العراق يحتفل بذكرى «النصر على داعش» مع بدء العد التنازلي لتشكيل الحكومة

السوداني شدّد على ضرورة «تعزيز الوحدة الوطنية»

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني خلال استقباله الأربعاء جرحى قوات الأمن في «يوم النصر» على تنظيم «داعش» (رئاسة الحكومة العراقية)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني خلال استقباله الأربعاء جرحى قوات الأمن في «يوم النصر» على تنظيم «داعش» (رئاسة الحكومة العراقية)
TT

العراق يحتفل بذكرى «النصر على داعش» مع بدء العد التنازلي لتشكيل الحكومة

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني خلال استقباله الأربعاء جرحى قوات الأمن في «يوم النصر» على تنظيم «داعش» (رئاسة الحكومة العراقية)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني خلال استقباله الأربعاء جرحى قوات الأمن في «يوم النصر» على تنظيم «داعش» (رئاسة الحكومة العراقية)

مع بدء العد التنازلي لموعد تشكيل الحكومة العراقية، احتفلت البلاد، الأربعاء، بالذكرى الثامنة لـ«يوم النصر» على تنظيم «داعش» الإرهابي. وفي كلمة له بالمناسبة، شدد رئيس مجلس الوزراء، محمد شياع السوداني، الذي يسعى إلى ولاية جديدة، على أهمية «تعزيز الوحدة الوطنية»، مؤكداً أن «تنظيمات الإرهاب والكراهية والإجرام» لن تستطيع «أن تفلت بما اقترفت من فظائع بحقّ العراقيين».

وأعلنت رئاسة الحكومة العراقية أن السوداني، وهو أيضاً القائد العام للقوات المسلحة، استقبل مجموعة من الجرحى من وزارتي «الدفاع» و«الداخلية»، وجهاز مكافحة الإرهاب، وهيئة الحشد الشعبي، وجهاز الأمن الوطني، وجهاز المخابرات الوطني، وثمّن «بطولات المضحين التي ستظل صفحة مشرقة في تاريخ العراق»، مؤكداً أن «المخططات الإرهابية لاستهداف العراق بدأت منذ عام 2003، عبر تنظيمات ضالة لا تُمثل ديناً أو مذهباً، وارتكبت في العراق جرائم ضد الإنسانية، وجرائم إبادة، وقد كشفنا للعالم حقيقتهم».

وأشار السوداني إلى فتوى المرجعية الدينية في النجف لقتال «داعش»، عادّاً أنها «كانت موجهة لكل الأحرار والوطنيين، وقد لبّى العراقيون النداء، وتوحدوا بجميع أطيافهم ومكوناتهم في قتال الجماعات الإرهابية».

وتابع رئيس الوزراء العراقي: «لا مجال أمام تنظيمات الإرهاب والكراهية والإجرام أن تفلت بما اقترفت من فظائع بحقّ العراقيين»، مضيفاً: «ننطلق في إعمار العراق، ونحمي نهضته ونصونها. مصمّمون على الاستمرار في مسيرة خدمة شعبنا (...). نؤكد أهمية توحيد المواقف وتعزيز الوحدة الوطنية والعمل ودعم الاستقرار، الذي بفضله انطلقت عجلة الإعمار والتنمية».

يأتي ذلك في وقت حسمت «المفوضية العليا المستقلة للانتخابات» أمر الطعون التي قُدّمت لها، والتي بلغت 853 طعناً تتعلق بنتائج الاقتراع الأخير لاختيار أعضاء مجلس النواب. ومصادقة المفوضية على النتائج النهائية هي المرحلة قبل النهائية؛ حيث ينتظر أيضاً مصادقة المحكمة الاتحادية العليا عليها.

«مفوضية الانتخابات»

وأعلنت «المفوضية العليا للانتخابات»، في بيان مقتضب، أنها أرسلت النتائج النهائية للانتخابات التشريعية بدورتها السادسة إلى المحكمة الاتحادية العليا (أعلى سلطة قضائية في العراق) لغرض المصادقة عليها.

