مثول ليبي أمام «الجنائية الدولية» يقلب الطاولة على رئيس «الوحدة»

موالون لـ«الردع» يتهمون «الوحدة» بـ«التفريط في السيادة» بعد توقيف الهيشري

الهيشري القيادي في «جهاز الردع» الليبية خلال مثوله أمام المحكمة الجنائية الدولية الأربعاء (المحكمة)
الهيشري القيادي في «جهاز الردع» الليبية خلال مثوله أمام المحكمة الجنائية الدولية الأربعاء (المحكمة)
TT

مثول ليبي أمام «الجنائية الدولية» يقلب الطاولة على رئيس «الوحدة»

الهيشري القيادي في «جهاز الردع» الليبية خلال مثوله أمام المحكمة الجنائية الدولية الأربعاء (المحكمة)
الهيشري القيادي في «جهاز الردع» الليبية خلال مثوله أمام المحكمة الجنائية الدولية الأربعاء (المحكمة)

وضعت قضية الليبي خالد الهيشري، الذي مثل أمام «الجنائية الدولية»، عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، في «موضع المتهم»، في وقت رحبت فيه البعثة الأممية للدعم في ليبيا بنقل الهيشري من ألمانيا إلى مركز احتجاز المحكمة في لاهاي.

وزيرة العدل بحكومة الدبيبة حليمة إبراهيم (المكتب الإعلامي للوزارة)

وبدا أن وقوع الهيشري في قبضة المحكمة الدولية قد قلب الطاولة على الدبيبة، بالنظر إلى موافقته سابقاً على «قبول ليبيا لاختصاص المحكمة الجنائية»، بموجب المادة الـ12 فقرة 3 من نظام روما الأساسي.

ويعد الهيشري، الذي تسلمته المحكمة من السلطات الألمانية، منتصف الأسبوع، أبرز قيادي في «جهاز الردع» المناوئ للدبيبة راهناً، وأوضحت المحكمة، الأربعاء، أنه «كان أحد أرفع المسؤولين في سجن معيتيقة بطرابلس، حيث احتجز الآلاف لفترات طويلة، بينهم نساء وأطفال».

وأضافت المحكمة أن الهيشري يشتبه في ارتكابه «جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، منها قتل وتعذيب واغتصاب وعنف جنسي»، خلال الفترة الممتدة من فبراير (شباط) 2015 إلى أوائل عام 2020.

ويرى سياسيون ليبيون أن «مناوئي الدبيبة سيستغلون قضية توقيف الهيشري في تسخين الشارع ضد حكومته، وتصعيد خطاب المطالبة بإقالته».

اتهام حكومة «الوحدة»

أعلنت حكومة «الوحدة» في 20 يونيو (حزيران) 2024، عبر مراسلة رسمية من وزارة العدل إلى مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، قبولها لاختصاص المحكمة الجنائية بموجب المادة الـ12 فقرة 3 من نظام روما الأساسي، وهي الفقرة التي تتيح للدول غير الأعضاء إحالة، أو قبول، نظر المحكمة في جرائم تقع على أراضيها.

الدبيبة مستقبلاً في لقاء سابق كريم خان المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية في نوفمبر 2024 (مكتب الدبيبة)

ورغم الاتهامات التي يواجهها الهيشري، فقد اعتبرت بعض الأطراف السياسية المناوئة للدبيبة مثول الأول أمام «الجنائية الدولية» أمراً مرفوضاً، متهمةً حكومة «الوحدة» بـ«التفريط في سيادة البلاد القضائية».

وعدّ المجلس الاجتماعي «لسوق الجمعة - النواحي الأربع»، القبض على الهيشري «اعتداءً سافراً على سيادة الدولة الليبية، وتصفية للقضاء الوطني»، ووجه اتهامات لاذعة لـ«الوحدة».

ورأى المجلس أن حكومة الوحدة «تجاوزت كل الخطوط الحمراء بتسليم المواطن خالد الهيشري للمحكمة الجنائية»، في خطوة وصفها بأنها «جريمة وطنية تكرس الوصاية الخارجية، وتفرط في كرامة الليبيين وحقهم في محاكمة عادلة، تحت سقف قانونهم الوطني».

