جبل أوليمبوس وشواطئ نورماندي على قائمة التراث العالمي

«سهول بوما» أول موقع في جنوب السودان تُدرجه «اليونسكو»

عملية إنزال برمائي إلى قوات الحلفاء في نورماندي (أ.ف.ب)
عملية إنزال برمائي إلى قوات الحلفاء في نورماندي (أ.ف.ب)
TT

جبل أوليمبوس وشواطئ نورماندي على قائمة التراث العالمي

عملية إنزال برمائي إلى قوات الحلفاء في نورماندي (أ.ف.ب)
عملية إنزال برمائي إلى قوات الحلفاء في نورماندي (أ.ف.ب)

أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة في لائحة التراث العالمي شواطئ منطقة نورماندي الفرنسية، حيث نفذت قوات الحلفاء إنزالها الحاسم خلال الحرب العالمية الثانية، وجبل أوليمبوس الشهير في اليونان، حسب «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المنظمة، الأحد، خلال اجتماعها المنعقد في مدينة بوسان بكوريا الجنوبية حتى 29 يوليو (تموز) الحالي إدراجها بصفة عاجلة سهول بوما - بادينغيلو في جنوب السودان على قائمتي التراث العالمي والتراث العالمي المهدد بالخطر؛ ما جعله أول موقع في جنوب السودان تُدرجه «اليونسكو» في إحدى قوائمها.

وتحتاج هذه المنطقة التي تمتد على مساحة 37500 كيلومتر مربع بين النيل الأبيض والحدود الإثيوبية، إلى حماية عاجلة في ظل النزاع الدائر بين القوات الحكومية وميليشيات المعارضة، إلى جانب التهديدات المتزايدة الناجمة عن التغير المناخي.

وأوضحت «اليونسكو» أنّ هذه المنطقة تشمل «فسيفساء شاسعة من الأراضي العشبية والأراضي الرطبة والسهول الفيضية والغابات المفتوحة وسهول السافانا التي تغمرها الفيضانات الموسمية، وتتشكل بفعل الأمطار الموسمية والفيضانات». ويهاجر مليون حيوان، من بينها ظباء وغزلان، عبر هذه البرية الشاسعة، تاركة آثاراً واضحة على السهول العشبية يمكن رؤيتها من الجو. ويؤوي الموقع أيضاً أنواعاً كثيرة من الطيور والثدييات الكبيرة، بينها فيلة وأسود ونمور وفهود.

وأشارت «اليونسكو» إلى أنّ الموقع يواجه تهديدات خطرة، كالصيد الجائر، والاتجار غير القانوني بالحياة البرية، وانعدام الأمن، والأنشطة الاستخراجية.

إضافة إلى ذلك، ضمّت «اليونسكو» بصفة عاجلة إلى القائمتين إياهما الموقع الأثري في سبسطية بالضفة الغربية المحتلة. وأشارت «اليونسكو» إلى أن الموقع يضم بقايا أثرية تعود لحضارات متعددة تمتد إلى العصر الحديدي.

وأوضحت المنظمة أن «سلامة الموقع مهددة حالياً بخطة لمصادرة الأراضي تهدف إلى تقسيم الموقع، وإنشاء حديقة (السامرة) (شومرون) الوطنية».

وأدخلت «اليونسكو» في القائمة أيضاً موقع خيرسونيسوس القديم والأراضي الزراعية التابعة له في شبه جزيرة القرم، محذرة من «تهديدات خطرة» تواجهه. ويضم خيرسونيسوس بقايا مدينة أسسها الدوريون اليونانيون في القرن الخامس قبل الميلاد على ساحل البحر الأسود بالقرب من سيفاستوبول.

وأوضحت مذكرة لـ«اليونسكو» أن «المعلومات المتاحة التي تؤكدها صور بالأقمار الاصطناعية، تشير إلى أن الموقع ربما تأثر بعمليات تنقيب غير مصرّح بها، وأعمال بناء واسعة النطاق، فضلاً عن نقل قطع أثرية».