وفي موازاة الإجراءات التي انهمكت بها المفوضية طوال الفترة الماضية منذ إجراء الانتخابات الشهر الماضي، كانت القوى السياسية العراقية تنهمك هي الأخرى في مشاورات تشكيل الحكومة المقبلة، بدءاً باختيار الرئاسات الثلاث (الجمهورية والوزراء والبرلمان)، من دون التوصل إلى حل نهائي في خصوص مَن سيتولى هذه المناصب.

غير أن المصادقة على النتائج النهائية دون تغيير كبير من قبل «مفوضية الانتخابات» وإرسالها إلى المحكمة الاتحادية العليا لغرض المصادقة عليها، تُمثّل الحلقة الأخيرة في مسار تشكيل الحكومة المقبلة، وفقاً للتوقيت الدستوري الذي حدده الدستور العراقي بنحو 4 أشهر، بدءاً من إعلان النتائج الأولية للانتخابات.

وفيما ينتظر أن تصادق المحكمة الاتحادية العليا على النتائج النهائية خلال اليومين المقبلين، فإن العد التنازلي يكون قد بدأ لحسم المكوّنات الرئيسية في البلاد (الشيعية والسنية والكردية) خياراتها النهائية بشأن مرشحيها للمناصب السيادية العليا (رئيس الجمهورية، ورئيس البرلمان، ورئيس الوزراء).

احتفال عسكري في بغداد الأربعاء في ذكرى 8 سنوات على هزيمة تنظيم «داعش» (د.ب.أ)

وفي هذا الإطار، تواصل القوى الشيعية، ممثلة في «الإطار التنسيقي»، اجتماعاتها من أجل اختيار المرشح لمنصب رئيس الوزراء من بين أكثر من 40 مرشحاً. ويتقدّم هؤلاء نحو 9 مرشحين، من بينهم رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني، ورئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، فضلاً عن رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي، ورئيس جهاز المخابرات حميد الشطري، ورئيس هيئة المساءلة والعدالة باسم البدري، ومستشار الأمن القومي قاسم الأعرجي، فضلاً عن وزير التخطيط الأسبق علي الشكري.

ولم تُسفر اجتماعات «الإطار التنسيقي» بعد عن اتفاق على مرشح واحد. واتهم رئيس الوزراء الحالي، محمد شياع السوداني، الذي يُدير حالياً حكومة تصريف الأعمال، جهات داخلية من خصومه داخل قوى «الإطار» بأنها حاولت إحراجه أمام واشنطن، عندما زُجّ بشكل مقصود بـ«حزب الله» اللبناني وحركة «أنصار الله» (جماعة الحوثي في اليمن)، على قوائم الإرهاب من قبل لجنة تجميد أموال الإرهاب في العراق، الأمر الذي اضطر الحكومة العراقية إلى إصدار توضيح بهذا الشأن يؤكد أن الحزب اللبناني والجماعة الحوثية ليسا على قوائم الإرهاب العراقية. وعبّرت واشنطن، من جهتها، عن قلقها حيال تخلي العراق عن إدراج «حزب الله» و«أنصار الله» على قوائم الإرهاب.

سنيّاً، لم يتمكن البيت السني، ممثلاً في «المجلس الوطني السياسي»، من الاتفاق حتى الآن على منصب رئيس البرلمان، رغم فوز حزب «تقدّم»، بزعامة رئيس البرلمان السابق محمد الحلبوسي، بأعلى ترتيب في عدد المقاعد. والحلبوسي لا يزال يلاحقه قرار المحكمة الاتحادية العليا بأقصائه من رئاسة البرلمان بتهمة الحنث باليمين.

وفي الواقع، هناك عدد من المرشحين لرئاسة البرلمان من بين القوى السنيّة الأخرى.

وتتكرر هذه الصورة أيضاً في البيت الكردي الخاضع لضغوط إيرانية وأميركية. وتحول الخلافات بين الحزبين الرئيسيين في إقليم كردستان، الحزب «الديمقراطي» بزعامة مسعود بارزاني و«الاتحاد الوطني» بزعامة بافل طالباني، دون التوصل إلى حل لقضية رئاسة الجمهورية، نتيجة إصرار كل من الحزبين على أن يكون هذا المنصب من حصته.