ويعتقد المجلس الاجتماعي أن هذا الإجراء «مؤامرة مدبرة لتجريد الدولة من أحد أهم رموز سيادتها، وإهانة ممنهجة للقدرات الوطنية»، كما ذهب إلى أن القضاء الليبي - ورغم كل التحديات - «لم يُعطَ الفرصة لممارسة عمله، بل تم تجاوزه عمداً لخدمة أجندات خارجية، وترسيخ سياسة الإفلات من المحاسبة الوطنية».

وأعلن المجلس، المقرب من عبد الرؤوف كارة رئيس (جهاز الردع)، للرأي العام الوطني والدولي «براءته» من قرار الحكومة، مؤكداً «رفضه كل ما يترتب عليه من إجراءات، ويعتبره باطلاً ولا أثر قانونياً له».

ومضى المجلس «مشككاً في مشروعية الحكومة وتمثيلها السيادي؛ بعد أن أثبتت أنها أداة لتنفيذ إرادات خارجية وليست حامية للوطن»، وفق وصفه.

وتحدث عما سماه بـ«التمييز السياسي في استهداف منطقة سوق الجمعة بشكل انتقائي، بينما تغض الحكومة الطرف عن جرائم حقيقية موثقة في مناطق عديدة، مما يؤكد أن المعيار هو التصفية السياسية لا العدالة».

وسعت «الشرق الأوسط» للتواصل مع مكتب الدبيبة للتعرف على موقف حكومته من قضية محاكمة الهيشري أمام «الجنائية الدولية»، دون الحصول على رد.

وزاد المجلس الاجتماعي من تحذيره بأن أبناء «سوق الجمعة - النواحي الأربع» لن يسمحوا بتكرار ما وصفه بـ«المهزلة»، و«سيتصدون بكل قوة لأي محاولة لمواصلة هذا المسار».

وحمّل المجلس الحكومة ورئيسها «المسؤولية التاريخية والقانونية عن المساس بسيادة الدولة، وعن كل ردود الفعل الشعبية والوطنية التي ستتبع، والتي لن تتوقف حتى إسقاط هذه الحكومة وتصحيح المسار».

موقف البعثة الأممية

من جهتها، عدت البعثة الأممية أول ظهور للهيشري أمام «المحكمة الجنائية»، أمس الأربعاء، «خطوة مهمة نحو تحقيق العدالة والمساءلة للعديد من ضحايا الأبرياء، جراء الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في ليبيا».

وحضت البعثة السلطات الليبية والدول الأعضاء في الأمم المتحدة كافة «على التعاون التام مع المحكمة؛ تماشياً مع قرار إحالة الوضع في ليبيا الصادر عن مجلس الأمن، ويشمل ذلك ضمان وصول كامل للمحققين التابعين للمحكمة، وتنفيذ أوامر القبض المعلقة».

أسامة نجيم الرئيس المقال لجهاز الشرطة القضائية في ليبيا (حسابات موثوقة على وسائل التواصل)

وانتهت البعثة الأممية إلى أن «ضمان المساءلة عن الفظائع الجماعية يمثل ركيزة أساسية لتحقيق سلام مستدام»، مؤكدة التزامها مجدداً بدعم جهود ليبيا، الرامية إلى النهوض بحقوق الإنسان، وإنهاء حلقات الإفلات من العقاب.

وأودع الهيشري - بحسب المحكمة - في مركز الاحتجاز التابع لها داخل مجمع سجن هولندي في شخيفيننغن، بإحدى ضواحي لاهاي، مشددة على أن المركز «يعمل وفقاً لأعلى المعايير الدولية لحقوق الإنسان».

ولاقى مثول الهيشري أمام «الجنائية» ترحيباً واسعاً من بعض الحقوقيين الليبيين، الذين عدوا توقيفه مقدمة تستبق اعتقال باقي المتهمين في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.

