3 مخرجات في لحظة سينمائية نادرة... «البحر الأحمر» يجمع بينوش وأمين ودعيبس

جلسة تناولت التمثيل والإخراج وصناعة الذاكرة في سرديات نسائية عابرة للحدود

جولييت بينوش تتوسَّط شهد أمين وشيرين دعيبس (المهرجان)
جولييت بينوش تتوسَّط شهد أمين وشيرين دعيبس (المهرجان)
TT

3 مخرجات في لحظة سينمائية نادرة... «البحر الأحمر» يجمع بينوش وأمين ودعيبس

جولييت بينوش تتوسَّط شهد أمين وشيرين دعيبس (المهرجان)
جولييت بينوش تتوسَّط شهد أمين وشيرين دعيبس (المهرجان)

في لحظة نادرة، تجمع بين التجربة العالمية ونهضة السينما العربية، التقت في مهرجان «البحر الأحمر السينمائي الدولي» 3 سينمائيات، لكل منهن علاقة مباشرة مع «الأوسكار»، وهن: الممثلة الفرنسية الحائزة «الأوسكار» جولييت بينوش، التي تُعدّ من أبرز الوجوه في السينما الأوروبية، والمخرجة السعودية شهد أمين التي يُمثّل فيلمها «هجرة» السعودية في سباق «الأوسكار»، والمخرجة الفلسطينية - الأميركية شيرين دعيبس التي يُنافس فيلمها «اللي باقي منك» باسم الأردن في «الأوسكار».

جاء ذلك ضمن الجلسة الحوارية لبرنامج «نساء في الحركة»، الذي وُلد من مهرجان «كان» عام 2015 بكونه نافذة تطلّ منها النساء على النقاش العالمي حول الصورة، وصولاً إلى مهرجان «البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، إذ يحضر البرنامج للمرّة الأولى، ويحتفي بمرور عقد عليه، في جلسة حوارية جمعت النجمات الثلاث اللواتي ينتمين إلى خلفيات وثقافات وتجارب متباينة، لكن جمعتهن الأسئلة: كيف تُكتب الذاكرة؟ وكيف تتشكّل هوية المرأة في السينما؟ وكيف تستعيد السينما صوتها الإنساني وسط عالم يتغيَّر بسرعة؟

من التمثيل إلى الإخراج

وشكَّل انتقال الممثلة الفرنسية جولييت بينوش من التمثيل إلى الإخراج محوراً أساسياً في حديثها، خصوصاً عن الصعوبة الكامنة في «إخراج نفسها» داخل الفيلم.

تقول جولييت بينوش: «الممثل لا يستطيع أن يفصل نفسه عن الإخراج. العالمان متداخلان بشكل طبيعي»، مضيفة أنّ أداءها لم يكن خاضعاً لعملية توجيه ذاتي بقدر ما كان «محاولة لترك الحقيقة تمر عبر الجسد».

وتوقَّفت عند سؤال «الحقيقة في الصورة»، مشيرةً إلى أنّ لحظة نسيان المُتفرّج بأنّ ما يشاهده مجرّد صورة هي قلب التجربة السينمائية، وتتابع: «الحقيقة تنتمي إلى الإنسان. عندما تدخل الصورة في داخلك وتنسى أنها مصنوعة، عندها فقط تبدأ السينما».

المخرجة السعودية شهد أمين خلال الجلسة (المهرجان)

شهد أمين... الغرابة السينمائية

من ناحيتها، تناولت المخرجة السعودية شهد أمين فيلمها «هجرة» بإسهاب، وهو فيلم ينسج علاقته بين 3 أجيال نسائية. وقدَّمت مداخلة صريحة وحيوية، بدأت بسرد علاقتها بـ«غرابة أعمالها». قائلةً: «كل مرة أكتب فيلماً أقول إنّ الجميع سيحبه، ثم أصنعه، ويخرج غريباً جداً!».

وأضافت بابتسامة لا تخفي صدقها: «أقول لنفسي: (أرجوكِ اصنعي فيلماً طبيعياً)، لكن النهاية تكون دائماً لفيلم لا يُشبه أي فيلم آخر». وترى أمين أنّ هذا الاختلاف ليس هدفاً، بل نتيجة طبيعية لخياراتها الشخصية.