وبعيداً عن المخاطر، أُدرجت شواطئ النورماندي التي شهدت إنزال قوات الحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية، على قائمة التراث العالمي لـ«اليونسكو»، الأحد، بعد مساعٍ استمرت نحو 20 عاماً.

تمتد هذه الشواطئ التي شهدت إنزال قوات الحلفاء في السادس من يونيو (حزيران) عام 1944، على نحو 80 كيلومتراً من الساحل بين مقاطعتي مانش وكالفادوس في شمال غربي فرنسا، وكانت مسرحاً لمعركة حاسمة لتحرير أوروبا من النازية، وإنهاء الحرب العالمية الثانية.

وشمل ملف الإدراج الشواطئ الخمسة التي شهدت الإنزال والمعروفة بيوتاه، وأوماها، وغولد، وجونو، وسوورد، بالإضافة إلى منطقة بوانت دو هوك التي شهدت معارك حاسمة، وبطارية المدفعية الألمانية في لونغ سور مير، والميناء الاصطناعي في أرومانش لي بان، المعروف باسم «ميناء مالبيري» والمؤلف من كتل خرسانية ضخمة صُنعت في إنكلترا لتسهيل الإمدادات اللوجستية لقوات الحلفاء. كما يضم الملف عدداً من المقابر العسكرية والنُّصب التذكارية.

وإلى القائمة أيضاً، دخل، الأحد، نظام «إن كوندومينيوم» للمسارح الذي كان معتمَداً في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر في وسط إيطاليا، وفقاً لما أعلن وزير الثقافة الإيطالي أليساندرو جولي.

وجاء في البيان أن هذه المسارح «تشكل ظاهرة فريدة في تاريخ العمارة والمسرح»، وأوضح أن «هذه المسارح وُلدت من المشاركة المباشرة للمواطنين الذين كانوا يتقاسمون ملكيتها وإدارتها وارتِيادها، وكانت لها مساهمة كبيرة في تطوير الحياة الثقافية والاجتماعية في مناطق وسط إيطاليا خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر».

وأعربت اليونان، الأحد، عن ارتياحها لإدراج جبل أوليمبوس، وهو الأعلى فيها إذ يبلغ ارتفاع قمته 2914 متراً فوق سطح البحر، على قائمة التراث العالمي لـ«اليونسكو». وكتب رئيس الوزراء كيرياكوس ميتسوتاكيس على حسابه في «فيسبوك»: «بداية من اليوم (الأحد)، يصبح أوليمبوس الأسطوري جبلاً للبشرية جمعاء».

ويُعد أوليمبوس، إضافة إلى كونه «موطن» آلهة العصور القديمة وفقاً للأساطير اليونانية، من أغنى مناطق التنوع الحيوي في أوروبا؛ إذ يحتضن أكثر من ألفَي نوع من النباتات، من بينها عشرات الأنواع غير الموجودة في أي مكان آخر، فضلاً عن حيوانات نادرة، بحسب خبراء.

وإلى جانب جبل أوليمبوس، أُدرجت، الأحد، «القلاع الملكية في لانغدوك» (في جنوب فرنسا) على القائمة، وهي معروفة أكثر باسمها القديم «قلاع الكاثار»، وتُعَدّ «عنصراً رئيسياً في النظام الدفاعي» الذي وضعه الملك لويس التاسع وخلفاؤه.

وكانت المنظمة قد أدرجت، السبت، قرية سيدي بوسعيد المطلّة على خليج قرطاج، في قائمة التراث العالمي. وتشتهر القرية بطابعها المعماري الممتزج فيه اللونان الأزرق والأبيض، وبأزقّتها المتعرّجة وشجيرات الجهنمية الوردية وأبوابها التقليدية من الخشب المرصّع بالمسامير.

وهي تتميز أيضاً ببعد روحاني وتاريخي؛ إذ تحمل اسم الوليّ الصوفي، وتضمّ ضريحه، ومقبرة، وقصوراً مثل قصر «النجمة الزهراء» الذي أصبح متحف التراث الموسيقي، ومنزل مصمم الأزياء الراحل عز الدين عليّة.