عرض لـ«الحشد الشعبي» في بغداد اليوم في ذكرى 8 سنوات على هزيمة تنظيم «داعش» (د.ب.أ)

خلافات الداخل وضغوط الخارج

وفيما تستمر الخلافات الداخلية بين القوى السياسية التي لم يعد أمامها كثير من الوقت للوصول إلى حلول قبل دخول البلاد في فراغين، سياسي ودستوري (في حال تم تجاوز المدد الدستورية)، فإن الضغوط الخارجية، ولا سيما الأميركية منها، باتت واضحة المعالم.

وفي هذا السياق، يقول السياسي العراقي الدكتور عباس عبود، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن «مما يؤسف له أن التدخل الخارجي في صناعة الرئيس أصبح أمراً مسلّماً به، وشهدنا ذلك منذ الدورة البرلمانية الأولى عام 2005، وحتى قبل ذلك (وتحديداً) منذ احتلال العراق عام 2003؛ حيث إن العامل الأميركي كان هو الحاسم في طريقة اختيار الحاكم وطبيعة الحكم. واستمر ذلك حتى انسحابهم (أي الأميركيين) في أواخر عام 2011، وعند ذاك أخذ الإيرانيون هذا الدور».

وتابع: «بعد هذا التاريخ أصبح التدخل الإيراني الأميركي يأخذ صيغة التناوب، فيكون مرة لصالح أميركا، ومرة لصالح إيران، فضلاً عن وجود تدخل تركي لا يمكن تجاهله».

ويضيف عبود: «في الدورة السادسة الحالية (للبرلمان) يمكن قراءة الدور الأميركي بصيغة أكثر وضوحاً. سيكون هذا الدور مختلفاً هذه المرة عن المرات التي حكم فيها الديمقراطيون البيت الأبيض؛ حيث إن لدى إدارة ترمب الجمهورية مقاربة أخرى على صعيد العراق».

وبشأن ما يمكن أن يترتب على صعيد تشكيل الحكومة القادمة بعد إعلان نتائج الانتخابات، يقول عبود إن «النتائج حُسمت لصالح (الإطار التنسيقي) الشيعي، وبالنسبة له كانت النتائج مريحة. لكن تبقى الضغوط والتدخلات الإقليمية والدولية قائمة على هذا الصعيد، ولا سيما الضغوط الأميركية الحالية. واشنطن تراقب المشهد بدقة، وقد بعثت برسائل ومبعوثين إلى العراق، ومنهم مارك سافايا الذي هو ليس من المؤسسة الدبلوماسية الأميركية شأن من سبقوه من المبعوثين والسفراء، بل هو يُمثّل مؤسسة رجال الأعمال الأميركيين».

ويقول عبود إن «مسألة الفصائل المسلحة وقوى السلاح سيكون لها دور أساسي في طريقة فهم العلاقة الأميركية-العراقية مستقبلاً». ويشير، في هذا الإطار، إلى «وضع عدد من القوى السياسية العراقية على قوائم المطلوبين أميركياً»، في إشارة إلى بعض الجماعات المرتبطة بإيران.


مقالات ذات صلة

زلزال انتخابي يهز الكرة العراقية... يونس محمود يُسقط درجال وتهديدات بـ«كاس»

رياضة عربية فوز يونس محمود برئاسة اتحاد الكرة (وكالة الأنباء العراقية)

زلزال انتخابي يهز الكرة العراقية... يونس محمود يُسقط درجال وتهديدات بـ«كاس»

لم تكن نهاية الانتخابات هادئة؛ إذ شهدت القاعة أجواء مشحونة بعد إعلان النتائج، خصوصاً مع تداول تقارير عراقية عن توجه درجال إلى محكمة التحكيم الرياضية.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
رياضة عربية يونس محمود بقميص منتخب العراق لكرة القدم خلال مسيرته الدولية مع «أسود الرافدين» (الاتحاد الآسيوي لكرة القدم)

محمود أيقونة كرة القدم العراقية يقصي درجال من رئاسة الاتحاد المحلي قبل كأس العالم

اختارت كرة القدم العراقية أحد أبرز رموزها التاريخية لقيادة المرحلة المقبلة، بعدما انتُخب يونس محمود رئيساً للاتحاد العراقي لكرة القدم.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي المرشد الإيراني السابق علي خامنئي ورئيس فصيل «النجباء» أكرم الكعبي في طهران خلال ديسمبر 2018 (موقع المرشد)

«النجباء» تحذر من «مخطط أميركي» لدمج «الحشد» العراقي

حذرت حركة «النجباء»، وهي فصيل حليف لإيران في العراق، مما وصفته بـ«مخطط أميركي» يهدف إلى دمج «الحشد الشعبي» ضمن المؤسسات الرسمية.