وسبق أن تصاعد التوتر بين الحكومتين المتنافستين على السلطة في ليبيا، بعد إعلان أسامة حمّاد، رئيس الحكومة المكلفة من مجلس النواب، رفضه إعلان «الوحدة» قبول اختصاص المحكمة الجنائية الدولية.

سجن سيئ السمعة

ومعيتيقة «سجن كبير سيئ السمعة»، كانت تديره بشكل كامل ميليشيا «جهاز الردع»، بقيادة كارة، وكان أسامة نجيم أحد المسؤولين عن السجن لكونه آمر جهاز الشرطة القضائية في ليبيا، قبل أن يقيله الدبيبة من منصبه بعد المطاردة الدولية له.

سيف الإسلام القذافي (متداولة)

وسبق أن أعلن كريم خان، المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، عن قائمة تضم العديد من المطلوبين للمحكمة، بتهم «التعذيب والقتل»، فيما لا تزال ثمانية أوامر قبض سارية المفعول بانتظار تنفيذها ضد كلّ من نجيم، وسيف الإسلام نجل الرئيس الراحل معمر القذافي، وعبد الرحيم الشقاقي، ومخلوف ارحومة دومة، وناصر مفتاح ضو، ومحمد الصالحين سالمي، وعبد الباري عياد الشقاقي، وفتحي الزنكال.


مقالات ذات صلة

تعليق مهام مدعي عام «الجنائية الدولية» بعد «مزاعم سوء السلوك»

العالم المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان (أ.ب) p-circle

تعليق مهام مدعي عام «الجنائية الدولية» بعد «مزاعم سوء السلوك»

أفادت هيئة في المحكمة الجنائية الدولية، الاثنين، بتعليق مهام المدعي العام للمحكمة لحين البت في مصيره خلال تصويت، وذلك عقب تحقيق في اتهامات بالتحرش الجنسي.

«الشرق الأوسط» (لاهاي )
شمال افريقيا الهيشري المتهم بارتكاب «جرائم حرب» (الجنائية الدولية)

بعد محاكمة الهيشري... «الجنائية الدولية» تُعيد للواجهة ملف الانتهاكات بليبيا

شجّعت قضية الليبي خالد الهيشري الذي يحاكم أمام «الجنائية الدولية» بتهم «ارتكاب جرائم حرب» على المطالبة بفتح مسار شامل يحاسب كل المتورطين في انتهاكات.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا الهيشري المتهم بارتكاب «جرائم حرب» (الجنائية الدولية)

المدعون بـ«الجنائية الدولية» يطالبون بتأكيد 17 تهمة ضد الليبي الهيشري

أكدت نائبة المدعي العام لـ«الجنائية الدولية» نزهة خان أن قضية الليبي الهيشري تمثل «محطة مفصلية بمسار العدالة لمحاسبة المشتبه بارتكابهم جرائم في ليبيا»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شؤون إقليمية وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش (د.ب.أ)

سموتريتش: «الجنائية الدولية» طلبت إصدار مذكرة توقيف ضدي

قال وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، اليوم الثلاثاء، إنه أُبلغ بأن المحكمة الجنائية الدولية قدمت طلبا لإصدار مذكرة توقيف بحقه.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية مبنى «المحكمة الجنائية الدولية» وشعارها على لافتة في لاهاي (أ.ف.ب)

«الجنائية الدولية» تنفي إصدار مذكرات توقيف جديدة بحق مسؤولين إسرائيليين

نقلت صحيفة «هآرتس» عن مصدر دبلوماسي قوله إن المحكمة الجنائية الدولية أصدرت أوامر اعتقال سرّية بحق عدد من المسؤولين الإسرائيليين.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

القاهرة تُحضّر لاستضافة اجتماع «الآلية الرباعية» بشأن «حرب إيران»

وزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان خلال لقاء لبحث مسار المفاوضات الأميركية - الإيرانية (الخارجية المصرية)
وزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان خلال لقاء لبحث مسار المفاوضات الأميركية - الإيرانية (الخارجية المصرية)
TT

القاهرة تُحضّر لاستضافة اجتماع «الآلية الرباعية» بشأن «حرب إيران»

وزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان خلال لقاء لبحث مسار المفاوضات الأميركية - الإيرانية (الخارجية المصرية)
وزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان خلال لقاء لبحث مسار المفاوضات الأميركية - الإيرانية (الخارجية المصرية)

تستعد مصر لاستضافة الاجتماع الرابع «للآلية الرباعية» بشأن الحرب الإيرانية، وتضم السعودية، ومصر، وتركيا، وباكستان، خلال الفترة المقبلة، وذلك استكمالاً للمشاورات المشتركة التي تهدف إلى خفض التصعيد في المنطقة.

وناقش اتصال هاتفي لوزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره الباكستاني محمد إسحاق دار الترتيبات الجارية لاستضافة القاهرة الاجتماع الرابع للآلية الرباعية «لمواصلة التشاور المشترك، وتعزيز الجهود الرامية لخفض التصعيد»، بحسب بيان صادر عن وزارة الخارجية المصرية الخميس.

وأكد الوزيران حرصهما على «مواصلة التنسيق الوثيق بين الدول الأربع في ظل التطورات الخطيرة التي تشهدها المنطقة»، كما ناقشا الجهود الرامية لدعم المسار التفاوضي الأميركي–الإيراني.

وانعقد الاجتماع الأول للآلية الرباعية في العاصمة السعودية الرياض في 20 مارس (آذار) الماضي، فيما استضافت باكستان الاجتماع الثاني في 29 مارس، واستضافت مدينة أنطاليا التركية في 17 أبريل (نيسان) الاجتماع الثالث، وذلك على هامش فعاليات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي».

وبحث آخر اجتماع لـ«الرباعية» سبل تعزيز التنسيق المشترك إزاء التطورات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، ومتابعة مسار المفاوضات الأميركية-الإيرانية، ومواصلة الجهود المشتركة لخفض التصعيد، واحتواء التوتر، لتحقيق التهدئة لاستعادة الأمن والاستقرار للمنطقة، فضلاً عن مستقبل النظام الإقليمي بعد انتهاء الحرب الحالية.

وضم الاجتماع وزراء الخارجية: المصري بدر عبد العاطي، والسعودي الأمير فيصل بن فرحان، والتركي هاكان فيدان، والباكستاني إسحاق دار.

وتبادل الوزراء التقييمات بشأن تداعيات الحرب على الاقتصاد العالمي، وسبل احتواء التداعيات على حركة الملاحة الدولية، وسلاسل الإمداد، والأمن الغذائي، وأمن الطاقة، وأسعار النفط، وسبل التغلب عليها.

واتفق الوزراء على مواصلة التنسيق والتشاور الوثيق خلال المرحلة المقبلة، ومواصلة بذل الجهود لإنجاح مسار المفاوضات، بما يسهم في خفض التصعيد، واستعادة الهدوء، والأمن، والاستقرار للمنطقة، وفقاً لبيان صادر عن الخارجية المصرية في ذلك الحين.

وصرح السفير تميم خلاف، المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية، بأن وزيري الخارجية المصري والباكستاني تبادلا خلال الاتصال الأخير الرؤى حول مستجدات الأوضاع الإقليمية، وأكدا أهمية مواصلة الجهود السياسية والدبلوماسية الرامية إلى احتواء التصعيد الراهن في المنطقة، وضرورة استكمال المسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران، للتوصل إلى تفاهمات توافقية تؤدي إلى خفض التوتر، وإنهاء الحرب، ودعم الاستقرار الإقليمي.

كما أكدا «أهمية مواصلة الجهود المشتركة لإعطاء الأولوية للحلول الدبلوماسية، لتجنب اتساع نطاق الصراع، واحتواء التصعيد الراهن في ظل ما أسفرت عنه الحرب من تداعيات أمنية واقتصادية وجيوسياسية خطيرة على المنطقة، والعالم»، بحسب بيان الخارجية المصرية.