وبسؤالها عن دورها في إخراج المرأة السعودية من القوالب النمطية، تُجيب: «أنا لا أصنع أفلاماً لإثبات شيء عن المرأة السعودية أو لتغيير صورة ما، هذا ليس هدفي. أكبر خطأ يمكن أن أرتكبه هو أن أفرض أفكاري على الفيلم».

وعند سؤالها عن حضور الأجيال الثلاثة في فيلم «هجرة»، أجابت بتأمّل عميق: «كلّ ما نحن عليه اليوم صنعته أمّهاتنا وجداتنا. لا يمكن فَهْم الحاضر من دون العودة إلى الخلف».

أما عن المشهد السينمائي في السعودية اليوم، فرأت أنه يشهد واحدة من أسرع المراحل تطوراً على مستوى العالم، مضيفةً: «السعودية مكان ممتع لصناعة الأفلام. كلّ شيء جديد، وكلّ شيء يبدأ من الصفر. هناك مساحة لكلّ صوت».

كما حذّرت المخرجين الجدد من محاولة تقليد النموذج الأميركي: «لا حاجة لتكرار أحد... كن نفسك... كن غريباً إن أردت... ربما يجد أحدهم نفسه في هذا الغريب».

المخرجة شيرين دعيبس وتقاطعات الذاكرة والهوية (المهرجان)

شيرين دعيبس... صناعة الذاكرة

المحطة الثالثة حملت صوت المخرجة الفلسطينية - الأميركية شيرين دعيبس، التي تُشارك في المهرجان بفيلم «اللي باقي منك»، الذي يتناول أحداث فلسطين ما بعد النكبة. وهي المخرجة المعروفة باشتغالها على هوية المرأة العربية في سياقات الشتات. تطرَّقت دعيبس لفيلمها، بالقول: «وجدنا أنفسنا نصنع فيلماً عن النكبة بينما نشاهد نكبة أخرى تتكشَّف أمام عيوننا... نكبة بلا حدود».

ورأت أن البحث عن «فلسطين خارج فلسطين» كان عملية قاسية، لكنها ضرورة لصنع الفيلم، مضيفةً: «كان علينا أن نُعيد تشكيل الذاكرة بصرياً، ونبحث عن جذورنا في أماكن لا تمتلك الأرض نفسها».

وعن جذورها الشخصية، قالت بوضوح: «نشأت في عائلة فلسطينية - أردنية. أحمل الفرح والألم معاً. مشاركة هذا الإرث ليست خياراً، إنها واجب».

وفي تحليلها لتطوّر الدعم العالمي للسينما العربية، قالت شيرين دعيبس إنّ أوروبا والعالم العربي كانا أكثر دعماً من الولايات المتحدة، مضيفةً: «بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول) أدركنا أن صورتنا تُروى من دوننا. وكان علينا أن نستعيد قصصنا». وأثنت على التحوّل السينمائي في السعودية، قائلة: «ما يحدث هنا استثنائي. الدعم الذي نراه في المنطقة خلال السنوات الأخيرة غير مسبوق».

ورغم اختلاف اللغات والخلفيات، تقاطعت مداخلات المخرجات الثلاث عند 3 محاور عميقة: الذاكرة بكونها منظوراً سردياً، والغرابة بوصفها توقيعاً، ورؤية الإنسان من الداخل. ويمكن القول إنّ جلسة «نساء في الحركة» في «البحر الأحمر» لم تكن مجرّد لقاء حول حضور المرأة في السينما، بل كانت مساحة لقراءة العالم من خلال العين النسائية؛ عين تتأمل الحقيقة، وتستعيد الذاكرة، وتتجاوز الخطاب التقليدي.


مقالات ذات صلة

«وقائع زمن الحصار» يرصد معاناة الفلسطينيين تحت وطأة الاحتلال

يوميات الشرق يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (إدارة المهرجان)

«وقائع زمن الحصار» يرصد معاناة الفلسطينيين تحت وطأة الاحتلال

يطرح الفيلم الجزائري «وقائع زمن الحصار» للمخرج والكاتب الفلسطيني عبد الله الخطيب، رؤية سينمائية تنحاز إلى الإنسان العادي في قلب المأساة.

