الولايات المتحدة تُطلق أكبر استراتيجية حكومية للذكاء الاصطناعي في القطاع الصحي

قراءة في التحوّلات الجديدة وأبعادها على المنطقة العربية

 حين تصبح المستشفيات شبكة واحدة... يقودها عقلٌ رقميّ واحد
حين تصبح المستشفيات شبكة واحدة... يقودها عقلٌ رقميّ واحد
TT

الولايات المتحدة تُطلق أكبر استراتيجية حكومية للذكاء الاصطناعي في القطاع الصحي

 حين تصبح المستشفيات شبكة واحدة... يقودها عقلٌ رقميّ واحد
حين تصبح المستشفيات شبكة واحدة... يقودها عقلٌ رقميّ واحد

في لحظةٍ لم يعد فيها الذكاءُ الاصطناعي ترفاً تقنياً ولا موجةً عابرة من وادي السيليكون، اتخذت واشنطن خطوة تُشبه انتقال الطب من عصر الورق إلى عصر ما بعد البيانات. ففي الرابع من ديسمبر (كانون الأول) 2025، كشفت وزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأميركية (HHS) عن أول استراتيجية حكومية كبرى لدمج الذكاء الاصطناعي في جسد النظام الصحي الأميركي بالكامل - وثيقة من عشرين صفحة لا تُراجع أدوات التكنولوجيا فحسب، بل تعيد تعريف معنى الرعاية الطبية، وكيف تُدار، وكيف تُوزَّع، وكيف تُراقَب.

ولعل المفارقة أن هذا التحوّل الهائل، الذي قد يغيّر شكل الطب خلال العقد المقبل، مرّ بهدوءٍ شبه تام في الإعلام العربي، رغم أنه يحمل تحديات وفرصاً قد تمسّ المنطقة العربية قبل غيرها... من بنية المستشفيات إلى سيادة البيانات، ومن تدريب الأطباء إلى شكل العيادات في مدن المستقبل.

وكيل وزير الصحة الأميركي يعلن الاستراتيجية

من التجربة إلى البنية التحتية: ماذا تكشف الاستراتيجية الأميركية؟

لا تتعامل واشنطن مع الذكاء الاصطناعي بوصفه برنامجاً تجريبياً أو أداةً تُضاف إلى رفّ التقنيات الطبية؛ بل بوصفه طبقة تشغيلية جديدة ستستقر في قلب النظام الصحي، كما تستقر الكهرباء في الجدران والإنترنت في المستشفيات. لذلك جاءت الاستراتيجية بخمسة مسارات تشكّل — إذا اكتملت — ملامح الجيل الجديد من الطب الأميركي:

1. حوكمة صارمة تُعرّف المخاطر قبل وقوعها، عبر معايير واضحة للاستخدام الآمن والشفاف، تمنع الانحياز وتحدّ الأخطاء الخوارزمية.

2. بنية رقمية موحّدة تُعيد ترتيب الفوضى التاريخية للبيانات الصحية، وتخلق منظومة قابلة للتكامل بين المستشفيات، وشركات الدواء، والباحثين.

3. تمكين العاملين الصحيين عبر أدوات ذكية تُخفّف العبء المتراكم من السجلات، وتسرّع القرار الطبي، وتعيد للطبيب جزءاً من وقته المسروق.

4. تسريع البحث والتطوير الدوائي من خلال نماذج تنبؤية قادرة على محاكاة التجارب السريرية، واكتشاف مؤشرات المرض قبل ظهوره في الواقع.

5. تعزيز الصحة العامة بإنشاء رادارات رقمية قادرة على التقاط بوادر الأوبئة وتحليل أنماط الأمراض، قبل أن تتحوّل إلى موجات متأخرة يصعب احتواؤها.

هذه ليست مجرد خطة حكومية جديدة، ولا مبادرة تقنية تُضاف إلى أرشيف السياسات؛ إنها إعادة تنظيم جذرية قد تغيّر الطريقة التي تُصنع بها الأدوية، وتُتابَع بها الحالات، وتُدار بها المستشفيات، وتُفهم بها الصحة العامة في القرن الحادي والعشرين.

