيلية لليونيسكو، وعلى قوائم الحصر المحلية، ونتمنى أن تحصل على حقوق الملكية الفكرية، فهناك أنواع معينة من الأكلات لها طابع مصري مستقل».

وترجع بعض الأبحاث والدراسات بدايات ظهور الكشري في مصر إلى بدايات القرن العشرين مع اختلاط المصريين بالجنود الهنود وقت الاحتلال البريطاني لمصر، ولكنها تطورت بإضافات مصرية مثل الثوم المهروس والخل والشطة الحمراء، والبصل المحمر، والحمص ليصبح من علامات المطبخ المصري.


مقالات ذات صلة

وزير لبناني: إسرائيل دمرت مواقع تراثية في الجنوب

حطام قرب أعمدة رومانية في موقع مقبرة البص الأثري في صور المسجل في منظمة اليونسكو (رويترز) p-circle

وزير لبناني: إسرائيل دمرت مواقع تراثية في الجنوب

اقتلع تاج من أعلى عمود ‌أثري في موقع مدرج على قائمة منظمة «يونسكو» بمدينة صور الساحلية في لبنان، ودمر موقع ديني في بلدة جنوبية أخرى.

«الشرق الأوسط» (صور - بيروت)
يوميات الشرق جانب من توزيع جوائز دورة سابقة للجائزة (الشرق الأوسط)

إطلاق الدورة الثالثة من جائزة «اليونسكو - عبد الله الفوزان» لدعم علماء المستقبل

أُعلن إطلاق الدورة الثالثة من جائزة «اليونسكو - عبد الله الفوزان الدولية»، المخصصة لتشجيع التميز في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات.

«الشرق الأوسط» (الخبر)
المشرق العربي كرة نارية تندلع من مبنى عقب غارة إسرائيلية في مدينة صور جنوب لبنان (أ.ف.ب) p-circle

نتنياهو: الجيش الإسرائيلي عبر نهر الليطاني

أعلن نتنياهو، اليوم الجمعة، أن الجيش الإسرائيلي عبر نهر الليطاني في جنوب لبنان، مضيفاً: «ونعمل أيضاً في بيروت والبقاع وعلى امتداد الجبهة بأكملها».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
يوميات الشرق الكُشري والهريس والكسكس والمنقوشة أطعمة عربية دخلت العالمية (بكسلز/ بيكساباي/ واس/ الشرق الأوسط)

الكُشَري ليس أوّلها... مأكولات عربية على قائمة اليونيسكو للتراث

ما الأطباق العربية التي أصبحت عالميّة بدخولها قائمة اليونيسكو للتراث؟

كريستين حبيب (بيروت)
الخليج تدعم مذكرة التفاهم جهود الحكومة اليمنية الرامية إلى الحفاظ على ممتلكاتها الثقافية (واس)

شراكة سعودية - أممية لدعم جهود حماية التراث اليمني

وقَّع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن مذكرة تفاهم مع منظمة «اليونيسكو» تعزيزاً للجهود المشتركة في صون التراث الثقافي اليمني.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

سعد الفرج: كنتُ أطمح لأكثر ممّا وصلتُ إليه

الفرج وابنه مجبل مع مدير المهرجان أحمد الملا (المهرجان)
الفرج وابنه مجبل مع مدير المهرجان أحمد الملا (المهرجان)
TT

سعد الفرج: كنتُ أطمح لأكثر ممّا وصلتُ إليه

الفرج وابنه مجبل مع مدير المهرجان أحمد الملا (المهرجان)
الفرج وابنه مجبل مع مدير المهرجان أحمد الملا (المهرجان)

6 عقود من العطاء، ومئات الشخصيات، ومسرح ارتبط اسمه برائحة «الزمن الجميل» وأمجاد الماضي... ومع ذلك، لا يرى الفنان الكويتي القدير، سعد الفرج، أنّ ما حقّقه يوازي أحلامه الأولى؛ فعندما سألته «الشرق الأوسط» عن رؤيته للمرحلة التي يقف عندها اليوم، تنهَّد مستشهداً بالبيت الشعري: «ألا ليت الشباب يعود يوماً»، قبل أن يضيف: «تمنّيت لو كانت لديَّ طاقة لأقدّم أكثر من ذلك... كنتُ أطمح لأكثر ممّا وصلتُ إليه».

جاء حديث الفرج على هامش حضوره إلى «مهرجان أفلام السعودية»، الذي يختتم دورته الثانية عشرة، اليوم (الخميس)، حيث حضر برفقة ابنه المخرج مجبل الفرج لمشاهدة عرض الفيلم الوثائقي «بقشة سعد»، الذي يستعرض محطات من حياته منذ الطفولة، مروراً بمسيرته الفنية، وصولاً إلى المكانة التي احتلها وجعلته أحد أبرز روّاد الفن الخليجي.