أحمد عدلي (القاهرة )
يعرض الفيلم الصيني للمرة الأولى ضمن فعاليات مهرجان برلين - إدارة المهرجان

المخرج الصيني تان يوتشنغ: استلهمت لوحات إدوارد هوبر في «نيير»

في فيلمه الروائي القصير «نيير»، المشارك ضمن قسم «أجيال» بالدورة السادسة والسبعين من مهرجان برلين السينمائي الدولي. يراهن المخرج على الصمت والمراقبة.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق الممثل معتز ملحيس وأمامه صورة الطفلة هند رجب في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

«صوت هند رجب» يتصدر المشاهدة رقمياً في السعودية

بعد أصداء دولية واسعة رافقت عروضه في المهرجانات السينمائية الكبرى، يصل فيلم «صوت هند رجب» إلى منصة «شاهد» التابعة لشبكة «MBC»، في عرض رقمي حصري انطلق يوم…

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

فيلم «يوم الغضب» يوثّق انتفاضات طرابلس اللبنانية

لا يُعدّ الفيلم اللبناني «يوم الغضب... حكايات من طرابلس» فيلماً وثائقياً تقليدياً يتوقف عند لحظة احتجاج عابرة، ولا محاولة لتأريخ مدينة عبر سرد زمني خطي.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق عمال يركّبون دبّ مهرجان برلين السينمائي الدولي على واجهة قصر برلين المقر الرئيسي للمهرجان استعداداً لانطلاق فعالياته (أ.ف.ب)

9 أفلام نسائية في مسابقة برلين

تتوالى الأيام سريعاً صوب بدء الدورة السادسة والسبعين من مهرجان برلين السينمائي الذي ينطلق في الثاني عشر من هذا الشهر.

محمد رُضا (بالم سبرينغز (كاليفورنيا) )

«وقائع زمن الحصار» يرصد معاناة الفلسطينيين تحت وطأة الاحتلال

يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (إدارة المهرجان)
يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (إدارة المهرجان)
TT

«وقائع زمن الحصار» يرصد معاناة الفلسطينيين تحت وطأة الاحتلال

يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (إدارة المهرجان)
يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (إدارة المهرجان)

يطرح الفيلم الجزائري «وقائع زمن الحصار» للمخرج والكاتب الفلسطيني عبد الله الخطيب رؤية سينمائية تنحاز إلى الإنسان العادي في قلب المأساة، بعيداً عن الخطابات السياسية المباشرة والبطولات التقليدية.

الفيلم وهو إنتاج مشترك بين الجزائر وفرنسا وقطر، يُعرض للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي»، ويستلهم أحداثه من تجربة الحصار، ليس بوصفه حدثاً استثنائياً؛ بل حالة يومية تعيد تشكيل تفاصيل الحياة، وتفرض على البشر منطقاً جديداً للبقاء.

وتدور أحداث الفيلم في فضاء خانق تحكمه الندرة والعزلة؛ حيث يصبح الجوع والبرد وانعدام الأمان النفسي عناصر ثابتة في يوميات الشخصيات. ومن خلال مجموعة من القصص المتقاطعة، يرصد العمل كيف يتحول الحصار إلى قوة خفية تعيد ترتيب الأولويات الإنسانية، وتدفع الأفراد إلى اختبارات قاسية تمس الصداقة، والرغبة، والحب، وحتى القيم الأخلاقية نفسها.

ويعتمد الفيلم الذي تدور أحداثه في فلسطين على سرد هادئ ومتأنٍّ، يبتعد عن المبالغة الدرامية، ويركِّز على التفاصيل الصغيرة بوصفها مفاتيح لفهم التجربة الإنسانية تحت الحصار. فالرغبة، والجوع، والدفء، واللمسة العابرة، كلها تتحول إلى قضايا مصيرية، تعكس كيف يغيِّر الحصار نظرة الإنسان إلى أبسط حقوقه واحتياجاته.