لماذا يُعدّ هذا التحوّل حدثاً عالمياً؟

لأن ما يحدث في واشنطن لا يبقى داخل حدودها؛ فالنظام الصحي الأميركي — بعمقه العلمي، وحجمه الاقتصادي، وقدرته على تشكيل معايير العالم — يشبه حجراً ضخماً يُلقى في بحيرة الطب العالمية، لتتداعى أمواجه إلى كل القارات. وحين تعلن مؤسسات بحجم المعاهد الوطنية للصحة (NIH) ومراكز مراقبة الأمراض (CDC) وإدارة الغذاء والدواء (FDA) أنها ستُدخل الذكاء الاصطناعي في عملها اليومي، فهذا يعني عملياً إعادة كتابة قواعد اللعبة الطبية:

الاكتشاف الدوائي قد يقفز سنوات إلى الأمام، مع خوارزميات قادرة على غربلة ملايين الجزيئات في أيام بدل سنوات.

التشخيص سيصبح أدق وأعمق بفضل نماذج تتعلّم من مخزون لا ينضب من السجلات الطبية والصور والإشارات الحيوية.

لمسة الإنسان... وبداية عصر الذكاء الاصطناعي الصحي

إن الأوبئة قد تُرصد قبل أن تتكاثر، من خلال تحليلات تنبؤية تراقب الأنماط الخفية التي لا تراها العين البشرية. كما أن هيئات الصحة العالمية نفسها قد تعيد ترتيب معاييرها، إذ درج العالم لعقود على تبنّي السياسات الأميركية في الأدوية والأجهزة والمعايير السريرية... وهذا التحوّل لن يكون استثناءً.

بهذا المعنى، فإن الاستراتيجية الأميركية ليست وثيقة داخلية، بل حدث نظامي عالمي سيُعيد تشكيل طبّ المستقبل، وربما يفرض على الدول — ومن ضمنها دول المنطقة العربية — التفكير بطريقة جديدة في البنية الصحية والسياسات والتنظيم.

تساؤلات داخلية: بين الحماسة والقلق

ورغم موجات الترحيب التي رافقت الإعلان، فإن الاستراتيجية الأميركية لا تأتي بلا ظلال. فهي تفتح — داخل الولايات المتحدة نفسها — باباً واسعاً أمام أسئلةٍ تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تقف على تخوم أخطر ما في الطب: الثقة.

من يحمي البيانات الصحية للمواطنين؟ وكيف يمكن ضمان ألا تتحوّل السجلات الطبية إلى مادة للاقتصاد الرقمي؟

هل يمكن للخوارزمية أن تخطئ؟ وإذا حدث الخطأ - كما حدث في تجارب سابقة - فمن يتحمّل المسؤولية: الشركة أم الطبيب أم النظام الصحي؟

ما حدود نفوذ شركات التقنية الكبرى؟ وهل ستصبح القرارات الصحية مرهونة بخوارزميات لا يعرف أحد كيف بُنيت؟

وكيف يمكن تفادي تحيّز النماذج الذكية؟ إذ أثبتت دراسات أميركية أن البيانات غير المتوازنة قد تُنتج قرارات تمييزية دون قصد.

إنها أسئلة لا يمكن تجاوزها، لأن مستقبل الطب — مهما تقدّم — لا يقوم على التكنولوجيا وحدها، بل على ثقة المريض وطمأنته بأن ما يرى الطبيب على الشاشة هو امتدادٌ لضميره، لا لاحتمالات خوارزمية غامضة.

ما الذي تعنيه هذه الخطوة للعالم العربي؟

في المنطقة العربية، تتقدّم دول مثل السعودية والإمارات بخطى لافتة نحو بناء منظومات «صحة ذكية»، لكن الإعلان الأميركي لا يمرّ عابراً؛ فهو يطرح سؤالاً أكبر من حدود التكنولوجيا: هل تحتاج المنطقة إلى استراتيجية وطنية، وربما إقليمية، موحّدة للذكاء الاصطناعي الصحي؟

فالعالم يدخل حقبة جديدة يُعاد فيها تعريف الطب من جذوره: طبٌّ يُبنى على البيانات لا الملفات الورقية، وعلى التنبؤ لا ردّ الفعل، وعلى الخوارزميات التي توسّع رؤية الطبيب لا التي تستبدل بها اجتهاده. وإذا كانت واشنطن تعيد اليوم صياغة مستقبلها الصحي، فإن منطقتنا — بخاصة دول الخليج — قد تجد نفسها أمام لحظة تقرير مشابهة، تفرض أربعة مسارات واضحة:

* بناء سجلات صحية موحّدة تُصبح الغذاء الأساسي للنماذج الذكية في المستشفيات والعيادات.