مصير «الخبز الشعبي» يشغل المصريين مع قرب إلغاء «الدعم العيني»

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي (مجلس الوزراء)
TT

مصير «الخبز الشعبي» يشغل المصريين مع قرب إلغاء «الدعم العيني»

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي (مجلس الوزراء)

لا يتوقف الجدل في مصر حول منظومة الدعم مع إعلان الحكومة نيتها إلغاء «الدعم العيني» الذي يعتمد على صرف سلع بعينها، وتطبيق «الدعم النقدي» الذي يعتمد على تحديد مخصصات مالية شهرية للمستفيدين، وسط مخاوف بشأن مصير منظومة «الخبز المدعم» مع تضارب التصريحات الحكومية حول طريقة صرفه.

ويستفيد من «الخبز المدعم»، أو ما يُعرف باسم «الخبز الشعبي»، نحو 70 مليون مواطن وفقاً لآخر تقديرات حكومية في عام 2022. ورفعت الحكومة سعره قبل عامين لأول مرة منذ ثلاثة عقود، ومنذ ذلك الحين تُثبت سعره بعشرين قرشاً (الدولار يساوي 52 جنيهاً تقريباً)، وتوفر الدولة حالياً حصة يومية تبلغ خمسة أرغفة لكل فرد مسجل على البطاقة التموينية.

وفي حين أكد برلمانيون أن «الخبز المدعم» سيظل خارج أي مناقشات تتعلق بإعادة هيكلة الدعم ولا مساس به، ذهب ماجد نادي، نقيب «بدّالي التموين»، وهم تجار يصرفون الدعم العيني للمواطنين، إلى تأكيد أن المنظومة الجديدة تقترح دمج منظومتَي السلع والخبز في محفظة مالية رقمية واحدة تُخصص للمواطن على بطاقته، وتُحتسب بالأسعار الحرة للسلع، وفقاً لما ذكرته صحف محلية.

وتساءل مغردون على مواقع التواصل عن مصير «الخبز المدعم» مع قرب التحول إلى «الدعم النقدي»، واعتبروا أنه بمنزلة سلعة أساسية لمحدودي الدخل يجب عدم الاقتراب منها. وقال آخرون إن الحكومة يتعين عليها الفصل بين الدعم الذي تقدمه لسلع أساسية، مثل الزيت والسكر وغيرهما، وبين الخبز الذي لا يمكن الاستغناء عنه يومياً.

أحاديث متضاربة

تُعد مصر من أكبر مستوردي القمح في العالم، ويعود السبب الرئيسي في ذلك إلى الحاجة الماسة لتوفير «الخبز المدعم»؛ إذ تستهلك منظومة الدعم وحدها ملايين الأطنان.

وأكد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي الأسبوع الماضي «بدء تطبيق منظومة الدعم النقدي» في بلاده «اعتباراً من العام المالي المقبل، الذي سيبدأ في يوليو (تموز) العام الحالي»، وقال إن «النظام المقترح يعتمد على تقسيم المستحقين للدعم إلى شرائح وفقاً لمستوى الاحتياج الاقتصادي والاجتماعي»، لكن دون أن يوضح مصير الخبز وإمكانية فصله عن باقي السلع من عدمها.

مواطن يطلع على أسعار السلع بأحد المنافذ الحكومية الشهر الماضي (صفحة وزارة التموين على «فيسبوك»)

وكيل لجنة القوى العاملة بمجلس النواب المصري، إيهاب منصور، قال لـ«الشرق الأوسط» إن التصريحات الحكومية بشأن مصير «الخبز» متضاربة، وهو ما يخلق حالة من «البلبلة»، ما يجعل هناك ضرورة لإصدار بيانات رسمية بشأن خطة التحول إلى «الدعم النقدي»، مشيراً إلى أن «الخبز الشعبي» يجب أن يكون بعيداً عن أي تصورات لإصلاح منظومة الدعم؛ فـ«هو وجبة أساسية لملايين المواطنين الذين يحتاجونه يومياً».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «فكرة الانتقال إلى الدعم النقدي جيدة، لكن الأزمة تكمن في التنفيذ، بخاصة مع الحديث عن إتاحة بطاقة رقمية يجري من خلالها صرف السلع مقابل المبالغ المالية المحددة لكل أسرة، وقد تصطدم بصعوبات مثل التي تواجهها منظومة التحول الرقمي، والتي تسببت في أزمات مختلفة مؤخراً عند صرف المعاشات».