ويواصل الفيلم لعبه الواعي على فكرة الغموض المكاني؛ إذ يترك السياق الجغرافي مفتوحاً على التأويل، من دون الإشارة الصريحة إلى مكان بعينه، فالمخيَّم الذي تدور فيه الأحداث يمكن أن يكون تل الزعتر، أو اليرموك، أو داخل غزة، أو أي مكان وُجد فيه الفلسطيني تحت الحصار، في خيار فني لا يسعى إلى التعميم بقدر ما يهدف إلى تكثيف التجربة، وجعلها تعبيراً عن واقع متكرر لا يرتبط بجغرافيا واحدة.

يرصد الفيلم مشكلات إنسانية للفلسطينيين في المخيمات (مهرجان برلين)

ويكتسب هذا التوجه قوة إضافية من خلال اختيار ممثلين من جنسيات مختلفة، يتحدثون لهجات شامية متعددة، في تأكيد لكون الفيلم لا يروي حكاية مخيم بعينه؛ بل يحاول الإمساك بجوهر التجربة الفلسطينية نفسها؛ حيث يصبح الصمود فعلاً إنسانياً يتجاوز المكان والسياق، ويعيد تعريف الفلسطيني بوصفه حاضراً في كل بقعة تحمل آثار اللجوء والحصار.

المنتج الجزائري صلاح إسعاد قال لـ«الشرق الأوسط»، إن فيلم «وقائع زمن الحصار» يمثِّل خلاصة مسار طويل من التقاطع الإنساني والفني، جمعه بالمخرج الفلسطيني عبد الله الخطيب، موضحاً أن انطلاقته مخرجاً قبل أن يكون منتجاً جعلته يتعامل مع المشروع بوصفه تجربة إبداعية، قبل أن يكون مغامرة إنتاجية.

وأشار إسعاد إلى أن مشاهدته لفيلم «فلسطين الصغرى» شكَّل لحظة حاسمة في رغبته بالعمل مع الخطيب؛ إذ لمس خصوصية نظرته السينمائية وصدق مقاربته للتجربة الفلسطينية، فضلاً عن حضوره الإنساني كمخرج، لافتاً إلى أن هذا الإعجاب لم يتوقف عند الفيلم؛ بل امتد إلى شخصية الخطيب نفسها، وهو ما جعل فكرة التعاون تنضج سريعاً بين الطرفين.

وأكد إسعاد أن «الخطيب كان يروي باستمرار تفاصيل من حياته اليومية في مخيم اليرموك خلال فترة الحصار، وما لفت انتباهي في تلك الحكايات هو الطريقة التي تمزج بين القسوة والتهكم، وبين الألم وخفة الظل، ما يمنح التجربة بعداً إنسانياً، بعيداً عن المباشرة، مما جعل هذه الطريقة في السرد أحد المفاتيح الأساسية لفكرة الفيلم الجديد».

وأوضح أن «المشروع انطلق من واقعة واحدة، ثم ما لبث أن توسَّع مع تراكم الحكايات إلى تصور أشمل، قبل أن يتبلور في صورة فيلم روائي طويل قائم على مجموعة وقائع مترابطة»، لافتاً إلى أن فريق العمل توصَّل في النهاية إلى بناء فيلم يجمع خمس وقائع مختلفة داخل نسيج سردي موحَّد، بحيث تتقاطع الشخصيات والأحداث ضمن فضاء يحكمه زمن الحصار.

وأشار إسعاد إلى أن «أحداث غزة» بعد السابع من أكتوبر (تشرين الأول) شكَّلت منعطفاً حاسماً في مسار المشروع؛ إذ فرضت شعوراً ملحّاً بضرورة إنجاز الفيلم في هذا التوقيت تحديداً، مؤكداً أن ما شهده العالم أعاد طرح فكرة الحصار بوصفها تجربة معاصرة وحيَّة، ما عزَّز قناعته بأهمية تقديمها من وجهة نظر فلسطينية، عبر مخرج عاش تفاصيلها اليومية بنفسه.