* تطوير أطر أخلاقية وقانونية تحمي خصوصية المريض وتمنع سوء استخدام البيانات.

* الاستثمار في نماذج لغوية وطبية عربية تفهم الجينات، واللغة، والسياقات الاجتماعية لشعوبنا، بدل الاعتماد على نماذج مستوردة لا تعي خصوصيتنا.

* رسم استراتيجية مشتركة تجمع الجامعات والهيئات الصحية وصنّاع القرار لتطوير أدوات تشخيصية ووقائية محلية، تُعيد للمنطقة دورها في الابتكار لا الاستهلاك.

إن مستقبل الذكاء الاصطناعي الصحي في العالم العربي لن يُبنى بقرارات تقنية فقط، بل برؤية تعدّ البيانات ثروة وطنية، والبنية الرقمية جزءاً من الأمن الصحي، والابتكار مسؤولية مشتركة بين الحكومات والمجتمع العلمي

الموجة الثانية لتقنية عملاقة - حكومية

إن ما فعلته واشنطن ليس مجرّد إعلان تقني، ولا خطوة بيروقراطية في أرشيف وزارة الصحة؛ إنه تأسيس لمرحلة جديدة من تاريخ الطب، مرحلة تلتقي فيها السياسة مع العلم، ويقف فيها الإنسان جنباً إلى جنب مع الخوارزمية، كلٌّ يختبر حدود الآخر. لقد انطلقت الموجة الأولى من الذكاء الاصطناعي من الشركات الناشئة، من مختبرات وادي السيليكون ومنصّات التقنية العملاقة؛ لكن الموجة الثانية — الأعمق والأخطر والأوسع تأثيراً — تنطلق الآن من الحكومات نفسها، من المؤسسات التي تنظّم العلاج، وتراقب الدواء، وتُحدّد ما يعنيه «الأمان» و«العدالة» و«المسؤولية» في الرعاية الصحية.

وفي هذا التحوّل، لا يعود السؤال المركزي: كيف سيبدو الطب بعد عشر سنوات؟ بل يصبح سؤالاً أكثر جرأة وقلقاً: هل ستكون أنظمتنا الصحية — في العالم العربي — جاهزة لاستقبال هذا المستقبل قبل أن يفرض نفسه؟ هل نملك البنية الرقمية، والمعايير الأخلاقية، والكوادر المؤهلة، والرؤية المشتركة التي تجعل الذكاء الاصطناعي أداة قوة لا مصدر تبعية؟

إن الذكاء الاصطناعي، مهما تعقّد، ليس مستقبلاً تقنياً فحسب؛ إنه اختبار حضاري. اختبار لقدرتنا على أن نجعل التكنولوجيا امتداداً لضمير الطبيب لا امتداداً لهيمنة الشركات، وأن نجعل الخوارزمية وسيلة لتحرير الوقت الإنساني لا لاستنزافه، وأن نبني طبّاً يقترب أكثر من الإنسان... لا يبتعد عنه. وكما قال الفيلسوف الدنماركي كيركغارد: «المستقبل لا يُكتشف، بل يُصنع». وما تفعله الولايات المتحدة اليوم هو صناعة مستقبلها الصحي. ويبقى السؤال المفتوح أمام منطقتنا: هل سنكون شركاء في صناعة هذا المستقبل... أو متلقّين له؟


مقالات ذات صلة

صحتك النظام الجديد يعتمد على تقييم سلوكيات الإدمان الأساسية (جامعة سينسيناتي)

طريقة ذكية لتشخيص إدمان المخدرات بسرعة وكفاءة

نجح باحثون في جامعة سينسيناتي الأميركية في تطوير نظام ذكاء اصطناعي مبتكر يساعد على تشخيص اضطراب تعاطي المواد المخدرة بدقة تصل إلى 84 في المائة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
الولايات المتحدة​ علامة «مواد مشعة» على جانب إحدى الحاويات التي تحوي نفايات مشعة بمحطة «دونري» في اسكوتلندا (رويترز)