وأدرجت «اليونسكو» أيضاً 6 مدن قديمة في جزر القمر تشهد على فن العمارة السواحلية وسلطنات الأرخبيل القديم الواقع في المحيط الهندي. شُيّد بعض هذه المدن - الدول في القرن الثاني عشر على طول طرق التجارة في المحيط الهندي، وتضم أسواراً دفاعية وقصوراً ومساجد وساحات عامة وأزقة ضيقة.

كما أدرجت المنظمة دير «وات برا فرا ماها ثات ووراماهاويهان» في مقاطعة ناخون سي ثامارات العريق الواقع في جنوب تايلاند والذي يعود تاريخه إلى قرون، على قائمتها للتراث العالمي، في خطوة من شأنها دعم جهود الحفاظ على الموقع، بحسب الحكومة.


مقالات ذات صلة

هل تريد أن تبدو واثقاً من نفسك أمام الآخرين؟ السر في حاجبيك وعينيك

يوميات الشرق رفع الحاجبين والرمش البطيء يرتبطان بزيادة الانطباع بالثقة (بيكسلز)

هل تريد أن تبدو واثقاً من نفسك أمام الآخرين؟ السر في حاجبيك وعينيك

كشفت دراسة علمية جديدة عن أن تعبيرات الوجه، لا سيما حركات الحاجبين والعينين، تؤثر بشكل كبير في مدى الثقة التي يبدو عليها الشخص حين يتحدث إلى الآخرين.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق بقيت حيث استطاعت الشمس الوصول (رويترز)

سرّ التماسيح التي عاشت قبل الديناصورات ونجت بعدها

ظهرت السلالة التطوّرية للتماسيح، المعروفة باسم «أشباه السوكيات»، خلال العصر الترياسي، في أعقاب أسوأ موجة انقراض جماعي شهدتها الأرض...

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الانفصال العاطفي يحدث تدريجياً قبل الوصول إلى نهاية العلاقة (بيكسباي)

انتهى الأمر... علامات تدل على فتور العلاقة الرومانسية

بعد مواعدة شخص ما لفترة من الوقت، قد تصل إلى نقطة تشعر فيها أن الأمور اختلفت، وأن العلاقة الرومانسية تقترب من نهايتها.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق هناك دائماً طريق للرجوع عن أكبر خطأ في حياتك (بيكسباي)

نسي أسراراً حكومية في القطار ودُمرت حياته... فكيف تعافى وعاد ليُعلم الناس التخطي؟

كانت رحلة عادية بالقطار إلى العمل عندما ارتكب الموظف الحكومي البريطاني ريتشارد جاكسون أكبر خطأ في حياته. وبحلول الوقت الذي أدرك فيه خطأه، كان الأوان قد فات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق للأصدقاء وكذلك للمحبين طقوسهم الخاصة مثل لقاء العشاء معاً كل يوم (بيكسلز)

6 سمات تحدد مدى قوة علاقاتك العاطفية

تحوُّل الإعجاب إلى شعور عاطفي بالحب في مرحلة ما من مراحل العلاقة أمر يدركه معظم الناس.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

وفاة الممثل توم سكيريت الحائز جائزة إيمي عن سن 93 عاماً

 توم سكيريت (رويترز)
توم سكيريت (رويترز)
TT

وفاة الممثل توم سكيريت الحائز جائزة إيمي عن سن 93 عاماً

 توم سكيريت (رويترز)
توم سكيريت (رويترز)

توفي الممثل توم سكيريت، الحائز جائزة إيمي، الذي اشتهر بأداء أدوار شخصيات تتسم بالرصانة والسلطة الممزوجة بالسخرية، سواء في دور مدرب الطيران في فيلم «توب جن»، أو قائد الشرطة الحازم والمنصف في المسلسل التلفزيوني «بيكيت فنسز» أو قائد المركبة الفضائية الذي يلقى حتفه في فيلم «إليان» عن عمر 93 عاماً.

وقالت عائلة سكيريت في بيان إنه توفي أمس الأربعاء لأسباب طبيعية. وجاء في البيان: «بينما عرفه العالم من خلال مسيرته التمثيلية الاستثنائية، عرفناه نحن بروح دعابته وفضوله وحكمته وكرمه والحب الذي غمرنا به في حياتنا».