ولم تتجه الحكومة بعدُ إلى البرلمان لمناقشة مقترحها الجديد.

وأمام مجلس النواب ثلاثة أسابيع قبل إجازته الصيفية التي تمتد إلى أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، وكان من المفترض مناقشة المنظومة الجديدة تحت قبة البرلمان بحسب وعود حكومية سابقة، حسبما ذكر منصور.

شرائح المستحقين

وسبق أن أشار مدبولي إلى أن المقترح الجديد لنظام الدعم النقدي سيعتمد على «تقسيم المستحقين إلى عدة شرائح وفقاً لمستوى الاحتياج الاقتصادي والاجتماعي»، وقال إن «الفئات (الأكثر احتياجاً) ستحصل على أعلى قيمة من الدعم النقدي، في حين تحصل الشرائح (الأقل احتياجاً) على مبالغ أقل وفق نظام تدريجي يحقق العدالة في التوزيع».

وأكد مدبولي أن هدف حكومته هو «توجيه الجزء الأكبر من الدعم للفئات (الأشد احتياجاً)، بما يضمن تحقيق أكبر أثر اجتماعي ممكن من الأموال التي تخصصها الدولة لهذا الملف».

اجتماعات حكومية لتطوير منظومة الدعم في مصر (مجلس الوزراء)

وذكر وكيل اللجنة الاقتصادية في مجلس النواب المصري، أيمن محسب، في تصريحات تلفزيونية، مساء الأربعاء، أن الخبز «يمثل أحد أهم عناصر شبكة الحماية الاجتماعية في مصر؛ ولذلك سيظل خارج أي مناقشات تتعلق بإعادة هيكلة الدعم»، مضيفاً أن المساس به غير مطروح ضمن التصورات الحالية للإصلاح.

وتُطبِّق الحكومة منذ عقود طويلة منظومة تموينية لتوزيع السلع الأساسية بأسعار مدعومة، بما في ذلك الخبز والزيت والسكر، وتُصرَف شهرياً من خلال «بطاقات التموين».

وقالت عضوة مجلس الشيوخ، أمينة النقاش، إن رغيف الخبز شهد تغيرات في وزنه ومكوناته، ولم يعد كما كان معهوداً في السابق، وعدَّت ذلك «مقدمة لما قد يشهده الفترة المقبلة من تقليص في قيمة دعمه».

وأضافت في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «ملايين الأسر تواصل بكفاح مرير حياتها اليومية للاستفادة من الخبز المدعم وغيره من السلع المتاحة على البطاقات التموينية، ومتخذ القرار المصري بحاجة لمراجعة التوجه الحالي نحو تطبيق الدعم النقدي الذي سيؤدي إلى تقليص الدعم مستقبلاً، وصولاً إلى إلغائه كلياً، كأحد اشتراطات صندوق النقد الدولي».

وتنفذ مصر برنامجاً للإصلاح الاقتصادي مع صندوق النقد الدولي منذ سنوات، وتؤكد الحكومة أن البرنامج الحالي سينتهي بنهاية ديسمبر (كانون الأول) المقبل، وترى أنها ليست بحاجة إلى برنامج جديد مع «الصندوق».

ورفعت الحكومة قيمة الدعم والحماية الاجتماعية في الموازنة الجديدة للدولة، التي ستطبَّق بداية من يوليو المقبل، إلى 832.3 مليار جنيه، وفق وزارة المالية.