أميركا تريد متطوعين لاستضافة النفايات النووية إلى الأبد

تعتمد خطة إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، لتشييد مجموعة من المفاعلات النووية الصغيرة في المستقبل؛ لتوفير الطاقة لعصر الذكاء الاصطناعي، على استراتيجية قديمة.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن)
الاقتصاد تمثيلات للعملة الرقمية «بتكوين» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

بعد ملامسة الـ60 ألف دولار... البتكوين ترتد من أدنى مستوى في 16 شهراً

ارتفع سعر البتكوين، يوم الجمعة، بعد وصوله إلى أدنى مستوى له في 16 شهراً عند 60 ألف دولار، مع ظهور بوادر تراجع الضغوط العالمية على أسهم شركات التكنولوجيا.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة )
الاقتصاد أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)

الدولار يستقر قرب أعلى مستوى له في أسبوعين

استقر الدولار الأميركي قرب أعلى مستوى له في أسبوعين يوم الجمعة، مدعوماً بعزوف المستثمرين عن المخاطرة بعد تراجع حاد في أسواق الأسهم.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)

العيادة الذكية… حين تلتقي المهارة السريرية بالتحوّل الرقمي

افتتاح مؤتمر طب الأسنان في الرياض
افتتاح مؤتمر طب الأسنان في الرياض
TT

العيادة الذكية… حين تلتقي المهارة السريرية بالتحوّل الرقمي

افتتاح مؤتمر طب الأسنان في الرياض
افتتاح مؤتمر طب الأسنان في الرياض

في قلب العاصمة السعودية، انطلقت، الخميس، أعمال الدورة السابعة والثلاثين من المؤتمر السعودي الدولي لطب الأسنان في «مركز الرياض فرونت للمعارض والمؤتمرات»، التي تستمر حتى 7 فبراير (شباط) 2026. غير أن الحدث هذا العام لا يبدو مجرد مؤتمر علمي دوري، بل مرآة تعكس التحول العميق الذي يشهده طب الأسنان عالمياً.

وعلى مدى ثلاثة أيام، يجتمع مئات الخبراء والأكاديميين والممارسين من داخل المملكة وخارجها، في فضاء تتجاور فيه قاعات المحاضرات مع منصات العرض التقني، وتتلاقى فيه التجارب السريرية مع أحدث منجزات الثورة الرقمية. لم يعد المؤتمر ساحة لعرض الأبحاث فحسب، بل تحول مختبراً مفتوحاً لفهم كيف تتغير هوية العيادة نفسها.

الروبوت والذكاء الاصطناعي في قلب معرض طب الأسنان بالرياض

ركائز العيادة الذكية

يعيش طب الأسنان مرحلة إعادة تعريف شاملة. إذ لم تعد المهارة اليدوية وحدها معيار التميّز، ولم يعد القرار العلاجي قائماً على الفحص التقليدي وحده، فالتطبيقات الرقمية، وتحليل الصور الشعاعية بالخوارزميات، وأنظمة التخطيط العلاجي المدعومة بالذكاء الحاسوبي المتقدم، أصبحت ركائز أساسية في بناء ما يمكن وصفه بـ«العيادة الذكية» — عيادة تقرأ البيانات قبل أن تبدأ العلاج، وتُحاكي النتائج قبل تنفيذها، وتقلّص هامش الخطأ إلى أدنى حد ممكن.

ومن هنا يطرح المؤتمر سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للتقنية أن تعزّز إنسانية الممارسة الطبية بدل أن تُربكها؟ وكيف تتحول الخوارزمية من أداة حساب إلى شريك في تحسين جودة القرار السريري؟

منصة علمية بحجم التحوّل

يعكس البرنامج العلمي اتساع هذا التحول من خلال أكثر من 140 محاضرة و33 ورشة عمل تفاعلية تغطي زراعة الأسنان، وتقويمها، وجراحة الفم والوجه والفكين، وطب الأسنان الرقمي، والتصوير ثلاثي الأبعاد، والمعالجة بالليزر. وتمتد الجلسات إلى موضوعات الروبوتات الجراحية المساندة، والأنظمة المؤتمتة في التخطيط العلاجي، وتطبيقات «المساعدات الذكية» في إدارة السجلات الطبية والتواصل مع المرضى.