وتم ترشيح سكيريت مرتين لجائزة إيمي، في المرتين عن دوره في مسلسل «بيكيت فنسز» وفاز عام 1993 بجائزة أفضل ممثل رئيسي في مسلسل درامي.

ومن أبرز محطات مسيرته الفنية أيضاً تجسيده دور الزوج المتفهم للممثلة شيرلي ماكلين في فيلم » تيرنينج بوينت» أو (نقطة تحول).


لغز لوحة «ليلة النجوم»... كيف رسم فان غوخ كوكبة الثور من داخل مصحته العقلية؟

لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)
لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)
TT

لغز لوحة «ليلة النجوم»... كيف رسم فان غوخ كوكبة الثور من داخل مصحته العقلية؟

لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)
لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)

في خضم النوبات الذهنية العنيفة التي كادت تعصف بعقله، اتخذ الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ قراراً مصيرياً في مايو (أيار) من عام 1889 بالدخول طواعية إلى مصحة «سان بول دو موزول» للأمراض العقلية في منطقة «سان ريمي دو بروفانس» بجنوب فرنسا. هناك، بين الجدران الصامتة وفي غمرة العزلة الخانقة، عاش الفنان الفترة الأكثر إنتاجاً وزخماً في حياته، حيث كانت إدارة المصحة قد خصصت له غرفتين، إحداهما للنوم، والأخرى استعملها كمرسم مؤقت ليصارع من خلالها خطوط المرض اللامرئية.

الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ (ويكيبيديا)

نافذة المصحة تفتح أبواب الكون

ومن وراء قضبان نافذته الضيقة التي كانت تطل على حقل من القمح وسماء الجنوب الفسيحة، لم يكن فان غوخ يستسلم لهلاوسه، بل كان يطوّع الطبيعة بالريشة، ليتضح اليوم أن تلك النافذة لم تكن تطل على الفراغ، بل كانت بوابته الشخصية لتوثيق الكون بدقة علمية مذهلة.

وقد تحوّلت لوحته الشهيرة «ليلة النجوم» (The Starry Night) إلى محور نقاش علمي وفني مثير، بعد أن كشف باحثون ومختصون في علم الفلك عن مفاجأة غير متوقعة تقلب المفاهيم التاريخية السائدة حول عبقرية هذا الفنان المثير للجدل.

فلطالما اعتقد نقاد الفن لقرابة قرن ونصف قرن من الزمان أن تلك الدوامات اللامعة والنجوم المتفجرة في سماء اللوحة كانت مجرد نتاج هلوسات بصرية أو تدفقات من الخيال المحض الذي تغذى على العزلة والاضطراب النفسي.

غير أن العلم المعاصر جاء ليثبت العكس تماماً، مؤكداً أن ما خطّته ريشة الفنان المضطرب لم يكن سوى وثيقة فلكية شديدة الدقة ترصد حركة الأجرام الكونية كما بدت في ليلة صيّاد حقيقية، وليس بناءً على الخيال المحض.

وتكتسب هذه الدقة الفلكية بعداً درامياً هائلاً، إذ أشارت كتب التاريخ أن إدارة المصحة كانت تمنع الفنان من الخروج إلى الحديقة ليلاً خشية انتكاسه الصحي وسقوطه في نوبات الصرع، ما يعني أن فان غوخ كان يقف لساعات طوال يتأمل المشهد ويحفظه عبر القضبان الحديدية لزنزانته، ثم يقوم برسمه نهاراً من الذاكرة البصرية بدقة هندسية تفوقت على أعتى تليسكوبات عصره.