حمزة مصطفى (بغداد)
رياضة عربية يونس محمود (الاتحاد العراقي لكرة القدم)

يونس محمود يُطيح بعدنان درجال من رئاسة الاتحاد العراقي لكرة القدم

انتُخب النجم الدولي السابق يونس محمود رئيساً للاتحاد العراقي لكرة القدم، خلال الانتخابات التي جرت اليوم (السبت)، في العاصمة بغداد.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
الاقتصاد منصة عائمة لتصدير النفط في ميناء البصرة بالعراق (رويترز)

مسؤول: العراق لم يتقدم بطلب حتى الآن للاقتراض من صندوق النقد الدولي

أكد مظهر محمد صالح، المستشار المالي لرئيس الوزراء العراقي، السبت، أن العراق لم يتقدم حتى الآن بطلب رسمي للحصول على قرض من صندوق النقد الدولي.

«الشرق الأوسط» (بغداد)

الجيش الإسرائيلي يعلن مقتل أحد جنوده قرب الحدود مع لبنان

غارة جوية إسرائيلية تستهدف بلدة كفرتبنيت في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
غارة جوية إسرائيلية تستهدف بلدة كفرتبنيت في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

الجيش الإسرائيلي يعلن مقتل أحد جنوده قرب الحدود مع لبنان

غارة جوية إسرائيلية تستهدف بلدة كفرتبنيت في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
غارة جوية إسرائيلية تستهدف بلدة كفرتبنيت في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

قال الجيش الإسرائيلي، السبت، إن أحد جنوده قُتل، الجمعة، قرب الحدود مع لبنان، مما يرفع عدد القتلى في صفوفه إلى 22 منذ بداية الحرب مع «حزب الله» الموالي لإيران.

وأعلن الجيش، في بيان مقتضب، أن الرقيب أول نوعام هامبرغر، البالغ 23 عاماً والمتحدر من عتليت (شمال)، «سقط في شمال إسرائيل».

وأوضح الجيش، في تصريح لوكالة «فرانس برس»، أن هامبرغر قضى بعد ظهر الجمعة قرب الحدود مع لبنان.

في المجموع، قُتل 23 إسرائيلياً، هم 22 جندياً، ومتعاقد مدني واحد، منذ اندلاع الحرب مع «حزب الله» في الثاني من مارس (آذار).


توقيف 4 أشخاص في مطار إسباني إثر صدامات لدى عودة ناشطين من أسطول غزة

قوارب تابعة لـ«أسطول الصمود العالمي» تقل ناشطين ومساعدات إنسانية تغادر ميناء مرمريس في تركيا متجهة إلى قطاع غزة (أ.ب)
قوارب تابعة لـ«أسطول الصمود العالمي» تقل ناشطين ومساعدات إنسانية تغادر ميناء مرمريس في تركيا متجهة إلى قطاع غزة (أ.ب)
TT

توقيف 4 أشخاص في مطار إسباني إثر صدامات لدى عودة ناشطين من أسطول غزة

قوارب تابعة لـ«أسطول الصمود العالمي» تقل ناشطين ومساعدات إنسانية تغادر ميناء مرمريس في تركيا متجهة إلى قطاع غزة (أ.ب)
قوارب تابعة لـ«أسطول الصمود العالمي» تقل ناشطين ومساعدات إنسانية تغادر ميناء مرمريس في تركيا متجهة إلى قطاع غزة (أ.ب)

اعتقلت الشرطة 4 أشخاص في مطار بلباو بشمال إسبانيا، السبت، عقب وقوع صدامات لدى عودة ناشطين من أسطول مساعدات كان متوجهاً إلى غزة، إلى بلادهم.