منظومة علاجية: المهارة البشرية والدقة الخوارزمية

ولا يعبّر هذا التنوع عن كثافة علمية فحسب، بل عن تحول بنيوي في طبيعة الممارسة؛ إذ لم تعد التخصصات تعمل بمعزل عن بعضها، بل ضمن منظومة علاجية مترابطة تقوم على التكامل بين المهارة البشرية والدقة الخوارزمية. فالجراح اليوم يناقش دقة التوجيه الروبوتي بقدر ما يناقش مهاراته اليدوية، ويتعامل مع أنظمة قادرة على تحليل آلاف الصور خلال ثوانٍ لتقديم توصيات مدعومة ببيانات واسعة النطاق.

ويشارك في تقديم الجلسات نخبة من العلماء والخبراء من داخل المملكة وخارجها، ما يمنح المؤتمر بُعداً دولياً حقيقياً، ويجعله مساحة حوار بين مدارس علمية متعددة تبحث في سؤال المستقبل: كيف يبقى القرار بيد الطبيب، في حين تتولى الآلة قراءة التعقيد؟

المعرض التقني... صورة عملية للعيادة القادمة

يصاحب المؤتمر معرض تقني واسع تشارك فيه شركات عالمية رائدة تعرض أحدث حلول الطباعة ثلاثية الأبعاد لصناعة التركيبات الدقيقة، وأنظمة التصميم والتصنيع بالحاسوب، وتقنيات المسح الضوئي داخل الفم، وأجهزة التصوير المقطعي المتقدمة التي تمنح رؤية تشخيصية شاملة خلال دقائق معدودة.

كما تحضر الروبوتات المساعدة في الإجراءات الجراحية الدقيقة، إلى جانب منصات الذكاء الاصطناعي والبوتات الطبية التي تدير المواعيد، وتتابع خطط العلاج، وتقدّم تثقيفاً صحياً رقمياً للمريض قبل الإجراء وبعده.

هنا لا تُعرض الأجهزة بوصفها أدوات جامدة، بل بوصفها ملامح لعيادة جديدة تتكامل فيها الخوارزمية مع اليد البشرية، ويصبح الزمن العلاجي أقصر، والدقة أعلى، وتجربة المريض أكثر أماناً.

طابعات ثلاثية الأبعاد لصناعة التركيبات السنية في المعرض

تصريح لـ«الشرق الأوسط»

وفي تصريح حصري لصحيفة «الشرق الأوسط»، أكد الدكتور زياد حمود اللاحم، رئيس اللجنة المنظمة ورئيس الجمعية السعودية لطب الأسنان، أن المؤتمر السعودي الدولي لطب الأسنان (SIDC) هذا العام يتجاوز الإطار التقليدي للفعاليات العلمية، قائلاً: «نؤمن في SIDC أن التقدم العلمي وحده لا يكفي إذا لم يكن موجهاً لخدمة الإنسان والمريض. هدفنا هو خلق بيئة تجمع بين البحث والتقنية، والتعليم التطبيقي، بحيث يخرج كل مشارك بمهارات جديدة تُطوّر علاجاته وتُحسّن حياة مرضاه».

وأضاف أن «SIDC 2026» ليس مؤتمراً تقليدياً، بل منصة للتعاون الدولي بين الأكاديميين والعلماء ومصنّعي التقنية، بما يعزز تبادل المعرفة بين الشرق والغرب، مؤكداً أن التقنيات الذكية أصبحت جزءاً أساسياً من ممارسة طب الأسنان، وأن المؤتمر يسعى إلى تجسير الفجوة بين البحث العلمي وتطبيقاته السريرية.

من التصريح إلى الرؤية

تكشف كلمات الدكتور اللاحم عن جوهر التحول؛ فالتقدم العلمي لا يكتمل إلا حين يُوجَّه لخدمة الإنسان. وهنا تتجسد فكرة «العيادة الذكية» بمعناها الحقيقي: ليست عيادة مليئة بالأجهزة، بل بيئة تعرف كيف توظف البيانات لتحسين القرار الطبي.

فالتحول الرقمي لا يعني استبدال الطبيب، بل إعادة تعريف دوره داخل العيادة الحديثة؛ حيث تتولى الأنظمة الذكية تحليل التعقيد، بينما يبقى القرار السريري مسؤولية إنسانية لا تفوَّض.