صور الفيلم بين الجزائر والأردن (مهرجان برلين)

وأكد المنتج الجزائري أن «قرار الإنتاج جاء من دون الاعتماد على تمويل رسمي، ليتم إنجاز الفيلم بجهود ذاتية عبر شركتي في الجزائر، وبالشراكة مع المنتج الرئيسي تقي الدين إسعاد من خلال شركته في فرنسا، بينما تم التصوير بين الجزائر والأردن، وهو ما فرض تحديات كبيرة على مستوى التنظيم واستمرارية الصورة؛ خصوصاً مع تصوير مشاهد متقاربة زمنياً في بلدين مختلفين».

ولفت إلى أن خبرة عبد الله الخطيب الشخصية بالحصار انعكست بوضوح على تعامله مع الديكور والتفاصيل البصرية؛ حيث تولَّى بنفسه الإشراف الفني على المواقع، وكان شديد الحرص على الوصول إلى أقصى درجات الواقعية، ما منح الفيلم قوة خاصة على المستوى البصري والدرامي.

وأوضح إسعاد أن التحديات الإنتاجية لم تقتصر على الجانب الفني؛ بل شملت أيضاً العمل بميزانية محدودة، ما فرض على الفريق تجاوز عقبات في مختلف أقسام الإنتاج، مؤكداً أن «الدعم الحقيقي جاء في كثير من الأحيان من الناس أنفسهم، سواء من فرق العمل أو من المحيط الاجتماعي، وهو ما سهَّل إنجاز مشاهد كبيرة كان يصعب تنفيذها بالإمكانات المتاحة».

وحَل مشاركة «وقائع زمن الحصار» في مهرجان «برلين السينمائي» الدولي بنسخته الـ76، قال صلاح إسعاد إن هذه المشاركة تمثل محطة مفصلية في مسيرة الفيلم؛ خصوصاً كونه أول عرض دولي كبير له، معتبراً أن «مهرجان (برلين السينمائي) يوفِّر منصة عالمية قادرة على إيصال الفيلم إلى جمهور واسع، ويمنح السينما العربية حضوراً مؤثراً داخل أحد أهم المهرجانات السينمائية في العالم»، على حد تعبيره.


إبداعات الفنانين تتألق في «ملتقى طويق للنحت 2026» بالرياض

أحد المنحوتات باستخدام حجر الجرانيت في «ملتقى طويق للنحت 2026» (تصوير: تركي العقيلي)
أحد المنحوتات باستخدام حجر الجرانيت في «ملتقى طويق للنحت 2026» (تصوير: تركي العقيلي)
TT

إبداعات الفنانين تتألق في «ملتقى طويق للنحت 2026» بالرياض

أحد المنحوتات باستخدام حجر الجرانيت في «ملتقى طويق للنحت 2026» (تصوير: تركي العقيلي)
أحد المنحوتات باستخدام حجر الجرانيت في «ملتقى طويق للنحت 2026» (تصوير: تركي العقيلي)

تحول طريق التحلية بالرياض إلى فضاء فني، حيث يلتقي الإبداع المحلي والعالمي في عرض متكامل للمنحوتات، وافتتحت الهيئة الملكية لمدينة الرياض عبر برنامج «الرياض آرت»، معرض «ملتقى طويق للنحت 2026» في نسخته السابعة، تحت شعار «ملامح ما سيكون»، حيث قدم المعرض الأعمال الفنية المكتملة، التي ضمت 25 فناناً من 18 دولة قدموا أعمالهم أمام الجمهور، ليشهد الزوار مراحل تشكيل الحجر والمعادن إلى أعمال فنية نابضة بالحياة وتعكس رحلة المدينة نحو المستقبل.

في حديث لها مع صحيفة «الشرق الأوسط»، قالت مديرة «ملتقى طويق للنحت» سارة الرويتع: «نحن موجودون اليوم لافتتاح النسخة السابعة للمعرض، الذي شارك فيه فنانون محليون وعالميون، عملوا أمام الزوار طوال 25 يوماً لإخراج 25 منحوتة مستخدمين خامات متنوعة، منها الجرانيت السعودي والمعادن والمعاد تدويرها، وأقيم خلالها كثير من الفعاليات المصاحبة، بما في ذلك برامج التدريب المهني للمبتدئين والمحترفين، بالإضافة إلى ورش العمل المجانية والمتقدمة وجلسات حوارية ومعرض مصغر وفعاليات للأطفال ومنطقة مطاعم وسوق في التحلية الذي يعد موقعاً استراتيجياً».