ووقع الحادث عندما تجمع حشد من مؤيدي الناشطين في قاعة الوصول، لاستقبال 6 منهم لدى عودتهم على متن رحلة جوية من تركيا، بعد أن احتجزتهم القوات الإسرائيلية.

وعندما حاول أحد أقارب الناشطين الاقتراب منهم منعه شرطي بالقوة، ما أدى إلى عراك بين الطرفين، حسبما أفادت قناة «تي في إي» التلفزيونية العامة.

وأظهرت صور بثتها القناة عناصر من الشرطة يضربون أشخاصاً بالهراوات في المطار، ويثبِّتون آخرين على الأرض، وسط هتافات استهجان من المارة.

واعتُقل 4 أشخاص بتهمة العصيان الجسيم، ومقاومة الاعتقال، والاعتداء على عناصر إنفاذ القانون، وفق بيان لشرطة إقليم الباسك.

وأضاف البيان: «عقب ما حدث في المطار، فتحت إدارة الشؤون الداخلية (في الشرطة) تحقيقاً لتحديد ما إذا كان سلوك العناصر متوافقاً مع الإجراءات المتبعة».

واحتجزت القوات الإسرائيلية مئات الناشطين من دول عدة، بعد اعتراض سفنهم خلال أحدث محاولة لكسر الحصار الإسرائيلي على القطاع الفلسطيني.

وبين هؤلاء الناشطين 44 إسبانياً، حسب وزارة الخارجية الإسبانية.

ووصل نحو 20 ناشطاً آخر إلى مطار برشلونة السبت؛ حيث كان في استقبالهم حشد من المؤيدين، من بينهم وزير الثقافة إرنست أورتاسون.


«حزب الله» يفعّل استهدافاته للدفاع الجوي الإسرائيلي استباقاً لتجدد الحرب

طفل يبكي والده الذي قُتل بغارة إسرائيلية استهدفت بلدة دير قانون النهر في جنوب لبنان أثناء تشييع الضحايا (رويترز)
طفل يبكي والده الذي قُتل بغارة إسرائيلية استهدفت بلدة دير قانون النهر في جنوب لبنان أثناء تشييع الضحايا (رويترز)
TT

«حزب الله» يفعّل استهدافاته للدفاع الجوي الإسرائيلي استباقاً لتجدد الحرب

طفل يبكي والده الذي قُتل بغارة إسرائيلية استهدفت بلدة دير قانون النهر في جنوب لبنان أثناء تشييع الضحايا (رويترز)
طفل يبكي والده الذي قُتل بغارة إسرائيلية استهدفت بلدة دير قانون النهر في جنوب لبنان أثناء تشييع الضحايا (رويترز)

فعّل «حزب الله»، في الأيام الأخيرة، استهدافاته لمنصات القبة الحديدية للدفاع الجوي داخل الأراضي الإسرائيلية، فيما بدا أنه محاولة لرفع تكلفة الخسائر المادية في صفوف الجيش الإسرائيلي واستباقاً لأي تجدد للحرب سواء في الداخل اللبناني أو في إيران، مما يسهّل وصول الصواريخ إلى العمق الإسرائيلي، حسبما يقول خبراء.

وبدا أن التركيز على استهداف منصات القبة الحديدية تحوُّل لافت في مسار المعركة العسكرية، بالنظر إلى أن «حزب الله»، وطوال شهر منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، في 17 أبريل (نيسان) الماضي، نفّذ ضربة واحدة ضد منظومة دفاع جوي إسرائيلية، بينما نفذ، خلال الأيام الأربعة الأخيرة، 6 استهدافات لمنصات قبة حديدة في مواقع عسكرية إسرائيلية حدودية، حسب إعلانات «حزب الله»، الذي قال إنه استهدفها بـ«محلّقات انقضاضية».