مشاجرات مصريين مع الوافدين... ضغوط اقتصادية أم خلافات عابرة؟

«الداخلية» المصرية توقف سيدتين عقب اشتباكات بين وافدين ومصريين في المترو (وزارة الداخلية)
«الداخلية» المصرية توقف سيدتين عقب اشتباكات بين وافدين ومصريين في المترو (وزارة الداخلية)
TT

مشاجرات مصريين مع الوافدين... ضغوط اقتصادية أم خلافات عابرة؟

«الداخلية» المصرية توقف سيدتين عقب اشتباكات بين وافدين ومصريين في المترو (وزارة الداخلية)
«الداخلية» المصرية توقف سيدتين عقب اشتباكات بين وافدين ومصريين في المترو (وزارة الداخلية)

كثيراً ما تتباهى السلطات المصرية بأنها تعامل الوافدين الأجانب معاملة المواطنين نفسها من دون تمييز، من حيث تمتعهم بالخدمات نفسها وبحرية التنقل والعمل والسكن، بل وتحصينهم ضد الأوبئة والأمراض؛ لكن مشاجرات تقع بين الحين والآخر مع مواطنين مصريين تشعل جدلاً حول «حقوق اللاجئين»، مدفوعة بشعور البعض بأنهم «يشكلون ضغطاً متزايداً على موارد مصر المحدودة».

بعض هذه المشاحنات وقع داخل مترو الأنفاق، وكان بعضها بسبب أولوية الجلوس، واستدعى الأمر، في بعض الحالات، تدخل الشرطة.

وفي أحدث هذه الوقائع، أعلنت الشرطة المصرية، الخميس، القبض على أجنبي، يبدو من أصول أفريقية، لـ«تعديه على مجند يرتدي الملابس العسكرية بالسب»، وذلك عقب تداول مقطع مصور على مواقع التواصل الاجتماعي تضمن مشادة كلامية بينهما. وقال بيان الداخلية إن «النيابة العامة تولت التحقيق».

توقيف أجنبي عقب اشتباك مع مجند مصري بمترو الأنفاق (الداخلية المصرية)

وقبل يومين، أعلنت «الداخلية» توقيف سيدتين إثر مشادة داخل المترو مع ربة منزل وشقيقتين على أولوية الجلوس، ومحاولة السيدتين الموقوفتين التعدي بالضرب على الطرف الآخر باستخدام النعال.

ولم تذكر الداخلية جنسية السيدتين الموقوفتين، لكن مقطع المشاجرة الذي انتشر عبر مواقع التواصل، مع تعليق صوتي من صاحبته، يرجح أنهما سودانيتان. وانتقدت صاحبة المقطع سماح الحكومة بقدوم الوافدين، وسط تفاعل واسع وانتقادات لكثرة الوافدين واستنزافهم لموارد الدولة وخدماتها.

وانتشر مقطع لواقعة أخرى، الثلاثاء الماضي، يتضمن مشاجرة داخل عربة السيدات في المترو بين مصريات وأفريقيات، حيث تشابكن بالأيدي وسط حالة من الزحام الشديد داخل عربة المترو.

سودانيتان تتجولان في شارع فيصل بمحافظة الجيزة (الشرق الأوسط)

«ضغط الأوضاع»

تحدث الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في مناسبات عدة، أحدثها خلال لقائه الأمين العام لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ماتياس كورمان، في مايو (أيار) الماضي، عن «دمج» اللاجئين والوافدين في المجتمع «دون استغلال مصر لذلك في تحقيق أهداف سياسية».

ويقول عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان في مصر، أيمن زهري، إن للوافدين على أرض مصر «كل الحقوق التي يتمتع بها المصريون، عدا الحقوق السياسية، بموجب الاتفاقيات الدولية التي وقّعت عليها مصر».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «المشاعر السلبية لدى جزء من المجتمع تجاه الوافدين قد تكون بسبب ضغط الأوضاع الاقتصادية أو الاجتماعية، لكنها تظل حالات فردية».

ويرجع الباحث في علم الاجتماع، عصام فوزي، استياء بعض المصريين من الوافدين إلى «ظروف استثنائية تمر بها مصر من حيث ارتفاع الأسعار وتراكم الأزمات، وتبني البعض نظرية أن الوافدين هم سبب الأزمات، رغم أن ذلك ليس صحيحاً».