سارة الرويتع مديرة «ملتقى طويق للنحت» خلال حديثها مع «الشرق الأوسط» (تصوير: تركي العقيلي)

وتحت شعار «ملامح ما سيكون»، يستعرض الملتقى مفهوم التحوّل بوصفه عملية مادية ودلالة حضرية متصلة بتجديد المدينة، مستلهماً موقع «التحلية» الذي يرتبط تاريخياً بمحطات تحلية المياه الأولى في الرياض، ما يعكس إرث المكان في الابتكار وتحسين جودة الحياة، ويشكل إطاراً مفاهيمياً للأعمال المعروضة.

وجاء اختيار الفنانين من بين أكثر من 650 طلب مشاركة تقدمت بها أسماء من 50 دولة من حول العالم، عبر لجنة تحكيم دولية متخصصة، وتنوعت الأعمال الفنية بين قراءة مفاهيمية للذاكرة، واستغلال الموارد، والابتكار البيئي، وتأثير التدخل البشري في المشهد الطبيعي والحضري.

وأشرف على الإطار الفني للملتقى لولوة الحمود الفنانة السعودية، ذات الخبرة العالمية في الاتصال البصري وتطوير المعارض، التي عملت مع متاحف ومؤسسات دولية وقدمت استشارات ثقافية وفنية لمؤسسات وشركات بارزة، وشارك معها بالإشراف كل من سارة ستاتون، وروت بليس لوكسمبورغ، حيث أسهم إشرافهن في توجيه الأعمال الفنية نحو التفاعل مع المادة والمكان، واستكشاف إمكانات الحاضر والمستقبل.

لولوة الحمود القيم الفني في «ملتقى طويق للنحت 2026» خلال حديثها مع «الشرق الأوسط» (تصوير: تركي العقيلي)

وفي حديثها مع «الشرق الأوسط»، كشفت لولوة الحمود، القيّم الفني، عن الطريقة التي صاغتها الرؤية الفنية للمعرض، قائلةً: «شعار هذا العام مستوحى من التحلية في قلب الرياض، فهو موضوع محلي يحمل صدى عالمي ويعكس حاجة الإنسان للماء كعنصر مادي وفلسفي، واستجاب الفنانون له بشكل رائع»، وأشارت إلى أن دور القيم الفني يتعدى مجرد اختيار الأعمال، مضيفة: «ينسق القيّم الفني الأفكار ويحرص على تقديم أعمال متكاملة من حيث الجودة والمضمون، إذ يضمن أن كل منحوتة تكمل الأخرى لتروي القصة الكاملة للملتقى، كما جاء اختيار فكرة التحلية من بين 3 أفكار، كي لا تقتصر على عرض الفن فقط، بل ليتعرف الناس من الخارج علينا ويتعلم الأجيال القادمة تاريخ التحلية في السعودية، وكيف تحولت من منطقة تعاني شح المياه إلى مصدر للحياة والاستمرارية».

قدم المعرض الأعمال الفنية المكتملة التي ضمت 25 فناناً من 18 دولة (تصوير: تركي العقيلي)

وأعربت لولوة عن سعادتها باختيار الأعمال ونجاح نسخة هذا العام من «ملتقى طويق للنحت»، وشغفها برؤية الفنانين يوسعون قدراتهم ويقدمون أعمالاً متنوعة ومبتكرة، مؤكدةً أن للقيّم الفني دوراً أساسياً في اختيار الفنانين المناسبين، مع مراعاة استجابتهم للثيمات العامة وتاريخهم الفني، وأعمالهم السابقة، إلى جانب إتقانهم في استخدام المواد والخامات المختلفة، وأردفت: «من المدهش رؤية بعض الفنانين، الذين لم يسبق لهم العمل بالحديد، يبدعون لأول مرة باستخدامه».