وقال الحزب في 3 بيانات منفصلة، السبت، إنه استهدف 4 منظومات للدفاع الجوي (قبة حديدية) في ثكنة برانيت الحدودية مع لبنان، وثكنة راميم أيضاً، تُضاف إلى منظومة أخرى في ثكنة برانيت الجمعة، علماً بأن ثكنة برانيت هي المركز القيادي الرئيسي لـ«الفرقة 91» (فرقة الجليل) المسؤولة عن تأمين القطاع الشرقي للحدود الشمالية، وتقع قبالة بلدة عيتا الشعب الحدودية مع لبنان، وتتمتع بأهمية استراتيجية؛ كونها من أكبر الثكنات العسكرية الواقعة في موقع متقدّم على الحدود، وتدير جزءاً من العمليات العسكرية على الحدود مع لبنان. كما أعلن الحزب، الاثنين الماضي، أنه استهدف القبة الحديدية في معسكر غابات الجليل بمحلّقة انقضاضية.

أسباب سياسية وعسكرية واستراتيجية

ويعيد الخبير العسكري والاستراتيجي، العميد المتقاعد سعيد القزح، تكثيف تلك الاستهدافات إلى أسباب سياسية وعسكرية واستراتيجية، ويقول إن «حزب الله» يواصل عملياته العسكرية؛ كونه «لا يعترف بأي مندرجات تترتب على المفاوضات المباشرة التي تجريها الدولة اللبنانية مع إسرائيل، ومن ضمنها تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار؛ كون الحزب يريد أن تكون ورقة المفاوضات بيد إيران، وليس بيد الدولة اللبنانية، بعدما خسر ورقة التفاوض التي اعتاد أن تكون بيده، كما في السابق، أي في مفاوضات 2006، أو ترسيم الحدود البحرية، أو اتفاق وقف الأعمال العدائية 2024».

صورة مأخوذة من مقطع فيديو وزّعه «حزب الله» لما قال إنه استهداف لمنصة «قبة حديدية» في مركز عسكرية قرب الحدود مع لبنان (متداول)

أما الأسباب غير السياسية، فيشرح القزح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن الحزب «يحاول استهداف ما يستطيع استهدافه، سواء من قبة حديدة أو دبابات أو مدرعات أو أفراد»، مضيفاً: «وكون أداة الاستهداف الرئيسية التي تتمثل في الوقت الحالي بالمسيرات الموجهة بألياف ضوئية ممكن أن تعطل المدرجات بشكل مؤقت ولا تدمرها بشكل كامل، فإن الأضرار التي تترتب على استهداف القبة الحديدية، ستكون أكبر»، شارحاً أن «إصابة صواريخ القبة ستؤدي إلى انفجارها. أما إصابة الرادار فتؤدي إلى تدميره»، وبالتالي فإن الحزب «يرفع تكلفة الأضرار التي يتسبب بها في صفوف الجيش الإسرائيلي، ويعمل على إيقاع خسائر مهمة في صفوفه، لا سيما أن تعطيل الدفاع الجوي له مكاسب عسكرية ومادية واستراتيجية على حد سواء».

ويشير القزح إلى أسباب أخرى تقف وراء تكثيف استهدافات القبة الحديدية، أبرزها «محاولة تعطيلها، في ظل احتمالات تجدد الحرب في إيران، أو توسع الحرب في لبنان التي تُعدّ احتمالات تجددها عالية». ويوضح: «إذا تجددت الحرب على الجبهتين، فإن استئناف إطلاق الصواريخ سيكون متوقعاً؛ لذلك يحاول تحييد منظومات الدفاع الجوي مما يتيح لصواريخه أو للصواريخ الإيرانية العبور إلى الداخل الإسرائيلي». ويعرب عن اعتقاده بأن تجدد الحرب في إيران «يعني انخراط الحزب في المعركة أيضاً؛ كون إيران ستستعمل كل أوراقها، سواء (حزب الله) أو جماعة الحوثي أو الميليشيات العراقية لتكثيف الهجمات على إسرائيل والدول العربية والمصالح الأجنبية في المنطقة، لعلمها بأن الضربات الثالثة ستكون قاسية ومدمرة، ولن تقتصر على الأهداف العسكرية الإيرانية، بل قد تشمل المنشآت الاقتصادية والبنى التحتية».