غرفة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ داخل مصحة «سان بول دو موزول» للأمراض العقلية في منطقة «سان ريمي دو بروفانس» بجنوب فرنسا (ويكيبيديا)

العزلة التي رصدت حركة المجرات

لطالما نظر نقاد الفن إلى الأشكال الحلزونية والدوامات المضيئة في لوحة «ليلة النجوم» على أنها انعكاس مباشر للاضطراب النفسي وتجسيد بصري للشيزوفرينيا أو الصرع الذي عانى منه. لكن الكشف الفلكي الحديث الذي نشرته مجلة «Nature» بالتعاون مع متحف الفن الحديث في نيويورك (MoMA) جاء ليعيد الاعتبار لعقل الفنان الأسير، حيث أثبتت المحاكاة الفلكية أن فان غوخ كان يرسم بوعي فائق، ويقظة بصرية صارمة عاكساً تفاصيل سماء حقيقية ظهرت في أفق فرنسا قبل فجر يوم 22 يوليو (تموز) 1889.

رسالة تاريخية نادرة يحمل جزؤها العلوي الرقم 593 كتبها فان غوخ لشقيقه ثيو عام 1889 ليرصد فيها سماء الفجر قبل أن يخلدها علمياً وفنياً في لوحة «ليلة النجوم» (متحف فان غوخ - أمستردام)

هذا التناغم الكوني المذهل لم يكن وليد الصدفة، بل وثّقه الفنان بنفسه في رسائله التاريخية المؤثرة إلى شقيقه «ثيو»، إذ كتب له في إحداها قبل رسم اللوحة بأسابيع واصفاً المشهد الفجري: «رأيت هذا الصباح الريف من نافذتي لفترة طويلة قبل شروق الشمس، ولم يكن هناك سوى نجمة الصباح التي بدت كبيرة جداً»، ونجمة الصباح هذه التي بهرته لم تكن في الحقيقة سوى كوكب الزهرة الذي أثبتت المحاكاة الفلكية المعاصرة وجوده في المكان ذاته.

وفي ذلك التوقيت المقدر، بدت سماء ما قبل الفجر فوق منطقة سان ريمي دو بروفانس في فرنسا متطابقة تماماً مع التشكيل الملحمي للوحته، حيث يظهر هلال متضائل واضح، وإلى جواره كوكب الزهرة المتوهج، وعنقود «القلائص» (Hyades) النجمي، وهي الأجرام الثلاثة التي بدت في تلك اللحظة التاريخية متقاربة معاً في الفضاء.

كوكبة الثور ولغز الهالات الصفراء

لم يتوقف التطابق عند حدود المظهر العام، بل امتد ليشمل تفاصيل هندسية بالغة الدقة أثبتها تحليل الأشكال والمواقع داخل اللوحة. فقد أكد التحليل البصري وجود تطابق علمي قاطع بين 5 نجوم مركزية، رسمها الفنان وتتوسط المشهد، وعنقود «القلائص» النجمي الذي يمثل جزءاً أصيلاً ورئيسياً من كوكبة الثور.

وتُظهر المقارنات العلمية المستندة إلى الدراسة المشتركة، أن ريشة فان غوخ وضعت في مواضعها الصحيحة هندسياً كلاً من القمر وكوكب الزهرة، بالإضافة إلى نجم الدبران اللامع ومجموعة هياديس النجمية التي تتضمن النجوم الفردية الدقيقة لكوكبة الثور وهي: غاما تاوري، ثيتا تاوري، دلتا تاوري، إبسيلون توري.

ويظل اللغز الأكبر كامناً في تلك الدوامات الحلزونية والهالات الضخمة التي تحيط بالنجوم والقمر، إذ يرجح بعض الأطباء والمؤرخين أن العقاقير الطبية التي كان يتناولها الفنان داخل المصحة، ولا سيما مستخلصات نبات «الديجيتالس» ويُعرف علمياً في العصر الحالي باسم «نبات القمعية» أو «قفاز الثعلب» (Foxglove) لعلاج الصرع، كانت تسبب عارضاً بصرياً جانبياً يجعل المريض يرى الأجرام محاطة بهالات مشعة، ما يعني أن اللوحة مزجت بعبقرية بين حقيقة السماء الفلكية وحقيقة الرؤية البصرية الواقعية للفنان تحت تأثير العلاج.

لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)

مسح السماء الرقمي يوثق العبقرية

تأتي القيمة العلمية المضافة لهذا الاكتشاف الفلكي من خلال الاعتماد الفني المتبادل على مسح السماء الرقمي الثاني، وهي البيانات المرجعية المتقدمة الموثقة من قِبل المختبر الوطني لأبحاث الفلك البصري والأشعة تحت الحمراء التابع لمؤسسة العلوم الوطنية الأميركية ورابطة الجامعات لأبحاث الفلك (NOIRLab/NSF/AURA/Digitized Sky Survey 2).

لقد قدم هذا المسح الرقمي المتقدم الدليل الملموس والقاطع على أن التوزيع النجمي في لوحة فان غوخ لم يكن مجرد عشوائية تشكيلية أو شطحة لونية، بل كان تجسيداً عبقرياً لحركة ومواقع الكون الحقيقي الذي رآه الفنان وعاش تفاصيله بعقله وروحه من وراء قضبان المصحة العقلية.

قبر فينسنت فان غوخ وإلى جواره شقيقه ثيو في فرنسا، اللذان خلّد التاريخ رسائلهما المتبادلة كواحدة من أعظم قصص الدعم الإنساني والفني في التاريخ. (ويكيبيديا)

فبعد أن دخل فان غوخ المصحة عام 1889 غادرها في مايو (أيار) 1890 متوجهاً إلى بلدة «أوفير سور أواز»، حيث توفي هناك سريعاً في يوليو (تموز) 1890، تاركاً خلفه هذه التحفة الفنية الخالدة لتظل شاهداً حياً على أن العبقرية الصارمة يمكنها أن تولد وتشرق من عتمة المعاناة والمصحات.


مصر: أنباء عن ترحيل مدونتين برازيليتين بسبب «فيديوهات فاضحة»

السائحتان البرازيليتان المضبوطتان في مصر (وزارة الداخلية)
السائحتان البرازيليتان المضبوطتان في مصر (وزارة الداخلية)
TT

مصر: أنباء عن ترحيل مدونتين برازيليتين بسبب «فيديوهات فاضحة»

السائحتان البرازيليتان المضبوطتان في مصر (وزارة الداخلية)
السائحتان البرازيليتان المضبوطتان في مصر (وزارة الداخلية)

أثارت واقعة السائحتين البرازيليتين اللتين تحرَّشتا بالمارة في شوارع الإسكندرية ومحافظات مصرية أخرى، وصوّرتا مقاطع فيديو تضمنت إيحاءات ومشاهد خادشة للحياء، جدلاً في مصر، خصوصاً بعد إعلان وزارة الداخلية القبض على المدونتين واعترافهما بتصوير مقاطع «الفيديو الخادشة للحياء» لحصد المشاهدات.

في حين ترددت أنباء عن إخلاء سبيل البلوغر البرازيلية ماليفولا ألفيس وصديقتها برونا ميركاتيلي في قضية الإيحاءات الجنسية والصور الخادشة، بكفالة قدرها 40 ألف جنيه، وترحيلهما إلى بلدهما، وفق ما نشره موقع «القاهرة 24»، دون تأكيدات رسمية.

وكانت وزارة الداخلية المصرية قد أعلنت قبل يومين توقيف سائحتين برازيليتين، وقالت في بيان لها إنه «في إطار كشف ملابسات مقاطع فيديو تم تداولها بمواقع التواصل الاجتماعي، تتضمن قيام سائحتين (تحملان جنسية إحدى الدول) بحركات استعراضية إباحية وتلميحات جنسية والتحرش بالمارة حال سيرهما بعدد من الشوارع بعدة محافظات».

وأضافت الوزارة أنه «بالفحص أمكن تحديد وضبط السيدتين الظاهرتين بمقاطع الفيديو (إحداهما صانعة محتوى) بنطاق محافظة الإسكندرية، وبمواجهتهما اعترفتا بارتكاب الواقعة على النحو المشار إليه، وقيامهما بتصوير تلك المقاطع ونشرها على صفحاتهما بمواقع التواصل الاجتماعي لزيادة نسب المشاهدات».