الفنان سعد الفرج وابنه مجبل الفرج لحظة وصولهما (المهرجان)

البدايات في الفنطاس

يعتمد الفيلم على حديث الفرج نفسه، الذي يبدأ من ولادته في قرية الفنطاس ببداية الأربعينات من القرن الماضي، حيث لم يتجاوز عدد سكانها 300 نسمة، وكانوا يعيشون على الغوص والزراعة. وفي سنّ السادسة التحق بمعلم القرية، الملا مزعل، وختم القرآن الكريم في سنّ التاسعة. ويشير الفرج إلى أنه لم يكن متأكداً مما إذا كان قد وُلد عام 1940 أو 1941، إذ لم تكن شهادات الميلاد تُصدر آنذاك. وعندما بلغ التاسعة استُخرجت له أوراق ثبوتية، ثم التحق بأول مدرسة نظامية في قريته، وهي «مدرسة الفنطاس».

ويبدو الحنين طاغياً في حديث الفرج عن الفنطاس، التي يصف الحياة فيها بأنها كانت جميلة، وكان أهلها مولعين بالطرب والاحتفالات والمناسبات الاجتماعية. كما يستحضر النقلة الكبيرة التي شهدتها حياته قبل الفنطاس وبعدها، قائلاً: «عندما أتذكر تلك الأيام، أحمد الله كثيراً... كنا نشرب من الآبار، ولم تكن لدينا كهرباء، كانت العيشة صعبة وشاقة».

من الكتابة إلى المسرح

يقول: «عشقي للكتابة والتمثيل بدأ منذ الطفولة»، مسترجعاً قصة كتبها في المرحلة الابتدائية، وعُلقت على لوحة الشرف في «مدرسة الفنطاس». وكانت القصة، التي لم تتجاوز الصفحة، تدور حول حريق اندلع في منزل أسرة، لينتهي المشهد بالأم وهي تحتضن طفلها الذي ينجو، بينما تموت هي. وأشار إلى ولعه بجلسات الأحاديث والقصص التي كان يحرص على حضورها باستمرار، لا سيما قصص «الملا ناصر».

وفي صباه، كان يتحمّس كل ليلة ثلاثاء ليذهب مع أصدقائه إلى السينما في الفحيحيل، التي كانت مخصَّصة لموظّفي شركة النفط. وكان يتعلّق بإحدى السيارات ليتمكّن من مشاهدة الفيلم، ويروي تلك التفاصيل بروح ساخرة، مستعيداً زمناً لم تكن فيه دُور السينما متاحة للجميع.

وتطرَّق حديث الفرج إلى أبرز المراحل التي عاشها قبل أن يصبح شاباً ويلتحق بوظيفة «كاتب» في جهة حكومية براتب زهيد، ثم استدرك قائلاً: «بعدها بأشهر شعرتُ بالحنين إلى الدراسة وندمتُ على تركها، فاتّجهتُ إلى الثانوية التجارية بمدينة الكويت لأدرس في الفترة المسائية، بينما بقيتُ أعمل نهاراً في دائرة الأشغال».

ومع حضور رائد المسرح المصري، زكي طليمات، إلى الكويت في بداية عقد الستينات، تقدَّم الفرج إلى الامتحان الذي كان يجريه، فوقع عليه الاختيار. وحاول بعد ذلك التوفيق بين عمله الحكومي، ودراسته في الثانوية التجارية، وعمله في المسرح: «كنت حينها أبحث عن نفسي، فوجدت ضالتي في المسرح، وتفرّغت للمسرح العربي عام 1962».

الفرج في حديث ودّي سبق دخوله إلى عرض الفيلم الوثائقي (المهرجان)

الفرج، الذي يكفي التأمّل في ملامح وجهه لقراءة تاريخ الكويت الفنّي والاجتماعي والسياسي بصدق، وتختبئ في تجاعيد صوته ونظرات عينيه حكايات جيل بأكمله؛ يُظهر الفيلم الوثائقي أنّ أعماله لم تكن منفصلة عن محيطها، وإنما واكبت التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي عاشتها البلاد. وتوقّف عند مسرحيات مثل «بني صامت» و«حامي الديار»، حيث حضرت الأسئلة السياسية والاجتماعية من خلال الرمز والسخرية، بينما عكست أعماله الأخرى هموم المواطن اليومية وتحولات المجتمع الكويتي.