ويشكو مسؤولون مصريون من «تواضع» الدعم الدولي لمصر في ملف اللاجئين، مطالبين بتكثيف الجهود الدولية لضمان التفعيل المُنصف والمُستدام لمبدأ تقاسم الأعباء والمسؤوليات.

وتشير التصريحات الرسمية إلى أن مصر بها أكثر من عشرة ملايين وافد، يُطلق عليهم «ضيوف مصر»، بين مهاجرين ولاجئين وطالبي لجوء، وأنهم يكلفون الدولة عشرة مليارات دولار سنوياً.

لقطة من مقطع فيديو لمشاجرة بالمترو في القاهرة (متداولة)

وحذر فوزي من «تنامي العداء ضد اللاجئين في مصر والذي من شأنه التأثير سلباً سواء في التزاماتها الدولية أو في الصورة الذهنية العالمية عنها، المرتبطة بالترحيب بالضيوف وحسن الاستقبال»، معتبراً أن «الحوادث الفردية الأخيرة هي نتاج طبيعي لحالة الشحن التي يمارسها البعض على الفضاء الإلكتروني تجاه اللاجئين».

وتنتشر منذ شهور حملات إلكترونية تطالب بترحيل اللاجئين عن مصر، في مقابل حملات أخرى ترحب بهم.

الصورة العامة «إيجابية»

تُقدَّر أعداد اللاجئين وطالبي اللجوء في مصر لدى مفوضية اللاجئين بمليون و98 ألف شخص من 60 جنسية مختلفة بنهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي، يتَصدَّرهم السودانيون بواقع 834 ألفاً و201 طلب، ثم السوريون بواقع 123 ألفاً و383 طلباً.

ويرى باحث الأنثروبولوجيا، وليد محمود، أن المشاحنات الأخيرة ترجع إلى «سلبيات لدى الطرفين؛ فبعض المواطنين قد يوجهون أحكاماً عامة أو انتقادات غير مبررة للأجانب نتيجة الضغوط المعيشية، بينما قد يفتقر بعض الوافدين أحياناً إلى معرفة العادات المحلية أو قواعد التعامل في الأماكن العامة، ما يخلق سوء فهم يمكن أن يتطور إلى مشادات محدودة».

وتابع في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «الصورة العامة تبقى إيجابية في معظم الأحيان. فالمجتمع المصري معروف تاريخياً بقدرته على استيعاب الوافدين والتعامل معهم باعتبارهم ضيوفاً وأفراداً من النسيج الاجتماعي. كما ساهم العديد من اللاجئين في تنشيط الحركة التجارية وإقامة مشروعات صغيرة وَفَّرت فرص عمل وخدمات جديدة للمواطنين».

سودانيون في محطة رمسيس لاستقلال القطار الخامس للعودة الطواعية (مجلس الوزراء المصري)

وفي مقابل الحملات المناهضة، تنتشر على الجانب الآخر قصص كثيرة تكشف عمق التعايش والعلاقات بين المصريين والوافدين، من بينها ما روته سيدة سودانية، وحاز على تفاعل وانتشار واسع، عن مواقف المصريين معها ومساعدتهم لها في البحث عن طفلتها حين فقدتها في مصر، وكيف تركوا أشغالهم «وتحولوا إلى خلية نحل»، لحين العثور عليها.

ولقيت تدوينة على «فيسبوك» لوافد أوغندي، يدعى عرفات حسين ويدرس في الأزهر، تفاعلاً واسعاً من مصريين يعتذرون له، بعدما ذكر أنه أحياناً يتعرض لمواقف غير لائقة في المترو، بأن «يطلب منه البعض عدم الجلوس»، قائلاً: «أنا أيضاً أدفع ثمن التذكرة مثل أي شخص، وألتزم بالقوانين وأحترم الناس. إذا كان المقعد مخصصاً لشخص يحتاج إليه فعلاً فسأقوم فوراً بكل احترام. لكن لماذا يتم اختيار شخص معين دون غيره؟».

وأضاف: «نحن بوصفنا ضيوفاً أو مقيمين في مصر نحب هذا البلد ونقدّر شعبه».