وتم اتخاذ الإجراءات القانونية حيالهما، وتولت النيابة العامة التحقيق. ونشرت مواقع مصرية معلومات عن الإفراج عن السائحتين بكفالة بعد تدخل سفارة بلدهما، وإعلان محامي الفتاتين أنه سدّد مبلغ الكفالة للإفراج عنهما، دون تأكيدات رسمية لخبر الإفراج.

وترى الخبيرة القانونية هبة عادل، رئيسة مؤسسة المحاميات المصريات من أجل حقوق المرأة، أن «الجدل المثار بشأن واقعة صانعتي المحتوى البرازيليتين في مصر يطرح تساؤلات قانونية مهمة حول حدود حرية صناعة المحتوى والمسؤولية القانونية عن الأفعال التي قد تمس كرامة الآخرين أو تنتهك الآداب العامة».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «من الناحية القانونية، فإن السعي إلى تحقيق المشاهدات والانتشار لا يبرر أي سلوك قد يشكّل تحرشاً بالآخرين أو اعتداءً على حقوقهم، على أن يتحدد التكييف القانوني وفقاً لطبيعة الأفعال والأدلة المتاحة والنصوص القانونية واجبة التطبيق».

وتابعت: «كما أن أنباء الإفراج عن المتهمتين، إن تأكدت رسمياً، لا تعني بالضرورة البراءة، إذ يجب التمييز بين قرارات إخلاء السبيل والأحكام القضائية النهائية. فالأصل هو قرينة البراءة، مع ضرورة احترام القانون وضمان حق الدفاع».

وتؤكد هبة عادل أن «سيادة القانون المصري واجبة على الجميع دون تمييز بسبب الجنسية، وأن مواجهة هذه الوقائع يجب أن تقوم على التحقيق الجاد والتطبيق العادل للقانون، بعيداً عن التشهير أو إصدار أحكام مسبقة، بما يحقق التوازن بين حماية المجتمع وصون الحقوق والحريات».

وتصدرت واقعة السائحتين «الترند» على «إكس» في مصر خلال اليومين الماضيين، وسط أنباء عن تصدرهما «الترند» أيضاً في البرازيل، مع انتشار مقاطع فيديو قامتا بتصويرها على مواقع التواصل الاجتماعي، وسط حالة من الاستنكار والاستهجان للواقعة، مع تعليقات تشير إلى أن الفتاتين متحولتان جنسياً ودأبتا على تصوير مثل هذه المقاطع لحصد المشاهدات.

«تكشف واقعة المدونتين البرازيليتين في مصر عن تحول مهم في اقتصاد المحتوى الرقمي، حيث لم تعد المشاهدات مرتبطة بجودة المحتوى فقط، بل أصبحت أحياناً مرتبطة بقدرته على إثارة الجدل واستفزاز الجمهور»، وفق الخبير في «السوشيال ميديا» والإعلام الرقمي محمد فتحي، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنه «يمكن فهم الواقعة باعتبارها نموذجاً لاقتصاد الانتباه، الذي تتحول فيه ردود الفعل الغاضبة والانتقادات إلى أدوات لزيادة الانتشار، وربما تحقيق عوائد مادية، فالهجوم على صانع المحتوى لا يعني بالضرورة تراجع شعبيته، بل قد يضاعف وصوله ويمنحه شهرة تتجاوز الحدود الجغرافية».

ويتابع: «كما أن انتقال القصة من مصر إلى البرازيل يعكس قوة المنصات الاجتماعية في إعادة صياغة الأحداث وفقاً للسياقات الثقافية والإعلامية المختلفة، فما يُقدَّم محلياً باعتباره قضية تتعلق بالآداب العامة واحترام حقوق الآخرين، قد يُناقَش خارجياً من زوايا تتعلق بالحريات الفردية والإجراءات القانونية».

وعدّ فتحي أن «التحدي الحقيقي أمام المنصات الرقمية هو ألّا تتحول الخوارزميات إلى مكافأة للسلوك الاستفزازي على حساب المسؤولية المجتمعية، فحرية صناعة المحتوى لا تعني انتهاك حقوق الآخرين».