عناصر من الدفاع المدني في موقع استهداف إسرائيلي في بلدة العباسية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

مسيرات الألياف الضوئية

ويكثف «حزب الله» من استخدامه للمسيرات الموجهة بألياف ضوئية التي يصعب رصدها ويستحيل التشويش عليها أو التصدي لها، مثل المسيرات الأخرى اللاسلكية، مما يتيح لها الوصول إلى أهدافها أفضل من المسيرات الأخرى. ويقول القزح إن تلك المسيرات «قادرة على حمل أوزان تتراوح بين 3 و5 كيلوغرامات من المتفجرات، مما يتسبب بخسائر بشرية في حال استهداف التجمعات، كما تؤذي المدرعات والدبابات إذا استهدفت المنظار أو أجهزة الرصد عليها»، لافتاً إلى أن هذا النوع من المسيرات «لا يوجد دواء ناجع له، لا في روسيا وأوكرانيا، ولا على الجبهة اللبنانية بعد».

وفي المقابل، وسعت إسرائيل إنذارات الإخلاء إلى قضاء جزين القريب من صيدا على بُعد نحو 45 كيلومتراً عن الحدود، في أوسع مروحة للإخلاءات شملت 15 بلدة وقرية لبنانية في محافظتي الجنوب والنبطية بجنوب لبنان، وذلك غداة تعرّض مستشفى في مدينة صور بجنوب لبنان لأضرار جراء غارات شنّتها إسرائيل ليلاً.

وتواصلت الغارات المكثفة، السبت. وأفادت الوكالة الوطنية عن «غارة عنيفة على منطقة جل البحر بمحيط صور»، إضافة إلى سلسلة من الضربات في أكثر من موقع في جنوب لبنان، طالت إحداها «أحد بساتين الحمضيات في بلدة البازورية؛ ما أدى إلى إصابة عدد من العمال السوريين أثناء عملهم هناك».

إنذارات صور

وكان الجيش الإسرائيلي أصدر، نحو منتصف ليل الجمعة - السبت، بالتوقيت المحلي، إنذاراً بإخلاء مبنيين ومحطيهما في منطقة صور، قبل القيام بقصفهما بذريعة استهداف «حزب الله». وأفادت الوكالة الوطنية للإعلام الرسمية بأن أحد المبنيين المهددين يقع قرب مستشفى حيرام في صور، وأن أضراراً بالغة لحقت به بعدما نفذت الدولة العبرية تهديدها بقصف المبنى.

سكان محليون يتفقدون الأضرار الناتجة عن استهداف إسرائيلي لمبانٍ في مدينة صور بجنوب لبنان (رويترز)

وأوضحت: «أدَّت الغارة إلى أضرار جسيمة بمستشفى حيرام وفي غرف العمليات والممرضين والمرضى والعيادات، وشبكات الكهرباء وزجاج مبنى المستشفى». وقال رئيس مجلس إدارة المستشفى سلمان عيديبي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «نقلنا المرضى إلى أماكن أخرى أكثر أمانا». وأكد أن أياً من المرضى لم يُصب بأذى، لكن نحو 30 شخصاً من طاقم المستشفى تعرضوا لجروح طفيفة. وأشار إلى أن تقييم الأضرار لا يزال جارياً، وأن المستشفى يواصل العمل في هذه الظروف، رغم توقف قسم الطوارئ لفترة وجيزة.

وأشار إلى أن هذه المرة الثانية التي تستهدف فيها غارة إسرائيلية محيط المستشفى، منذ اندلاع الحرب بين الدولة العبرية و«حزب الله»، في الثاني من مارس (آذار) الماضي. ويقع المبنيان اللذان تمّ تدميرهما في أحياء سكنية في المدينة التي تتعرض لضربات إسرائيلية شبه يومية. وبعيد التحذير الإسرائيلي، قام عناصر من الدفاع المدني والشرطة البلدية بدعوة الناس عبر مكبرات الصوت إلى المغادرة. وشهدت الشوارع زحمة سير، مع مسارعة سكان إلى ترك منازلهم إثر الإنذار.

وقال الجيش الإسرائيلي في بيان، السبت، إنه استهدف ليلاً «بنى تحتية تابعة لـ(حزب الله) الإرهابي في منطقة صور». كما طالت الغارات وفقاً له «موقعاً تحت أرضي تابعاً لـ(حزب الله) الإرهابي استخدمه لإنتاج وسائل قتالية»، في منطقة البقاع بشرق لبنان.