جانب من الفعاليات المصاحبة في ملتقى طويق للنحت 2026 (الرياض آرت)

يذكر أن «طويق للنحت» هو ملتقى ومعرض دولي سنوي، يأتي ضمن مبادرات برنامج «الرياض آرت»، منذ انطلاقه عام 2019، وقد أقيمت منه 6 نسخ شارك فيها أكثر من 170 نحاتاً عالمياً، واستقطبت آلاف الزوار، ليصبح ركيزة أساسية في المشهد الثقافي للعاصمة الرياض، ويصاحب الملتقى برنامج تفاعلي يشمل ورشات عمل وجلسات حوارية وزيارات تعليمية، ويستمر حتى 22 فبراير (شباط) الحالي في موقع التحلية بطريق الأمير محمد بن عبد العزيز، والدخول مجاناً لجميع الزوار.


الفوانيس المستوردة تفرض حضورها في مصر بتقاليع مبتكرة

زحام على شراء الفوانيس في أسواق السيدة زينب (الشرق الأوسط)
زحام على شراء الفوانيس في أسواق السيدة زينب (الشرق الأوسط)
TT

الفوانيس المستوردة تفرض حضورها في مصر بتقاليع مبتكرة

زحام على شراء الفوانيس في أسواق السيدة زينب (الشرق الأوسط)
زحام على شراء الفوانيس في أسواق السيدة زينب (الشرق الأوسط)

وسط زحام ميدان السيدة زينب العريق بالقاهرة، وبين آلاف القطع من فوانيس رمضان، تجوّل الشاب محمد فتحي، بين شوادر وخيام الميدان، باحثاً عن «فانوس الزيت»، الذي يعد صرعة هذا العام، كي يهديه لخطيبته مع حلول شهر رمضان.

يقول محمد لـ«الشرق الأوسط»: «مع اقتراب الشهر الكريم كان فانوس الزيت هو حديث منصات التواصل الاجتماعي، حيث تصدر اهتمام روادها بأشكاله المتنوعة، وبالفعل أعجبني، وقررت أن أهديه لخطيبتي في أول رمضان يمر علينا معاً، ومع ارتفاع أسعاره مقارنة بغيره، نصحني أصدقائي بالبحث عنه هنا في سوق السيدة زينب التي تعد أقل الأسواق سعراً، لكن للأسف وبعد بحث طويل لم أجده، حيث أخبرني الباعة بأنه غير موجود، وأنهم في انتظار وصول كميات جديدة منه».

ومع بدء العد التنازلي لاستقبال شهر رمضان، خطف «فانوس الزيت» أنظار رواد «السوشيال ميديا» في مصر، ما جعل الكثير منهم يرفع شعار: «الشعب يريد فانوس الزيت»، الذي دفعهم إلى النزول من الواقع الافتراضي إلى الأسواق للبحث عنه، ضمن أحدث تشكيلات فوانيس رمضان هذا العام، إلى جانب الأنواع المعروفة منه، مثل فوانيس الصاج والزجاج والخيامية والبلاستيك.

و«فانوس الزيت»، هو «فانوس زجاجي يحتوي على سائل ومحرك داخلي له، مما يخلق حركة بصرية للأشكال الفضية والبرونزية بداخله (تكون في الغالب شخصيات رمضان الكرتونية)، مع إضاءة وأسطوانة لأغانٍ رمضانية، ويميزه الطابع التقليدي في التصميم، ويكون أيضاً على شكل جوال أو تلفاز»، حسب تعريف بركات صفا، نائب رئيس شعبة الأدوات المكتبية ولعب الأطفال بغرفة القاهرة التجارية.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «السوق المصرية تشهد هذا العام طفرة في موديلات الفوانيس المستوردة، التي تظل الأكثر جذباً للمستهلك، بفضل جودة الابتكار وتقنيات الإضاءة والصوت المتقدمة»، مؤكداً أن «المنافسة لا تزال تميل لصالح المنتج الصيني، الذي يمتلك قدرة فائقة على تطوير الدوائر الإلكترونية والإضاءة بشكل يفوق الإمكانيات المحلية الحالية».