وهكذا، في الرياض، لا يُصاغ مستقبل طب الأسنان بالأجهزة وحدها، بل برؤية تضع التقنية في خدمة الضمير المهني، وتُبقي الإنسان — علماً وحكمةً ورحمةً — في قلب القرار.


بيانات المركبة «جونو» تكشف أن «المشتري» أصغر قليلاً من الحسابات السابقة

صورة مُحسّنة الألوان باستخدام بيانات مركبة «جونو» تُظهر كوكب المشتري مع ظلّ قمره «غانيميد» على اليسار (رويترز)
صورة مُحسّنة الألوان باستخدام بيانات مركبة «جونو» تُظهر كوكب المشتري مع ظلّ قمره «غانيميد» على اليسار (رويترز)
TT

بيانات المركبة «جونو» تكشف أن «المشتري» أصغر قليلاً من الحسابات السابقة

صورة مُحسّنة الألوان باستخدام بيانات مركبة «جونو» تُظهر كوكب المشتري مع ظلّ قمره «غانيميد» على اليسار (رويترز)
صورة مُحسّنة الألوان باستخدام بيانات مركبة «جونو» تُظهر كوكب المشتري مع ظلّ قمره «غانيميد» على اليسار (رويترز)

لا شك في أن كوكب المشتري هو أكبر كواكب المجموعة الشمسية، لكن اتضح أنه ليس كبيراً بالقدر الذي كان يعتقده ​العلماء في السابق، وإن كان الفارق ضئيلاً للغاية.

وباستخدام بيانات جديدة حصلت عليها مركبة الفضاء الآلية «جونو» التابعة لإدارة الطيران والفضاء الأميركية (ناسا)، حصل العلماء على أكثر القياسات دقة حتى الآن لحجم وشكل المشتري. وهذه المعلومات مهمة لفهم هذا الكوكب الغازي العملاق بشكل أكثر شمولاً، بما ‌في ذلك دراسة بنيته ‌الداخلية المعقدة.

وأظهرت ملاحظات جونو ‌أن ⁠قُطر ​كوكب ‌المشتري عند خط الاستواء يبلغ 142976 كيلومتراً، وهو أقل بنحو ثمانية كيلومترات عن القياسات السابقة. وأظهرت الملاحظات أيضاً أن قطر الكوكب من القطب الشمالي إلى القطب الجنوبي يبلغ 133684 كيلومتراً، أي أقل بنحو 24 كيلومتراً من التقديرات السابقة. كما أنه ليس كروياً تماماً، مثله مثل ⁠الأرض.

واستندت القياسات السابقة لكوكب المشتري إلى البيانات التي جمعتها المركبتان ‌الفضائيتان الآليتان «فوياجر» و«بايونير» التابعتان لوكالة «ناسا» في أواخر السبعينات.

وجرى إطلاق المركبة جونو في عام 2011، وتدور حول المشتري منذ عام 2016، وترسل البيانات الأولية إلى الأرض.

ومددت «ناسا» مهمة «جونو» في عام 2021، مما أتاح للعلماء الفرصة لإجراء الملاحظات اللازمة من أجل التحقق من ​قياسات حجمه وشكله، بما في ذلك السفر خلف الكوكب من جهة منظورنا له من ⁠الأرض.

وقال عالم الكواكب إيلي جالانتي، من معهد وايزمان للعلوم في إسرائيل، وهو المؤلف الرئيسي للدراسة التي نُشرت هذا الأسبوع في مجلة «نيتشر أسترونومي»: «عندما مرت جونو خلف كوكب المشتري... انتقلت إشارتها اللاسلكية عبر الغلاف الجوي للكوكب قبل أن تصل إلى الأرض».

وأضاف: «سمح لنا قياس كيفية تغير الإشارة، بسبب تكوين الغلاف الجوي للمشتري وكثافته ودرجة حرارته، باستكشاف الغلاف الجوي وتحديد حجم الكوكب وشكله بدقة عالية».

وكوكب المشتري هو ‌الخامس في الترتيب من حيث بعد المسافة عن الشمس.