ويتناول الفيلم أيضاً ثنائية الفرج مع الفنان الكويتي الراحل عبد الحسين عبد الرضا؛ إذ أسَّسا معاً فرقة المسرح الوطني، وقدّما عدداً من أنجح المسرحيات في تاريخ الفن الكويتي، كان آخرها «على هامان يا فرعون». وبالتوازي مع ذلك، قدّما أعمالاً تلفزيونية بارزة، من أشهرها «درب الزلق» و«الأقدار»، وهي أعمال أصبحت جزءاً من تاريخ الفن الخليجي.

«بقشة سعد»... رحلة عام ونصف العام

في ختام العرض، تحدَّث المخرج مجبل الفرج عن تجربته في إنجاز الفيلم، قائلاً: «كانت مهمّة سهلة وصعبة في الوقت نفسه؛ سهلة لأنني أعرف والدي، وصعبة لأنني كنت أريد إخراج الفيلم بطريقة ترضيه أولاً». وأوضح أن العمل استغرق نحو عام ونصف العام، استحوذ الجانب الأرشيفي على الجزء الأكبر منها، نظراً لما يتضمّنه «بقشة سعد» من صور ومقاطع فيديو نادرة توثّق محطات مختلفة من حياته.

لكن اللحظة الأكثر تأثيراً جاءت بعد انتهاء العرض، حين وجه أحد الحضور سؤالاً مباشراً إلى سعد الفرج: «ماذا كسبت من الفنّ بعد هذه الرحلة الطويلة؟». نهض الفنان الثمانيني استعداداً للإجابة، إلا أن موجة طويلة من التصفيق قاطعته قبل أن ينطق بكلمة. انتظر حتى هدأت القاعة، ثم ابتسم وقال: «ما كسبته هو هذا التصفيق الحارّ منكم».


خطأ تربوي بسيط يُضعف ثقة الأطفال بأنفسهم... احذر منه

الأطفال الذين يتمتعون بمرونة نفسية أكبر يكونون أكثر عرضة لأن يصبحوا بالغين سعداء وناجحين (بيكسلز)
الأطفال الذين يتمتعون بمرونة نفسية أكبر يكونون أكثر عرضة لأن يصبحوا بالغين سعداء وناجحين (بيكسلز)
TT

خطأ تربوي بسيط يُضعف ثقة الأطفال بأنفسهم... احذر منه

الأطفال الذين يتمتعون بمرونة نفسية أكبر يكونون أكثر عرضة لأن يصبحوا بالغين سعداء وناجحين (بيكسلز)
الأطفال الذين يتمتعون بمرونة نفسية أكبر يكونون أكثر عرضة لأن يصبحوا بالغين سعداء وناجحين (بيكسلز)

يرغب معظم الآباء في حماية أطفالهم من الفشل أو الإحباط، لكن ما يبدو تصرفاً نابعاً من الحب قد يأتي بنتائج عكسية. فالتدخل المستمر لحل مشكلات الأبناء أو إنقاذهم من عواقب أخطائهم، حسب خبراء في علم النفس، قد يحرمهم من اكتساب المهارات اللازمة لمواجهة التحديات، ويضعف ثقتهم بقدرتهم على الاعتماد على أنفسهم.

هذا ما يؤكده الطبيب النفسي والمؤلف الأكثر مبيعاً، دانيال أمين، الذي يرى أن كثيراً من الآباء يقعون في خطأ «الإفراط» في تدليل أبنائهم، وهو ما يؤدي إلى «ضعف عقلي لدى الأطفال»، حسب تعبيره، وفقاً لشبكة «سي إن بي سي».

وأوضح أمين أن سلوكيات مثل إنجاز المشروع الدراسي للطفل نيابة عنه لمساعدته في الحصول على درجات أفضل، أو تلبية رغباته فقط لتجنب نوبة غضب وشيكة، تُقوّض مرونته النفسية، وتحد من شعوره بالاستقلالية. وتشير الأبحاث إلى أن الأطفال الذين يتمتعون بمرونة نفسية أكبر يكونون أكثر عرضة لأن يصبحوا بالغين سعداء وناجحين.

وأضاف أمين: «عندما كانت ابنتي تنسى واجباتها المدرسية في المنزل، لم يكن أحد يحضرها إليها في المدرسة. وإذا لم تأخذ سترتها في يوم بارد، رغم أن والدتها ذكّرتها بذلك، لم يكن أحد يذهب لإحضارها لها».

وتابع: «من المهم جداً، عندما يقول الطفل: (أشعر بالملل)، ألا تسارع إلى حل المشكلة نيابة عنه، بل اسأله: (ماذا ستفعل حيال ذلك؟)».

وأضاف: «إذا بالغت في تدليل أطفالك، فأنت تعزز ثقتك بنفسك على حساب ثقتهم بأنفسهم. فالإنسان يكتسب الصلابة النفسية من خلال مواجهة المشكلات والسعي إلى حلها».