تنوع بين الفوانيس المحلية والمستوردة للأذواق كافة (الشرق الأوسط)

كلمات صفا كان لها صدى في الشارع خلال جولة «الشرق الأوسط» بميدان السيدة زينب، الذي يعد «قبلة» الراغبين في الشراء والتهادي بالفوانيس، حيث نجحت الفوانيس المستوردة هذا العام في منافسة الأشكال التقليدية، جاذبة الزوار بتنوع ألوانها وأشكالها وأحجامها.

أمام أحد شوادر بيع الفوانيس، قال البائع محمد علي، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الفانوس المستورد هو المطلوب لدى نسبة كبيرة من الزبائن هذا الموسم»، وتابع: «الزبون اليوم يبحث لأطفاله عن الفانوس الذي يغني ويتحرك، ما جعله أقرب إلى كونه لعبة وعرائس وشخصيات متحركة أكثر من كونه فانوساً تقليدياً».

السوق المصرية تشهد طفرة في موديلات الفوانيس المستوردة هذا العام (الشرق الأوسط)

قطعت إحدى السيدات حديث البائع لسؤاله عن «فانوس الزيت»، ليخبرها بأنه غير موجود في الوقت الحالي، ثم استطرد حديثه معنا موضحاً أن «الزيت» هو «ترند» هذا العام من دون منازع، بأشكال متنوعة وتصاميم فخمة، لكنه توفر بكميات قليلة، لأن الإقبال عليه أحدث نقصاً فيه، وأدى إلى ارتفاع أسعاره، وتبدأ من 1000 جنيه وتصل إلى 4 آلاف جنيه (الدولار يساوي 46.73 جنيه مصري). ويفسر البائع الإقبال رغم ارتفاع السعر بقوله: «الأمر يعتمد على ميزانية الزبون، فمن يبحث عن السعر الاقتصادي يتجه إلى الفانوس المحلي الصنع، أما من يبحث عن شكل معين أو قطعة ديكورية وتقنيات حديثة فإنه يلجأ للمستورد».

الفانوس التقليدي المحلي ينافس الأنواع المستوردة ويجذب المصريين (الشرق الأوسط)

يعود، نائب رئيس شعبة الأدوات المكتبية وألعاب الأطفال في غرفة القاهرة التجارية، للحديث موضحاً أن فوانيس الزيت كانت تُباع في بداية الموسم مقابل 800 جنيه، ومع زيادة الطلب عليه ومحدودية الكميات المستوردة منه ارتفعت أسعاره بشكل كبير، خصوصاً أن التجار لم يستوردوا إلا كميات محدودة منه. وأوضح أن «ازدياد الطلب على الأصناف المستوردة من الفوانيس هذا العام يعود إلى تراجع أزمة توفر العملة الصعبة بشكل كبير مقارنة بالأعوام السابقة، إذ تقوم البنوك حالياً بتدبير العملة اللازمة للاستيراد دون عوائق إجرائية».

الفوانيس أحد مظاهر البهجة الرمضانية في مصر (الشرق الأوسط)

وبالقرب من قلب ميدان السيدة زينب، جلس الستيني عصام السرس، أحد أقدم تجار الفوانيس، وسط فوانيسه التقليدية من الصاج والزجاج مراقباً عملية البيع والشراء. وقال السرس لـ«الشرق الأوسط»، وهو يشير إلى فانوس ضخم يتوسط محله: «الفانوس الصاج لا يموت، هو الأصل الذي لا يمكن الاستغناء عنه مهما ظهرت بدائل بلاستيكية أو مستوردة، فهو يحمل روح رمضان الحقيقية التي توارثناها».

ويشير إلى تنوع كبير هذا العام بين المحلي والمستورد يُلبي طلب جميع الطبقات الاجتماعية، حيث تبدأ الأسعار من 25 جنيهاً للفوانيس الصغيرة، وتصل إلى 2000 جنيه للقطع الصاج الكبيرة التي تُزين واجهات الفنادق والميادين. وعن الإقبال على شراء الفوانيس، قال: «على عكس التوقعات، هناك إقبال كبير جداً هذا الموسم، فالناس تريد أن تفرح، وتبحث عن بهجة رمضان عبر الفوانيس لتعويض ضغوط الحياة، والزحام في حي السيدة زينب قبل أيام من الشهر الكريم يعكس إصرار المصريين على الحفاظ على تقاليدهم».