الاستراتيجية... العامل المفقود الأهم في القيادة

الاستراتيجية... العامل المفقود الأهم في القيادة
TT

الاستراتيجية... العامل المفقود الأهم في القيادة

الاستراتيجية... العامل المفقود الأهم في القيادة

إذا كنت تُهمل تخصيص جزء مهم من الوقت يومياً للاستراتيجية، فأنت تعمل مديراً يتقاضى أجراً مُبالغاً فيه أكثر من كونك قائداً، كما كتب كارول شولتز(*).

التخطيط الاستراتيجي

كثيراً ما أتلقى هذا السؤال من الرؤساء التنفيذيين: «ما وقت التخطيط الاستراتيجي؟».

غالباً ما يتم تجاهل أهم جانب في القيادة عند تخصيص الوقت بشكل مُتعمّد: الاستراتيجية. أرى العديد من المؤسسين غارقين في العمليات التشغيلية، عالقين في المكالمات ورسائل البريد الإلكتروني وإدارة الموظفين، وهو ما لا يترك لهم وقتاً يُذكر للتفكير المستقبلي.

عندما لا تُعطى الأولوية لوقت التخطيط الاستراتيجي، أرى الشركات تتخلف عن الركب، إذ يُصاب القادة بالإرهاق، ويسعون دائماً لمواكبة منافسيهم. بالإضافة إلى ذلك، فإن النمو يتراجع إذا تم إهمال «الرؤية» في الجدول اليومي.

دليل للقادة

إليكم دليلاً لتلك «الإضافة» التي يحتاج إليها كل قائد في روتينه اليومي لعام 2026.

* ما فترة التخطيط الاستراتيجي؟ هي وقت محدد يومياً في جدول أعمال الرئيس التنفيذي أو المؤسس، مُصمم خصيصاً للمهام الرفيعة المستوى والمركزة فقط. والأهم هو أن يكون هذا الوقت مُخصصاً دون أي مقاطعة، إذ يجب أن يكون مُخططاً له بدقة. لذا عليك إخبار فريقك أنه يجب عدم الاتصال بك خلال هذه الجلسة التي تستغرق ساعة أو ساعتين أو ثلاث ساعات، لأي سبب كان.

وفيما يلي بعض المواضيع التي قد تندرج ضمن فترة التخطيط الاستراتيجي:

- ما حجم الإيرادات الذي ترغب في تحقيقه خلال 12 شهراً؟ ابدأ من هذه النقطة وخطط للخطوات اللازمة لتحقيق ذلك.

- مع نمو الإيرادات، ما المناصب التي ستحتاج المؤسسة إلى استحداثها أو توسيعها بموظفين إضافيين، ومتى ستحتاج إلى البدء في البحث عنهم؟

- هل يُعاني أي من أعضاء الفريق التنفيذي من قصور؟ هل يُمكن معالجة ذلك من خلال التدريب أو التوجيه؟ إذا لم يكن ذلك ممكناً، فما الذي يجب فعله لاستبدالهم؟

- هل تحافظ على معدل التخلي عن الخدمة أقل من 5 في المائة؟ إذا لم يكن كذلك، فما الذي يجب فعله لتحسين ذلك؟

-أين ترغب في أن تكون المؤسسة بعد خمس سنوات؟

لاحظ أن الاجتماعات ليست جزءاً من خطط الاستراتيجية، لأن هذا (الوقت المخصص) عمل فردي.

«ليس لدي وقت»

إذا كنت تقرأ هذا وتفكر، «من أين سأحصل على هذا الوقت؟» أنصحك بمراجعة كيفية قضاء وقتك حالياً. حدد النسبة المئوية من وقتك التي تخصصها لكل نوع من المهام. غالباً ما أرى الرؤساء التنفيذيين يقومون بمهام تتجاوز نطاق دورهم، على سبيل المثال: اجتماعات لا يكون حضورك فيها ضرورياً، أو العمل كعائق أمام مشاريع يمكن إنجازها دونك، أو إدارة الموظفين. ينبغي توظيف شخص ما لإدارة تلك المهام.

«الاستباقية» لها أثر طويل المدى

ستكون الآثار ملحوظة في غضون أسبوع واحد فقط. ستتحول عقليتك بصفتك قائداً من رد الفعل إلى الاستباقية، لأنك ستمنح نفسك الآن الوقت للتفكير مسبقاً في قرارات مؤسستك.

سيتغير سير عملك بالكامل، وكذلك سير عمل فريقك.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».