من جهتها، أكدت توفا كلاين، أخصائية علم نفس الأطفال، لشبكة «سي إن بي سي» أن بناء المرونة النفسية لدى الأطفال لا يتطلب اتباع أسلوب تربوي قاسٍ أو الاعتماد على العقوبات الشديدة.

وأضافت أن محاولة حماية الأطفال من كل خيبة أمل لن تساعدهم على تنمية المرونة النفسية، بل قد تحرمهم من فرصة تعلم كيفية التعامل مع التحديات.

وبدلاً من ذلك، تنصح بالسماح للأطفال بخوض تجارب الإخفاق والأخطاء والمواقف الصعبة، مع طمأنتهم في الوقت نفسه بأنهم يحظون بالدعم والحب.

وقالت كلاين: «أرى هذا الأسلوب أكثر تعاطفاً وتواصلاً. كأن تقول لطفلك: (قد يكون الأمر صعباً، وسأكون بجانبك عندما تتجاوزه)».

وأضافت: «إنها رسالة مفادها: (أنا أثق بقدرتك على تجاوز هذه المحنة، وسأكون إلى جانبك مهما كانت النتيجة، سواء فزت أو خسرت أو كنت في المنتصف. أنا هنا من أجلك)».

وبالمثل، أشارت الجمعية الأميركية لعلم النفس، في منشور على مدونتها عام 2012، إلى أن تشجيع الأطفال على مساعدة الآخرين، بدءاً من المشاركة في الأعمال المنزلية اليومية ووصولاً إلى دعم الأصدقاء وزملاء الدراسة، يعزز لديهم الشعور بالمسؤولية والكفاءة، ويمنحهم الثقة اللازمة لمواجهة تحدياتهم.

واختتم أمين حديثه قائلاً: «دعوا أطفالكم يبدأون في اكتشاف مشكلاتهم، أو البحث عن حلول لها، بدلاً من التدخل المفرط لحلها نيابة عنهم».


عشرات الآلاف يتسابقون لرؤية تحفة تستردُّها إنجلترا بعد 950 عاماً

تحفة عبرت الزمن قبل أن تعبر الحدود (أ.ف.ب)
تحفة عبرت الزمن قبل أن تعبر الحدود (أ.ف.ب)
TT

عشرات الآلاف يتسابقون لرؤية تحفة تستردُّها إنجلترا بعد 950 عاماً

تحفة عبرت الزمن قبل أن تعبر الحدود (أ.ف.ب)
تحفة عبرت الزمن قبل أن تعبر الحدود (أ.ف.ب)

توقَّع مدير المتحف البريطاني، نيكولاس كولينان، أن يشهد المتحف «إقبالاً هائلاً» على معرض «نسيج بايو»، مع بدء بيع التذاكر لمشاهدة هذه التحفة الفنية من القرن الـ11، التي تعود إلى إنجلترا من فرنسا للمرة الأولى منذ نحو 1000 عام.

وأضاف كولينان لـ«بي بي سي» أنّ الناس في مختلف أنحاء بريطانيا يغتنمون فرصة مشاهدة النسيج، الذي يصوّر الغزو النورماندي لإنجلترا عام 1066، على أرضهم.

خيط طويل من ذاكرة إنجلترا (رويترز)

وتابع: «سيصل إلينا قريباً جداً، لذا فإن الأمر مثير»، في وقت انضم فيه عشرات الآلاف من الأشخاص إلى قوائم انتظار افتراضية عبر الإنترنت لشراء التذاكر.

بعض الحكايات تُطرَّز لا تُكتب (أ.ف.ب)

ورغم أنّ الأصول الدقيقة لقطعة النسيج، التي يبلغ طولها 70 متراً، لا تزال غير معروفة على وجه اليقين، فإنه يُعتقد أنّ حرفيين إنجليزيين هم مَن صنعوها. لكنها ظلَّت محفوظة في فرنسا على مدى نحو 950 عاماً.

وتحيط السرّية بتفاصيل نقل هذا النسيج الصوفي والكتاني الهشّ من موطنه في مدينة بايو، شمال غربي فرنسا، إلى المتحف البريطاني في وسط لندن، لكن كولينان قال إنه سيُنقل عبر نفق القنال الإنجليزي.

نسيج يحفظ ذاكرة الغزو والملوك (أ.ف.ب)

وأكدت فرنسا، في يوليو (تموز) الماضي، أنّ المتحف البريطاني يمكنه استعارة النسيج، وذلك خلال الزيارة الرسمية للرئيس إيمانويل ماكرون لبريطانيا وحلوله ضيفاً على الملك تشارلز.

ويُنظَر إلى إعارة هذا الكنز الثقافي على أنها علامة على توثيق العلاقات بين البلدين، بعد الخلاف الذي تسبَّب فيه تصويت خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي عام 2016.